عنوان المقال : الفصل الثاني - مقومات صناعة التنمية

مقومات صناعة التنمية - الفصل الثاني


الرؤيــــة

جاءني عدد من تجار دبي يوماً وقالوا : طال عمرك، كنا نريد أن نكاشف والدك بأمر مهم لكن الحياء منعنا، ونعرف أنه يحبك ويسمع منك، فقل له رجاءً عندنا ميناء كبير يسد حاجتنا هو ميناء راشد والبلد في ركود ولا طاقة لدبي الآن بميناء أكبر منه مثل ميناء جبل علي الذي يريده والدك.
سمعت منهم ما شجعني على مفاتحة والدي بالأمر فقصدته في منطقة جبل علي فجراً فوجدته على تلة صغيرة يعاين موضع مشروعه التالي. نقلت إليه الرسالة ثم صمت وانتظرت جوابه فنظر إلي ملياً لكنه لم يقل شيئاً، وكان في يده مدواخه فقلبه لحظات، ثم عاد ونظر إلي وأطرق لكنه لم يقل شيئاً، ولم أجرؤ على طلب الجواب مرة أخرى فانتظرت حتى انتهى من عمله وتعمد أن يركب معي في سيارتي. وما أن انطلقنا معاً حتى أراح قدمه على زاوية الباب كعادته ثم قال : (إسمع يا ولدي! لم أجبك لأني لم أشأ أن يسمع المهندسون جوابي لكن سأقول لك الآن إنني أبني هذا الميناء لأنه يمكن ان يأتي يوم لا تقدرون على بنائه).
لم يفكر أحد قبل والدي في تنفيذ مشروع كهذا لكن والدي فكر فيه ونفذه فكيف اهتدى إليه؟ هذا سؤال لا أعرف جوابا مختصرا له، لكن لو حصرت إجابتي بكلمة واحدة لقلت إنها الرؤية. الله في حكمته يقسّم الارزاق والقدرات والمواهب فلدى البعض رؤية لا تتعدى ما يحمله إليه يومه، ولدى غيرهم رؤى ربما طالت عشر سنين أو مئة أو أبعد. لكن من أين للإنسان العادي ان يمتلك رؤية كهذه؟
للقدرات والعواطف امتدادات وجذور ضاربة في الأعماق مثل الشجر الكبير، وإن كنّا لا نعرف أصول الأشياء أو لا نملك القدرة على تفسيرها وتعريفها فهذا لا يعني أنها بلا أصول. يستطيع القائد ان يطور الرؤية وأن يطلق لخياله العنان في صياغتها ويرفع أغصانها عالياً لكن جذورها تظل في الأرض. والدي تشرب القيادة والقدرة على صنع الرؤى من جدي مثلما ورثهما جدي عن أبيه. لا توجد نهاية لمثل هذه الجذور. أنا ابن قبيلة عربية في النهاية وأبناء القبائل يستقون العلم والحكمة وبعد النظر من أهلهم أكثر مما يستقونها من المدارس. قادة كثيرون لم ينتظموا في المدارس فكانت مدرستهم الحقيقية الحياة والمراقبة الدقيقة لكل ما يجري حولهم، وكان مدرسوهم الحقيقيون أبناء عشيرتهم لذا تجدهم يغزلون على منوال أهلهم وتستجيب تربيتهم لتأثير الوسط والمحيط.
وأستطيع القول بأن حكام دبي تمتعوا أباً عن جد برؤية مستقبلية واضحة لدبي لكن رؤية والدي سبقت عصرها لان والدي سبق عصره. كثيرون حوله لم يعرفوا لماذا يريد تنفيذ كل هذه المشاريع العملاقة، وكثيرون حوله كانوا يجدون صعوبة في فهم طموحه. كان، يرحمه الله، يشرف على التجارة والجمارك بنفسه ويسهر على راحة التجار ويحل مشاكلهم. كان يأذن للتجار المواطنين أو الهنود وسائر التجار من الجنسيات المختلفة بدخول ديوانه قبل موظفي الحكومة. وكان يصلي الفجر ويبدأ جولة على المشاريع في المدينة واحداً واحداً للتأكد من حسن سير العمل.
نحن حملنا راية والدنا مثلما حمل هو راية والده قبله ونابعنا المسيرة. كل الفرق أنه كان يقوم بأعمال في الستينات والسبعينات بينما نقوم نحن بأعمال مشابهة في العقود التي بعدها لكن الهدف واحد هو تنمية دبي وضمان مستقبل المواطنين والمقيمين والسهر على راحتهم وأمنهم في بيوتهم ومدينتهم. والدي وقف في حاضره ونظر إلى بوابة الماضي بعين وإلى بوابة المستقبل بعين، ونحن نقف في حاضرنا وننظر إلى ما أنجزه الوالد بعين وإلى بوابة ما نخطط له بعين لذا من يقف اليوم أمام مبنى مركز دبي المالي العالمي وينظر أمامه سيرى هذا التواصل التنموي المدهش عبر بوابة التنمية المتميزة التي تفتح عيون دبي والمنطقة على العالم وتفتح عيون العالم على المنطقة ودبي.
إنها الرؤية، وماذا يمكن أن يكون غيرها؟ والرؤية ليست قالباً ثابتاً فيمكن أن تحمل بعض ملامح الحلم، ويمكن للحلم أن يحمل بعض ملامح الرؤية لكن الرؤية ليست حلماً. الحلم عادة نتاج اللاوعي يأتي الإنسان في منامه أو إغفاءته، لكن الرؤية في العموم نتاج الوعي. هل يمكن ان يكون الحلم رؤية في اللاوعي وان تكون الرؤية حلماً في الوعي؟ هذا شيء لا أستطيع إثباته. هل الرؤية من صنف أحلام اليقظة؟ ربما، وفي حالات بعينها فأنا أحلم أحياناً وعيناي مفتوحتان، لكن حلم اليقظة عادة ليس رؤية ما لم تتوافر فيه خاصية حاسمة.
الرؤية ليست علماً فربما انطبق عليها ما تقدم، أو بعضه، وربما شاء البعض معارضة ذلك، لكن إن لم تكن الرؤية علما فما هي؟ فن؟ موهبة؟ هل تتطور لدى الفرد بمعزل عن المحيط أم أن لها علاقة به؟ هل يتوارثها الابن عن الأب، والأب عن الجد، والجد عمن سبقه؟ هل هي مقصورة على القادة أم بإمكان كل شخص ان تكون له رؤية؟
إذا أبعدنا الصفة العلمية عن الرؤية فربما وجدناها تتضمن جزءاً، أو أجزاء، من كل ما تقدم، لكن الخاصية الحاسمة التي لابد أن تتوافر فيها هي التنفيذ وليس مجرد قابلية التنفيذ. كان فتح القسطنطينية بالنسبة للعرب رؤية واضحة حشدوا لها الجيوش وكرسوا لها الإمكانات واستشهد الألوف من أجل تحقيقها لكن تلك المدينة العظيمة استعصت عليهم فتحولت الرؤية إلى حلم. وكان فتح القسطنطينية بالنسبة للعثمانيين حلماً حتى جاء محمد الفاتح فقلب الحلم إلى رؤية وحشد لها الجيوش وكرس لها الإمكانات فسقطت في يديه.
ما الذي يمكن أن نفهمه من سوق هذه الواقعة؟ نفهم أن قابلية التنفيذ لا تكفي. الرؤى لا تصنع الحضارات ولا تحقق النمو والتقدم ما لم يترجم صاحب الرؤية رؤيته إلى حقيقة خلال وقت مناسب. إن لم يحدث هذا فسيان إن اعتبرها الناس حلماً أو رؤية أو حلم يقظة أو خيالاً أو حتى أضغاث أحلام.
كثيرون يتحدثون عن (رؤية) دبي لكن الحديث يجب ان يكون عن الرؤية التي هي دبي. الرؤية كانت الأساس لكن دبي اليوم واقع ملموس. هذا لا يعني ان الرؤية أخذت صورتها النهائية أو أننا وصلنا إلى نهاية الطريق لأننا لا نزال في بدايته رغم كل شيء. صحيح أن الرؤية ليست عالماً لكنها ليست شيئاً مجرداً. إنها امتداد حي لصاحبها، تنبض بالحياة مثله وتكبر معه وتنضج بنضوجه وتتسع باتساع أفقه وتتعمق بتعمق خبرته وتثب فرحا أمام النجاح وترتكس مع الكبوات. التاريخ غير معني بالرؤى أو بأصحابها مالم تتحقق لهذا قلت قبل قليل إن والدي صنع التاريخ لانه نفذ رؤيته وأطلق حركة بناء وتجارة وعمارة لم تعرفها دبي قبله.
والدي علمني شيئاً تعلمته أيضا من المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان ألا وهو التفكير بقهر المستحيل. المستحيل الأول هو قيام اتحاد دولة الإمارات. عندما نفكر في هذا الإتحاد علينا ان نتذكر ظروف الإمارات في تلك الفترة. كان الاقتصاد ضعيفاً والتخطيط محدوداً، وكانت الرعاية الصحية عادية جداً ولم تكن نسبة التعليم كبيرة، وأضف إلى هذا وغيره وجود ضغوط سياسية خارجية، وتشكيك بنجاح هذه التجربة، كان البعض يقول: كيف تنجح هذه التجربة في كيان ليست لديه مقومات الدولة وفي وقت فشلت كل الاتحادات العربية بين دول أكثر رقياً وتطوراً ونضجاً من الإمارات؟
الرقي والتطور والنضج لا علاقة لها بفشل تلك التجارب. كانت النظم الإدارية العربية في تلك الفترة فاشلة فأفشلت جهود الوحدة بين حكوماتها. قيام اتحاد الإمارات علمني وجود شيء اسمه العزيمة ووجود شيء اسمه التصميم. علمني ان هناك قادة لا يحبون كراسي الحكم بل مصلحة شعوبهم لذا لم ينته الاجتماع الذي عقده المرحوم الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان حاكم أبوظبي آنذاك مع والدي المرحوم الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم حاكم دبي آنذاك أيضاً في السمحة بين أبوظبي ودبي في 18/2/1968 إلا وكانا اتفقا على إعلان اتحاد يضم الإماراتين كنواة لاتحاد أشمل، وما ان حلت نهاية العام 1971 حتى كان الإعلان التاريخي عن قيام دولة الإمارات العربية المتحدة والبدء بسريان الدستور المؤقت وتنصيب الشيخ زايد رئيساً للاتحاد.
المستحيل الثاني كان مشروع جبل علي. هذا المشروع الذي لم يستغرق بناؤه سوى سنتين فقط كان في عام 1979 مشروعاً سابقاً لأوانه. إنه مشروع خرافي قياساً إلى إمارة دبي الصغيرة، ولا أعتقد بوجود دار استشارية كانت ستضع له الجدوى الاقتصادية. لو كنت قلت لمستثمرين كبار : هذه منطقة اسمها جبل علي، وهي، كما ترون، منطقة نائية لا ماء فيها ولا شجر ولا بشر وأريد ان أبني عليها أكبر ميناء صنعه الإنسان في العالم مع أن في دبي أكبر ميناء في الشرق الأوسط هو ميناء راشد الذي يضم 35 رصيفاً، فهل كان المستثمرون سيوافقون على توظيف مئات الملايين من الدولارات في مشروع مثل هذا؟ سيقولون أن هذا المشروع مستحيل. لماذا مستحيل؟ لأن العالم كان يمر آنذاك بفترة ركود عميق. كنا قبل سنتين أو ثلاث سنوات من ذلك التاريخ نرى 300 أو 400 سفينة راسية في عرض البحر تنتظر دورها لتفريغ حمولاتها ثم اختفت كل تلك السفن بسبب الركود.
ولماذا ايضا؟ لأن المعتاد ان يذهب الناس بالميناء إلى البحر، لكن والدي كان يريد ان يأتي بالبحر إلى الميناء عبر المساقات المناسبة لغواطس السفن إلى الأرصفة. كثيرون انتقدوا والدي على التفكير في تنفيذ هذا المشروع في تلك المنطقة التي تقع على بعد 35 كيلومتراً جنوب غربي دبي وفي تلك الفترة بالذات لأسباب بدت لهم منطقية جداً، وكثيرون توقعوا للمشروع الفشل، لكن والدي رأى المشروع في إطار رؤية متأصلة تكاد تكون فطرة فنفذه رغم كل شيء وحرك إمارة دبي وصنع شيئاً عظيماً من لا شيء.
لا أريد الإطالة في الحديث عن المستحيلات التي قهرها المرحوم الشيخ زايد ووالدي المرحوم الشيخ راشد خلال بناء الاتحاد، لأن الشواهد موجودة في كل أنحاء الدولة وعلى كل المستويات لذا سأكتفي بالقول إنهما أخبر من عرفتهم بتذليل العقبات وقهر المستحيلات وترجمة الرؤى إلى واقع أوصل الإمارات إلى المكانة الرفيعة التي تحتلها اليوم، ولا عجب إذا في أنهما مثالاي الأعليان.

تأصيل الرؤية
الرؤية الأصيلة ليست رؤية المنام بل رؤية المستقبل لذا ينبغي على القائد أن يتمسك برؤيته انطلاقاً من قناعته التامة بأنه يرى في المستقبل مالا يراه الآخرون حوله، وأن رؤيته ستحقق الأهداف المرسومة لها. لكن على القائد في الوقت نفسه أن يتقبل انتقاد رؤيته وأن يكون مستعداً للدفاع عنها وإقناع الآخرين بصوابها وجدواها وتذليل كل الصعاب التي يمكن ان تعترض طريق تنفيذها.

1- مقومات الرؤية القيادية الصحيحة :
يجب ان تقوم الرؤية على مصالح محددة وتجيب عن أسئلة مهمة :
أ- ما هي مصلحة البلد في هذه الرؤية؟ ما هي مصلحة المجتمع؟ ما هي مصلحة قطاع الأعمال؟ من سيستفيد منها وكيف؟ كيف يمكن ان تدعم هذه الرؤية الجهود وتكمل الإنجازات التي تحققت نتيجة تنفيذ الرؤى الأخرى؟
ب- هل هي رؤية قائمة استناداً إلى خطط معينة أم أنها خبط عشواء لا علاقة لمرحلة تنفيذية خاصة بها بالمرحلة الثانية؟
جـ- هل هي واقعية قابلة للتنفيذ ام خيالية تستعصي على التنفيذ مهما تكن قوة الإرادة وتكريس الموارد المالية والبشرية لتنفيذها؟ مثلاً بناء مجمعات عقارية وسياحية عملاقة مثل جزر النخلة وجزر العالم في البحر يتطلب إمكانات كبيرة، وربما عجزت عنها دول أكبر منا، لكن هناك فرقاً كبيراً بين بنائه في الإمارات وبنائه في كوكب زحل!
د - ما هو التوقيت الأمثل لطرحها؟
هـ- ما هي أفضل الطرق لتنفيذ الرؤية؟
و - هل يتوافر فريق العمل الذي سينفذ الرؤية؟ من سيضم، ومن أين سنحصل على المهارات التي يتطلبها تنفيذ الرؤية؟
ز - ما هي مصادر تمويل الرؤية؟
ح - ما هي عناصر خطة إقناع المستثمرين بالمشاركة في تمويل الرؤية؟
ط - ما هي عناصر تسويقها بعد تنفيذها، ولمن سنسوقها، وأين، ومتى؟

2- مواصفات الرؤية القيادية الصحيحة :
أ- أن تجسد الامتياز في الشكل والمضمون والتنفيذ.
ب- أن تكون عناصرها ومحاورها مشبعة بالخيال.
جـ- أن تتسم بالشمولية واتساع الأفق.
د - أن تكون واضحة لأن وضوحها يسهل تطبيق أهدافها.
هـ- أن تتضمن قدراً مناسباً من التحدي ليس لفريق العمل فقط بل لكل أفراد المجتمع.
و - أن يكون لطرحها وقع المفاجأة.
ز - أن تثير العزائم وتشحذ الهمم وتضرم الإبداع والمبادرة في الناس وتحيي في نفوسهم الرغبة في المنافسة.
ح - أن تنأى عن سهولة التنفيذ فتقترب من حدود المستحيل دون أن تصل إليه.
ط - ألا يطرحها القائد قبل أن تختمر في ذهنه ويستكمل بلورتها وربط عناصرها.
ي- أن تكون الفائدة منها عامة والخير شاملاً وألا يكون محصورا بفئة، أو فئات محددة من الناس.
ك - أن تكون إيجابية وأن تعزز تفاؤل الناس بالقائد وبالمستقبل وببعضهم بعضاً، وتقوي ثقتهم بوطنهم وقيادتهم وتعمق انتماءهم الوطني والقومي.

3- تنفيذ الرؤية القيادة الصحيحة، ويتضمن :
أ- خطة العمل : الرؤية بالنسبة لي بوابة إلى خطة عمل متكاملة من ألفها إلى يائها ومقسمة إلى مراحل عدة لكل منها مدة تنفيذ محددة خاصة بها. عندما أقدم رؤيتي لمشروع معين يجب أن تكون رسالتي واضحة لجميع المعنيين بتنفيذها : هذه هي رؤيتي، أريد تنفيذها بالصورة الآتية وخلال هذه المهلة المحددة، وأريد من هذا المشروع تحقيق هذا الهدف وذاك والآخر، وأريده ان يعمل بهذه الطريقة، وهذا هو عدد الشركات التي ستساهم فيه، وهذا هو فريق العمل الخاص بالمشروع، وها هي مصادر التمويل، وهذا ما أتوقعه منه بعد تنفيذه فاستعدوا جميعاً وابدأوا العدو لتحقيقه على بركة الله.
ب- مراحل العمل : إن معرفة كل مرحلة من مراحل الرحلة في الطريق إلى تنفيذ الرؤية حاسمة، لكن يجب على القائد ان يعرف وجهته النهائية. نحن لا نركب السيارة ونقودها في الشوارع من دون ان نعرف إن كنا نريد ان نقصد العين أو ابوظبي. الطريق إلى ابوظبي يعني دخول شارع محدد. الوجهات الأخرى لها طرق أخرى يجب ان أعرفها مسبقاً.
جـ- حشد الطاقات : التحدي الأكبر الذي يواجه القائد هو دفع جميع المعنيين بتنفيذ رؤية معينة في اتجاه تحقيق هذا الهدف المشترك وحشد كل الجهود والطاقات لتحقيق نجاحها. رؤيتي ليست حلماً بحيث تكون مهمتي هي أن أراه في منامي ومهمة الآخرين تحقيقه لي. لا يمكن ان أقعد في مكتبي وانتظر معجزة تحقق رؤيتي. هذا يتطلب عملاً جماعياً منظماً على أعلى درجات الدقة والالتزام. إن مبدأ جماعية العمل ينطبق على الرؤية المحددة التي تتضمن مشروعاً محدداً لكنه ينطبق في صورة أعم وأشمل بكثير على الرؤية الأعم والأشمل. فمثلاً عندما قدمت رؤيتي لجعل دبي المركز العالمي المفضل للمال والأعمال خلا النصف الأول من القرن الواحد والعشرين طلبت من سائر الدوائر والمؤسسات الحكومية والمعنيين بتنفيذ هذه الرؤية التكاتف والعمل معاً كل في مجاله لتحقيق هذه الرؤية وجعلها حقيقة واقعة وطرحت عليه الأسئلة الآتية : كم دائرة لديها خطة استراتيجية مستقبلية؟ هل توجد رؤية لكل دائرة؟ هل تم تحديد عوامل النجاح والأهداف المستقبلية لكل دائرة؟ هل شارك الموظفون في تحديد ذلك أو على الأقل هل تم تعريفهم برؤية الدائرة ورسالتها؟ لكن تحديد إطار العمل شيء والبدء به شيء آخر لذا لم أكتف من جميع الحاضرين بإعداد خطة استراتيجية مستقبلية تحديد الرؤية وعوامل نجاحها وأهدافها المحددة خلال مهلة معينة فقط، بل عرض كل الخطط بعد استكمالها علي شخصياً خلال مهلة معينة تمهيداً لدراستها وتعديلها واستكمال نواحي النقص فيها قبل إقرارها وتنفيذها كجزء مكمل للرؤية.
د - فريق العمل : إن اختيار الفريق من المتميزين والناجحين والمبدعين والمتحلين بروح المبادرة لتنفيذ رؤية معينة هو من أقصر الطرق إلى النجاح.
هـ- التوقيت : وضع الخطط المستكملة الكاملة لا يعني شيئاً على الإطلاق ما لم توضع هذه الخطط موضع التنفيذ وفق جدول زمني صارم. يجب على القائد أن يحدد فترة معلومة لتنفيذ كل رؤية بذاتها وكل مرحلة من مراحل الرؤية أو الرؤى التي يريد تحقيقها. رؤيتي ليست مشروعاً ذا مدة مفتوحة لتنفيذها، وأنا لست صاحب الرؤية الوحيد في العالم. كثيرون عندهم رؤى ربما كانت أكبر من رؤيتي وتمويل أكبر من التمويل المتاح لي، والطريقة الوحيدة لكي أنقل رؤيتي إلى الواقع هي تنفيذها قبل غيري. الفرق الأهم في النهاية بين رؤيتي ورؤية الآخرين أنني استطيع تنفيذ الرؤية وهم ربما لا يستطيعون. التوقيت حاسم ايضا لمرحلة أخرى هي التسويق، لذا فإن موعد التسليم بالغ الاهمية ويجب الالتزام به مهما تكن الظروف.

صناعة التنمية
كيف نسابق بحصان في ميدان السباق من دون راكب؟ الرؤية سباق هدفه النهائي الفوز في معركة ضارية بلا قتال هي التنمية. التنمية اليوم ليست توجهاً بل صناعة قائمة بذاتها. وبما أنني اعتبرها صناعة لابد أن يكون لها إنتاج ولابد أن يكون لهذا الانتاج عناصر معينة. أول عناصر هذا الانتاج هو الرؤية. القائد الناجح هو الذي يطرح الرؤية ويقرر أهدافاً محددة لها، ويرسم مسار تطورها التنموي ويشرف على تنفيذها. الإخفاق في تحديد هذه الأهداف وعدم متابعة تنفيذها وصفة حقيقية للفشل في تحقيق التنمية. حتى لو اشتركنا في السباق بأفضل جواد في العالم علينا ألا نتوقع الفوز إن لم نجد الراكب الذي يوجه الجواد نحو النجاح لذا فإن الرؤية وتحديد أهدافها وعوامل نجاحها عناصر أساسية لضمان نجاح الدولة في تطوير أدائها وتحسين خدماتها والاستجابة الفعالة للتطورات المستقبلية بهدف نهائي هو خدمة الشعب ورفع راية الوطن عالياً في كل مكان. هذا هو الإنتاج الذي أتوقعه من صناعة التنمية. إنه ليس رغبة أو منّة من جانب القائد أو لفتة أو كرماً بل هو التزام مطلق دائم ينسحب أيضاً على الحكومة وجميع العاملين فيها، وهو يتطلب منهم عملاً دائماً ضمن استراتيجية تنموية محددة لا لبس فيها ولا غموض ولا خروج عن الطريق المرسوم.
وإذا كان تحقيق التنمية واجب الحكومة الاول فهناك واجب لا يقل أهمية يقع على عاتق المواطن والمقيم ألا وهو الاسهام في إنجاح هذه المهمة، وهذا لا يتحقق بالصورة الصحيحة ما لم يشعر كل فرد، مواطناً كان أو مقيماً، بأنه جزء من الرؤية التنموية وبأن له مصلحة في الاسهام في تنفيذها وتحقيق أهدافها.
في دبي جنسيات كثيرة بعض مواطنها الأصلية لم تتوصل بعد إلى الصيغة التي تشيع السلام مع جيرانها، وربما كانت تعيش حال توتر شبه دائم أو تقترب بين الحين والآخر من حال الحرب. الإمارات معنية بإحلال السلام بين سائر شعوب الأرض لأنه لا يمكن للحرب ان تحل مشكلة لا يحلها السلام إلا ما ندر، ولا يمكن للتشنج والتوتر ان يحلا مشكلة لا يحلها الحوار الهادئ.
لكن الإمارات لا علاقة لها بالتوتر والحروب والخصام في مناطق العالم الأخرى. الجميع في دبي موجودون لكسب عيشهم والتسابق على تحقيق التنمية وتعزيز المصالح وبناء الحاضر والمستقبل، ومن يعتقد غير ذلك فإن دبي ليست المكان المناسب له. أعتقد ان كل من يعمل ويعيش في دبي يعي هذه الحقائق ويلتزم بها ويعرف حدوده ومسؤولياته وواجباته لان دبي مدينة سلام وحضارة وتسابق على العمل والانتاج والريادة.
يقولون ان دبي آمن مدينة في العالم. هذا صحيح. الأمن عندنا مستواه عال. عندنا شرطة مثل كل دول العالم لكن وجدوها ليس السبب الأساسي في شيوع هذا المستوى المرتفع من الأمن والطمأنينة. شعبنا هم رجال الشرطة وحماة الأمن. لهم في وطنهم مصالح ومنافع وحاضر ومستقبل لذا تجدهم يحرسون مصالحهم ومصالح أسرهم ويسهرون على رعايتهم ولا يريدون أن يلحق بهذه المصالح أي أذى. ربما ساد التوتر علاقات بعض الدول وربما اقتربت من الحرب السافرة لكن مواطني تلك الدول جيران وزملاء وأصدقاء في دبي يتعايشون بسلام وتجانس لان هذا شرط أساسي لحماية مصالحهم.
دبي تحتاج جهود وإبداع ومساهمة كل من يعيش فيها. من له نصيب في حاضر دبي سيكون له نصيب في مستقبلها لكن عليه أن يصون الحاضر ويعمل لمستقبله الذي هو مستقبل دبي أيضاً. إن لم يفعل ذلك فدبي ليست المكان المناسب له، وستجد دائماً بعون الله وتوفيقه من يصنع مستقبلها ويعزز مكانتها.
من يعيش في دبي ولا يملك شيئاً من خير الله في دبي فهناك خطأ يجب تصحيحه : إما لأن هذا الشخص من الذين يحبون التنعم بشمس الصباح وهم في فراشهم، أو أن شمس التنمية في دبي لم تسقط أشعتها بعد على الجميع. إذا كان هذا الشخص من الأصحاب الاقوياء ولم يشترك في السباق مع الآخرين في الصباح فدبي ليست المكان المناسب له. في المجتمع دائماً من يحتاج إلى المساعدة وهؤلاء سيتلقونها لكن على الباقين أن يستيقظوا مبكرين ويسابقوا ويتاجروا ويصنعوا وينتجوا ويبنوا ويربحوا لأن دبي كلها تستيقظ مبكرة وتسابق وتتاجر وتصنع وتنتج وتربح في بيئة تسودها المنافسة الإيجابية والأمن والأمل.
أعتقد أن توفير هذه البيئة يأتي في مقدمة أهداف أي رؤية تنموية، وأعتقد ان تحقيق الشروط القادرة على توفير هذه البيئة يجب ان يكون على رأس أولويات كل حكومات العالم. لا يكفي ان تقدم الحكومة هذه التسهيلات اليوم بل يجب ان تقدمها غداً وفي السنة المقبلة وبعد عشر سنوات وفي المستقبل. لا يكفي أن تقدم الحكومات التسهيلات التي تلبي حاجات الحاضر بل يجب ان تطور هذه التسهيلات لكي تتجاوب مع متطلبات المستقبل. لا يكفي أن تطور الحكومة هياكل الاقتصاد التقليدي بل يجب ان تضع أسس بناء الاقتصاد الجديد وتعمل على تطوير هياكله القانونية والاقتصادية والتقنية. لا يكفي ان تنظر الحكومة إلى المستقبل بل يجب ان تكون فيه. يجب ان تحاول أن تتوقع التحديات التي سيحملها الغد وتضع الخطط المناسبة لمواجهتها.
المستقبل هو شباب هذا الوطن. إنهم رافعو رايته وبناة اقتصاده وعماد مقوماته، وهم الذين سيواجهون تلك التحديات على أرض الواقع وسيتوصلون إلى المعادلة التي تضمن استمرار التنمية والبناء والاستقرار لهم ولأجيالهم من بعدهم. نجاح شبابنا ليس نجاحاً للإمارات فقط بل هو نجاح لشباب العرب في مكان. إنهم أول المستهدفين بأي رؤية اقتصادية وأي جهد تنموي لذا يجب أن تتضمن الرؤية إعداد الشباب ليس لتتبع خطوات الاقتصاد الجديد أو لمماشاته بل للأخذ بزمامه وقيادة مبادراته.
هذا يقتضي التغيير : التغيير في المناهج، التغيير في التدريب، التغيير في التفكير، التغيير في عمل الحكومة، التغيير في الأولويات، أقول باختصار إن معظم الأدوات المناسبة للاقتصاد الجديد أدوات جديدة يجب إحداث التغيير المناسب للتعامل معها وتحقيق النجاح.
وللنجاح في الأعمال والمشاريع مقومات معروفة، لكن لا شيء يعلو على التخصص في زمن التخصص، والمهنية في زمن المهنية، والتقنية في زمن التقنية. زمننا باختصار هو زمن الأفكار العظيمة القادرة على صناعة المشاريع العظيمة وليس زمن حشو العقول بالمعلومات. مئة مشروع ناجح يمكن ان توفر فرص العمل لعشرات الآلاف وتصنع من المستقبل مكاناً افضل لأبنائنا وبناتنا وكل الأجيال بعدهم.
يجب ان يتعلم شبابنا وشاباتنا على مقاعد الدراسة كل المواد المعروفة، لكن يجب ايضا ان يتقنوا خبرات العمل في الشركات والمشاريع كخطوة أولية في طريق تأسيس الشركات وإقامة المشاريع الناجحة، ويجب ان تتاح لهم الفرصة للتفاعل مع الاقتصاد كخطوة أولية في طريق تطويره وإثرائه. يجب ألا نكتفي بتقديم أفضل المدارس والجامعات والكليات لشبابنا وشاباتنا فقط بل ان نقدم لهم أفضل المؤسسات المتخصصة القادرة على تشجيع المبادرة والابتكار ومساعدتهم على تطوير مهاراتهم في حقول الأعمال والمشاريع، والاسهام في تحويل الأفكار المتميزة إلى مشاريع متميزة، وإعداد الهياكل الاستشارية والاستثمارية والإدارية والتسويقية لإنجاح هذه الافكار.
المسؤوليات التي تقع على عاتق الشباب والشابات رجال وسيدات الأعمال في المستقبل كبيرة، لكن تقع على من هم في موقع المسؤولية مثلنا مسؤولية أكبر هي الأخذ بيد هؤلاء ودفعهم في الطريق الصحيح فبدون التحفيز والتوجيه والرعاية والعناية والحب لا ينمو شجر ولا يزهر ورد ولا يفيض نبع ولا يصنع الشباب المستقبل الذي يليق بهم وبوطنهم وبأمتهم.
إن نجاح الامم بنجاح شبابها، وتحقيق النجاح مسؤولية الجميع لا الحكومات فقط. ستفي الدوائر والهيئات الحكومية بالتزاماتها وستقوم بواجباتها كاملة لكن للقطاع الخاص دوره المتميز في إنجاح هذه المهمة التي تفرد لأبناء وبنات الإمارات دوراً محورياً في عملية التنمية ومسيرة التقدم والتطور.
هذا هو طريقنا إلى المستقبل وهذا هو التوجه العام لرؤيتنا. صناعة التنمية عملية تراكيمة، وصنع المستقبل مهمة لا تنتهي. الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، والشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، طيب الله ثراه، مهدا لنا طريق التنمية والعطاء والإبداع ويجب ان نتابع الطريق نفسه. التنمية امتحان كبير فيه نجاح وفيه سقوط. هذا ينطبق على جميع العاملين في حكومة دبي لكنه ينطبق عليّ أولاً. حققنا الكثير لكننا لا نزال في بداية الطريق فلنمسك بأيدي بعضنا بعضاً وننظر إلى المستقبل ونسير على درب الريادة الذي رسمته لنا قيادتنا.

رابط المقال ::: http://www.alamuae.com/al-maktoum/showtopics-131.html
آل مكتوم حُكام دبي - سيرة وتاريخ
http://www.alamuae.com/al-maktoum