الفصل الرابع
الإدارة
اقترح علي أحد الإخوان مرة تأجيل لقاء خاص ببرنامج دبي للأداء الحكومي المتميز بسبب
الأوضاع الصعبة التي يعيشها الوطن العربي واستمرار العدوان على إخواننا الفلسطينيين،
فقدرت فيه عاطفته ومشاعره الوطنية والإنسانية لكني قلت له إن تلك الأوضاع تجعل
اللقاء أكثر أهمية وتحتم تنظيمه في وقته المحدد. استغرب وسأل : كيف؟ فصرت أشرح له
رأيي وأنا استغرب كيف لم يدرك بعد أن الإدارة هي أبرز أسباب الوضع العربي الراهن؟
لقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلام أنه قال : (يا أبا هريرة ألا أدلك على
كنز من كنز الجنة؟ لا حول ولا قوة إلا بالله، ولا ملجأ من الله إلا إليه). لا أعرف
هذه الأمة منذ بدأت أعي الدنيا حولي إلا وهي في مفترق طرق أو تمر بأوضاع صعبة أو أن
العدوان مستمر عليها أو أن الحرب دهمتها لذا سأقول : لا حول ولا قوة إلا بالله،
فدواء هذه العلل رص الصفوف ونبذ الخلافات الجانبية والارتقاء فوق صغائر الأمور التي
تفرقنا لا الإمعان في التشتت.
يوماً ما ستنتهي الصراعات وسيسترد العرب حقوقهم في كل مكان وستعود القدس إلى
أصحابها وسيرتفع الحصار عن كل العرب وسينعمون بالاستقلال والتحرر وسيتمكنون عندها
من تكريس جهودهم لتحقيق الريادة مرة أخرى. لا أرى شيئاً من هذا يحدث الآن لذا سأقول
مرة أخرى: لا حول ولا قوة إلا بالله، وأضيف : أزمة الأمة العربية اليوم ليست أزمة
مال أو أزمة رجال أو أزمة أخلاق أو أزمة أرض أو موارد. كل هذا موجود والحمد لله
ومعه السوق الاستهلاكية الكبيرة.
إنها أزمة إدارة.
لو كانت الإدارة العربية جيدة لكانت السياسة العربية جيدة. لو كانت الإدارة جيدة
لكان الاقتصاد جيداً والتعليم والإعلام والخدمات الحكومية والثقافة والفنون وكل شيء
آخر. إن لم يتطور الأداء الإداري والمفاهيم الإدارية في كل أشكال العمل ومستوياته
فإننا سنظل نراوح في مكاننا والمراوحة في المكان هي أقصر طريق إلى استمرار التأخير
والتخلف ... والهزائم أيضاً. لم أرى حتى الان جهدا حقيقيا على مستوى العالم العربي
للخروج من هذه الدوامة الإدارية لذا قولوا معي رجاءً : لا حول ولا قوة إلا بالله.
الإدارة الجيدة تتطلب مديراً جيداً. في الوطن العربي من السياسيين ما يسد الحاجة
ويفيض لكننا نفتقد الإداريين المبدعين القادرين على إخراجنا من المآزق المستمرة
التي نعاني منها. حاجة الوطن العربي إلى الخطابة والتصريحات المطولة والكلام المنمق
تكاد تكون لا شيء مقارنة بالحاجة الفورية الملحة للبنائين القادرين على إقامة
المصانع والموانئ والمطارات والمؤسسات التنموية والاقتصادية. هذا يتطلب توافر
الطاقات الإدارية القادرة على حشد الموارد لتحقيق أهداف محددة في فترة زمنية محددة.
الإدارة ليست كلاماً مرسلاً بل علم قائم بذاته. ربما تطلبت معالجات مختلفة لشؤون
مختلفة لكنها في الواقع عملية واحدة في السياسة والاقتصاد والخدمات والرياضة وكل
نشاط آخر، وغرضها النهائي انتقاء السياسات والقرارات المناسبة من بين البدائل
المتاحة وتحويلها إلى أهداف مرحلية يمكن تقييم نتائجها بدقة قياساً على الأهداف
المحددة سلفاً. كل الجهد الإداري يجب أن يكون مكرساً لتحقيق تلك الأهداف وخدمة
المستهدفين بها، وما لم يحدث ذلك فإن الإدارة لن تدير نفسها وستتحول إلى روتين وهدر
وتضييع الفرص والوقت والطاقات والموارد وسنردد كلنا معاً : لا حول ولا قوة إلا
بالله.
جزء من معضلتنا في العالم العربي أن هدف الكثير من القرارات ليس خدمة مصالح الشارع
العربي وتحسين أحواله الاقتصادية والمعيشية بل إرضاؤه والعزف على الكلام الذي يحب
سماعه. هذا ليس الدواء التنموي الذي يحتاجه المجتمع بل المخدر الذي يستمر مفعوله
فترة مؤقتة قبل ان يعود الشعور بالألم إلى صاحبه. قيادتنا في الإمارات علمتنا أن
نعمل لما فيه مصلحة الوطن والشارع. لو أردنا مثالا لقلنا ان العلاقة بين القيادة
والشعب تشبه إلى حد ما العلاقة بين الأب والابن. الأبناء كما يعرف معظم الآباء وأنا
منهم، لا يحبون أحياناً الأوامر أو التوجيه. بعضهم يكره الدراسة، وبعضهم لا يريد
الذهاب إلى المدرسة، وآخرون يريدون التصرف على هواهم. قبول هذا السلوك لا يجعل الأب
أباً جيداً بل العكس. يجب أن يكون الأب جاداً في تعامله مع ابنه إذا كان يريد فعلا
مصلحته. يجب ان يحضه على الدراسة في الوقت المناسب وان يعلمه احترام الذات والأسرة
والآخرين ويوجهه إلى السلوك الأفضل في البيت والمدرسة والشارع. إذا أراد الأب
مساعدة ابنه على الانتقال من مرحلة في حياته إلى أخرى وتحقيق النجاح يجب ان يكون
مستعدا لممارسة الدرجة المناسبة من الحزم لمساعدة ابنه. إذا لحق بطعم هذا الدواء
شيء من المرارة المؤقتة في أفواه البعض فهذا ليس ثمناً باهظاً لضمان جسم سليم. من
منّا لا يريد لابنه أو لمجتمعه الصحة والعافية؟
الانتقال من الدراسة إلى العمل ومن البيت إلى المكتب لا يكشف اختلافاً كبيراً
أحياناً. بعض الموظفين يعيش حياة رتيبة فيفضل العمل الرتيب، والبعض مقل بطبعه
فيرتاح إلى وتيرة العمل البطيئة، وآخر لا يريد ان يتعب عقله بالتفكير فيختار من
المهام أخفها ويلقي على زملائه كبير الأعباء.
لماذا يتصرف مثل هؤلاء بهذه الطريقة في المكاتب والدوائر ومواقع العمل؟ لأنهم
تصرفوا بطريقة مشابهة في البيت والشارع والمدرسة. يمكن ان تدرب الموظفين والعاملين،
ويمكن ان تكسبهم الخبرات المهنية، ويمكن ان توسع أفقهم الوظيفي لكن مكان العمل ليس
بيتا أو شارعا أو مدرسة. إنه مكان مناسب للإنتاج وليس لتعليم السلوك الحسن. مهمة رب
العمل أن يدير عمله لكنه لا يستطيع ان يقوم أيضا بمهمة كان من المفروض على أسرة
الموظف القيام بها. التصحيح هنا ليس مجرد شيء من المرارة المؤقتة في الفم: إنه
العقوبات والحرمان من التقدم الوظيفي وأحياناً الفصل.
ماذا تفعل بهؤلاء؟ كيف تقنعهم بأن العمل من الإيمان، وبأنهم يتلقون راتباً لقاء عمل
معين وليس لقاء التنادم وقراءة المجالات الخفيفة خلال الدوام؟ معظم الناس قادر على
العطاء، وجميعهم يستطيع أن يقدم أكثر مما يقدمه بكثير لذا يجب ان نعود إلى مثال
الأب وابنه ونلجأ إلى الأساليب التي تنتزع مثل هؤلاء من ضجرهم وسأمهم ومللهم
وترهلهم النفساني والمهني ودفعهم في طريق الانتاج والنجاح.
الروتين عدو الريادة ونحن في بداية سباق طويل في اتجاه الريادة ويتطلب تحقيق هذا
الهدف الابتعاد عن الممارسات الروتينية والتفكير دائماً بطريقة إبداعية. من شاء
المشاركة في هذا السباق فليلتزم، ومن شاء غير ذلك فله منا الشكر والحقوق. النشاط
يشد النشاط والكسل يشد الكسل، والعمل متعة وهو طريق النجاح. يجب ألا نخاف من الضغوط
لأنها آتية. يجب ألا نخاف من التحديات لأنها آتية. يجب ألا نخاف من العمل الشاق.
الضغوط والعمل الشاق والتحديات الكبيرة هي التي تصنع الرجال، والألماسة تظل حجراً
ما لم تُصقل وبعدها فقط تصبح كريمة.
ما الذي يصقل الإداري؟ العمل والتجربة والالتزام. لم نصل بعد إلى وجهتنا لذا لا
نستطيع ان نستريح في ظل نجاحاتنا. حتى عندما نصل إلى وجهتنا سنكتشف أنها ليست أكثر
من هدف مرحلي يتطلب الاستمرار في العدو. إذا استرحنا وقمنا لنستأنف العدو سنجد ان
الآخرين سبقونا. إذا غفت العزيمة لأي سبب كان فإن إيقاظها ثانية أمر صعب ومن يعتقد
غير ذلك فعليه ان ينظر حوله في وطننا العربي. يمكن ان نقدم عشرات الأعذار لتبرير
تخلفنا الإداري، ويمكن أن نلوم الظروف أو الآخرين، ويمكن ان نشتكي من عدم توافر
الشروط الموضوعية وخلافها لتحقيق السبق لكننا لن نلوم في النهاية إلا أنفسنا. عندما
نفشل في إدارة النمو وإدارة الاقتصاد وإدارة الاستثمار وإدارة الموارد البشرية فمن
الطبيعي ان نفشل في إدارة كل شيء آخر. كوريا الجنوبية في بداية الستينات كانت أفقر
من مصر، وهي تعيش ضغوطاً عسكرية واقتصادية قريبة من الضغوط التي نعرفها لكن هذا لم
يقف عائقاً أمام تحولها إلى دولة صناعية كبيرة. تايوان مثلها تقريباً ودول أخرى
كذلك حققت إنجازات مهمة في ظروف سياسية واقتصادية صعبة لذا لم يعد ممكناً استخدام
قضايانا الكبيرة لطمس فشلنا الإداري الكبير.
تجربتنا في الإمارات علمتنا ان الفرق أحياناً بين حكومة ناجحة وأخرى فاشلة هو عدد
العراقيل التي تزيلها من طريق مواطنيها أو تضعها أمامهم. معظم هذا الوطن العربي
عراقيل في عراقيل: عراقيل أمام الطالب، عراقيل أمام رجل الأعمال، عراقيل أمام
التاجر، عراقيل أمام المستثمر، عراقيل أمام المبدع، عراقيل أمام المرأة وهكذا. معظم
هذا الوطن العربي اختناقات في اختناقات : اختناقات في الدوائر، اختناقات في
المطارات، اختناقات في انجاز المعاملات، وهكذا حتى يكاد المرء يحسب ان عمل الحكومات
ليس فك الاختناقات لكي تطلق الأعمال والمواهب والطاقات، وليس معالجة الروتين لتقليص
الوقت الذي يتطلبه الحصول على الشهادات والأوراق الرسمية وتخصيص ما تبقى للعمل
والإنتاج وصنع الثروة بل إغلاق كل باب مفتوح وإسدال الستارة على كل طاقة تنفذ منه
شمس الفاعلية التي تقتل الروتين. إن لم تكن لدينا القدرة على بناء مضامير السباق
نحو التنمية الصحيحة أفلا نستطيع على الأقل إزالة العراقيل؟ ثم لماذا هذه العلاقة
غير الطبيعية بين المواطن والموظف؟ هل المواطن في خدمة الموظف ام ان الموظف في خدمة
المواطن؟
نستطيع في الوطن العربي أن نعطي أكثر مما نعطيه حالياً بكثير. نستطيع أن نبدع أكثر
مما نبدع حالياً بكثير. نستطيع أن نسابق وأن نفوز. نحن في دبي لسنا عباقرة زماننا.
ما نفعله هو ما نعتقد انه الطبيعي والمنطقي في الأمور. لكن ربما كان الفرق أننا حين
نقول إن ثروتنا الحقيقية هي أبناء وبنات الإمارات فنحن نقول ذلك بالفعل والممارسة.
لكي تأخذ يجب أن تعطي. لكي تحصل على الموهبة يجب ان تنميها، ولكي تحصل على المدرب
الجيد يجب ان تدربه أولاً، ولكي تصنع القياديين عليك أولاً ان تأخذ بيد أصحاب
المواهب الواعدة وتخضعهم للتجارب القاسية والامتحانات العملية الصعبة وتعلمهم فنون
اقتناص الفرص الجيدة وتفادي الوقوع في فكي الفشل.
الإنسان فعلا أغلى ما تملكه الأمم والشعوب. إنه أهم عناصر التقدم لأي أمة أو دولة.
نحن نعتبر التنمية البشرية مقياساً لتحديد مدى تقدم دولتنا فمن دون موارد بشرية
مدربة لمن لن تستطيع أي جهة تحقيق النجاح. هذه مسؤولية الإدارة لكنها مسؤولية
القائد أولاً لأنه قائد الإدارة والمجتمع.
الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، يرحمه الله، علمنا ان القائد الذي يريد إعلاء شأن
شعبه هو من يدرك أهمية تدريب الموارد البشرية وإكسابها المهارات والقدرات والخبرات
اللازمة حتى تتمكن من إنجاز مهامها بكفاءة واقتدار، ويوجه الإدارات لإعداد وتطبيق
الخطط الفعالة الكفيلة بتحقيق هذه الأهداف فإدارة التنمية في النهاية ما هي إلا
إدارة الناس.
الإدارة والقيادة
يقول ابن خلدون : (اعلم أن مصلحة الرعية في السلطان ليست في ذاته وجسمه من حسن شكله
أو ملاحة وجهه أو عظم جثمانه أو اتساع علمه أو جودة خطّه أو ثقوب ذهنه وإنما
مصلحتهم فيه من حيث إضافته إليهم). هذا يتطلب من القائد الرفق بمن يقودهم والنظر
لهم في معاشهم وتيسير أمورهم والتأكد من أن الإدارة المكلفة بهذه المهام تؤدي
واجباتها على الوجه الأكمل فإخفاقها في ذلك إخفاق له وضعف خدماتها إضعاف لموقعه لأن
العواقب ترتد إليه وعليه.
وبسبب الاشتراك في المسؤوليات لا يوجد خط قاطع بين القيادة والإدارة فالقائد بمثابة
المدير الأول إلا أن خبراء في الإدارة الحديثة والقيادة وباحثين في هذا المجال
حددوا فروقات أساسية بين القائد والمدير وبينوا وجود صفات تميز القائد عن الإداري،
منها :
• القائد يقود الشعب لكن المدير يقود مجموعته.
• القائد يسير أمور شعبه بينما المدير يسير أموراً جارية.
• القائد الجيد محل ثقة الناس فتراهم يتبعونه في الطريق الذي حدده لهم حتى عندما لا
يرون نهاية هذا الطريق لكن الإداري لابد ان يرى الطريق أمام مجموعته.
• القائد يضع الرؤية ويرسم الخطوط العريضة للاستراتيجية بينما المدير حلقة في سلسلة
التنفيذ.
• القائد له منصب ثابت بينما يمكن نقل المدير إلى أي دائرة.
• القائد يركز على نتائج ما يقدمه من جهد وخدمة ويهتم بتأثيراتها الإيجابية في
المجتمع ويتخذ قراراته بناء على ذلك. المدير حامي حمى الأنظمة واللوائح والإجراءات.
• القائد يكسب احترامه وسلطاته من شخصيته وقدراته ومهاراته وحب الناس له لكن المدير
يستمد قوته من اللوائح والصلاحيات المعطاة له.
• القائد يشارك بالإنجاز مع الناس ويقدم لهم الدعم والمساندة لكن المدير إجمالاً
رقيب ومفتش.
• القائد يعيش لشعبه وواجبه لذا لا يرتبط عمله بساعات عمل معينة بينما عمل المدير
محصور إجمالاً بأوقات معلومة ومكان معلوم.
• المرجع الأخير للقائد شعبه وضميره بينما المرجع الأخير للمدير اللوائح والأنظمة.
وربما تساءل قارئ عن سبب إدراج ما تقدم استناداً إلى قناعته ومعرفته الشخصية بأنه
لا وجه للمقارنة بين رمز مثل القائد وبين موظف إداري مهما ارتقى منصبه فهذا يعين
ذاك وليس العكس، ويمكن لأي شخص قادر ان يصبح مديراً أو وزيراً أو أي إداري آخر،
ويمكن نقل مدير من دائرة إلى دائرة ليقوم بمهام مدير آخر أو حتى دوائر عدة لكن لا
أحد يحل محل القائد. وهذا التساؤل في محله إذا كنا نتحدث عن السمات التقليدية
للقيادة والإدارة لكن طيبعة التنمية في الإمارات تقتضي درجة عالية من التنسيق
والمرونة والديناميكية، وهذا يتطلب بالضرورة قدراً كبيراً من المعتاد من التنظيم
والتشاور والتنسيق نظراً إلى احتمالات تقاطع المسؤوليات وتراكبها في مشاريع وخطط
كبيرة تتطلب عملاً وجهوداً مشتركة من دوائر عدة.
إن أحد أسباب المكانة التي وصلنا إليها في الإمارات هو اهتمامنا بالإدارة وسعينا
الدائم إلى التطوير مما يقتضي من القيادة الإدارية تنظيم عمل دوائرها طبقاً
لأهدافنا. إذا لم نفهم هذا سنعمل في فراغ ولا نريد للدوائر ان تعمل في فراغ أو ان
تحيد عن الخطة المطروحة أمامها. عندما تستوعب الإدارة مجمل الخطة فإن عليها سلوك
أفضل الطرق التي تؤدي إلى انسجام الدائرة في الخطة ووضع أهداف واضحة قابلة للإنجاز
تحددها لنفسها ضمن الخطة وتتمسك بها. إن تحقيق الأهداف يتطلب تعاون الجميع لذا
ينبغي ان يبدأ ذلك بإشراك الموظفين المناسبين في صياغة هذه الأهداف أو استشارتهم في
جدواها، ومن ثم شرحها والتأكد من فهم الجميع لها واقتناعهم بها.
ومعظم الأهداف مرحلية لذا على القيادة الإدارية ان تدرس هذه الأهداف باستمرار
وتتأكد أنها تلبي الهدف الوطني العام وهدف الدوائر في آن واحد. إن معظم الأهداف
يتطلب تضافر الجهود لتحقيقها بالصورة المطلوبة لذا على الدائرة المعنية وضع نظام
المراقبة وترتيبات الارتباط وإبقاء خطوط الاتصال والتشاور مفتوحة مع الدوائر الأخرى
للتأكد من ان أهدافها والأهداف المرتبطة بها تنسجم مع أهداف الدوائر الأخرى ولا
تتعارض معها، مع إعطاء اهتمام خاص للنواحي المالية والإدارية التي تقع ضمن اختصاص
الدائرة المعنية.
الصلاح الإداري
يقول الله تعالى : قالت إحداهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين
. القوي الأمين في زمننا هو الموظف المتميز الناجح الكفؤ الفعال الملتزم ذو الأمانة
والسلوك الأخلاقي الحميد. إنه الموظف الذي يبحث عنه القادة ومديرو المؤسسات وأصحاب
الشركات وأرباب العمل. الأمانة طريق النجاح، والإدارة قدوة فإذا صلحت الإدارة اقتدى
بها الموظفون ونبذوا زميلهم الطالح وأقصوه حتى قبل ان تقصيه الإدارة. وإذا طلحت فهي
فاسدة مفسدة.
أحد أهم أسباب ضعف الاستثمار الأجنبي هو فساد القطاع الحكومي ونحن نقدم فرصاً
استثمارية متميزة وسمعتنا في هذا المجال عالمية ولن نسمح لأحد بأن يسيء إليها مهما
تكن الأسباب. الفساد الإداري في الإمارات نحن منه براء. لا نريده ولا نتحمله ولا
مكان له في قلوبنا وإداراتنا ولا شفاعة ولا تفهم ولا رحمة لمن يستخدمه طريقا شريرا
لكسب الثروة بغير حق، وبناء التحالفات وخدمة المحسوبيات وكسب الود والنفوذ.
هناك شيء آخر تفعله السمكة الفاسدة غير نشر الأمراض وتلويث الهواء النقي برائحة
عفونتها. إنها تنشر الفساد في السمك الآخر لذا لا مكان لها عندنا. يجب استئصالها
فوراً وإحالتها إلى القضاء لتنال العقاب الذي تستحقه. لا أحد فوق القانون، لكن إن
لم يخش البعض القوانين فليخش الله عز وجل، وليتعظ بما قاله الرسول صلى الله عليه
وسلام : (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده).
للإدارة مهمة محددة هي خدمة الشعب بإخلاص ويجب إعلاء مصلحة الشعب على كل المصالح
الأخرى، ولا مكان في الإدارة لمن يسبق المصالح الخاصة على المصالح العامة، ولا مكان
للمحسوبيات لذا على الإداريين أن يحرصوا على ألا يعملوا خارج الهدف الوطني فنحن
نفترض في جميع من يشاركنا الرؤية الصحيحة التحلي بالأخلاق الحميدة والسلوك الشخصي
الرفيع الذي لا تشوبه شائبة. لكننا نتحدث هنا عن السلوكيات الإدارية والأخلاق
المهنية التي تعتبر جزءاً لا يتجزأ من النهضة الصحيحة فكما أن هناك الموظف الخلوق
فهناك المؤسسة الخلوقة لذا نجد خبراء الإدارة يتحدثون عن المؤسسة الأخلاقية
الملتزمة بالقيم والمبادئ التي تضع حدوداً لسلوكها لا تتخطاه.
رؤية القائد ليست رؤية اقتصادية وتنموية فقط بل رؤية اجتماعية وأخلاقية تتكامل فيها
التنمية مع الأخلاق. يجب أن نحقق أهدافنا وطموحاتنا وننفذ مشاريعنا بأمانة وشفافية
وبإنصاف لنا وللآخرين العاملين معنا فيأخذ كل ذي حق حقه حتى يزيد الله البركة في
هذه المشاريع. صلاحياتنا أمانة في اعناقنا أنعمت بها علينا قيادتنا لخدمة الشعب
وتحسين أحواله ولن نرضى عن الأمانة بديلاً لأنفسنا ولكل فرد من أفراد المجتمع أياً
كان موقعه.
الإصلاح الإداري
يعجبني الإنسان الذي يخاطبني بالصراحة التي ينطق بها قلبه ويقول ما يريد قوله بلا
خوف أو مجاملة أو حياء. كيف يتعلم القائد من أخطائه إن قال له البعض ما فعلته بخصوص
كذا وكذا كان حسنا مع أنهم يبطنون رأياً آخر؟ تعلمنا نحن القياديين ان نأخذ في
الاعتبار ما نسمعه من شخص بسيط، وأنا شخصيا تعلمت من جنود أفراد في جيشنا ووجدت
رأيهم صائباً رغم خبراتهم المحدودة.
الشخص الذي أخصه بكلامي من القريبين وهو يصارحني دائماً وجاءني في جلستي الخاصة
وقال لي أن الإداريين يصرفون وقتاً طويلا في متابعة برامج التطوير الإداري في دبي
وهذا هدر لوقت يمكن أن يستفيدوا منه هم ونحن. أردت التفكير بما قاله فلم أجبه وقتها
ثم أخترت لقاء عاماً قريبا شرحت فيه رأيي.
لدى القائد رؤية وهدف ويعرف الطريق الذي يمشي فيه ويبدع في هذا الطريق ولا يستطيع
التوقف أو اختصار المسافة لأن معنى هذا اختصار الهدف. الوقت الذي نصرفه في درس
موضوع مهم مثل تميز الأداء لم يكن إضاعة للوقت بل خطوة أولى إلى أهداف أكبر ورؤية
أوضح. عندما أقول لمن يحضر مثل هذه اللقاءات إنني سعيد لوجودي بينهم فإنني اقصد
تماما ما أعنيه. نحن في الإمارات فريق واحد ونحب أن نعامل بعضنا بعضا كأعضاء في
الفريق نفسه ونعتبر وجودنا في مكان واحد خطوة إيجابية مهما يكن السبب. حتى لو تحول
اللقاء أو الاجتماع أو المحاضرة أو الندوة إلى جلسة نقاش عامة، أو التقينا على
القهوة في ما بين الجلسات فإن هذا مكسب كبير للجميع لأن الحوار وتبادل الآراء
طريقان أكيدان لبلورة الأفكار والوصول إلى القرارات الصحيحة.
اقتصبنا شيئاً عن السلوك الإداري ونعلي عليه ما ورد في الحديث الشريف : (ان الله
تعالى يحب إذا عمل أحدكم عملا ان يتقنه). نحن في الإمارات نحن ان نتقن الأعمال التي
نقوم بها. اللقاءات فرصة لكي نتناقش ونتحاور ونتواصل ونستعرض إيجابياتنا وسلبياتنا
ففي كل مجتمع هناك سلبيات وإيجابيات، والخطأ والصواب من طبيعة البشر لا فرق في هذا
بين الموظف ورئيس الدائرة أو بين رئيس الدائرة والقائد.
إذا شعرت بضيق من أحد فلا أخفيه ويجب ان يعرف السبب فوراً. لا أغفو في قيلولة، لكن
عندما أنام ساعتي القليلة ليلاً فنومي راحة وطمأنينة لأنني لا أضمر شيئاً في قلبي.
أحب ان يصارحني الناس... وأن اصارحهم. أتقبل النقد لأنه ربما أرشدنا إلى الطريق
القويم وأتوقع من الناس أن يتقبلوه مثلي وللهدف نفسه. الإنسان يقول : المدير
الفلاني يعمل بكل اجتهاد وتراه مشغولاً طول الوقت. يدخل المكتب صباحاً ولا يخرج الا
بعد آخر الدوام. هذا المدير بالنسبة لي مدير فاشل ولو كان مجداً. إن لم يطور نفسه
ويطور دائرته ويحسن الخدمات التي تقدمها ويزيد الفاعلية والانتاجية فهو مدير فاشل
ومضياع للوقت رغم كل شيء. إذا كان يريد ان يشتكي فليشتك نفسه أولاً ولينتقد نفسه
أولاً وليحاسب نفسه أولاً لأنه منح كل الصلاحيات التي تمكنه من أداء مهمته لكنه لم
يطور نفسه ولم يطور دائرته.
يعمل الله أنني لا أقصد شخصاً معيناً بكلامي لكن يجب أن يتأكد الإداريون أنهم ان لم
يطوروا القطاع العام بسرعة فإن هذا القطاع سينتهي إلى الانقراض على يد التخصيص. إذا
استثنينا الشؤون السيادية والأمنية فلا يوجد في اختصاصات القطاع العام ما لا يستطيع
القطاع الخاص القيام به. القطاع العام ليس محل منافسة مع القطاع الخاص لكن الطريقة
الوحيدة لاستمراره هي ان ينخرط في السباق التنافسي ويرفع الفاعلية والانتاجية إلى
مستويات عالية، وينزل قادته إلى أرض الميدان للتحاور مع زملائهم ومع رجال الأعمال
والتجار كبارهم وصغارهم والاستفادة من خبراتهم وتجاربهم والتعرف إلى آرائهم
بالخدمات المقدمة والمشاريع المنفذة. هذه هي الطريقة المثلى لتحسين الخدمات وتطوير
الأداء. هل نستطيع ان نفعل هذا؟ طبعاً، لكن علينا ان نتطور بسرعة.
الإداري الذي يحاول ان يقوم بكل شيء سينتهي إلى القيام بلا شيء على الإطلاق لأنه
سيغرق نفسه بالتفاصيل وسيهتدي إلى كل الطرق الجانبية التي يراها لكنه سيضل الطريق
الكبير. الصغائر والكبائر موجودة في كل الأعمال فليركز الكبير على الكبائر وليترك
الباقي لمرؤوسيه وليصرف جزءاً من الوقت الذي كسبه من ذلك على متابعة أدائهم. إن لم
يفعل فهو وإدارته في مأزق لا مبرر له.
التيسير والتعقيد
أفقت مرة من غفوة عميقة في عتمة الليل على لهاث صاخب فوق وجهي ففتحت عيني مندهشاً
وإذ بهذا الرأس الضخم يطل علي بعينين بارقتين وفكين مفتوحين كان النفث القريب يخرج
منهما ويسقط حاراً متسارعاً على وجهي. كنت يافعاً وقتها وكنت في غرفتي في مزرعتنا
في العوير، وكان الحرارة عالية في تلك الليلة فتركت النافذة مفتوحة. وكان عندنا أسد
ربّيناه صغيراً فكبر مع الزمن واشتد به العناد وصار التعامل معه صعباً والسيطرة
عليه عسيرة فإن رأى جملاً راح إليه وإن رأى بقرة أو شاة قصدها وهكذا حتى ضج أهل
البيت منه ونقلوه إلى المزرعة في العوير. ويبدو أن هذا الأسد الضخم رمى بثقله على
قضبان قفصه القديم فارتخت فخرج في غفلة من الحراس، وهام في الحديقة حتى وجد نافذتي
المفتوحة فعبر منها إلى مخدعي وعرفني وراح يشمني حتى أيقظني.
الحيوانات الكاسرة تشم رائحة الخائف ويمكن ان تنقض عليه لكني أعرف هذا الأسد الطاعن
في السن ويعرفني، ومثله لا يخيفني بل يضايقني لأنني أردته ان ينصرف عني لأنام.
حاولت إخراجه من الباب فأبى وحاولت دفعه في اتجاه النافذة ليخرج من حيث دخل فتمنع،
ثم خطر لي أن الحل الأسهل من هذا العراك الذي لا طائل منه ان أخرج أنا من النافذة
ليقلدني، وهكذا فعلت فلحقني وعدت بسرعة فدخلت من النافذة وأغلقتها ورجعت إلى نومي.
أحياناً أفضل الطرق أبسطها وهناك طريقة بسيطة لخروج الإداري القيادي من مأزق جمع كل
خيوط الإدارة بيده هي تفويض الصلاحيات. أحد شروط إقناع القيادات الإدارية بقبول
مبدأ تفويض الصلاحيات هو اقتناع القائد بالتفويض والعمل بموجبه، لكن رغم ذلك ستجد
دائماً مديرين يضنون بإعطاء بعض صلاحياتهم لاي موظف مهما يكن.
يجب ان يعرف هؤلاء ان التفويض لا يعني التخلي عن الصلاحيات والتنازل عن المناصب
للآخرين أو فقدان السيطرة على العمل أو مقدمة للاستغناء عنهم. إنها طريقة أساسية
لتمكينهم من تخصيص وقت أكبر للتطوير والإبداع والابتكار والقيادة ورفع الإنتاجية
وتمكين المرؤوس المناسب من تطوير طاقاته وقدراته القيادية وبناء صفوف ثانية وثالثة
في كل الإدارات والأقسام والوحدات التي يديرها. لذا فإن رافضي هذا المبدأ أسيرو
العادة والخوف والشكوك وحماة التقاليد الإدارية العتيقة التي تخنق الإبداع وتعيق
الحركة وتمنع التطور من السير بالوتيرة السريعة المطلوبة في عالم اليوم، ومثل هذه
المواصفات لا تناسب العصر الذي يتطلب استمرار رفع الأداء والإنتاجية.
تحدثنا كثيراً عن الإنتاجية وتحاورنا وعقدنا الاجتماعات ونظمنا اللقاءات مرة بعد
أخرى وعاماً بعد عام وصار الإداريون يعتقدون أنهم يؤدون عملاً جيداً لكن لم نر
زيادة في الانتاجية ولم نر من التحسن ما يكفي. وضعنا الخطط وجلسنا في المقعد
الخلفي، واعتقدنا ان كل شيء على ما يرام وكل شيء سيدير نفسه بنفسه لكن لم يحدث شيء.
لماذا؟ لأننا لم نطور أنفسنا وإدارتنا في البداية بالسرعة المطلوبة.
لكي تكون الإدارة منتجة لابد لها من تطبيق مبادئ الإدارة الحديثة وتحديد معايير
التطوير الإداري في الاقتصاد الجديد كما تتجسد في برنامج دبي للأداء الحكومي
المتميز. واذا طبقت هذه المعايير في صورة صحيحة يمكن ان تضمن تحقيق النجاح على
مستوى المؤسسة والبلد، لذا أعطيت التوجيهات للدوائر الحكومية للاستفادة من معايير
الجودة في البرنامج وعناصره ومتطلباته وتطوير أنظمتها وتحسين خدماتها وتنمية مكامن
قوتها وتلافي سلبيات الأداء. وشملت الخطوة التالية تنفيذ خطوة حكومة دبي
الإلكترونية، إضافة إلى خطط ومشاريع أخرى معمول بها وخطط ومشاريع كثيرة في مراحل
الاستكمال أو الدراسة أو التخطيط.
لقد اقترحت في فصل سابق ان من شروط الرؤية ان تكون واقعية قابلة للتنفيذ، مما يعني
ضمناً ان تكون أهدافها واقعية قابلة للتنفيذ، لأن الأهداف الحالمة والتمنيات
والرغبات التي لا علاقة لها بالواقع ليست الأهداف التي نفكر بها. أما الباقي فيجب
أن نحوله إلى برامج عمل ذات تنظيم مناسب بإشراف مهنيين مناسبين ولابد أن تخضع هذه
البرامج والقائمون عليها إلى التقييم والمتابعة والمساءلة للتأكد دائماً من ان سرعة
التطبيق تستجيب لسرعة تحرك الاقتصاد العالمي الجديد.
وربما قال البعض ان الإمارات ليست الدولة الوحيدة التي تنفرد بالرؤى التنموية
الواقعية القابلة للتنفيذ، وليست الدولة الوحيدة التي تنفرد بوضع المعايير، وليست
الوحيدة التي تضع لنفسها أهدافاً واقعية فما هو الفرق؟ أعتقد ان أحد جوانب الفرق هو
تعريفنا للواقع. الواقع بالنسبة لنا ليس الواقع الكائن بل الواقع الذي يجب ان يكون.
إذا قلنا إن الهدف من جهود الإصلاح الإداري وبرامج رفع مستوى الأداء الإداري تطوير
القطاع الحكومي ليصل خلال فترة قصيرة من الزمن إلى مستوى القطاع الخاص في الخدمات
وأساليب العمل الإنتاجية فهل هذا هدف واقعي؟ هذا من قبيل التمني حتى في دول متقدمة،
لكنه هدف واقعي مئة في المئة بالنسبة لنا.
لدينا هدف واقعي آخر أعتقد أنه بمثابة حلم لدى الآخرين هو أن نجعل القطاع لعام أفضل
من القطاع الخاص في الخدمة والفعالية والأداء لا لاننا نريد إعادة عقارب الساعة
وإحلال القطاع العام محل القطاع الخاص بل لكي ندفع القطاع الخاص إلى مرحلة جديدة من
التميز والفعالية والأداء.
رددت كلمة سباق حتى الآن 20 مرة ولن أمل من ترديدها في باقي صفحات هذا الكتاب لأن
هذه الكلمة تلخص ما يحدث في العالم حالياً. الوقت يمضي وعقارب الساعة تدور والعالم
يعدو ولن ينتظرنا أحد. لا نستطيع ان نقول لمنافسينا اصبروا علينا لكي نطور أنفسنا
وعملنا. لا نستطيع ان نتوقف الآن. لم أبدأ كتابي بمثل الغزال والأسد عن عبث. أنا لم
أقصص حكاية بل وجهت تحذيراً لنا جميعاً وأنا أول من يرتدع به :
إن كنا غزلاناً وتوقفنا ستأكلنا الأسود.
وإن كنا أسوداً وتوقفنا سنموت من الجوع.
هل عندكم بديل؟