عنوان المقال : الفصل السابع

الفصل السابع


التنقيب عن العقول
ما الذي أتمناه لشباب الإمارات أكثر من أي شيء آخر؟
النجاح.
أنا فخور بكل من عمل ويعمل معي لتحقيق أهدافنا. كل ما أريده ان يستطيع كل واحد منهم ان يصنع قصة النجاح الذي يستحقه ويرفع به رأسه عالياً ويقول لنفسه وأهله وأصدقائه : أنا فخور بما فعلت فأفعلوا مثلي. عندما نحقق طموحاتنا المرحلية بعون الله فإنني أريد من كل هؤلاء الشباب أن ينظروا حولهم ويعاينوا المكانة التي وصلت إليها الإمارات ويقولوا لأولادهم باعتزاز : أنا ساهمت بكل هذا فانظروا حولكم وتعلموا واستكملوا رحلة الامتياز إلى الريادة واحفظوها لنا ولكل العرب مرة ثانية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
أنا أخ لكل واحد منهم وجميعنا إخوة في درب التنمية إلى الامتياز. الأخ الصدوق هو الذي يحول أن يدفع إخوانه في طريق النجاح وهذا ما أسعى إليه دائماً. إذا أردنا وصفاً آخر فربما أمكن القول إننا شركاء : شركاء في الرؤية وشركاء في المصالح وشركاء في المصير وشركاء في التنمية وشركاء في الحاضر والمستقبل، وشركاء في الإنجازات التي حققناها في الماضي وتلك التي سنحققها في المستقبل.
تحدثت في فصل سابق عن الرؤية والحلم وحاولت فرز مكوناتهما من خلال واقعية الأولى وخيالية الثاني لكن أرجو ألا يكون القارئ الكريم استنتج من ذلك أنني أعارض الحلم. الحياة حلم كبير والإنسان يحلم ويتعلم في كل يوم من أيام عمره. حلم الأمس هو حقيقة اليوم، والأفكار الكبيرة تأتي من الأحلام الكبيرة لكن تحقيقها واستغلالها يتطلب أعمق أنواع الواقعية. هذا يستدعي جهداً عظيماً لكن الجهد وحده لا يكفي لتحقيق النجاح في هذا العصر. الجهد والعمل والتخطيط والإعداد وسائل لتنفيذ الفكرة وتحقيق أهدافها لذا فإن الفكرة هي الأساس، وأساس الفكرة الكبيرة الإبداع الكبير. أعتقد ان أي واحد من مظاهر الفشل الإداري العربي لا يكمن في فردية المواطن العربي كما يزعم الإداريون الفاشلون، بل في تقييد تلك الفردية. عندما نسمح للفرد بممارسة ذاتيته فإننا نطلق قدراته ونشحذ مكامن الإبداع في عقله. أين الحكمة في تقييد الحركة وخنق الإبداع؟ كلنا ندعي أننا نريد تطوير الفرد لكي تتطور الأمة لكن أين توجد في الوطن العربي المعاهد والمؤسسات التي تسهم في شحذ الإبداع في الشباب؟ أين التدريب المناسب؟ أين التشجيع؟ أين التحفيز؟
تجربتنا في الإمارات علمتنا أنه لا يوجد سر عميق في صناعة التنمية فجودة المجموعة من جودة أفرادها، وقوة المجتمع من قوة بناته وأبنائه. عندما نطلق قدرات الفرد فإننا نطلق قدرات المجتمع وعندما نمكن الفرد من الإبداع فإن المجتمع سيصبح مبدعاً. أين السر في هذه المعادلة البسيطة؟ أمامنا قضايا تنموية تتطلب منا العدو لتحقيقها لكن كيف أنتظر من المواطن أن يعدو بينما عملي أن أضع العراقيل في طريقه؟ أين هو مضمار السباق التنموي في الوطن العربي؟ ما هي الفائدة من أشجع جندي ان لم أدربه وأقدم له السلاح؟
بعض القادة وصل إلى مرحلة لم يعد قادراً معها ان يقول لمن معه : شكراً. بعض القادة لا يعرف كيف يربت على كتف موظف ناجح ويقول : أحسنت. لقد فعلت شيئاً جميلاً تستحق عليه المكافأة. هل يعرف هؤلاء وقع الكلمة الطيبة؟ إنها الجسر إلى القلوب ورفع المعنويات وإزالة سوء الفهم، ويجب علينا جميعاً ان نتقن نطقها بصدق وعفوية. الابتسامة مثلها ومثلها أيضاً الثناء واللفتات الشخصية والاهتمام بأحوال المرؤوسين والإسهام في حل مشاكلهم. هل يعرف هؤلاء ما الذي يفعله التقدير؟ إنه يفجر طاقات الشباب ويزيدهم عطاء ويدفعهم في طريق النجاح والإنجاز عشرات السنين إن لم يكن طول عمرهم. إنها وسيلة مجربة رخيصة التكاليف لكسب الولاء والإخلاص وزيادة الإنتاج. إنها سلوك يجب على القائد الناجح أن يشيعه بين الناس ويؤكد ضرورة الالتزام به، بل هو أسلوب حضاري يجب أن يكون طابع التعامل بين أفراد المجتمع.
ما الذي أحله بعض القادة محل كل هذا؟ الخوف. يجب على الفرد أن يخاف القائد، يجب ان يخشى سطوته، يجب ان يبتعد عن طريقه، يجب ان يعيش في الزوايا المظلمة لئلا ينتبه إلى وجوده، يجب ان يفكر دائماً بهذا القول ويعمل به: أعمل، تخطئ، تعاقب. لا تعمل، لا تخطئ، لا تعاقب.
نستطيع في الوطن العربي ان نحقق الطموحات وننجز أكبر المشاريع ونصنع ملايين فرص العمل لكن إذا صار الفرد هكذا صار المجتمع هكذا، وإذا صار المجتمع هكذا فعلى المجتمع السلام. لن يعمل ولن ينتج ولن يسابق ولن يبدع. هذا هو الناتج الإجمالي لمثل هذا السلوك، لكن مضاعفاته أبعد من هذا بكثير. إذا أردنا أن نعرف كيف نتفادى الهزيمة التالية علينا ان نعرف لماذا وقعت الأولى. اسمعوا ابن خلدون في مقدمته : (إذا كان الراعي قاهراً باطشاً بالعقوبات منقباً عن عورات الناس وتعديد ذنوبهم شملهم الخوف والذل ولا ذوا منه بالكذب والمكر والخديعة فتخلقوا بها وفسدت بصائرهم وأخلاقهم وربما خذلوه في مواطن الحروب والمدافعات).
اهتمامنا ليس بتعداد الذنوب بل بتعداد الإنجازات، وليس بمن نتقد بل بمن نمدح، وليس بمن نحبط بل بمن نحفز، وليس بمن نجبر بل بمن نقنع، وليس بمن نعاقب بل بمن نكافئ. ذاكرتنا في المخطئ مثل الخاطرة العابرة وفي المصيب أدوم من الكلمة المكتوبة لذا انتجوا أيها الشباب واخطئوا. أبدعوا واخطئوا. هذا هو المكان الذي أوصلتنا إليه قيادتنا اليوم. الفترة التي كان فيها اعتذار مسؤول عن الاستمرار في إدارة مشروع أو برنامج أو مهرجان لأي سبب من الأسباب يولد الإرباك انتهت إلى غير رجعة. لدينا اليوم فريق كبير من الشابات والشباب المؤهلين ويستطيع أي واحد منهم إدارة مشروع أو مهرجان كبير بمفرده وتحقيق النجاح المتوقع.
كيف فعلنا ذلك؟ بتحمل بعض الأخطاء والتدريب والتشجيع وإعطاء الصلاحيات والمتابعة والمراقبة. الأخطاء ليست كلها واحدة. هناك خطأ طبيعي يحصل نتيجة تجربة معينة أو خطأ في التقدير، وهناك خطأ لم يتوقع المسؤول خلال مرحلة دراسة المشروع أو لم ينتبه إليه، وأخطاء غير مقصودة أخرى. كلنا نخطئ وكلنا نتعلم من أخطائنا ويجب على القائد ان يسامح مرتكبها، لكن هناك أخطاء تستلزم المساءلة مثل الإهمال والتقاعس وغيرهما.
النجاح في رأيي ليس نجاحاً دائماً والفشل ليس فشلاً دائماً. إذا فشل الشخص في حالتين من ثماني حالات فأنا أعتبره ناجحاً. بعدها يجب ان نتوقف ونتحادث ونتصارح. لا يكفي أن نقرر أنه فشل. يجب ان نعرف لماذا فشل. هل لسبب شخصي أم بسبب آخرين وهل هو خطأ في الرؤية ام التنفيذ؟ هل هناك دروس نتعلمها من فشله، وهل هناك عوائق يمكن إزالتها لتحقيق النجاح؟
من أقوال صلاح الدين الأيوبي : لأن أخطئ في العفو أحب إلي من أن أصيب في العقوبة. عندما يغلط أحد الشباب فآخر ما يمكن أن يفكر به القائد هو أن يضربه على رأسه. إذا فعل ذلك في المرة الأولى التي يخطئ فيها سيخاف وسيتقوقع على نفسه ولن يؤدي عملاً مجدياً في حياته. يجب ان يعطيه الفرصة للنهوض من كبوته ومتابعة العدو. يجب ان يغفر وينسى ويساعده على النسيان عندما يتأكد أنه تعلم من خطئه، ويعلمه كيف يستخدم الخطأ منصة انطلاق إلى الصواب.
البعض يخلط بين الحزم والقسوة. إذا كان الأب حازما مع أولاده فهذه ليست قسوة لأن هدفه النهائي مصلحتهم ومساعدتهم على تجنب الأخطاء وتحقيق النجاح. عندما أفكر بوالدي يرحمه الله فأنا أفكر بعلاقة امتزج فيها الحب بالرهبة. أرهبه لأنه القائد لكن حتى لو لم يكن قائداً كنت سأرهبه لأنه والدي وكنت سأحبه. إن لم يكن هذا التوازن في العلاقة فنحن نتحدق عن شخص آخر غير القائد. يجب أن يعرف المرؤوس ان القائد موجود كي يقدم له الدعم والمساندة وأنه ملاذه الأخير في ما يتصل بالعمل.
ومن الطبيعي ان يحظى الموظف النشيط والمصيب والمبدع باهتمام القائد لكنه ليس قائد النشطين المبدعين المصيبين فقط. إذا كان باب القائد مفتوحاً لهؤلاء فقط فباب من يطرق الموظف المخطئ أو الموظف المظلوم؟ يجب ان يعطى الناس الفرصة لتصحيح أخطائهم ورفع أدائهم والتوصل إلى علاقة توازن بين الرئيس والمرؤوس فعندها فقط تصبح مقاييس الخطأ والصواب مختلفة تماما عن المقاييس في العلاقات الأخرى. الشباب يقولون لي إنهم لا يريدون أن يخطئووا لا لأنهم يخشون العقاب بل لأنهم لا يريدون ان يخيبوا ظن القائد بهم. إذا كان المرؤوس هكذا ومثله الآخر والآخر ألن تحصل في النهاية على فريق عمل يقهر المستحيلات ويذلل الصعاب ويقود التنمية في درب الامتياز والنجاح؟ أعط المرؤوس يعطك، قدره يقدرك، أحببه يحبك، قوه يقوك، احترمه يحترمك، قده من الأمام يتبعك إلى آخر دنيا التنمية. هل في هذا سر وطلاسم؟ هل هناك أبسط من هذه المعادلة؟

المتسابق والسباق
ذات يوم دخل موظف إلى الديوان وشكرني بكلمات خجولة قليلة على ترقيته إلى منصب نائب مدير إحدى الدوائر متمنياً ان يكون عند حسن الظن، ثم استأذن بالانصراف فأمسكت يده وأجلسته وقلت له :(محمد، لا تحسب ان ترقيتك جاءت صدفة فأنا أتابع عملك منذ أربع سنوات وأعرف عنك كل شيء).
استغرب الموظف وقال : (أنا؟ أنا لا شيء. أنا موظف من عشرات الآلاف من الموظفين مثلي). فقلت له : (كنت هكذا لكن حدث ما جعلنا نهتم بك ونتابع أداءك). ازداد استغراب الموظف فالتفت حولي وناديت على شاب أسمه معضد هو أحد أفراد فريق (المتسوقين السريين) وطلبت منه أن يروي للحاضرين قصة الموظف.
وكان هذا الموظف لا يمكن في مكتبه طويلاً وكثيراً ما ينزل إلى صالة المتعاملين وربما وجد مستثمراً كبير السن فساعده على إتمام الاجراءات ثم قدم له الشاي وأوصله إلى الباب، وربما استكمل أوراق متعامل آخر، أو فعل أكثر مما هو مطلوب منه. وكان من هؤلاء معضد الذي أعد تقريراً بما عاينه في الموظف من الكفاءة والمساعدة فأوصيت بمتابعة أحواله. ولما سمعت بعد أربع سنوات أنه قدم استقالته بعد الحصول على عرض مغر من القطاع الخاص قررت أن أقدم له عرضاً أكثر إغراءً فرفعته من منصبه في الصف الثالث إلى منصب نائب المدير في قرار لم يأت مفاجأة له فقط بل لمديره ولجميع العاملين في الدائرة.
أحب المفاجآت وأحب أن ابشر الناس دائماً بالخير الوفير والنجاح، واتمنى لو استطيع الكشف عن مشروع متميز جديد كل يوم. هذا النوع من المشاريع يحتاج إلى متميزين. أريد الاعتماد على هؤلاء. ربما بدوت في بعض الأحيان أكثر حزماً مع القياديين الإداريين مما تتطلبه حالات بعينها لكن ليس لهم في قلبي سوى الشكر والتقدير على كل ما قدموه. بعض المشاريع التي نفذناها تطلبت إخضاع مديري الدوائر إلى دورات لإعادة التأهيل، والبعض الآخر تطلب إعادة التنظيم والتخطيط، واستلزمت مشاريع غيرها قدراً كبيراً من منح الصلاحيات وكان التجاوب مع كل هذا جيداً.
حاجاتنا تتغير باستمرار في عصر التغير المستمر، ومشاريعنا تتوسع وتتشعب وهذا يتطلب كوادر جديدة ودما جديدا لا بد من توفيره لتحقيق أهدافنا. البعض يعتقد أنني أريد أكبر عدد ممكن من المتسابقين للاشتراك في سباق التميز ويعرض علي اللوائح. هؤلاء لم يفهموني جيداً بعد. هذا لا يضمن لي النجاح. الشيء الوحيد الذي يضمنه لي هو اشتراك أكبر عدد ممكن من السباقين المتميزين لأن سباق التميز يحتاج إلى المتميزين. أدوات الإبداع سلع موجودة في الأسواق نستطيع شراءها من أميركا أو اليابان أو أوروبا لكن الإبداع ليس سلعة ولا الحماس كذلك. يجب أن نعثر على أصحابهما ونطورهم.
العادة في الإتكيت الرسمي كذلك ان يجتمع القائد إلى المدير العام للدائرة وراء باب مغلق ويتناقشا في سير العمل ثم يعود القائد إلى مكتبه. هذه ليست عادتي. المراقب المتمرس سيكتشف أنه في كل دائرة أو شركة هناك دائماً موظف ديناميكي يريد أن يعمل كل شيء ويغير ويطور. نريد باباً مفتوحاً يقودنا إلى هؤلاء الموظفين القديرين العاملين بصمت مثل الجندي المجهول. مهما يكن المدير جيدا فإننا نريد ان نخرج من الصفوف الخلفية الثالثة والرابعة أصحاب المواهب والطاقات الواعدة. هؤلاء هم المخزون الطبيعي للطاقات البشرية التي نحتاجها، وهنا مخزون الإبداع والأفكار الكبيرة التي نحتاجها في الطريق إلى المستقبل بعد صقلها وإثرائها بالتدريب والخبرة.
هذه العملية ليست خبط عشواء وليست وليدة الساعة أو الصدفة أو المزاج. من كان مبدعاً قبل سنتين ربما لم يعد مبدعاً لسبب من الأسباب، ومن كان يعيش في عتمة الإنجاز ربما انتقل إلى نوره لسبب من الأسباب لذا فإن متابعة أصحاب الصفوف الخلفية مهمة دقيقة تتطلب دراسة تقييمية منهجية مستمرة تعد بموجبها لوائح بالطاقات والمهارات : أصحاب القائمة (أ) يمكن أن يتولوا إدارة دائرة في وقت قصير. القائمة (ب) تضم من يمكن أن يقوم بالمهمة بعد سنتين، وهناك قوائم أخرى تتضمن من يصلح لقيادة فريق ومن يصلح لان يكون عضواً فاعلاً في الفريق، ومن يحتاج إلى استمرار المتابعة.

احتضان الإبداع
أهل الروتين أعداء أنفسهم لأنهم أعداء التطوير. لا شيء يقتل الإبداع واستنباط الحلول الفعالة السهلة مثل الروتين. لا أحب الروتين ولا أهله. أحب صحبة المبدعين الذين يقودون العمل وينهضون بالمسؤوليات ويشاركون في تقديم الاقتراحات لتحسين الأداء والانتاجية ومتابعتها ويتركز عليهم الاعتماد. هؤلاء هم هدفي ومحط اهتمامي ورعايتي. هذا لا يعني عدم وجود الثقة بأصحاب الصف الأول لكن ثروة القائد في الناس ولا بد ان يحافظ على هذه الثروة ويهتم بالتخطيط للموارد البشرية. إنها أكبر استثمار لأي بلد وهي تتطلب كباقي الاستثمارات الكبيرة الدراسة الوافية والاهتمام ومتابعة ما يحدث لها متابعة دقيقة.
أرى رأس الهرم الإداري وأعرفه لكن أريد دائماً ان أعرف الأعمدة التي تحمل الهرم. الطبيعي في الحكومات المكشوفة التي تريد أن تنكشف على المتعاملين عبر واسطة مكشوفة مثل الإنترنت ان تكون كل دوائرها مكشوفة للناس لكي يعرفوا ويقترحوا ويسهموا في تطوير عمل هذه الدوائر.
أريد الاعتماد على البشر واريد التنقيب في عقولهم عن الأفكار الكبيرة ومساعدتهم على تطوير مكامن هذه الثروة الكبيرة وتحويل تلك الأفكار إلى مشاريع كبيرة وفرص عمل. هل نستطيع ان نفعل ذلك؟ طبعاً نستطيع، ليس في الإمارات فقط بل في كل الدول العربية. هذا ليس مطلباً مهماً فقط بل أمانة في عنقي وفي أعناق الكادر الحكومي، وأمانة في عنق كل صاحب مسؤولية في الوطن العربي. لا شيء عندي أهم من البشر على الإطلاق. عندما يسألني صحافيون ما هي الميزانية المخصصة لمشروع معين فإنني أقول إن ميزانيتنا موجودة لكن ميزانيتنا الأكبر هي الشباب والشابات أصحاب الكفاءات الذين نعتمد عليهم لتنفيذ المشروع.
معظم مديري الشركات يصرفون جزءاً مهماً من وقتهم في البحث عن أصحاب الكفاءات لتعيينهم في الأماكن المناسبة وأنا أصرف جزءاً مهماً من وقتي في البحث عن الأماكن المناسبة لأصحاب الكفاءات. عندنا عدد كبير من المؤهلين الذين نعتز بهم، ولدينا المشاريع التي ستستوعب أصحاب الكفاءات والخريجين الجامعيين، لكن نريد الاخذ بيد المبدعين من شبابنا والاسهام في ترجمة أفكارهم وأحلامهم إلى شركات وأعمال ناجحة لكي يستوعبوا بدورهم أصحاب الكفاءات والخريجين، ونعزز بذلك التفاعل القائم بين القطاعين الحكومي والخاص لصنع جيل جديد من رجال الأعمال القادرين على تنفيذ المشاريع المتميزة.
إحدى المبادرات التي تصب في هذا الهدف مؤسسة تحولت إلى برنامج عمل في يونيو 2002 وتمثل باكورة برامج هيئة دبي للاستثمار والتطوير هي ( مؤسسة محمد بن راشد لدعم مشاريع الشباب) التي أطلقت متزامنة مع تأسيس صندوق إسلامي إنمائي برأسمال يبلغ 700 مليون درهم لتمويل مشاريع المؤسسة بالتعاون مع بنك دبي الإسلامي.
وتهدف المؤسسة المعروفة اختصاراً باسم (ريادة) إلى إعداد المئات من رجال الأعمال الشباب، مع توفير قنوات تسويق مضمونة للمشاريع الاستثمارية المسجلة لدى المؤسسة وتخصيص ما لا يقل عن خمسة في المئة من مشتريات كل الدوائر والهيئات الحكومية وشبه الحكومية ولوازم مشاريعها لمنتوجات هذه المشاريع التي ستلتزم أرفع المعايير العالمية وتتميز بأعلى درجات الجودة والقدرة التنافسية.

ومن المزايا التفضيلية الأخرى التي تقدمها المؤسسة :
• توفير التمويل اللازم لحاجات المشاريع من خلال الصندوق الإنمائي.
• تمويل المشاريع بنسبة تصل إلى 90 في المئة من كلفتها الاستثمارية.
• تسهيلات خاصة على التمويل.
• تسديد القروض المقدمة يبدأ من السنة الثانية من مباشرة تسويق المشروع بشروط ميسرة.

المـرأة
ما ذكرت كلمة (شباب) في هذا الكتاب إلا قصدت بها فتيات الإمارات وفتيانها، وما جمعت بالأغلبية بل بالشمول لذا أرجو من القارئات الكريمات ألا يعتبرن ذكرهن في هذا القسم حاشية لفصل سجلت فيه بعض خواطري عن الأهمية الحاسمة التي تنظر بها قيادتنا إلى الطاقة البشرية في الإمارات، فكل ما في الأمر أن لدي بعض الملاحظات التي أرغب في إضافتها وأعتقد أن هذا مكان مناسب.
منذ مدة طاف وفد من الإعلاميين الاميركيين بأقسام مدينة دبي للإنترنت خلال زيارة للمنطقة كانت الأولى من نوعها. وبما أن كثيرين في هذا العصر الذي نطلق عليه أحياناً اسم (عصر المعرفة) لا يعرفون عنا أبسط الحقائق أو ربما استقوا معلوماتهم من التراجم المتجنية أو المنقوصة فقد سأل الوفد ان كانت المدينة تسمح بتعيين المرأة. ولما قال لهم المسؤولون ان 52 في المئة من الموظفين في المدينة نساء دهش الوفد واستغرب.
أنا أيضاً استغربت. لدينا وضع خاص في الإمارات أحد مظاهره ارتفاع كبير في نسبة المنتسبات إلى الجامعة مقارنة بالمنتسبين. فعدد كبير من الذكور يسافر إلى الخارج للدارسة أو ينخرط في سوق العمل مبكراً وتجتمع أسباب كهذه إلى أسباب أخرى، فتؤدي إلى استمرار ارتفاع نسبة الإناث عند التخرج لتقترب من أربعة إلى واحد. لهذا استغربت عندما سمعت بالقصة. كنت أعتقد أن نسبة الموظفات في مدينة دبي للإنترنت أعلى من 52 في المئة.
سنحتاج إلى كل الخريجات والخريجين على مدى السنوات العشر المقبلة لذا سينعكس ارتفاع نسبة الإناث مع الخريجين على الوظائف المشغولة المتاحة حالياً والمتوقعة في المستقبل نتيجة التوسع وتنفيذ المشاريع الجديدة. وبما أن هذا وضع طبيعي لا أرى ما يستدعي التدخل لتغييره، ولا سبباً يستدعي فرض ما يُسمى بالتمييز الإيجابي positive discrimination لصالح الذكور في المستقبل ولم أر سبباً في الماضي.
ومنذ مدة كنت أزور إحدى الدوائر فقال لي مديرها إن نسبة الإناث في دائرته تعدت 60 في المئة وباتت تقترب من 70 من المئة لذا طلب من المسؤول عن التوظيف في الدائرة، وهي نفسها سيدة، ان توقف توظيف النساء مؤقتاً. وبما أن المدير لم يكن يريد ان يفسر أحد قراره دون معرفة أسبابه فقد رأى أن يشرح لي دوافعه إن حدث واحتج أي شخص عليه. لم أسمع احتجاجاً من أحد لكن موقفي معروف بالنسبة لهذه القضية فسألته ان كان غير راض عن كفاءة أي من السيدات اللواتي يعملن في الدائرة فقال : لا، (واللواتي تقدمن لشغل الوظائف في الدائرة)؟، فرد بالنفي أيضاً فقلت : (وظف المتقدمات الفائزات الآن واستمر في توظيف النساء حتى لو وصلت نسبتهن إلى مئة في المئة).
المعايير الصحيحة للتوظيف تقتضي مقارنة الكفاءة بالكفاءة والتحصيل العلمي بالتحصيل العلمي والخبرة بالخبرة والطاقات بالطاقات والقدرة على التطوير بالقدرة على التطوير وليس مقارنة الرجل بالمرأة أو الأسمر بالأبيض أو الخلفية الاجتماعية بالثانية. هذا ليس التعامل الإداري الصحيح فقط بل التعامل الحضاري الصحيح في القطاعين العام والخاص وأحد متطلبات تحقيق العدل والمساواة في المجتمعات العصرية.
الأمر الثاني الذي يثير استغرابي هو عدم وجود العدد الذي أتوقعه من القياديات في الجهاز الإداري. للمرأة مكانة خاصة في مجتمعنا ويجب ان تبرز في صورة أكبر لأن لديها الكفاءة والمستوى التعليمي والثقافي وتستحق ان تكرم وتتقلد المناصب التي تستحقها مهما علت. لدينا سيدات كفؤات في مواقع قيادية وأتوقع من الإداريين القياديين زيادة التحرك في هذا الاتجاه واختيار الموظف لشغل هذه المناصب طبقاً للكفاءة والإمكانات والقدرة على تطوير العمل.
إن فكرة طرح برنامج إعداد القيادات النسائية مبادرة أولى أتوقع أن تتلوها مبادرات مماثلة بهدف تمكين المرأة من تقلد مناصب قيادية خلال سنة أو سنتين لتعزيز دور المرأة شريكاً كاملاً للرجل في العمل والنجاح. كما أن اكتشاف القدرات القيادية في الموظفات وتنمية هذه القدرات كي يحتللن مراكز قيادية ويحققن الأولوية واجب على الإداريين القياديين الرجال حتى لو تحققت الأولوية عليهم أنفسهم. لا ينقص المرأة شيء، وتاريخنا حافل بالنساء القياديات اللواتي لعبن دوراً حاسماً في صناعة الحضارة وتطوير المجتمعات وتعزيز الإبداع، وأعتقد ان المرأة في الإمارات يمكن أن تقدم أكثر مما تقدمه الآن بكثير إذا لقيت التشجيع المناسب.
تجربتنا الإماراتية في إعطاء المراة فرصاً متساوية في التوظيف أثبتت انها من بين أنجح التجارب المماثلة في الوطن العربي ففتاة الإمارات أصبحت الآن تخطط لمشاريع متميزة تطال جميع المجالات العلمية والتكنولوجية والهندسية والإدارية وبرمجيات الكومبيوتر، وأعتقد ان الاهتمام الحكومي الذي أولته قيادة دول الإمارات للمراة لم تحظ به المرأة العربية في كل مجتمعاتنا.
تستطيع المرأة الإماراتية ان تؤدي العمل الذي يناسبها وأن تؤسس الشركات وتقود سيارتها لذا لا تواجه القيود التي تواجهها شقيقات عربيات. لكن إقبال المرأة على العمل في بيئة تحفظ لها كرامتها واحترامها ومهنيتها، ثم النجاح الذي حققته المرأة في عملها، ساهما في تذليل كثير من العقبات الاجتماعية التي قيدت عمل المرأة أو تحفظت عليه، وتحقق كل ذلك بسرعة نسبية كبيرة وبهدوء وعقلانية وإيجابية وتفهم لحاجات عصرنا الذي يتطلب إسهام الجميع في بناء الدولة، ومن دون حساسيات لا مبرر لها في الواقع والممارسة، لذا يمكن القول إننا تجاوزنا بهذا التفهم مشاكل على درجة مهمة من الحساسية والتعقيد في مجتمعات أخرى.
أجتمع إلى سيدات الأعمال والمدرسات والموظفات في صورة دورية للتعرف إلى رأيهن في أمور وقضايا شتى، وأشعر أن النساء في مواقع العمل متعطشات لإثبات أنفسهن وقدراتهن وتميزهن في الخبرة والأداء ليس على المستوى المحلي بل على المستوى العربي والعالمي ايضا. النساء في العموم أكثر مرونة في التعامل مع وظائفهن وأعمق ولاءً والتزاماً بعملهن، وبدأنا نرى عدداً متزايداً من الموظفات والعاملات اللواتي يفزن بالجوائز في برامج الجودة والتميز نتيجة التحفيز والتشجيع المستمرين.
ما تحقق حتى الآن ليس قليلاً وأعتقد أن الأيام المقبلة ستحمل إلى النساء ما يعزز تفاؤلهن ويقوي عزيمتهن لهذا أهتم دائماً بتشجيع النساء على دخول سوق العمل وإنشاء الشركات والمشاريع وتولي المناصب التي تتلاءم وقدراتهن، والتركيز على التطوير والتميز المهني. هذا الهدف يجب ان يكون هدف الجميع وليس هدف من يحتل المناصب المتقدمة فقط. التميز لا علاقة له بالمنصب، ويجب أن نحاول تحقيق التميز مهما يكن العمل الذي نؤديه بسيطاً لأن التميز هو الذخيرة الحقيقية التي نحتاج إليها لتحقيق طموحاتنا وأهدافنا.

مصنع الأفكار
العقل مصنع الافكار فإذا ارتفع مستوى جودة ما تصبه فيه ستحصل على إنتاج ذي جودة عالية. نعرف أنه لا يزال أمامنا الكثير لكننا نصر دائماً على ضرورة توافر الجودة في كل ما نقدمه لتهيئة الشباب للمرحلة القادمة ومساعدتهم على تطوير روح المبادرة والإبداع والريادة، ولا نفرق في هذا التوجه بين أحد وأحد.
القائد هو القدوة وصاحب الرؤية والقرار وكل المواصفات الأخرى التي تحدثنا عنها في هذا الكتاب لكنه ليس العقل الوحيد الموجود في الساحة. التنمية جهد جماعي والاسهام لا يكون فقط بالعمل بل بالتفكير لذا ليس المطلوب من القائد أن يولد كل الافكار. يجب ان يسهم كل القادرين في تقديم الافكار وبلورتها. صاحب الفكرة الجيدة في بعض الحالات ليس افضل من يستطيع تقييم فكرته فليعرضها على الآخرين لعلهم يرون فيها زوايا لم يرها صاحب الفكرة نفسه، ولعلهم يحسنونها أو يضيفون إليها ويكتشفون فيها تطبيقات عملية لم ينتبه إليها صاحب الفكرة.
إن القائد الناجح ليس القائد الذي يصر على أن افكاره هي الأفضل والوحيدة التي تستحق التنفيذ بل من يشجع الآخرين على تطوير الأفكار وعرضها. إنه القائد الذي يسمع من شخص ما فكرة واعدة فيطلب من صاحبها تقديم دراسة عنها فإذا اطلع على التصور الكامل وحظي بالموافقة طلب منه أن يتوكل على الله، ويلتزم بتقديم الدعم الضروري لإنجاحها. عندما يشرك القائد القادرين في توليد الأفكار فإنه يشركهم في قيادة التنمية. لم نعد نتحدث هنا عن رئيس ومرؤوس وقائد وتابع بل عن فريق قيادي يطور ويحسن ويبادر ويبدع وينفذ ويمكننا من ان نسبق غيرنا ونسبق غيرنا بكثير.
إن الإبداع الإنساني والرؤية وحب الوطن ومصالح المواطن وحماية المنجزات وتعزيز الانتماء الوطني والقومي عناصر أساسية لبناء الدولة الحديثة القادرة على المنافسة لكن أهدافنا الاستراتيجية تتطلب جهوداً من نوع آخر. بعض النوعيات القيادية التي كانت صالحة في الماضي ربما لم تعد صالحة اليوم لأننا نواجه وضعاً يختلف تماماً عما كان سائداً قبل عشر سنوات أو حتى خمس، لذا يجب ان نجد أشكالاً جديدة للقيادة لأن المشاريع التي نخطط لتنفيذها مشاريع متطورة تتطلب مستوى مرتفعاً من المبادرة والإبداع. إنها مشاريع كبيرة تتطلب أكبر عدد نستطيع الحصول عليه من المبدعين البارعين في التطوير وابتكار الحلول لكل قطاعات التنمية. لن نستطيع ان نستجيب لهذه الشروط بالاعتماد على نصف المجتمع فقط. الجميع يجب أن يشاركوا ويطوروا أنفسهم ومن لا يتمتع بهذه المواصفات لن يكون له مكان مهم في هذه المشاريع لأنه لن يكون قادراً على المنافسة والعدو.
هذا هو التحدي الشخصي الذي يجب على كل شبابنا وشاباتنا مواجهته والتغلب عليه. لكن هذا التحدي يجب ألا يخفي التحدي الأهم الذي سيواجه المجتمع في المستقبل فنحن نعمل اليوم من أجل الغد وعلى الشباب أن يعملوا في المستقبل من أجل مستقبلهم. إذا كان العمل متاحاً والثروة موجودة والمشاريع قائمة والدنيا بخير فأين هو التحدي في كل هذا؟ من يعتقد أن هدفنا تأمين كل شيء للأجيال المقبلة لكي تذهب إلى مكاتبها في الصباح وتعود إلى بيوتها في المساء فإنه لم يفهم بعد هدفنا من التنمية. نحن نبني ونصنع ونشق الطرق ونقيم المؤسسات وننجز المشاريع لكن هدفنا الأساسي هو تنمية العقول لكي تتقن التعامل مع تحديات المستقبل. إن لم نستطيع تحقيق ذلك فإن تنميتنا لم تأخذ الطريق الذي تصورته رؤيتنا ولا يمكن عندها أن نلوم الطلاب على خطأ ارتكبه المعلم.
إذا توافرت الفرص الجيدة في المستقبل للشباب فليستغلوها جيداً وليطوروها وليعمموا فائدتها على جميع أفراد المجتمع. إن لم تتوافر عليهم ان يكونوا مستعدين لأن يصنعوا الفرص من السراب وينبتوا الثمر من الرمل ويخرجوا الماء من الصحراء ويحيوا الأرض الموات كما أحييناها نحن لأن الرسول صلى الله عليه وسلام يقول : (من أحيا أرضاً ميتة فله فيها أجر وما أكلت العافية منها فهو له صدقة).
عليهم أن يفعلوا كل هذا وأن يكونوا مستعدين لأن يصنعوا شيئاً عظيماً من لا شيء.
إن كان من بين شبابنا من يعتقد أن هذه المهمة مستحيلة فأريد من هؤلاء ان يفتحوا نوافذهم وينظروا حولهم الآن ...
ثم سأقول لهم : أيها الشباب !
معظم ما ترونه جاء من العدم.

رابط المقال ::: http://www.alamuae.com/al-maktoum/showtopics-136.html
آل مكتوم حُكام دبي - سيرة وتاريخ
http://www.alamuae.com/al-maktoum