انهيار ميناء لنجة
يرتبط بروز دبي كميناء مهم في الخليج العربي بانهيار ميناء لنجة على الساحل الشرقي
للخليج، لذا كان لابد من الإحاطة بالظروف التي أدت إلى تدهور لنجة.
في تلك الآونة وقبيل بداية القرن العشرين، كانت دبي تتكون من الناحية الإدارية من
عدة كيانات مختلفة: منطقة الشندغة، وهي الان جزء من منطقة بر دبي على جانب الخور،
ومنطقة الرأس وهو جزء من ديرة، وقد استقروا بنو ياس بعد هجرتهم إلى دبي على طول
الساحل من الجميرة إلى ام سقيم، كانت لنجة وبوشهر وبندر عباس هي الموانئ الرئيسية
في الخليج العربي في الربع الاخير من القرن التاسع عشر، وكانت محطات رئيسي لسفن
شركات الملاحة التجارية، وبفضل موقعها الاستراتيجي القريب من مضيف هرمز، أصبحت لنجة
حلقة وصل للتجارة في الخليج العربي، كما لعبت دوراً رئيسياً في تجارة الموانئ
العربي على الساحل المقابل، فشكلت هي وبوشهر مينائين رئيسيين لفائض الانتاج الفارسي
وامتدت علاقاتهما إلى عمق فارس لتشمل مناطق طهران ويزد وخراسان. كما كانت لنجة احد
أهم موانئ تصدير اللؤلؤ، وقد اعتمدت بشكل أساسي على إنتاج مصايد اللؤلؤ في الساحل
العربي، كما اكتسبت لنجة اهمية من حيث كونها مستودعاً لتخزين البضائع القادمة من
الدول الاجنبية، كما أصبحت مركزاً لتجارة العبور والتوزيع إلى بقية مرافئ الخليج
العربي وبفضل مرفئها الذي مكن البواخر من مختلف الاحجام من الوصول قريبا من الساحل
أكثر من أي ميناء آخر في الخليج العربي. اصبحت كل الواردات المتجهة إلى الساحل
العربي تمر عبر لنجة ثم تتجه إلى بقية الموانئ في سفن محلية.

في الفترة التالية على عام 1870م تطورت العداوة بين الحكومة الإيرانية وولاية لنجة
التي كان يديرها القواسم، وهو الامر الذي عده الإيرانيين خرقا غير شرعي للسيادة
الإيرانية على الميناء.
تطورت الامور واستحكمت العداوة بين الحكومة الايرانية وولاية لنجة تحت إدارة
القواسم، وتحول الوضع إلى خصومة سياسية واضحة، وفي عام 1887 استولى الايرانيون
مستخدمين القوة على السلطة في الميناء، واستبدلوا المسئولين العرب في مواقع السلطة
بموظفين فارسيين. واصبحت لنجة منذ ذلك الوقت تحت سيطرة حكومة طهران المركزية التي
كانت تهدف إلى الحصول على عوائد الضرائب معتبرة ان لنجة تعد مصدرا مثاليا لذلك
النوع من الدخل، بينما واقع الحال يقول ان القواسم كانوا قد اسسوا ازدهار الميناء
على قاعدة الضرائب الإسمية.
بدأت حكومة طهران المركزية بتعيين إدارة بلجيكية على جميع دور الجمارك في الموانئ
التابعة لها، وكان قدوم البلجيكيين السبب الرئيسي في انهيار ميناء لنجة وتحول
التجارة إلى ميناء دبي الناشئ، فبمجرد تسلمهم إدارة الموانئ، مدوا نفوذهم على طول
الساحل الفارسي من الخليج العربي وفرضت هذه الإدارة رسوما قيمتها (ثمن قران) على كل
عبوة يتم استيرادها من الميناء، وربع قران على كل عبوة من البضائع المخزنة والمعدة
لإعادة التصدير، ومنحت الإدارة البلجيكية مدة 70 يوماً يتم خلالها إعادة التصدير
ويمكن تجديد هذه المدة بموافقتها.
ولتفادي القرار القاضي بمنع الاستيراد من فارس، رأت الحكومة البلجيكية فرض ضريبة
قدرها 10٪ على الشعير والقمع والارز والمواد الغذائية الاخرى متجاهلة ان هذه المؤن
تدفع عنها نسبة 5٪ كضريبة استيراد، وحققت الادارة البلجيكية عائدات مالية عالية من
هذه الضرائب. ثم في 14 فبراير 1904م ألغيت ضريبة الـ 5٪ التي كانت مفروضة على
الصادرات والواردات، واستبدلت بها تعرفة جديدة.
وقد لقيت هذه الاجراءات رفضا جماعيا من التجار في لنجة. وتذمر التجار على طول سواحل
فارس الجنوبية، فأرسلوا برقيات إلى الشاه ووزير الجمارك في طهران على أمل إعطائهم
مهلة ثلاثة أشهر لترحيل بضائعهم المتراكمة في مكاتب الجمارك وتلك التي في طريقها
إلى فارس، ولكن طلبهم رفض وظلت البضائع مكدسة، مما أدى إلى المزيد من التذمر في
أوساط التجار.
كما أدت الاجراءات الجديدة إلى ظهور صعوبات في التطبيق وتأخير معاملات التجار
الراغبين في شحن بضائعهم بسبب تراكم البضائع المستوردة التي يجب ان يدفعوا رسومها
حسب الوزن، وقد أزعج هذا النظام التجار الإيرانيين والبريطانيين والهنود الذين
أصبحوا تحت رحمة موظفي الجمارك.