توظيف روح المبادرة
إذا شطح الخيال بأحدهم ذات يوم ودفعه للاعتقاد بأن قصة نجاح دبي أشبه بالأساطير،
فعليه ان يتذكر انه كان من الممكن بالقدر نفسه من السهولة الأسطورية ان تبقى دبي،
مجرد قرية صيادين صغيرة تنام على ضفاف الخور، لو لم تحسن استثمار العدد القليل من
الفرص الحقيقية التي أتيحت لها للخروج من عزلتها ومحدودية مواردها وصنعها فرصاً
جديدة بفضل البصيرة الثاقبة والرؤية المستقبلية لحكامها وبعد نظرهم وتصميمهم ودأبهم.
ففي عام 1894، عرض الشيخ مكتوم بن حشر، خامس حكام دبي من آل مكتوم والجد الأكبر
للمغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، إعفاء ضريبياً كاملاً عن التجار الأجانب
الذين يرغبون بالإقامة في دبي، مما استقطب إلى الإمارة أول موجة من التجار القادمين
من إيران. وفي عام 1903، أقنع الشيخ مكتوم بن حشر شركة شحن بحري بريطانية، بأتخاذ
دبي ميناء رئيسياً لرحلاتها من والى الهند. وهكذا ازدهر ميناء دبي وأصبح يضم نحو
350 سفينة في ضفة ديرة و50 في بر دبي في عام 1908، ثم جاءت الثلاثينات المشؤومة
والتي تأثرت خلالها المنطقة بالكساد الاقتصادي الذي عصف بالعالم أجمع وقلص حجم
التجارة البحرية، بينما قضت اللآلئ التي برعت اليابان في استزراعها، على صيد وتجارة
اللؤلؤ في المنطقة بأكملها، وهي التجارة التي كانت عماد اقتصاد دبي في تلك الفترة.
مارس المغفور له الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم مهام منصبه نائباً لرئيس
الدولة ورئيساً لمجلس الوزراء وحاكماً لدبي بكفاءة عالية وحكمة.

وقد تعرض مستقبل دبي إلى تهديد خطير آخر في الخمسينات، حين راح قاع خور دبي يمتلئ
بالرمال ويعرقل دخول سفن البوم إلى هذا الميناء الطبيعي، ويهدد بالتالي شريان حياة
المدينة، ولم يجد المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، حاكم دبي آنذاك، مناصاً
من توظيف الموارد المالية

الشحيحة للإمارة في تعميق الخور وبناء مطار جديد، بهدف إنقاذ تجارة دبي البحرية
وتعزيز اتصالاتها الجوية بالعالم. كما أمر المغفور له الشيخ راشد ببناء جسر آل
مكتوم الذي تم افتتاحه أمام حركة المرور المحدودة في تلك الأيام في شهر مايو (أيار)
من عام 1963.
وعلى الرغم من أن تلك المشاريع الثلاثة بدت في نظر الكثيرين مجازفات غير محسوبة
العواقب، حيث لم يكن أحد يتصور في أواخر الخمسينات وأوائل الستينات ان تلك المشاريع
سوف تشكل منعطفاً حاسماً في تطور دبي، إلا أنها أدت بالفعل إلى ازدياد عدد سفن
البوم الراسية عند ضفاف الخور وارتفاع عدد المستودعات التجارية وقيام عدد جديد من
البنوك بافتتاح فروع لها على امتداد ضفاف الخور. وقد ازدهرت التجارة في المدينة
وتبعتها الطفرة الاقتصادية الأولى التي نجمت من الإعلان عن اكتشاف النفط في مياه
دبي الإقليمية في عام 1966.
ويؤرخ أرشيف نور علي راشد المصور للفرحة التي أشاعها اكتشاف النفط في أوساط
المواطنين، حيث صور بعضهم وهم يعودون بسفن بالبوم من إحدى منصات حفر النفط، التي
شاهدوا على متنها (المعجزة) تتجسد أمام أعينهم، كما صور الحشود الغفيرة من
المواطنين الذين تجمعوا حول المفغور لهما الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم والشيخ مكتوم
بن راشد آل مكتوم قرب الخور. لمشاهدة تدفق النفط من أنبوب وضعته شركات النفط في هذا
المكان احتفالاً بالمناسبة.
وبات تاريخ دبي معروفاً للقاصي والداني منذ تلك اللحظة التاريخية. ولم تحسن
العائدات النفطية مستوى معيشة المواطنين بشكل جذري فحسب، وإنما دفعت بالتنمية
الاقتصادية أشواطاً متقدمة إلى الدرجة التي لم تعد فيها الإمارة تعتمد على تلك
العائدات.