نضع كل امكانياتنا تحت تصرف دول المواجهة
تدفعنا النخوة والاخاء
ونعطي من دافع الضمير والواجب
ادلى سمو الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم وزير المالية والصناعة بحديث شامل لصحيفة
البيان نشرته في عددها الصادر يوم 10/5/1980 تناول فيه المشاريع التنموية في دولة
الإمارات والميزانية العامة للدولة واجاب على العديد من الاسئلة المتصلة بالقضايا
الاقتصادية وموقف الدولة من دعم دول المواجهة وقد بدأت صحيفة البيان حوارها مع سمو
الشيخ حمدان بطرح السؤال التالي :
سؤال : اتفاق دبي وابوظبي على تخصيص نصف دخلهما البترولي سنويا لميزانية الدولة هل
ترونه الحل النهائي لتصوراتكم المالية؟ وماذا عن مساهمة بقية امارات الدولة؟
جواب: ميزانية الدولة بلغت هذا العام 15942 مليون درهم، أي ان نسبة الزيادة في حجم
الميزانية قد وصلت خلال السنوات العشر الماضية إلى 58 بالمائة. اما معدل الانفاق
السنوية فقد تراوح بين 48 و 47 بالمائة إلى ان وصل هذا العام إلى 80 بالمائة واتوقع
الا يتجاوز هذا المعدل .. هذا بالاضافة للاحتياطي العام للدولة والوفر الذي سيخصص
للاستكمالات والمشاريع الجديدة وفقا للخطة العامة.
ولو رجعنا إلى اتفاق دبي وابوظبي الاخير نجد ان دوافعه كانت قوية فقد صاحبت قيام
الاتحاد بعض الصعوبات ادت إلى تقلبات في الاسعار إلى ان وصل التضخم إلى حدود 17
بالمائة ... ولم تكن الميزانية وقتها بحجم الطموح الاتحادي ولو انها كانت تفي
بحاجات الانفاق العام. وقيام دولة الاتحاد يعني الكثير من المشاريع العامة وخطط
النمو لكل انحاء الدولة. وقد كنا فعلا بحاجة إلى دعم اقتصادي ومالي قوي لاستيفاء
الطموح الاتحادي ... وطبعا الدعم ليس بالكلام بل بالفعل .. واول فعل هو تحقيق الوضع
المالي القوي حتى تتوافر لدينا القاعدة التي تنطلق منها للتطور. لذلك فقد كان هذا
الدعم هو التصور الذي كنا نسعى إليه. والان اصبح لدى الدولة الركيزة الضرورية للنمو
والتخطيط المستقبلي لمشاريع وطموحات الاتحاد لتحسين مستوى المعيشة. وانا كوزير
للمالية الان ارى اننا سوف نتمكن خلال السنوات القادمة من تغطية المشاريع الاتحادية
الواسعة التي كانت فعلا تحتاج إلى هذا الدعم.
اما باقي امارات الدولة فإنها لم تتوقف عن دعم الميزانية بتمويلها المشاريع الخاصة
التي كانت تدر عليها دخلا إلى مشاريع اتحادية .. والاتحاد لا يطلب منهم اكثر من
استطاعتهم والباب مفتوح اما الجميع للاسهام بما يتناسب وقدراتهم.
سؤال: هل هنالك ازدواجية في الانفاق الحكومي على المشروعات العامة ؟ فيما تنفقه
حكومات الامارات والدولة؟ وهل هنالك تنسيق في قيام الصناعات؟
جواب: لو سألتني هذا السؤال في السنوات الماضية لقلت لك انني لم اكن راضيا عن
الصورة آنذاك. فقد كانت المشاريع متشابهة وكانت هنالك ازدواجية وعدم تنسيق. وقد ضلع
مستشارو الحكومات انذاك بقدر كبير في تلك الاخطاء بسبب قصور تفكيرهم على حدود
الامارة فقط واصبحت تلك المشاريع غير قادرة على العطاء الصحيح. وبالفعل توقف عدد
منها لانها قامت على خطأ. اما الان فقد احس الجميع باخطاء الماضي وفهموا ضرورة
دراسة الاسواق قبل قيام المشاريع. والاهم من ذلك لم تعد تقوم اية صناعة في الدولة
دون موافقة الوزارة حيث تقوم باجراء الدراسات اللازمة للجدوى على مستوى الدولة
وبعدها توافق أو لا توافق.
وقد اصدرنا منذ العام الماضي وسنواصل اصدار القوانين الكفيلة بتنظيم الصناعة لمنع
أي ازدواجية، هذا فيما يتعلق بالمشروعات الاستثمارية، اما غير الاستثمارية فقد كانت
متشابهة الا ان خسارتها طفيفة لان طاقتها العملية لا تتجاوز 60 بالمائة بينما
الاستثمارية تصل إلى مائة بالمائة. واستطيع ان اؤكد عدم وجود أي ازدواجية الان.
واود ان انوه هنا إلى اهمية التنسيق الصناعي ليس داخل الدولة فحسب بل مع بقية
اخواننا في الدول الخليجية لخلق نوع من التكامل بحكم الروابط الاقتصادية الاقليمية.
ومن ناحية ثانية انا لا أؤمن ان يقوم بالقطاع العام نفسه بالصناعة ولم نبدأ كاتحاد
باي مؤسسة صناعية لكن علينا توفير مقومات الصناعة بتهيئة الدراسات واجراء المسح
الشامل وتدريب الايدي العاملة ودعم المؤسسات الصناعية بالاشراف ودخول القطاع العام
في مجالس الادارات.
اما بالنسبة لتدريب الايدي العاملة الوطنية فنحن شعب صغير ونسبة التعليم لا تزال
بسيطة ومعظم الناس يتجهون للعمل في الشرطة أو الدفاع أو بعض الحرف كالصيد ونادرا ما
تكون لديهم الرغبة الصناعية ونسعى جادين لتشجيع المواطن إلى هذا الاتجاه ورفع
مستواه ونسبته، ونحن على استعداد لارسال أي مواطن للتدريب في أي بلد إذا حصل على ما
يؤهله لذلك، اما العمالة عموما فكل من يتحدث عنها هنا سيجد صعوبة لانها توافرت لها
احسن الظروف وفي حساباتنا منذ الان الاعتماد على الالة في المستقبل البعيد لاننا
ندرب اليد العاملة ... وتهرب.
سؤال : هل هنالك كما اشيع خلافات حول تشكيل ادارة البنك المركزي وما الحقيقة وراء
هروب بعض رؤوس الاموال الوطنية للخارج ...؟
جواب : الكلام عن البنك المركزي ليس له أي اساس من الصحة فالبنك وضعت له قوانين
وهذه القوانين ليست ايات منزلة لذلك فهي تخضع للتمحيص والمراجعة حتى تتناسب مع
ظروفنا المحلية لانها وضعت بواسطة خبراء ليس لهم المام كامل بظروفنا وكل ما هنالك
ان بعض التعديلات ادخلت على القانون بما يتيح للبنك حرية الحركة وبما لا يتعارض مع
مرحلة النمو الحالية، وان التعديل استغرق هذا الوقت وبالامس فقط ظهر القانون في
صورته شبه النهائية.
اما مسألة رؤوس الاموال فهذه من واجبات البنك المركزي لانه كغيره من البنوك الدولية
المثيلة مهمته المحافظة على الاقتصاد الوطني وتوفير السيولة وحماية العملة ونحن
كدولة نامية يجب الا تنخفض عندنا السيولة أو تزيد لان وارداتنا اقل من صادراتنا.
سؤال : رأيكم فيما يدور حاليا في المنطقة وما قد يسببه ذلك من اهتزازات اقتصادية
وتأثير على قيمة الدرهم في حالة تعرض الدولار لانخفاض حاد ... وما يمكن ان تلعبه
دول النفط للحد من التضخم ... هل صحيح انه صرف النظر عن فكرة الدينار الخليجي ..؟
جواب : ان ما يشغل دول الخليج في المقام الاول، هو تقدمها وبناء مستقبل اجيالها على
اسس قوية وراسخة مستوحاة من طبيعة ظروفنا وحاجاتنا الوطنية، ولا يعنينا من امر
الصراعات الدولية الا ما يبعدنا عن الوقوع في قلب هذا الصراع أو الانضمام إلى قوة
دون الاخرى ... فنحن بكل وضوح لسنا اداة بيد اية قوة دولية، ومن هذه المنطلق نحتفظ
بعلاقات ممتازة مع جميع دول العالم، ونسعى مع اشقائنا في دول المنطقة لبناء قوتنا
الذاتية لحماية بلادنا من اية اخطار خارجية وعلى دول الخليج ان تحافظ على ترابطها
وتماسكها لان في وحدتها وتماسكها ضمان امنها.
واذا كانوا يدعون بان الدول المصدرة للنفط وراء التضخم وارتفاع الاسعار فهذا افتراء
من الدول الصناعية فبيوت المال في اوروبا وامريكا هي التي تتحكم في اقتصاد العالم
فاذا كنا نبيع برميل البترول بدولارين وسبعين سنت فهو يصل إلى المستهلك في اوروبا
بحوالي 27 دولارا .. فنحن نحصل فقط على 20 بالمائة من قيمة البرميل بينما تدخل 80
بالمائة إلى جيوب الدول الكبرى المستوردة علاوة على ذلك فان هذه الدول تتحكم حتى في
أمولنا فهي تقوم بالتسديد بعد ثلاثة اشهر بعد ان تستثمر عائداتنا في بيوت المال،
وفي نفس الوقت نحن مطالبون من قبل هذه الدول بالتسديد الفوري لقيمة مشترياتنا
بالدولار الذي نحصل عليه من بيوت المال بفوائد استثمارية كبيرة .... أي انهم يحسبون
اقتصادهم على مال لا يملكونه .. اضف إلى هذا انهم في امريكا وبريطانيا يبيعون
بترولهم بأسعار اعلى من اسعار الاوبيك .. لذلك فنحن الذين تقع عليهم الخسارة والدول
المصدرة للنفط لا تملك حتى الآن أي بيت من بيوت الاموال الا واحدة بدأت الان بين
الامارات والكويت وليبيا كمؤسسة ضمان مصرفية وطبيعي لن تكون مستعدة لمنافسة
البيوتات الكثيرة والكبيرة لذلك فدول البترول مطالبة بأنشاء بيوتاتها الخاصة.
ان دول الاوبيك تستطيع حماية نفسها، لكن لو فعلنا ذلك لالحقنا الضرر بالدول العربية
الشقيقة والصديقة غير المنتجة للنفط، اما الدرهم فلن يتأثر بتأثير الدولار فالعلاقة
بينهما تلقائية فمن حقنا ان نحفظ نسبة الفرق (المارجن) كما نستطيع ان نرفع من قيمة
انتاجا لان السعر تحدده الكمية والجودة .. وحتى لو حدث انخفاض في الدولار فلن يكون
كبيرا في أسوأ الحالات لذلك لا اعتقد – حتى الان – ان هناك حل انسب من التعامل
بالدولار لانه احسن العملات والوحيد الذي يصمد في السوق وموقفه الاخير عائد لاسباب
مؤقته خارج امريكا نفسها ... اما سلة العملات فاعتقد انها غير ايجابية.
اما عن فكرة الدينار الخليجي فهي لا تزال قائمة والدراسات مستمرة ولا توجد معارضة
عليها، الا ان بعض الدول غير مستعدة حاليا كما اننا لسنا في عجلة شديدة وعلينا
تهيأة الجميع للمشروع وقد بقيت امامنا فوارق النسب المئوية بين عملات الدول المعنية.
سؤال : وماذا عن دعم الدولة لدول المواجهة العربية ومنظمة التحرير ..؟
جواب : دولة الإمارات تقوم بدور لا تقوم به أي دولة اخرى واخواننا في دول المواجهة
يعرفون هذه الحقيقة ويعرفون اننا على استعداد للتضحية بكل امكانياتنا إذا استدعى
الامر .. لقد قال البعض بأننا دولة مبذرة تسيء استعمال المال عندما خصصنا 20
بالمائة من دخلنا لدعم دول المواجهة بل ارتفعت النسبة إلى 26 بالمائة وطبعا الذين
يقولون ذلك لا يعرفون ان التضحية بالمال لا تساوي شيء امام التضحية بالنفس والدم.
والى الذين يقولون اننا اسأنا استعمال المال اقول نحن دول عربية تدفعنا النخوة
والاخاء للتضحية ونعطي من دافع الضمير والواجب والمسؤولية ولا نمتن بذلك أو نتباها
ويجب ان نقف بكل قوانا وامكانياتنا مع اخواننا في دول المواجهة العربية.
