عنوان المقال : خصاله ومآثره

خصاله ومآثره


إذا كان لرجل واحد فضل على مدينة بأسرها فذلك الرجل هو الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم وتلك المدينة هي دبي، ويحق لنا القول هنا (إن وراء كل مدينة عظيمة رجل عظيم).
ويحدثنا تاريخ البشرية ان من يصنعون التاريخ من الرجال يملكون من الصفات والمآثر ما يجعلهم يقودون ركب الحضارة والتقدم في بلدانهم، والشيخ راشد من تلك الفئة من الرجال فقد كانت خصاله ومآثره وصفاته مدعاة لإعجاب وتقدير كل من تعامل معه أو عاصره من الناس فقد كان الشيخ راشد قنوعا في حياته الخاصة، متواضعا وزاهدا في مظاهر الأبهة والدعة، تقيا من غير تصنع، بسيطا في ير تكلف.
اتصف الشيخ راشد بطول القامة، والملامح القوية، والعينين الواسعتين اللتين يشع منهما ذكاء وقاد. وعرف عنه أنه صاحب ذاكرة حادة، فقد كان كل من يتعامل معه






يعرف فيه هذه الصفة ولهذا كانوا يتوخون الحذر والدقة في إجاباتهم على أسئلته لأنه كان يعيد نفس الأسئلة من وقت لآخر على الذين كلفهم بقضاء بعض المهام.
وعن تواضعه الجم يقوم أحد رجالات دبي الذين عاصروا الشيخ راشد (لم يكن رحمه الله يحب أن يميز عن الناس ويعامل معاملة خاصة، ولان تواضعه أصيل وفطري كان يغضب ان يتكلف الناس في التعامل معه).
وتجلت بساطته في أنه ظل يعيش طوال حياته بين أفراد شعبه من غير حراسه وبدون بروتوكولات تضع حاجزا بينه وبينهم، فكانت تلك البساطة من بين الأسباب التي جعلته قريبا من رعيته فأحبوه لذلك وأخلصوا له. وكان محبا لفعل الخير سخيا في بذل المال لكل ذي حاجة، مترفعا عن المظاهر، عادلا في الحكم بين الناس. وفي ذلك يقول معاصروه إنه كان عادلا حتى إذا جاءه شخصان بشكوى يستمع إليهما ويعاقب المخطئ ويأخذ للمظلوم حقه بطريقة مثالية.
وكان الشيخ راشد يكره البيروقراطية ويمقت التعقيد الإداري ولذلك كان يوجه اهتمامه إلى أدق التفاصيل. وقد استطاع التغلب على ظاهرة البيروقراطية والروتين الحكومي بانتهاجه التعامل المباشر مع الناس وحل المشاكل التي تعترضهم، والبساطة والتواضع، وسياسة الباب المفتوح في مجالسه.
ومع ذلك لم يكن الشيخ راشد لين العريكة أو سهل القياد بل على العكس من ذلك إذ لم يكن من السهل كسب ثقته، وكان من العسير على أي شخص ان يستعيد ثقة الشيخ فيه (إذا فقدها). وهذا ما جعل أفراد الشعب يزدادون ثقة في حرصه على رعايته مصالحهم وقد ورث أبناؤه الأربعة تلك الصفات منه. وقد عرف عن الشيخ راشد أنه كان قليل الكلام، كثير الإنصات لمحديثه مما ساعده في إبرام العديد من الاتفاقيات وإجراء اعقد المفاوضات بطريقة ناجحة.
ويحدد كتاب (راشد المسيرة والبناء) صفات الشيخ راشد القيادية في اثنتي عشرة صفة هي : -
1- القدرة على التخطيط المستقبلي وذلك بأتباعه التخطيط طويل المدى ومتوسط المدى وقصير المدى في بناء نهضة قوية وشاملة، الأمر الذي كان مثار الإعجاب والدهشة.
2- القدرة على التحليل والمقارنة والتي اعتمد عليها اعتمادا كبيرا في ممارسة مهامه ومسئولياته كرجل دولة.
3- القدرة على اختيار الوقت المناسب لتنفيذ عمل ما : فهو لم يقدم على تنفيذ أي خطة إلا بعد ان يحدد لها الوقت المناسب، وكانت ردة الفعل الشعبية لأي خطة يعلنها الشيخ راشد إيجابية ثقة من الناس في قدرة الشيخ على إنجاح أي مشروع وتحقيق الأهداف والغايات المنشودة من إقامته.
4- القدرة على اختيار الرجل المناسب للعمل في المكان المناسب. وبفضل موهبته في اختيار الكفاءات وإسناد المهام المناسبة لها استطاع الشيخ راشد أن يحقق طموحاته في التنمية والعمران.
5- القدرة على تحديد الهدف، وهي قدرة لا تتأتى إلا لمن أوتوا نفاذ البصيرة والحنكة وعركتهم التجربة.
6- القدرة على الوصول إلى الهدف، فقد كان الشيخ راشد يتميز بالقدرة على تحقيق هدفه بسرعة أذهلت كل من حوله.
7- القدرة النفسية والذهنية على مواجهة المشاكل التي تعترض طريقه بعيدا عن الانفعال الذي قد يؤثر على اتخاذ القرار.
8- القدرة على اتخاذ القرار الحاسم، وهي خاصية تتطلب الشجاعة، وسعة الأفق والقوة والحزم، وامتلاك العزيمة الكافية.
9- قوة الذاكرة : فقد كان الشيخ راشد يملك ذاكرة فوتوغرافية حادة قل ان تتوفر في زعيم أو قائد، مما ساعده في متابعة شئون البلاد متابعة دقيقة.
10- القدرة على متابعة ما يصدره من أوامر وتعليمات متابعة ميدانية لصيقة، ولم يكن الشيخ راشد ليكتفي بالتقارير التي تصله بل كان يحرص على المتابعة الميدانية الأمر الذي كان بمثابة حافز للمسئولين للمثابرة في عملهم والتفاني فيه.
11- القدرة البدنية : فقد كان الشيخ راشد يتمتع بقوة بدنية عالية ساعدته على المتابعة الناجحة للقرارات والتعليمات التي كان يصدرها وكانت تلك القدرة هبه من الله تعالى.
12- المظهر العام وقوة الشخصية : فقد كان حاكم دبي الشيخ راشد مهاب الجانب، قوي الشخصية مما أكسبه تقدير واحترام الآخرين. وكان حسن الطلعة، طويل القامة، ثابت الخطوة، قوي الحجة وواسع الدراية.

ولقد كان الشيخ راشد مسلما تقيا ورعا، ويواظب على أداء الصلوات في أوقاتها، ومع ذلك كان رجلا سمحا جُبل على التسامح والحرص على إقامة علاقات وثيقة بالجاليات الأجنبية المقيمة في دبي على مختلف جنسياتها. وقد أشاع تسامحه الديني مناخا من الوئام فعاش الناس على اختلاف دياناتهم وجنسياتهم في سلام وأمان في دبي. ولم تعرف دبي ما عرفته مجتمعات خليجية أخرى من مشاكل وسط أفراد المجتمع المحلي نتيجة تدفق الأجانب. وما جلبوه من ثقافات وأديان أخرى. وبرغم تسامحه هذا لم يكن الشيخ راشد ليتهاون في اتخاذ موقف صارم عند الضرورة من أجل وضع الأمور في نصابها.
وكان الشيخ راشد يقدر قيمة الأدب، وأبدى إعجابه بالمكتبات الكبرى التي شهدها في طهران وبومباي ولندن أثناء زياراته لتلك المدن وكان يردد في أكثر من مناسبة قوله بضرورة السماح للناس بتثقيف أنفسهم.
وذكر جريم ويلسن في كتابه أن الشيخ راشد طلب من وزراء التربية والتعليم في الدولة العربية، في سلسلة من الرسائل الشخصية التي بعث بها إليهم في عام 1962 وأوائل عام 1963، إرسال كتب جديدة أو قديمة لمساعدته في إنشاء مكتبه عامة الشيء الذي لم تكن حتى الدول الأكثر ثراءا وقتها قد سمعت عنه. وكانت استجابة الوزراء العرب رائعة فقد بعثوا إليه بشحنات ضخمة من الكتب وكذلك فعل البريطانيون والتجار الهنود والباكستانيون الذين زودوه بكتب بلغات مختلفة. وخلال عام واحد أصدر الشيخ راشد تعليماته بإقامة مبنى المكتبة في ديرة يطل على مدخل خور دبي. وفي عام 1963 افتتح الشيخ راشد مكتبة دبي العامة الجديدة متعددة اللغات، وكانت أول مكتبه في دول ساحل عمان المتصالحة.
ومن أكثر خصاله تجليا عقليته الاقتصادية الفطرية الفذة وحرصه على المكانة التجارية لدبي وتشجيع الأنشطة الاقتصادية وازدهارها. ويقول من عايشوه إنه كانت لديه القدرة على رؤية مالا يراه الآخرون، فقد كان يستشرف مستقبلا اقتصاديا طموحا للغاية يرى ان دبي مؤهلة له. وكان أحب شيء لديه هو رؤية مشروعات جديدة تقام، وكان حريصا على متابعتها أولا بأول لدرجة انه كان يزور المشروع عدة مرات في اليوم الواحد لتفقد سير العمل فيه، وبهذه العقلية استطاع راشد وبدأب شديد ان يحول دبي إلى أهم مركز تجاري في الشرق الأوسط ووضعها على خريطة مراكز المال والأعمال الدولية الهامة. وكان حريصا على أخذ آراء المختصين وأصحاب الشأن والتجار والمتابعة الدقيقة للخطط والمشروعات على نحو ما أشرنا إليه من قبل.
وللدلالة على قوة ذاكرة الشيخ راشد قال أحد معاصريه لجريدة البيان في عددها الصادر في 17 أكتوبر 1990 إنه كانت لديه قدرة فائقة في مجال التعامل مع الأرقام وحفظها (وكنا عندما نذهب إليه نضطر إلى الرجوع في بعض الأحيان إلى الملفات لموضوعات سابقة في حين أنه كان يتذكر كل شيء بدون الرجوع إلى أي ملفات).
وعن طريق إدارته للأمور يقوم أحد معاصريه ان صاحب السمو الشيخ راشد كان منفتحا للغاية للمناقشات، وكنا نراه ثلاث أو أربع مرات يوميا لبحث المواضيع التي تهم اقتصاد دبي وكان يشجع النقاش والحوار في مجلسه خاصة بين الذين على دراية متعمقة بالموضوع المطروح.
ويضيف ان الشيخ راشد لم يكن يتدخل في سياسة الصرف أو يفرض على إدارته أي شيء فكان يستطلع رأي البنك إذا أراد ان يمول مشروعا، وكان يسأل أولا إذا كان بمقدور البنك التمويل أو من الناحية المصرفية يرغب في دخول المشروع. ولم يحدث أن أعطانا أمرا بالدخول في مشروع بدون ان يترك لنا الخيار للدراسة وإبداء رأينا ثم الرجوع إليه، وكان يحدث ان نرفض طلبات التمويل.
وعن الصفات الخاصة للشيخ راشد يقول أنه كان إنسانا بكل ما في الكلمة من معنى، وكان حريصا على ان لا يجرح شعور الآخرين، أو ان ينتقص منهم بغض النظر عن اللون أو الجنسية، أو القومية، وكان متواضعا للغاية وحازما للغاية في الوقت ذاته.
ومن خصال الشيخ راشد أنه كان متفتح العقلية، وفي ذلك يقول و.ر.دف لجريدة البيان بتاريخ 14 أكتوبر 1990 إلى انه (الشيخ راشد) كان يستشرف قيمة المقترحات وما إذا كانت تستحق التنفيذ ام لا، مما جعل كافة العاملين معه يعتادون على عدم الإطالة في شرح أي موضوع من الموضوعات وأضاف : (لقد كان لديه دائما العديد من الأفكار باستمرار كما كان يرحب في الوقت ذاته بالأفكار الجديدة أيضا.
ووصف ماجانمال جيثاناند بانكوليا، رئيس الجمعية الهندية في دبي عام 1990 الشيخ راشد بأنه كان رجل الأفكار والمبادئ، وأنه كان لديه فهم ممتاز لتعقيدات التجارة الخارجية والتمويل. وكان مشهورا بالحزم والعدل والشورى مع الناس، وكان يتعامل مع تجار عالميين من جنسيات عديدة بمهارة خارقة ومدهشة.

رابط المقال ::: http://www.alamuae.com/al-maktoum/showtopics-6.html
آل مكتوم حُكام دبي - سيرة وتاريخ
http://www.alamuae.com/al-maktoum