دوره في تأسيس الإتحاد
كانت دولة الإمارات العربية المتحدة قبل اندماجها في كيان وحدوي، تعرف في التاريخ
بالإمارات المتصالحة، وعلى الرغم من ان ذلك الاتحاد حدث بالفعل عام 1971 إلا أن ما
كان يجمع بين تلك الإمارات قبل ذلك من سمات مشتركة تمثلت في وحدة التاريخ
والجغرافيا والثقافة والعادات والتقاليد والملامح السياسية، كان ينبئ بأن الوحدة
السياسية قادمة لا محالة، ولعل أولى بذور الاتحاد غرست في سنة 1905 عندما عقد جميع
حكام إمارات الساحل المتصالحة اجتماعا لأول مرة بناءا على دعوة من الشيخ زايد بن
خليفة آل نهيان، حاكم ابوظبي آنذاك من أجل إيجاد حل للنزاعات المتعلقة بالحدود.

والحق يقال إن حلم الوحدة لم يكن قاصرا على الحكام وحدهم بل كان يراود شعوب المنطقة
أيضا، فقد مكث قاضي رأس الخيمة في ثلاثينيات القرن العشرين مدة من الزمن في البريمي
بغية الوصول إلى صيغة من الوحدة بين الإمارات إلا أن مساعيه لم تؤت ثمارها في ذلك
الحين.
ومنذ بداية الخمسينيات حاول حكام الإمارات المتصالحة إضفاء صبغة رسمية لاجتماعاتهم،
فتم تأسيس مجلس للساحل المتصالح وعقد أول اجتماع له في مارس عام 1952 وتمخض عن تلك
الاجتماعات تشكيل ثلاث لجان فرعية اختصت الأولى بشئون التعليم والثانية بشئون الصحة
العامة والثالثة بالزراعة وكان على تلك اللجان ان ترفع تقارير عن أعمالها إلى
المجلس، وكانت تلك الاجتماعات التي كانت تعقد مرتين في العام رهن رغبات الشخصيات
التي كانت تحضرها ويشير كتاب (راشد بن سعيد آل مكتوم الوالد والباني) لمؤلفه جريم
ويلسن إلى ان اهتمامات ذلك المجلس تركزت كما يتبين من اجتماع عقد في الشارقة في 17
نوفمبر 1953 – على أمور مثل عائدات النفط وتنظيم المرور على الطرق، ووثائق السفر،
ومستشفى المكتوم، وموارد المياه.
ولقد تجلت وحدة الشعور القومي في الإمارات المتصالحة حكاما وشعبا، إبان العدوان
الثلاثي على مصر عام 1956 فقد طغت المشاعر القومية على الجميع وأعربوا عن موقفهم
الحازم بالوقوف خلف الشقيقة مصر لرد العدوان الظالم عنها.
وفي عام 1959 اتفق حكام الإمارات المتصالحة بالإجماع على شراء ممهد للطرق من طراز
كاتربيلر، وعلى تأسيس وحدة طبية صغيرة في رأس الخيمة في العام التالي.
وكان الشيخ راشد على قناعة حقيقية بأن مستقبل إمارات الساحل المتصالحة سيكون أفضل
إذا ما توحدت وأمسكت هي بزمام الأمور وقد لعب حاكم دبي دورا مؤثرا في محاولته إقناع
حكام الإمارات المتصالحة وحاكمي قطر والبحرين بضرورة خلق كيان متكامل في المنطقة
فقام بتحركات واتصالات دبلوماسية مكثفة معهم وحظيت أفكار الشيخ راشد بدعم كبير من
جامعة الدول العربية، إذ كان الأمين العام المساعد للجامعة آنذاك سيد نوفل يحبذ
النموذج الذي اقترحه الشيخ راشد للكيان الجديد وقد كُرست الجهود خلال عام 1964
لقضية الاتحاد، وفي وقت متأخر من تلك السنة دعمت جامعة الدول العربية خطت قدمت
لتوحيد الإمارات المتصالحة في إطار ما أطلق عليه (الصندوق العربي) وقد عرض الشيخ
راشد خطته في تلك الفترة على بعض حكام الإمارات في اجتماعات ثنائية قبل ان يقوم
بالإعلان عنها.

وفي عام 1965 تم إنشاء صندوق التنمية في الإمارات المتصالحة من أجل تمويل الخدمات
الداخلية وهي في الغالب كانت في مجالات الزراعة والصحة والتعليم الفني، بما في ذلك
المدرسة التجارية في دبي ومن بين المشاريع التي أنجزت كان الطريق المرصوف بين دبي
ورأس الخيمة، وعمليات المسح للتنقيب عن المياه في جميع إمارات الساحل المتصالحة،
وخطط إمداد عواصم الإمارات بالماء والكهرباء.
وتزامن مع ذلك الجهود الرامية لتأسيس إتحاد نقدي على مراحل وكانت بداية التجربة
استخدام الريال السعودي في المنطقة كلها قبل ان تبدأ البحرين بإصدار نظام نقدي خاص
بها، وعندها ظهر الدينار البحريني في المنطقة الذي استخدمته أبوظبي كذلك، في حين أن
قطر ودبي اشتركتا في تقديم ريال قطر ودبي والذي استخدمته بقية الإمارات المتصالحة.
ولم تقتصر جهود الشيخ راشد لتوحيد الإمارات على الداخل فحسب بل كان يبحث هذه
المسألة مع بعض الزعماء العرب أيضا، ففي نوفمبر عام 1964 التقى حاكم دبي بالعاهل
السعودي الملك فيصل بن عبد العزيز رحمه الله وبحث معه عددا من القضايا من بينها
مسألة تشكيل إتحاد بين الإمارات وقد التقى الملك فيصل فيما بعد بالشيخ زايد بن
سلطان آل نهيان الذي كان ممثلا لحاكم أبوظبي آنذاك حيث أعرب العاهل السعودي عن أمله
في أن تلعب أبوظبي دورا كاملا في تقريب إمارات الساحل المتصالحة لبعضها البعض.
وفي الشهور التالية ركز حكام الإمارات على وضع أسس جديدة لمجلسهم، وقد عقد أول
اجتماع للمجلس المجدد في مارس عام 1965م بدعوة من الشيخ راشد الذي استضاف المجلس في
قصر الضيافة بالجميرة وقد نجحت جهود كل من الشيخ راشد والشيخ زايد بن سلطان آل
نهيان، وبدعم من جامعة الدول العربية، في جمع حكام الإمارات السبع (أبوظبي ودبي
والشارقة وعجمان وأم القيوين ورأس الخيمة والفجيرة) بالإضافة إلى حاكمي قطر
والبحرين، وكان اجتماع تسعة قادة في نفس المكان والزمان في تلك الفترة، حيث لم تكن
فيها البنية التحتية للنقل متطورة وكان ذلك يعد إنجازا في حد ذاته.
ويعزو المؤرخون والمراقبون السياسيون في تلك الفترة نجاح مجلس الإمارات المتصالحة
في العمل بصورة أكثر حيوية إلى الجهود التي بذلها الشيخ راشد والشيخ زايد بن سلطان
آل نهيان في هذا المضمار.
وكان الشيخ راشد على دراية بالأوضاع في المنطقة بطريقة مكنته من إنجاز ما يمكن عمله
خطوة بخطوة، بدلا من التسرع في طلب المستحيل، وفي ذلك الوقت بالذات كانت الأحداث
على الساحة الدولية تتصاعد، فقد شهدت المملكة المتحدة في أواخر الستينيات من القرن
العشرين اضطرابات شديدة أسفرت عن فقدان حكومة حزب العمال تحت زعامة هارولد ويلسون
شعبيتها لأسباب إقتصادية بعد ان فرضت إجراءات تقشف لم يسبق لها مثيل منذ الحرب
العالمية الثانية وبسبب الأزمة الاقتصادية التي كانت تمر بها قررت المملكة المتحدة
في عام 1967 تخفيض نفقاتها في الخارج، وصدر بيان مقتضب عن مكتب هارولد ويلسون في 16
يناير 1968 يعلن عن انسحاب القوات البريطانية من شرق عدن وقد استقبلت منطقة الخليج
هذا الخبر بفرح واهتمام واعتبر الشيخ راشد انسحاب بريطانيا فرصة سانحة لتعزيز مجلس
الإمارات المتصالحة، وقد قدمت بريطانيا اقتراحها بالانسحاب مقرونا بدعوة أعضاء
المجلس التسعة للعودة إلى المفاوضات بمزيد من الحماس، خاصة وان كل قادة الإمارات
كانوا يدركون أن ثروات المنطقة وضعفها العسكري يجعلها عرضة للتدخل من قبل أي دولة
كبيرة ذات نوايا غير سلمية.
وقد جاء إعلان بريطانيا الانسحاب من المنطقة في وقت بدأ فيه تدفق النفط في عدد من
إمارات الساحل المتصالحة الأمر الذي أدى إلى ازدياد الأهمية الاستراتيجية للخليج،
والى شعور حكام المنطقة بالحاجة إلى خلق تعاون بينهم لصون الأمن المشترك، وفي
فبراير 1968م مهد صاحبا السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان والشيخ راشد بن سعيد آل
مكتوم الطريق بإعلانهما تأسيس وحدة بين إمارتي أبوظبي ودبي من شأنها أن تؤدي إلى
الاشتراك في إدارة الشئون الخارجية والدفاع والأمن والخدمات الاجتماعية وشئون
الهجرة والجوازات وقد تم التوقيع على وثيقة الوحدة في 18 فبراير 1968 في مكان
بالقرب من منطقة غنتوت الواقعة بين أبوظبي ودبي.
وفي 25 فبراير 1968 عقد اجتماع مماثل لذلك الذي تمخض عن إنشاء مجلس الإمارات
المتصالحة قبل ثلاث سنوات، وجه فيه الشيخ زايد والشيخ راشد الدعوة إلى حكام إمارات
الساحل الأخرى بالإضافة إلى قطر والبحرين للانضمام إلى هذه الوحدة وبعد ثلاثة أيام
من الاجتماعات المتواصلة اتفق القادة على تشكيل مجلس أعلى للقادة التسعة يكون
بمثابة الهيئة التشريعية العليا ويتولى ضمن مهامه الأخرى العمل على وضع دستور رسمي
يضع أساس للتكامل وقانونا اتحاديا على ان يضم المجلس الأعلى ثلاثة مجالس فرعية يكون
أعضاؤها مسؤولين عن الشؤون الثقافية والدفاعية والاقتصادية وقد لعب كل من الشيخ
زايد والشيخ راشد دورا رئيسيا في تحقيق الإجماع خلال ذلك الاجتماع.
وقد حظيت فكرة تأسيس اتحاد قوي ومستقر بترحيب كبير من خارج الدول التسعة وخاصة في
المنطقة العربية التي رحبت أيما ترحيب بالفكرة واعتبرتها نواة للوحدة العربية
الكبرى، وحدث في ذلك الوقت تطور مهم إذ أعلنت بريطانيا قراراها النهائي بالإنسحاب
من الخليج في 14 فبراير 1971، وتوالت اجتماعات المجلس الأعلى بعد ذلك بصورة مستمرة
حتى إذا جاء العاشر من يوليو عام 1971 عقد مجلس إمارات الساحل المتصالحة اجتماعا
وجه فيه الشيخ راشد نداءً للحكام من أجل المضي قدما على طريق الاتحاد، وفي الثامن
عشر من يوليو نفسه أي بعد مرور ثمانية أيام وقع كل من حكام أبوظبي ودبي والشارقة
وعجمان وام القيوين والفجيرة على البيان الرسمي بتأسيس دولة الإمارات المتحدة بعد
اختارت كل من البحرين وقطر إقامة دولتيهما المستقلتين وقد صادق حكام الإمارات على
الدستور المؤقت الذي حدد ملامح الاتحاد، وبموجب الدستور المؤقت تشكل المجلس الأعلى
للاتحاد وهو أعلى سلطة في البلاد والسلطات التشريعية والتنفيذية، وفي الثاني من
ديسمبر 1971 تم الإعلان رسميا عن قيام دولة الإمارات العربية المتحدة برئاسة صاحب
السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان وصاحب السمو الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم نائباً
له.
وهكذا أتت الجهود أكلها وتحققت الوحدة التي كان يتطلع إليها مواطنو إمارات الساحل
المتصالحة، وأصبحت دولته الجديدة محط أنظار العالم وإعجابه، وقد اجتمع حكام
الإمارات بوصفهم أعضاء المجلس الأعلى للاتحاد وانتخبوا صاحب السمو الشيخ زايد بن
سلطان آل نهيان رئيسا للدولة وصاحب السمو الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم نائبا للرئيس،
بينما تم تعيين سمو الشيخ مكتوم بن راشد رئيسا للوزراء، ذلك المنصب الذي شغله الشيخ
راشد فيما بعد وأصبح الشيخ مكتوم بن راشد أحد النائبين لرئيس وزراء دولة الإمارات
العربية المتحدة.
وفي فبراير 1972 لحقت إمارة رأس الخيمة بركب الوحدة ليصبح عدد الإمارات المنضوية في
الاتحاد سبع إمارات.
إن جهود صاحبي السمو الشيخ زايد والشيخ راشد في تأسيس دولة الاتحاد أصبحت ملكا
للتاريخ ولعل ليس ثمة من هو أفضل من صاحب السمو الشيخ زايد يستطيع تثمين ما اضطلع
به الشيخ راشد من دور في تحقيق ذلك الإنجاز حيث قال (الحق ان الشيخ راشد قام بدور
جاد ومخلص من أجل الاتحاد ... كما اتخذ مواقف اتجاه الإتحاد مثلما كنت أريد وأتمنى).
أما جهود صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان ودوره في تأسيس الاتحاد فقد حظي
بمديح خاص من سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم حيث قال (لولا زايد لما قام الاتحاد،
ولولا اتفاقه مع راشد لما نجحت الفكرة ولا تحولت الأمنية إلى واقع، ومن هنا
فاتفاقهما وتعاونهما هو حجر الأساس في نمو وازدهار وتطور الاتحاد الذي لا خوف عليه
لأنه قناعة كل مواطن).