دبي ... فينسيا الشرق
دبي مدينة آسرة تنام على اصطفاق أمواج الخليج العربي وبين أحضان رماله الذهبية، هي
حاضرة لإمارة خلعت عليها اسمها واستقت منها مجد ماض تليد وعنفوان شعب عريق، وهي
مدينة جمعت المجد من أطرافه وذاع صيتها في أرجاء المعمورة حتى أصبحت قبلة للسائحين،
ومقصداً للتجار والمستثمرين، وموئلاً للساعين في طلب الرزق وملاذاً لك من ينشر
الأمن والاستقرار.
دبي، أو فينسيا الشرق كما يحلو للبعض ان يسميها، تجمع بين ميزتين: كونها مركزاً
تجارياً عالمياً وكونها مقصداً سياحياً يضاهي أرقى المنتجعات السياحية في العالم،
إنها مدينة مزجت بين تقنية القرن الحادي والعشرين وبساطة وعراقة الزمن القديم. وفي
هذا التباين يكمن سحر دبي ونكهتها وفرادتها، فالزائر لدبي يدهشه ذلك

النشاط الدفاق والحركة الدؤوبة التي تمور بها المدينة، وتفتنه أبراجها الحديثة التي
تكاد تلثم النجوم من فرط طولها وتأسره في الوقت ذاته أبراج التهوية العتيقة التي
برع في هندستها إنسان دبي القديم حينما لم تعرف تقنية التكييف الحديثة طريقها إليه
آنذاك، وأسواق دبي العامرة طبقت شهرتها الآفاق، وأصبحت مركز جذب للمتسوقين يفدون
إليها من كل حدب وصوب، ففي أسواقها الشعبية يجد كل ذي حاجة مبتغاه، وفي مراكزها
التجارية الراقية يكون للتسوق متعة لا تضاهيها متعة، وفي ميادينها وحدائقها الغناء
ومرافق التسلية والترفيه ينسى الناس همومهم ويغسلون أحزانهم.
ولا يحسبن أحد أن كل هذا المجد الأثيل قد تحقق بين يوم وليلة، أو في غمضة عين
وانتباهتها، بل بعد جهود شاقة وعمل متواصل ليلاً ونهاراً، فقد كانت دبي أشبه
بالقرية الصغيرة التي يمتهن معظم رجالها حرفة صيد الأسماك واللؤلؤ حتى ان
البرتغاليين حينما جاءوا إلى المنطقة غازين لم يعيرو تلك القرية اهتماماً.
ويحدثنا التاريخ أن دبي ظلت مغمورة حتى أواخر القرن الثامن عشر وبدايات القرن
التاسع عشر عندما بدأت التجارة فيها تنتعش، ولم يكن تحول دبي من قرية صغيرة إلى
مدينة عالمية بكل المقاييس أمراً عادياً بل هي المعجزة في أوضح تجلياتها وهو التحول
الذي جعل كاتباً مثل د.ك نبليون يقول عنها في كتابه (ابوظبي وساحل عمان في موكب
التطور). (إن دبي مدينة جميلة والكل يعترفون لها بهذه الميزة سواء كانوا سكاناً أم
زواراً، فالبيوت والمكاتب والمستودعات والأرصفة والخلجان تحتل ضفتي الخليج على
الجانبين، وهي تذكر الإنسان بروعة مدينة البندقية وجمالها، وفيها الزوارق الصغيرة
التي تنقل المواطنين من ضفة إلى أخرى).
ووصفها آخرون بأنها لؤلؤة الخليج ودرة المدائن العربية، لقد أضحت دبي حقا مدينة
المال والأعمال والإستثمار والمؤتمرات الإقليمية والدولية بفضل شبكة المواصلات
والإتصالات الحديثة والموانئ البحرية والبرية والجوية المتطورة والفنادق والنزل
الفخمة والمرافق العامة المريحة والمجمعات الرياضية المتكاملة وملاعب الجولف والتنس
ومضامير سباقات الخيل والهجن التي لا نظير لها في المنطقة.

أما إنسان دبي فقد ناله من الرخاء قسط وفير وحظي باهتمام من المسؤولين كبير،
فالمدارس المزودة بأحدث وسائل التعليم بنيت في كل أرجاء الإمارة والمستشفيات
والمجمعات الصحية والمرافق العامة الحديثة وأجهزة الحفاظ على البيئة منتشرة في كل
مكان. والحق يقال إن هذا الإهتمام لم يقتصر على إنسان دبي وحده بل شمل كل شعب دولة
الإمارات العربية المتحدة.
وبلد هذا شأنه حري به أن يحتل مكانته في المحافل الدولية، وقد كانت دبي سباقة في
الإنفتاح على العالم شرقه وغربه بتوازن مدروس يضع مصلحة البلاد العليا ورفاهية
مواطنيها فوق كل اعتبار. ولم تعد دبي تلك البقعة التي ظلت تعيش ردحاً من الزمان على
هامش ما يجري في العالم من أحداث، فقد أصبحت هي التي تصنع الحدث وتحتضنه، وبات لها
حضور فاعل في مختلف المنتديات الإقليمية والدولية.
لم يكن انتقال دبي إلى عصر الحداثة هيناً كما قلنا. صحيح ان اكتشاف النفط كان نقطة
تحول فارقة في تاريخ الإمارة، لكن الأصح هو أن مثل هذا الإنتقال ما كان له أن يتحقق
لو لم يقيض الله لها رجلاً نذر حياته لخدمة بلاده وازدهارها. رجل ظل يعمل من موقع
المسؤولية بجهد لا يلين وعزم لا يستكين حتى أواخر أيامه في هذه الدنيا من أجل هدف
واحد هو أن يرى بلاده تتبوأ أعلى المراتب وتبلغ أسمى درجات العلا بين دول العالم.
ذلك هو الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم الرجل الذي عشق دبي فمنحها كل حبه وفتن ببلده
الكبير دولة الإمارات العربية المتحدة أيما افتتان وكان ثاني إثنين، مع صاحب السمو
الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة، ممن رأوا حلمهم في الإتحاد يصبح حقيقة.