الصفحة الرئيسية
الكُتب والمراجع والحقوق
عدد الأقسام : 6
عدد المقالات : 224
عدد زوار المقالات : 163779
المتواجدين حاليا :
 
البحث فى المقالات
 
 
الصفحة الرئيسية » الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم - رؤيتي » الفصل الأول - نبض التنمية
تاريخ الإضافة :: 23/01/2007   ||   عدد الزوار :: 1556

نبض التنمية - الفصل الأول


الغزال والأسد

مع إطلالة كل صباح في إفريقيا يستيقظ الغزال مدركاً أن عليه ان يسابق أسرع الأسود عدواً وإلا كان مصيره الهلاك. ومع إطلالة كل صباح في افريقيا يستيقظ الأسد مدركاً ان عليه ان يعدو أسرع من أبطأ غزال وإلا أهلكه الجوع. لا يهم إن كنت أسداً أو غزالاً فمع إشراقة كل صباح يتعين عليك ان تعدو أسرع من غيرك حتى تحقق النجاح.
لقد استطاعت دولة الإمارات العربية المتحدة منذ قيامها عام 1971 ترسيخ مكانتها الحضارية والاقتصادية المتميزة بفضل القيادة الحكيمة والنظرة المستقبلية البعيدة للشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، ولوالدي الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم ولشقيقي الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم، طيب الله ثراهما، وإخوانهم أصحاب السمو حكام الإمارات.
وخلال هذه الفترة كان لدولة الإمارات السبق في عدد كبير من الإنجازات المرموقة على مستويات وحقول عدة لكن السباق لا يزال مستمراً. إذا وضعنا في اعتبارنا ضرورة الاستمرار في تحقيق المزيد لاستغلال أكبر عدد من فرص التنمية المتاحة في إطار العولمة فربما أمكن القول بأن السباق الكبير لم يبدأ بعد فكل ما فعلناه حتى الآن هو الاستعداد لمرحلة بدأت في العقدين الأخيرين من القرن الماضي ثم تسارعت خطواتها خلال السنوات السبع الأخيرة كمقدمة لما يمكن أن يصبح أسرع سباق اقتصادي عرفه العالم خلال المئة سنة الماضية.
الجائزة كبيرة والفشل كارثة وطنية وقومية لذا سنعدو مع العدائين كلهم عندما تشرق الشمس في الصباح، ثم سنعدو مع العدائين كلهم عندما تغرب كل مساء لكننا لسنا في السباق لكي نعدو فقط بل نريد الفوز. من يعرف اسم ثاني شخص هبط على سطح القمر أو تسلق قمة إيفرست؟ الحصان الثاني لا يعرفه أحد لذا لابد ان نكون في المقدمة، ثم نريد ان نحقق المهمة الأصعب ونظل في المقدمة.
للتنمية الصحيحة نبض مثل نبض الحياة وكلتاهما لا تعرف التوقف أو الاستراحة أو الهدف النهائي. تنمية الدول وتطويرها بالصورة الصحيحة لا يمكن ان يحدثا صدفة بل من خلال الجهد المتواصل لخدمة المجتمع والوطن والأمة. هذه مهمة كبيرة تتطلب من الحكومة وجميع الناشطين في القطاعين الخاص والعام النهوض بها ووضعها نصب أعينهم وبذل المزيد من العمل والوقت والجهد لتطوير الأداء وزيادة الكفاءة وتوسيع الأسواق وتحسين الخدمات المقدمة لتعزيز قدرات الدولة التنافسية في ظل المتغيرات السريعة التي نعيشها في هذا العالم السريع المتغير.
إن عمق التزامنا تجاه وطننا يحتم علينا خدمة مجتمعنا وتبني قضاياه فالقيادة وكيلة الشعب وواجبها الأول رفعة إلى أعلى مستويات النمو الاقتصادي والتعليم والصحة والأمن والاستقرار والراحة وحرية الحركة. يجب ان نوفر كل هذا الآن، وفي المستقبل. يجب ان نحقق كل الأهداف التي تضمن للشعب دوام الخير والمستقبل الزاهر. لقد وضعتنا قيادة هذه الدولة في المركز الأول ورسخت في نفوسنا الإيمان بضرورة تحقيق التميز في كل المجالات، وكل من يعمل في الحكومة يحمل على عاتقه مسؤولية كبيرة هي العمل بعقله وروحه وقلبه على الاستمرار في تحقيق النجاح تلو الآخر والإنجاز تلو الإنجاز والسبق وراء السبق أسوة بما حققه السلف وما نتوقعه من الخلف. هذا ليس طريق صنع الحاضر فقط بل طريق صنع المستقبل، فالشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، فقيدنا الأعز، لم ينتظر أن يكتب عنه التاريخ بل صنع التاريخ بنفسه، والشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، طيب الله ثراه، لم ينتظر ان يكتب عنه التاريخ بل صنع التاريخ بنفسه، هذه هي القدوة التي نعرفها، وهذه هي الأمثلة التي قدمتها لنا قيادتنا، التاريخ لا يرحم الضعيف ولا يجامل القوي، ونحن أيضاً يجب ألا ننتظر ان يكتب عنّا التاريخ، وليكن كل حرف في سجله إنجازاً أو مشروعاً أو عملاً متميزاً يعزز المكانة التي تحتلها الدولة.

التقدم والتخلف
إن لم تكن في الطليعة فأنت في الخلف. إن لم تكن في المقدمة فأنت تتنازل عن مكانك الطبيعي لصالح منافس آخر ربما كان أقل منك مقدرة واستعداداً وإبداعاً. إن كنت دخلت السباق ولم تفز في المرة الأولى فلا بأس. هذا ليس فشلاً بل كبوة، وجميعنا يعرف ان لكل جواد كبوة. الفشل الحقيقي في رأيي ليس أن تقع على الأرض لكن أن تظل على الأرض عندما يُطلب منك الوقوف. والفشل الأكبر هو ألا تريد أن تقف مرة أخرى. إن كانت كبوة فعليك دراسة أسبابها واكتشاف مكامن الخطأ وتصحيح الوضع والعودة إلى السباق بأسرع وقت ممكن وفي عينيك طموح الفوز. هذا إن كنت تريد الفوز، وإن لم تشأ ان تكون في المقدمة لسبب ما فأنت في الواقع تعترف لنفسك وللآخرين بأنك لست أهلاً لهذه الصدارة وحان الوقت لتتويج فارس جديد والقبول بنتائج الهرولة خلف الأمم العداءة.
نحمد الله أن هذا شيء لا نعرفه في الإمارات لأن قيادتنا تعرف ان (الخلف) في الاقتصاد ليس مجرد موقع. الخلف في الاقتصاد يعني التخلف والصدارة تعني النهضة الشاملة والتنمية الكبيرة. ذاك يعني البطالة والجهل والفقر والمرض وهذه تعني العكس تماماً. التخلف الاقتصادي ليس مجرد تراجع فقط بل وصفة مسموعة لموت بطيء يصيب التنمية. وعندما تتوقف التنمية ينضب النبع الذي يسقي الشعوب فتنشب فيها الأزمات وينهار الأمن والاستقرار وتتقوض الأساسات التي ترتفع فوقها الأمم ويهيمن عليها التسلط والظلم وتخسر خلال سنوات قليلة من الركود معظم النمو الذي كسبته على مدى عقود كثيرة من العدو في مضمار التنمية، والمكانة والاحترام.
عالمنا ليس مثالياً لذا يمكن ان ننظر شرقاً ونجد في بعض بلدان الشرق المنكوبة أمثلة حية على مثل هذه المعاناة. ويمكن أن ننظر غرباً ثم جنوباً ونجد أمثلة مشابهة، لكن لا حاجة لأن ننظر خارج منطقتنا. يمكن الحديث عن الحرب كما يفعل الكثيرون لكني أفضل الحديث عن السلام. لماذا؟ لأن ديننا دين سلام وتحيتنا تحية السلام ومبتدى حديثنا ونهايته هو السلام وحتى كلمة الإعجاب عندنا هي السلام.
أنا وزير الدفاع في دولة الإمارات العربية المتحدة إلى جانب مسؤولياتي الأخرى نائباً لرئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، لذا أعرف ويلات الحروب وأعرف أنها لا تقدم الحلول ولا تنهي المشاكل بل تفاقمها أحياناً. سر عظمة الأمم ليس في جبروتها العسكري ففي العالم اليوم أمثلة عدة على دول تتمتع بقوة عسكرية جبارة لكنها بلا حول لأن قوتها الاقتصادية ضعيفة، وفيه أمثلة على دول لا تملك جيوشاً كبيرة لكنها من القوى الاقتصادية العظمى. الأمم تتقدم على الأمم الأخرى بتقدم اقتصادها وتتراجع بتراجع اقتصادها ولا نعرف في التاريخ أمثلة أثبتت العكس فترة طويلة.
نحن العرب كنا هكذا. كان الإيمان بالله ثم التصميم على الفوز في سباق أمم ذلك الزمان طريقنا إلى مغارب المعمورة ومشارقها. كانت قوتنا الضاربة متقدمة على الأمم الأخرى آنذاك ومكنتنا من تحقيق بعض أعظم الانتصارات العسكرية التي عرفها العالم وبناء أكبر قوة على وجه الأرض في تلك الحقب. لكن للزمن دورة طبيعية تهبط فيها العزائم وتضعف الهمم وتضمحل الدول ولا يبقى من مجدها سوى التراث.
وعندما ننظر من موقعنا الحاضر إلى الماضي سنكتشف ان العرب لم يكونوا قوة عسكرية عالمية فقط متقدمة على كل أقرانها بل كانوا أيضاً قوة اقتصادية وبحرية عالمية متقدمة على كل أقرانها، كما الفينيقيون واليونان والرومان قبلهم، وكما الدول الأوروبية في العصور الأقرب إلينا والولايات المتحدة الآن.
وعندما خرج أبو جعفر المنصور يرتاد موضعاً يبتني فيه مدينة فإنه لم يختر مدينة السلام ببغداد لحصانتها ويسر الدفاع عنها أو لاعتمادها لشن الحرب على الآخرين بل لأنها كانت على مفترق الطرق التجارية والبحرية آنذاك : (هذا موضع معسكر صالح. هذه دجلة ليس بيننا وبين الصين شيء، يأتينا فيها كل ما في البحر وتأتينا الميرة من الجزيرة وأرمينية وما حول ذلك، وهذا الفرات يجيء فيه كل شيء من الشام والرقة وما حول ذلك).
الاقتصاد عصب الحياة اليوم كما كان عصب الحياة في الماضي وسيكون عصب الحياة في المستقبل. إنه الخبز والكتاب والاستقرار والرخاء والسياسة وجوهر العلاقات والمصالح بين الشعوب ومئات الأشياء الأخرى التي يحتاجها الإنسان. وتوافر كل هذا مع عناصر معينة أخرى يمكن أن يسهم في إطلاق شرارة الإبداع في جمهرة معينة من الناس فيندفع كل منهم وراء الرؤية التي يعرفها ويبدأ جهد بناء الحضارة.
معظم الحضارات التي عرفها التاريخ لم تعمر طويلاً ولم تترك بصماتها المستديمة في المسيرة الحضارات الأسبق ثم تعبر الجسور القديمة إلى آفاق جديدة من التطوير والتميز. ومتى؟ عندما يتحول شعب بكامله إلى فريق عمل واحد. نحن اليوم في الإمارات هكذا، ونحن اليوم في دبي هكذا.
ومتى أيضاً؟ عندما يرحم الله شعباً فيرسل فيه قيادة متميزة واعية تطلق عقال الحرية والتميز والإبداع والتطوير لدى المتميزين والمبدعين والمطورين. نحن اليوم في الإمارات هكذا.
هذه هي عموماً معادلة صنع التطور والحضارة وسرها الكبير. خمسون سنة من الإبداع والتميز المكثفين يمكن ان تدفع أمة بأسرها ألف عام.
نحن العرب كنا هكذا. اللغة العربية اليوم هي السادسة في ترتيب لغات أكثر من ستة مليارات شخص لكن جاء يوم كانت العربية لغة العلوم والرياضيات والطب والسياسة والدبلوماسية، وظل العلماء والرياضيون والبناؤون والاطباء والمؤرخون المسلمون والعرب أساتذة الأساتذة وفلاسفة الفلاسفة ومعلمي المعلمين نحو ألف عام.
لكن الحضارة أكثر من هذا. إنها التجارة والصناعة والعمارة ومئات النشاطات الأخرى. في العالم اليوم أين يوجد قصر بمثل جمال قصر حمراء غرناطة، أو ضريح بصفاء تاج محل، أو مسجد برونق وخلود مسجد قرطبة الكبير؟
هذه ليست محاولة لنكء جراح الأمة. كثيرون يفعلون هذا عن قصد أو غيره وأنا أريد ان أتجنب الحالتين داخل هذا الكتاب وخارجه وفي كل المواقف والمناسبات الأخرى لأني أعتقد ان الأمة العربية من أعظم الأمم. نحن نحترم حضارات الآخرين ونعترف باسهاماتها في المسيرة الإنسانية ونقدر في أصحابها اعتزازهم بحضارتهم لأني أعتز بحضارتي. يكفي ان اسمع كلمتي (الحضارة العربية) فأعرف بالضبط ما الذي يعنيه ذلك. يمكن ان استعرض عشرات الخصال والمبادئ التي تتصف بها هذه الحضارة لكن مبدأ واحداً يستوقفني دائماً واعتقد انه يمكن ان يلخص كل شيء بكلمة واحدة سأكشفها للقارئ الكريم في مكانها الصحيح.

المبدع والتابع
أنشدني شاعر مرة قصيدة فاضت على 50 بيتاً فألهمني الله رداً فورياً من ثلاثة أبيات :
يا مرحبا بضيفنا وألف مرحبا
ترحيبة تسمع لها ترجيع

وجيت في دارك وبيتك ومنزلك
في وسط دار والمحل وسيع

والعز له دربين بادع وتابع
واللي حوى الاثنين صار رفيع


ما الذي أقصده هنا؟ إذا واجهت تحدياً يتطلب إيجاد الحل أو اتخاذ القرار فأمامك خياران : إما أن تأخذ فكرة من سبقوك وتتبعها، وإما ان تستفز همة قدراتك الإبداعية وطاقتك العقلية وتطور فكرة جديدة وعملاً جديداً. بعض الأفكار الشائعة مطروحة في درب التنمية الدولي منذ سنين نقلتها دولة عن دولة ثانية والثانية عن الثالثة وامتص الجميع رحيقها فلم يعد فيها من الفائدة شيء. إذا كانت هذه الأفكار (المستعملة) تناسب الآخرين فهي لا تناسبنا لأن طموحاتنا أكبر من هذا بكثير ولا يرتضي لنا الطموح ان نكون تابعين.
المشروع هو الفكرة وإذا لم نجد الفكرة الجديدة فلا نريد المشروع لانه لن يكون مشروعاً جديداً بالمواصفات العالية التي وضعناها لأنفسنا، ولأجل هذا نعتقد ان أقصر طريق للوصول إلى المستقبل المشرق الذي نريده هو طريق الريادة ومن أراد أن يتبعنا بعد ذلك فليفعل.
كل من يعمل في التنمية يبحث عن الأفكار ويقارن هذه بتلك وتلك بالأخرى، وهؤلاء يعرفون من هو صاحب الحلول المبتكرة ومن هو صاحب الحلول المستعملة. لم نصل إلى هذه المرحلة بين ليلة وأخرى لكننا اكتسبنا مصداقية دولية في هذا المجال وصار الآخرون يدرسون حلولنا ويلجأون إليها بعدما جربوا الحلول الأخرى، وأصبحنا نحن الدولة الصغيرة نبني مشاريع وندير موانئ في دولة كبيرة ومهمة مثل الهند وكوريا الجنوبية وهونغ كونغ وغيرها. لم أسمع فكرة تنموية قديمة منذ وقت طويل ولا أريد أن أسمعها الآن أو في المستقبل، ولأجل هذا لا يأتي أحد إليّ بفكرة عتيقة لأننا نريد تنمية رائدة جديدة ولا مكان في الرائد والجديد للمتخلف والعتيق.
إن وجود هذا العدد الكبير من المبدعين ذوي الكفاءات العالية المدفوعين بالرغبة والتصميم على تقديم الأفضل على رأس فريق العمل أو في صفوفه دليل على نجاح سياستنا في تطوير الموارد البشرية، وسنستمر في وضع هذا الهدف في رأس أولوياتنا انطلاقاً من إيماننا بأن أبناء وبنات الإمارات أغلى ما في وطننا، وهم ثروتنا الحقيقية ومفتاح نجاحنا في الحاضر والمستقبل.
وعندما أسمع بعض مديري الشركات يشتكي من صعوبة العثور على الموظفين المناسبين أتساءل كيف توصلوا إلى هذه النتيجة، ولماذا لم يلتقوا مئات الشباب والشابات المدربين والمؤهلين الذين التقيتهم في الاجتماعات والمناسبات الرسمية أو غير الرسمية؟ أعتقد أن مهام مديري الشركات والمؤسسات والمشاريع يجب ان تتضمن اختيار مجموعة مناسبة من الموظفين ذوي الكفاءات العالية وتدريبهم تدريباً خاصاً لكي يصبحوا مديرين مثلهم في المستقبل. لكن هذا لا ينطبق فقط على الشركات فأنا أعتقد أنه من واجب القائد ان ينمي القدرات القيادية لدى من يعرف فيهم الكفاءة والإبداع والاستعداد ليتمكن هؤلاء في الوقت المناسب من تنمية القدرات القيادية لدى العاملين معهم.
هذا يحدث في معظم الحالات لكن ليس دائماً. بعض القياديين والمديرين لا يريد ولا يحبذ وجود رجل ثان كفؤ ومؤهل في الدائرة التي يعمل فيها لأنه يخشى أن ينافسه ويأخذ مكانه. نحن نخالف هؤلاء الرأي فالقيادي لا يستطيع التواجد في كل الأماكن، ولا يستطيع القيام بكل الأعمال في الوقت نفسه. عليه أن يفوض جزءاً من صلاحياته إلى مرؤوسيه وإلا سينهمك بالجزئيات ويغرق في التفاصيل، ولن يجد الوقت الكافي للقيام بالعمل الأساسي الذي يجب عليه القيام به وهو تطوير العمل وابتكار الحلول. إذا استمر هكذا فسوف يتحول إلى إنسان دائم الشكوى من قلة الوقت لا لأنه مثقل بالعمل الخلاق والمجدي بل لأنه يريد متابعة كل صغيرة وكبيرة لذا يغرق في التفاصيل فتضيع عليه الصورة الكبيرة.
وما هي هذه الصورة الكبيرة؟
الصورة الكبيرة بالنسبة له ولنا وللوطن هي البقاء الذي هو محرك الحياة لذا ترى الكائنات كلها وهي تحاول إما اللحاق بفريستها، أو الهروب من مفترسها في كل ثانية من حياتها. البقاء لا يتحقق بالتمني، واستمرار النمو يتطلب جهداً جباراً وانتباهاً كاملاً شاملاً واستعداداً دائماً لكل طارئ محتمل.
نحن نعيش في مجتمعات متحضرة لكن عالم الأعمال يمكن ان يكون مثله مثل الغابة السباق فيها لاقتناص الفرص وتحقيق الأرباح والتوسع. رجل الأعمال الناجح يجب ان يتربص بالفرصة الجيدة ويقتنصها قبل الآخرين. إذا تبدت له لحظة عليه ان يتبينها جيداً، وإذا تأكد أنها الفرصة المناسبة يجب ان يسبق الآخرين إلى تنفيذها. الفرق بين من يقتنص هذه الفرص ومن يضيعها ليس كالفرق بين التوسع والانكماش فقط أو بين الثروة والإفلاس بل كالفرق بين البقاء والفناء. يجب ان نفكر هكذا طول الوقت ومعظمنا يفعل هذا لكن لي كلنا.
جلست وأعضاء الحكومة مرة نستعرض أهدافنا بما يخص الاقتصاد الإلكتروني والتجارة الإلكترونية وتطوراتهما العالمية، وبينت ان علينا ان نستبق الآخرين لاقتناص الفرص التي يمكن ان يتيحها الاقتصاد الجديد. بعض هؤلاء قال : لا، إذا جاء هذا الاقتصاد سنتماشى معه.
قلت لهم : يا إخوان ! هذا الكلام غير مقبول. إذا كنت سأكتفي بالتماشي مع التطورات فإنني سأكون متأخراً. إلى متى سنظل نواكب الأحداث؟ المواكبة لا تعني السبق. إنها تعني السير مع الآخرين. أين التقدم في هذا ؟ إذا كان كل ما تصبو إليه هو الوصول إلى مستوى الآخرين فإنك لن تتقدمهم أبداً. يجب ان نأخذ بزمام الأمور لأننا إن لم نفعل هذا فنحن تابعون ومتخلفون، وكل الخطوات التي نعتقد أننا نخطوها إلى الأمام هي خطوات إما مع المسيرة أو خلفها لذا لا توجد في هذين المكانين الفرص التي نريدها.
لا بد أن نأخذ الأولوية. لابد ان نكون في المقدمة. إن لم نفعل هذا فستفوتنا الفرص الكبيرة ولن يبقى لنا سوى فتات طعام الأسود. الله أعطى المؤمن البصر والبصيرة. البصر ليرى ما حوله في يومه، والبصيرة لكي يحسب عواقب الأمور ونتائجها ويفكر بما يمكن ان يحمله إليه غده. المستقبل سيأتينا بتحديات كبيرة لا يمكن التكهن بها لهذا يجب ان نستعد لكل شيء. هذه التحديات قادمة وكلنا يسمع هديرها فلماذا ننتظر وصولها قبل أن نتحرك؟
تبارك الله تعالى في كل شيء. تجد في الناس القوي والضعيف، الغني والفقير، المتبوع والتابع، المبدع والمقلد، وصاحب البصيرة وفاقدها. جاء وقت كان العرب فيه تابعين ومقلدين، لذا كانوا أمة صاغرة تسير راضية مرضية وراء الأمم الأخرى، ثم تغيرت أحوالهم فعلا مجدهم ونشطت تجارتهم وعمارتهم وعلومهم وفنونهم وصناعاتهم فصارت الأمم الأخرى تابعة لهم وصارت تقلدهم. متى حدث ذلك؟ عندما حققوا ذاك المبدأ الذي يمكن ان يلخص جوهر الحضارة العربية الإسلامية بكلمة واحدة : الريادة.
الريادة في الإسلام، الريادة في الحرب، الريادة في الإدارة، الريادية في العلوم، في العمارة، في التجارة، في الطب والتاريخ والصناعة والدبلوماسية ... الريادة، الريادة، الريادة. ليس على مدى عقدين أو قرنين أو خمسة، بل على مدى ألف عام لذا يمكن القول بأن الحضارة الإسلامية العربية كانت حضارة التميز والريادة.
الحاجة أم الاختراع، لكن الحاجات أنواع وأصناف يمكن ان يندرج بينها مفهوم الريادة. الريادة بالنسبة للعرب آنذاك لم تكن للتباهي بل حاجة حيوية ومطلبا أساسياً ليس للتقدم والازدهار فقط بل للبقاء. عندما طور العرب نظم الإدارة الرومانية مثل البريد والنظام النقدي فإن التطوير كان الوسيلة الوحيدة لتنظيم حياة الناس وضبط الأقاليم الكبيرة التي فتحوها.
وعندما اخترع العرب الشراع المثلث فإنهم فعلوا ذلك لأن وجود هذا الشراع يمكن السفن من الإبحار حتى لو لم تهب الريح القوية المواتية. ما الذي يعنيه ذلك؟ يعني ان التاجر العربي صار يستطيع نقل بضائعه إلى موانئ العالم القديم قبل سفن الآخرين ذات الأشرعة المستطيلة، وبيعها قبل الآخرين وبناء الثروة وفرص العمل قبل الآخرين، أي انه صار تاجراً متميزاً لذا صار البقاء إلى جانبه.
التطبيقات العملية للعلوم التي كان فيها العلماء المسلمون رواداً أكثر من ان تعد أو تحصى. الجغرافيا كانت مهمة لمعرفة الأقاليم وطرق التجارة، وتقدم علم الفلك صار يمكن هذا التاجر من الإبحار ليلاً مهتدياً بمواقع الكواكب والنجوم بدلاً من انتظار طلوع الفجر كما يفعل منافسوه، وتطوير البوصلة صار يمكن التاجر من الإبحار عندما يحجب الغيم النجوم والكواكب، والتوغل في عمق البحار بدلاً من مسايرة الشواطئ، ماذا يعني كل هذا؟ يعني ان حركة التجارة العربية نشطت وصار التاجر العربي ينقل البضائع من ميناء إلى آخر بسرعة ويستطيع تسويقها، بل حتى تسويق محصول سريع العطب مثل التين المنتج في مالقا بالأندلس في (بلاد المشرق والمغرب).
وماذا يحدث عندما يصبح التاجر العربي رواداً؟ ستجدهم في كل موانئ العالم القديم، وستجد أنهم سيطروا على الطرق التجارية البحرية الدولية ومعابرها ومنافذها حول خط تجاري امتد أكثر من عشرة آلاف كيلومتر من شمالي الصين إلى ممباسا على ساحل افريقيا الشرقي.
إذا تساءل البعض لماذا لم تنته الأمة العربية في القرن الثالث عشر، عندما اقتحم الاسبان والفرنسيون أكبر مدن الأندلس وشردوا أكثر من مليوني نسمة، وعندما اقتحم التتار المشرق ودخلو بغداد سنة 1258م وقتلوا المستعصم فلعل الجواب هو استمرار سيطرتهم على الخطوط التجارية البحرية الشرقية. صارت الريادة العسكرية لأمم أخرى، لكن الريادة التجارية في تلك المنطقة المهمة من العالم بقيت في أيديهم، واستمرت كذلك حتى غزت الأساطيل البرتغالية موانئ الخطوط التجارية البحرية الشرقية ومزقت النفوذ العربي على تجارة ناشطة استمرت مئات السنين. فجأة تلاشت الثروة وانتهت مرحلة السيادة التجارية وبدأت مرحلة ساد الأمة فيها الفقر والجهل، وبدأ العرب يتصرفون كأنهم لم يعرفوا في تاريخهم سوى الفقر والجهل. تلك كانت بداية تراجع حقيقي استمر إلى عقود قليلة ماضية فقط.
لقد كان البرتغاليون غزاة مستعمرين وبسطوا سيطرتهم على المناطق التي احتلوها بالقوة العسكرية والبطش لكن سفنهم وصلت إلى الخليج وبحر العرب والهند باستخدام الوسائل العربية أو الوسائل المطورة عن صناعات واختراعات عربية: السفن التي ورثوا أحواض صناعتها من الموانئ العربية في البرتغال، أدوات الثلث والاسطرلاب التي طورها العرب، ونجد مئات من نماذجها في متاحف أوروبا واميركا، والأشرعة. حتى الطريق البحري إلى الخليج والهند استهدوا إليه بمساعدة الملاح العربي أحمد بن ماجد. وهذا كله لا يهم. لا يهم من أين جاء البرتغاليون بسفنهم واسطرلاباتهم وخرائطهم وأدلتهم من الملاحين، المهم أنهم اكتسبوا الريادة بينما خسرها العرب وظلوا أمة بحرية وتجارية رائدة حتى أفل نجمهم يوم هزمهم المغاربة وقتلوا ملكهم سباستيان في معركة القصر الكبيرة عام 1578.
إذا فقدت الأمم العادية ريادتها فإن استعادتها تكون مثل صعود الكسيح الجبال. حتى لو لم ينجح البرتغاليون في قصم ظهر القوة العربية التجارية البحرية، فإن العرب كانوا سيخسرون الحرب التجارية لأنهم خسروا رهان الريادة. الشراع المثلث كان حاسماً في وقته، ثم عندما استخدمته السفن الأسبانية والبرتغالية مطوراً للوصول إلى المستعمرات الأسبانية والبرتغالية في العالم الجديد لكنه لم يعد يعني شيئاً بعد اختراع القوة البخارية ثم المحركات، وبات شيئاً ينتمي إلى الماضي ورمزاً للتخلف. وعندما خسر العرب الحرب التجارية بدأوا يخسرون الحروب الأخرى ثم استقلالهم وعادوا إلى حال التقليد والتبعية لأن (المغلوب)، كما يقول ابن خلدون، (مولع أبداً بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده).
وكان الوطن العربي يعيش وضعاً قريباً من القرون الوسطى التي عرفتها أوروبا عندما بدأت الاختراعات العظيمة اعتباراً من آخر القرن التاسع عشر في تغيير صورة الغرب فصارت له الريادة ووصل إلى مرحلة عالية من التقدم ودانت له الدول وتحولت إلى أسواق استهلاكية لمتوجاته وصناعاته وتجارته.
نحن العرب كنّا هكذا لكن سأبوح لكم بما في خاطري وأقول نحن العرب يمكن ان نكون هكذا مرة أخرى. إن الرؤية لدى جيل معين يمكن أن تنتكس فتتحول إلى حلم لدى جيل أو أجيال أخرى. هذا حدث للعرب في الماضي وأمامنا فرصة تاريخية لتحويل الحلم إلى رؤية مرة أخرى لكن لابد اولاً من ان نستعيد تلك الخصلة التي خسرناها : الريادة.

الاقتصاد الجديد
بعضنا يقفل الباب على نفسه ويغلق النوافذ ويسدل الستائر ثم يطفئ النور ويفتح لنا يديه ويسأل في ظلام دامس : أين هي العولمة؟ لا أرى شيئاً. هذه من السلبيات التي يجب ان نقتلعها من عقولنا ونطرحها أرضاً. القعود في العتمة لن يجعل العولمة تختفي فهي آتية شئنا أم أبينا. في العولمة ضرر ونفع فلنأخذ الصالح منها ونترك الطالح بهدف أساسي هو تقليص الفجوة الكبيرة بيننا وبين الدول الصناعية.
العولمة هي بيئة التعامل الدولي الذي سيسود في المستقبل، ولها الآن مرتكزات اقتصادية وانتاجية واتصالاتية وتقنية متميزة. لا يوجد خطر علينا في عالمية التوجه والسباق فالإسلام عالمي في التوجه والرسالة، والحضارة العربية عالمية التوجه والتطبيق، ورؤيتنا لدبي عالمية في المضمون والامتياز والمنافسة.
إن انتهاج مبدأ العالمية في التجارة والاقتصاد والعلوم والتنور هو الذي عاد على العرب وباقي الأمم الإسلامية بالخير والرفعة فلماذا نريد أن نرفضها الآن بينما نحن أحوج إليها من أي عصر مضى؟ وإذا رفضناها فيما هي البدائل التي نريدها؟ الله خلق الشمس لجميع البشر وأعطى كل إنسان الحق في التمتع بنورها ودفئها لذا لا نستطيع ان نعيش في الأقبية ونشتكي، يجب ان نفتح الأبواب والنوافذ ونخرج إلى الشمس ونسابق وننتزع حصتنا من ثروة العالم وخيره. إذا جلسنا في الأقبية فإننا نتنازل عن حقنا للآخرين ونعطي الخير الذي نستحقه لغيرنا ونحن نريد حقنا كاملاً وخيرنا كاملاً ونأبى ان نكرر أخطاء الماضي عندما أخفقنا في الاستفادة من الثورتين التجارية والصناعية في قرون الغيبوبة الاقتصادية.
وإذا استعرضنا التاريخ الاقتصادي سنجد فيه ملامح واضحة لعصرين إنتاجين أساسين تلاحقا على العالم هما العصر الزراعي والعصر الصناعي وبرزت خلال العقدين الماضيين مقدمات تشكل عصر اقتصادي ثالث يطلق عليه البعض اسم اقتصاد المعلومات. هذا الاقتصاد وضع عالمي مترابط يغطي معظم المجالات لذا فإنه عصر العولمة. إنه يتطلب سرعة فائقة في التجاوب ويعتمد على التقنيات العالية القادرة على توفير هذا المستوى المرتفع من التجاوب لذا فإنه عصر التقنية. إنه اقتصاد غير منظور يهتم بالمعرفة والأفكار المبدعة لذا فإنه عصر العقل المبدع.
الصناعة لم تحل محل الزراعة واقتصاد المعلومات لن يحل محل الاقتصاد الصناعي. الثورة الصناعية لعبت دوراً اساسياً في تطوير الزراعة، وتقدم التقنية لعب دوراً اساسياً في تطوير الصناعة لذا فإن الأهمية الكبرى لاقتصاد المعلومات لا تكمن في قيمته فقط كقطاع قائم بذاته بل في قدرته على تفعيل القطاعات الزراعية والصناعية والخدمية وتعزيز أدائها وتقليص التكلفة وفتح الآفاق التنموية الجديدة وتوليد فرص لا تولدها اقتصادات الزراعة والصناعة والخدمات وحدها. إذا تحقق ذلك فإننا لم نعد نتحدث عن اقتصاد جديد واقتصاد قديم بل عن اقتصاد معلوماتي جديد واقتصاد تقليدي يكملان بعضهما بعضاً لصنع عصر اقتصادي عالمي جديد يجب ان نستفيد منه لتعويض ما أضعناه في الثورتين التجارية والصناعية.
الاقتصاد الجديد لا يقوم على المجمعات الصناعية الضخمة وتسهيلات الإنتاج العملاقة لذا فإن العناصر التي أمّنت الريادة للدول الصناعية ليست العناصر التي ستؤمن الريادة في الاقتصاد الجديد. عمالقة اليوم ربما لن يكونوا العمالقة أنفسهم بعد حين، ومن يعتبرون صغاراً اليوم ربما يصبحون كباراً في المستقبل. الموازين والاعتبارات اليوم لم تعد الموازين والاعتبارات التي كانت سائدة في الماضي، والتطور القائم على التقنيات فائقة السرعة لن يكون بالخطرة والخطوتين فربما تحقق بالقفزة والقفزتين. الاقتصاد الجديد لا يعرف الحدود الجغرافية أو السياسية لذا فإن الخيارات المتاحة للناشطين فيه واسعة، وفي استطاعة هؤلاء العمل في أي مكان تتوافر فيه التسهيلات والخدمات المتقدمة التي يتطلبها نشاطهم.
من سيحقق الريادة في الاقتصاد الجديد؟ إنها الدول التي تتمتع بالقدرة المزدوجة على إتقان استغلال الفرص الجديدة التي يقدمها الاقتصاد الجديد، وإتقان التغلب على التحديات والتقلبات والمشاكل التي ستفرزها محاولات التأقلم مع الاقتصاد الجديد. إنها الدول المبدعة ذات الحركة السريعة التي ستعتمد على المعرفة والمعلومات والأفكار.
دبي تتمتع بالإمكانات الكفيلة بتوفير الظروف المناسبة لنجاح الأعمال في الاقتصاد الجديد فلدينا خبرة مشهود لها عالمياً في مجال التجارة الدولية، وبنية عمرانية وأساسية على أعلى المستويات العالمية، وأحدث المقومات التكنولوجية التي تتجسد في إنشاء أول منطقة حرة في الشرق الأوسط للتجارة الإلكترونية هي مدينة دبي للإنترنت والتكنولوجيا والإعلام التي افتتحت في أكتوبر عام 2000. لكن رغم كل ما حققناه لا نزال في حاجة إلى تعزيز جودة كل الخدمات إذا أردنا ان نتبوأ مركزاً قيادياً في الاقتصاد الجديد. هذا هدف التزم به وسأحرص شخصياً على تحقيقه، وهناك هدف آخر لا يقل أهمية هو أن تحقق دبي مركزاً ريادياً متميزاً في مجال الأعمال المتصلة بالاقتصاد الجديد ليس على المستويين المحلي والإقليمي فقط، بل على مستوى العالم، لذا سنعمل دائماً على أن يجد مجتمع الأعمال في دبي مالا يجده في أي مكان آخر في العالم.
أعرف أن هذه الطموحات كبيرة لكن أعرف أيضاً ان قدراتنا كبيرة وأن تحقيقها يتطلب التغيير واننا مستعدون لهذا التغيير. إذا أردنا أن تصبح دبي مركزاً رائداً في الاقتصاد الجديد فإنه يجب إعادة صياغة مفهوم الحكومة، ويجب ان نتعامل مع الاقتصاد الجديد بأسلوب جديد. تطبيق خطة حكومة دبي الإلكترونية خطوة أساسية ستتلوها خطوات أخرى، لكن الحكومات ليست الطرف الوحيد المعني بالاقتصاد الجديد. يجب على القطاعات التجارية والصناعية والخدمية أن تحدث التغييرات الضرورية وتتجاوب مع المعطيات الاقتصادية الجديدة لكي تتمكن من الاستمرار في تحقيق النجاح والتميز.
البعض كان يقول : الحرب التي كانت على الأبواب صارت في عقر الدار. نعم أنا أعرف ذلك. البعض كان يقول : المشاكل التي كنا نأمل بحلها تفاقمت. نعم أنا أعرف ذلك أيضاً. البعض كان يقول التوتر مستمر ونحن الآن في وجه العاصفة فماذا نحن فاعلون؟ نعم أنا أعرف ذلك أيضاً وغيره لكننا وطن كبير والمطامع بحجمه ويندر أن تنعم الأمم بسلام شامل واستقرار مطلق وهدوء. هذا لم يحدث في الماضي ولكن يحدث في المستقبل وإذا لم نفكر إلا بالحروب والمشاكل والتوتر والعواصف فسنتوقف وسيتوقف معنا الزمن ولا نريد أن نتوقف أو ان يتوقف الزمن لأننا عانينا من التوقف ما يكفي. مهمتنا أن ندرس هذه المشاكل بدقة ثم نختار الطريق المناسب لنا لتوجيه دفة سفينتنا بين الأمواج العاتية إلى بر السلامة والنمو ونحقق الأهداف التي نريدها.
البعض كان يقول : هناك محاذير في الاقتصاد الجديد. أعرف أن هناك محاذير. الإنترنت وهي ليست خيراً كلها لكنها ليست شراً كلها أيضاً. نريد منها الصالح والمفيد ولن نرتضي المساس بديننا وعاداتنا وتقاليدنا، والبعض يقول: هذه الأهداف تتطلب كذا وكذا. وأنا أعرف أنها تتطلب كذا وكذا وغيرهما لكن كل مسيرات التقدم تراكمية. الغرب لم يبدأ تطوره في المواصلات ببناء شبكة طرق سريعة بل بطرق ذات مساق واحد. البعض يقول يجب أن نفعل هذا وأن نفعل ذاك قبل ان نبدأ السباق لاقتناص فرص الاقتصاد الجديد أو الاستفادة منه. هذا أيضاً أعرفه. بعض مناهج التعليم في مدارسنا في حاجة إلى تغيير شامل. لا يوجد تركيز بالصورة المطلوبة على الإبداع وتطوير المهارات لدى الطلاب. هذا صحيح لكني لا أستطيع انتظار تغيير المناهج وتخريج الطلاب المبدعين. إذا انتظرت فلن يجد الخريجون عملاً في المستقبل.
أعتقد أن إحدى المشاكل عند البعض أنهم يتحدثون بطلاقة عن الكومبيوتر والبرمجيات والإنترنت والتجارة الإلكترونية والاقتصاد الجديد لكنهم لم يتمكنوا حتى الآن من التفكير بعقلية الاقتصاد الجديد واستيعاب متطلباته الحقيقية. أهم ما في الاقتصاد الجديد هو الفكرة التي تُنفذ في وقتها. يمكن أن نستعجل الأمور حيناً وأن نتريث حيناً لكن يجب أن نبدأ من نقطة ما وبسرعة ومن دون أخطاء. ولماذا السرعة؟ لأن الأسرع يأكل الأكبر، كما يقولون بالإنكليزية.
ولماذا أيضاً؟ لأن المنافسين ليسوا نياماً وهم يعدون مثلنا وسيحاولون دائماً ان يكونوا في المقدمة. ولماذا؟ لأن المعلومات في زمن التقنية تنتقل بسرعة الضوء. ماذا يعني هذا؟ يعني ان الأفكار تنتقل بسرعة الضوء أيضاً لذا يجب ان يكون تنفيذ المناسب من هذه الأفكار بأسرع وقت ممكن. إن لم ننفذه نحن فسينفذه الآخرون، وإن لم نستفد منه بأسرع وقت ممكن فسيستفيد منه الآخرون، وإن لم نستغل هذه الأفكار بأسرع وقت ممكن فسيستغلها آخرون وسيسوقونها وسيحصدون كل الفوائد المتأتية منها : الثروة، وعشرات الفوائد الجيدة التي توفرها التنمية الجيدة. سيستفيد الآخرون من كل هذا وسيزداد مستقبلهم إشراقاً بينما ستكتنف العتمة الأفق الذي ننظر من خلاله إلى مستقبلنا ومستقبل الأجيال القادمة.
يجب أن نعي تماماً أننا في زمن لا تلكؤ فيه ولا تردد ولا جمود. مفاهيم كثيرة في الاقتصاد والتكنولوجيا والسياسة كانت سائدة حتى سنوات قليلة خلت كلنها أصبحت ملك الماضي وحلت محلها مفاهيم أملتها الضرورة. لا توجد اليوم دولة صغيرة أو كبيرة لا تحاول التأقلم مع الواقع الجديد وإعداد نفسها ومؤسساتها وشركاتها ومواطنيها لما سيحمله المستقبل من التغييرات الكبيرة. هذا زمن تغيرت فيه مفاهيم الدول العظمى والدول الصغيرة على حد سواء فالدول كلها تسن القوانين وتتخذ الإجراءات اللازمة لتحقيق أكبر قدر من النجاح في السنوات الآتية.
هذا زمن تغيرات فيه المفاهيم الإدارية للشركات. خلال السنوات الخمس الماضية سقطت شركات عالمية كبرى لم يكن يتوقع سقوطها أحد، ونهضت شركات صغيرة وحققت نمواً لم يكن يتوقعه أحد. الانهيار الكبير لا يحدث تدريجاً وكذلك النمو. أيام معدودة تكفي لكي تتبخر القيمة السوقية لشركات قيمتها بالمليارات، واكتشاف تقنية جديدة أو منتج جديد ربما يرفع القيمة السوقية لشركة صغيرة إلى المليارات.
إذا كانت الدول العظمى وجدت نفسها مضطرة إلى تغيير مفاهيمها وسياساتها وقوانينها للتأقلم مع الواقع الجديد فما بالك بنا نحن؟ إذا كانت الشركات العملاقة التي تزيد قيمة بعضها على الناتج المحلي الإجمالي لمجموعة من الدول النامية وجدت نفسها مضطرة إلى تغيير مفاهيمها الإدارية فيما بالك بشركاتنا نحن؟ إذا كانت الجامعات والكليات والمدارس في الدول المتقدمة تعدل مناهجها الدراسية لكي تتوافق مع متطلبات الاقتصاد الجديد فما بالك بجامعاتنا وكلياتنا ومدارسنا؟
لابد من التغيير ولا مفر من التأقلم السريع مع واقع متسارع. إذا أردنا أن نكون جزءاً من العالم المتطور وليس جزءاً من العالم المتخلف فعلينا ان نطرح الزحف من تنميتنا ونواكب السرعة الكبيرة التي يتحرك بها العالم لذا لابد من التغيير. إذا أردنا احتلال موقعنا المناسب في هذا العالم لابد من التغيير. ليس التغيير الذي يمكننا من اللحاق بالمسيرة، وليس التغيير الذي يمكننا من مماشاة هذه المسيرة، بل التغيير الذي يمكن أن يحقق لنا السبق في هذه المرحلة ثم الريادة في المرحلة التالية. عشنا في الماضي ما يكفي وكان لذلك ضرورة لكننا نريد الآن المستقبل لذا لا بد من أن نعيش بتفكيرنا وتخطيطنا في المستقبل.
هذا تحد كبير لكن يجب ان أعترف أننا في الإمارات نستمتع بالتحديات. وجود الإمارات تحد وتاريخها تحد، ونموها واستمرارها واحد من أهم التحديات في الخليج وباقي الوطن العربي. إذا كان القائد مؤمناً بربه ثم واثقاً بشعبه ونفسه فلا شيء في التحديات ما يخيف بل على العكس. إنها تشحذ الهمم وتفولذ العزيمة وتطلق شرارة الإبداع في الإنسان لذا ما رأيت في حياتي تحدياً إلا وجدت في نفسي الرغبة لقهره واندفعت إليه بلاد تردد، واعتبر نفسي محظوظاً لأن أعيش في عصر مثير مليء بالتحديات.
عالمنا جديد لم يعرفه آباؤنا وأجدادنا لكن عالمهم كان جديداً أيضاً وكان مليئاً بالتحديات، لذا كان عليهم مثلنا الآن، أن يستيقظوا مبكراً وأن يعدوا أسرع من غيرهم لكي يتجنبوا الهلاك ويحققوا النجاح. لو لم يفعلوا ذلك لما كنا هنا اليوم. هناك تحديات تواجه كل جيل جديد، وتتابع الأجيال ما هو في أحد أشكاله سوى تتابع للتحديات. الفوز في سباق التغلب عليها هو سر الامتياز والريادة والرؤوس مرفوعة، والفشل في قهرها هو سر الهزائم والسير وراء الأمم الأخرى والرؤوس في التراب،
فاختاروا !

عودة »»