الصفحة الرئيسية
الكُتب والمراجع والحقوق
عدد الأقسام : 6
عدد المقالات : 224
عدد زوار المقالات : 168022
المتواجدين حاليا :
 
البحث فى المقالات
 
 
الصفحة الرئيسية » الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم - رؤيتي » الفصل الثالث
تاريخ الإضافة :: 23/01/2007   ||   عدد الزوار :: 1054

الفصل الثالث


القيــــادة
طلبت من مديري الدوائر الحكومية مرة تنظيم سلسلة من المحاضرات والندوات يتحاورون فيها مع إخوانهم وزملائهم كل في اختصاصه أو مجال عمله فيركز على محور معين مثل خدمة المجتمع أو تطوير الموارد البشرية أو المهارات الإبداعية وغير ذلك. وبما ان أهداف هذه المحاضرات والندوات هي الإسهام في تسليط الضوء على القضايا التي تواجه مسيرتنا التنموية والتعريف بأغراضها والاستفادة من تجارب بعضنا البعض اقترح البعض أن أتقدم المحاضرين بندوة أتناول فيها موضوع القيادة بوصفه اختصاصي ومجال عملي. وبحسن نية وافقت فهذا شأن أمارسه كل يوم وأعرفه أكثر من أي شخص آخر حولي لذا لن أجد صعوبة في الحديث عنه.
هكذا اعتقدت في البداية لكن ما إن اقترب موعد إلقاء المحاضرة وبدأت محاولة جمع خيوط الموضوع في ذهني وتسجيل بعض الملاحظات في شأنه حتى اكتشفت ان ممارسة القيادة شيء وتعريفها ومن ثم تفسيرها شيء آخر. استطيع الحديث عن الدوائر في إمارة دبي كما مديرو الدوائر أنفسهم تقريباً لكن ان القائد وأمارس القيادة في كل ساعة من حياتي ومع ذلك وجدتها من أصعب المواضيع شرحاً وتفسيراً.
جميعنا يعرف ما هي القيادة ومن هو القائد، لكن القيادة، والقائد، على درجات فمن يقود جماعة غير من يقود جيشاً ومن يقود الجيش غير من يقود الأمة. هذا يعني ان الإنسان يمكن ان يكون قائداً على عمل بسيط لكن قيادة الدول والأمم تحتاج إلى أكثر من هذا بكثير. البعض يقول إن القادة يولدون ولا يصنعون. ربما كان هذا صحيحا، وعكسه يمكن ايضا ان يكون صحيحا. البعض يقول ان القيادة تستعصي على التعلم فهي شيء تملكه أو لا تملكه. ربما كان هذا القول أكثر دقة من سابقه لكن إلى حد ما. ما يمكن قوله بقدر معقول من الثقة المبنية على التجربة والخبرة والمراقبة هو ان القيادة خاصية يملكها البعض ولا يملكها البعض الآخر. هذا التميز يسمح بتحديد القيادة ومفهومها لكنه ليس تحديداً مطلقاً.
ماذا يعني هذا؟
حتى لو تمكنا نظرياً من حصر كل خصائص القيادة ونجحنا بطريقة ما في غرسها في نفس شخص ما فإن هذا لا يعني أننا سنحصل على القائد. أما عمليا فيعني ان غرس خصلة إنسانية واحدة في نفس بشرية واحدة يمكن أن يكون صعباً فما بالك بغرس مجموعة متباينة من الخصال والخصائص المعقدة في شروط موضوعية حيث يمكن ان تكون أكثر تعقيداً، وظروف إنسانية وعضوية واجتماعية وسياسية يمكن ان ترقى إلى مصاف المستحيل؟
إذاً ؟
لا يوجد قالب يمكن أن نضع فيه الخصال والخصائص في النفس البشرية فنحصل على القائد، ولا يوجد قاسم، أو قواسم مشتركة بين القادة فليس كل من يولد يوم الجمعة يصبح قائداً ولا كل ما يولد مطلع الشهر، ولا كل من تخرج من كلية ساندهيرست في بريطانيا أو ويست بوينت في أمريكا أو أي كلية أو جامعة يصبح قائداً، ولهذا قلت قبل قليل ان القيادة من أصعب المواضيع شرحاً وتفسيراً.
أعتقد ان أحد أسباب هذه الصعوبة وجود ملكات وعواطف وطاقات في القائد لا يمكن قياسها أو تعريفها أو تحديدها بسهولة لذا نجد البعض يطلق صفات مثل (السحر والدهاء) على ما لدى القائد لكني افضل الحديث عن (الروح القيادية).
الروح شيء لا يزرع ولا ينزع ففي الروح القيادية أصالة عميقة وجذور ضاربة في الوراثة والفطرة وأغصان تصقلها مؤثرات عدة مثل الزمن والحكمة والعلم والخبرة والتجربة والمهارة والاحتكاك بالآخرين والاطلاع على خبراتهم وتجاربهم وحكمتهم ومهاراتهم.

القيادة والتميز
إن استقراء التاريخ يعطي الانطباع بان القادة يأتون في أصناف مختلفة فالشائع بينهم أولئك الذين لعب الواقع دوراً مهما في صنعهم ففرزتهم الأحداث العظام عن غيرهم وأبرزتهم وأعطاهم التاريخ المكانة التي نعرفها. النادر فيهم من يصنع الواقع فيوجد بحنكته وعقله ونهجه القيادي الأحداث التي يتكون منها الواقع وبالتالي التاريخ، والأكثر ندرة صنف من القادة المتميزين الذين لا يصنعون الواقع فقط بل جزءاً مهماً من وجهة المستقبل وأحداثه.
في التاريخين العربي والعالمي مئات من هؤلاء لكن إذا أردت حصر التاريخ بعمري فإن الشخصية التي أفكر بها دائماً هي شخصية الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، فعلاقتنا كانت علاقة الابن بأبيه بما تتضمنه من الحب وصدق المشاعر، كان، رحمه الله، يجعلك تحبه من تقديره حق التقدير لمن يعمل وينجز، وكان صريحاً مع الناس وأراد الصراحة من الناس لذا عودني ان اكون صريحاً معه في كلامي بكل احترام.
قلت في فصل سابق ان الشيخ زايد علمني قهر المستحيل، لكني أعود الآن لأقول إنه علمني المعنى الحقيقي للحب. لا يستطيع من عرفه إلا أن يحبه لشفافيته وأصالته وصفاء عروبته وفطرته ونقاء سريرته وخصاله وصراحة مواقفه القيادية. إذا تكلم في السياسة فكلامه ليس مجاملة لهذا أو إرضاء لذاك بل لإرضاء الله عز وجل ثم لإرضاء ضميره. لا أعرفه إلا رجلاً واثقاً بربه ثم بوطنه وأمته وبنفسه، رجلاً عند كلمته، إذا وعد وفى واذا استجير أجار. هذه هي صفات القائد المتميز، لكن هناك صفة أخرى تميز بها الشيخ زايد. يمكن ان نخاف القائد، ويمكن ان نحترمه، لكن ان يُنعم الله على قائد بحب شعبه له فهذه قمة ما يمكن ان يطمح القائد في الوصول إليه.
الشيخ زايد علمنا أيضاً ان القيادة مواقف وممارسة يومية وليست كتباً ونظريات. إنها مفهوم إنساني واجتماعي خارج نطاق التنظير. إنها العزم والوثوق بالنفس وبعد النظر وصواب الرأي لكن ليس صواب الرأي العادي. عندما تطرح فكرة يوافق على صوابها جميع الناس، أو جلهم، ثم يكتب لها النجاح فأنت ركبت التيار وحققت شيئاً لا خلاف على نتيجته. التميز في رأيي هو أن تطرح فكرة تقول إنها فكرة صائبة ويقول الجميع عكس ذلك وتسبح عكس التيار وتحققها. هذه ليست رؤية عادية. إنه مثال على القائد الذي يسبق زمانه وينظر إلى الأفق البعيد فلا يرى سراب الأحلام بل واقع الرؤية الصحيحة في الطريق الصحيح الذي يقود الشعب في مسيرة التنمية إلى مستقبل أفضل.
ما هو مثالي على ذلك؟ كثيرون داخل الدولة وخارجها انتقدوا الشيخ زايد على حفر الآبار الجوفية في الصحراء واستغلال مياهها. كثيرون قالوا ان هذه العمل إهدار لثروة طبيعية لا تتجدد، وحذروا من أنه سيلحق أضراراً فادحة بالبيئة ويخل بالتوازن الطبيعي. لم ير أحد من هؤلاء ما في جوف الأرض ولم تكن لدى أي واحد منهم أدنى فكرة عن كميات المياه في المنطقة لكن هذا لم يمنعهم من متابعة انتقادهم. في النهاية بقيت المخاوف في رؤوس أصحابها ولم يحدث شيء مما توقعوه. من كان يسافر في الماضي بين أبوظبي والعين ولا يحمل معه ماءه كان يموت من العطش. الشيخ زايد اكتشف مياهاً جوفية تسد حاجة المنطقة عشرات السنين، وحول الإمارة إلى أكبر واحة على وجه الأرض في أكثر صحارى العالم قسوة.
وما هو المثال الثاني؟ رجل آخر اختار إحدى أكثر صحارى العالم قسوة، ومنطقة من أكثر مناطق دبي عزلة وصب فيها مئات الملايين من الدولارات لبناء واحد من أكبر الموانئ في العالم، ومنطقة صناعية تعتبر الأكبر في الخليج وإحدى أكبر المناطق الصناعية في العالم. لم يبق أحد في الداخل أو الخارج إلا انتقد والدي على قراره لكنه أثبت في النهاية انه الوحيد الذي كان يعرف ما يصنعه. نظر والدي إلى المستقبل ورأى في هذا المشروع فرصة نادرة فاغتنمها.
ما الذي أثبته أيضاً؟
أثبت أن القائد يجب ان يغتنم الفرصة الكبيرة عندما يراها، وإن لم تكن هذه الفرصة قائمة فعليه ان يكون مستعداً لصنعها.

خصائص القيادة
يُقال ان قوما سمعوا صوتاً يهتف بهم : تقدموا ! فقال القوم : نخاف ان نسقط في الهاوية أمامنا فنهلك. فقال الصوت : تقدموا ! فرد القوم : نخاف أن يدفعنا أحد من ورائنا فنهلك. فصرخ الصوت : تقدموا ! فتقدم الناس وما إن وصلوا إلى الحافة حتى هرعت القيادة فدفعتهم وإذ بالناس يطيرون وينجون من الهلاك بدلا من ان يقعوا فيه.
ما هو المقصود بهذه المروية؟ المقصود ان القائد يرى في المستقبل أموراً لا يقدر الآخرون على رؤيتها.
هذه إحدى خصائص القيادة وصفاتها في الوقت نفسه : التطلع إلى الأمام واستشعار الاتجاهات المستقبلية في رؤية يجب ان تكون أبعد من رؤية أي شخص حوله، وتوقع مجرى الأحداث وإعداد الناس لها. لا نستطيع ان نجلس ونكتف أيدينا ونقول: لا نعرف ماذا سيحمل لنا المستقبل ! إذا تركنا الاحداث تصنع لنا المستقبل فإنها ستعطينا المستقبل الذي تريده وليس المستقبل الذي نريده نحن. إذا تركنا الآخرين يصنعون مستقبلنا فإنهم سيعطوننا المستقبل الذي يناسبهم وليس المستقبل الذي يناسبنا.
إذا لم نختر المستقبل فإننا نختار الماضي. ماضينا كان عظيماً وهو في قلوبنا وتكويننا لكن الماضي له أهله ولا نستطيع ان نعيش فيه ولا مكان لنا فيه.
المطلوب اليوم ليس تحرير أنفسنا من الماضي لأنه يعيش في ضميرنا بل تحرير أنفسنا من البقاء في الماضي. نقطة انطلاقنا هي الحاضر وهدفنا هو المستقبل، ويجب ان نقرر كيف نصنع المستقبل وكيف نصنع التنمية. مستقبلنا نعرفه ونعرف الطريق إليه ونحن أولى بصنعه ولدينا القدرة على ذلك لكن إن لم نستطع تحقيق ذلك لسبب من الأسباب، فعلينا ان نترك القيادة، مهما تكن مراتبها، لآخرين قادرين على تحقيق رؤية التنمية.
يجب ان نخطط ونجتهد ونبدع لتحقيق أهدافنا، أما الباقي فعلى الله تعالى.
اني أعتبر جميع أعضاء حكومة دبي وكبار المسؤولين فيها قادة لشعبنا بحكم مسؤولياتهم الكبيرة والوظائف التي يشغلونها في الحكومة. أستطيع تقديم الإرشاد والتوجيه والتشجيع وقيادتهم لتحقيق أهدافنا المشتركة لكن لا أستطيع ان أصنع من كل واحد منهم قائداً. نستطيع مع ذلك أن نحدد معاً الصفات المتوقعة في القائد، سواء كان على رأس الهرم القيادي أو في المواقع القيادية المساندة، وربما استطاع الإنسان في موقع المسؤولية أيا كانت مرتبتها ان ينظر في مرآة نفسه ويقرر ما هي الخصائص القيادية التي يملكها لكي تؤهله لأن يكون قائداً. إن لم يكن يملك مثل هذه الخصائص فلعله يستطيع تطوير قدراته وطاقاته الكامنة وتحسين كفاءته لأداء المسؤوليات الملقاة على عاتقه في أفضل صورة ممكنة.
إذا ما هي أهم الخصائص التي نتوقع وجودها في القائد أو من هم في موقع القيادة :

1- أن يقود ويكون قادراً على القيادة من المقدمة لا من الخلف، وأن يأخذ بزمام الأمور ويقول لمن معه دائماً : هذا هو هدفنا فاتبعوني إليه، وليس : سيروا على بركة الله ونحن من ورائكم.
2- أن يعلي مصالح الشعب ويبلور تطلعاته ويستجيب لحاجاته ويصيغ المعادلة، أو المعادلات التي تضمن تحقيق ذلك من خلال رؤيته، أو مجموعة رؤى ذات الأهداف واضحة، ووضع الجدول الزمني المحدد لتنفيذ كل واحدة منها ومتابعة كل مراحل التنفيذ.
3- أن يأخذ القرار الذي يتصف بالعمق القيادي والذي يعكس هدف الرؤية، وأن يكون مستعداً لأخذ القرارات الصعبة والاقتناع بأن عليه أحياناً أن يتخذ قراره فردياً عندما لا يوافقه القريبون منه ليس لأنه بعيد عن الناس بل لأنه المرجع النهائي في القرار النهائي.
4- أن يتحمل المسؤولية ويقوم بها على أكمل وجه فهذه صفة من أكثر الصفات التصاقاً بالقائد وهي أن يواجه الأخطاء بشجاعة ومهما تكن العواقب ويقول : أن القائد، كل الأخطاء وكل النجاح للفريق. إن القائد من يواجه المسؤولية لا من يتهرب منها، إنه يتمتع بها ويبحث عنها ويؤمن بها ويتحمل تبعاتها كاملة.
5- أن يلاقي الأزمات في الطريق، وان يعترض بصدره الصعاب الكامنة أمام تحقيق أهدافه ويزيل العوائق ويحل المشاكل ويمهد كل الطرق المؤدية إلى هذه الأهداف. القائد رمز لمن يقودهم وهم يتوقعون منه حل المشاكل. هذا لا يعني أن ينشغل القائد بحل كل المشاكل صغيرها وكبيرها فهناك تسلسل قيادي ومن يواجه مشكلة لا طاقة له بها في أي عقدة من هذه السلسلة عليه ان يرفعها إلى القائد الأعلى لمساعدته على حلها.
6- أن يقدم الآخرين على نفسه أو ان يضعهم معه : هذا قول نطقه سهل وفعله صعب. جميعنا بشر وفي البشر أنانيون كثيرون يفتقرون إلى قوة القائد الحقيقي وتواضعه فيضعون أنفسهم قبل الجميع.
7- أن يشاور ويحاور : وقد حض الله المؤمنين على التشاور إذ قال :  وشاورهم في الأمر  ، وقال :  قالت يا إيها الملأ افتوني في أمري ما كنت قاطعة أمراً حتى تشهدون  ، وقال :  والذين استجابوا لربهم واقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون  . ولنا في نبينا محمد صلى الله عليه وسلام القدوة في التشاور فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : (ما رأيت احدا اكثر مشورة لأصحابه من رسول الله صلى الله عليه وسلام ). إن المشورة الصالحة تسدد الخطى وتذهب الخطأ. بعض القادة ينأون عن التشاور ويعتبرونه ضعفا لكني أرى انه يعزز قوة القائد ويدعم رأيه ويزيد احترام مرؤوسيه له. عندما كان الشيخ زايد يبعث إلي ليسألني رأيي في قضية ما، كنت أتساءل ماذا يمكن ان اقول وهو أعرف مني بالقضية وحلها؟ هذا ليس الهدف، فالقياديون يحاولون دائما ان يكسبوا المعرفة من الآخرين فلا يعرف أحد أين توجد الفكرة الكبيرة، ولا يمكن الحكم على الناس من مظهرهم أو مرتبتهم.
وللتشاور ايضا فضائل أخرى فهو وسيلة اكيدة لصقل المعرفة وتسديد القرار وتوسيع الأفق وتمازج الأهداف وإيصال الآراء إلى القادة. إذا أخلص مقدم المشورة النية والتزم الصدق والشجاعة في المصارحة فإن التشاور يمكن ان يكون نوعاً من المساءلة. هذا أيضاً لا يضعف موقف القائد بل يعززه لان هدفه النهائي هو إعلاء الشأن العام والترفع عن خدمة المصالح الخاصة.
8- التفاعل والالتزام : على القائد أن يحدد لنفسه ومن معه رؤية واضحة يتفاعل معها ويلتزم بها التزاماً لا يقهر لأنه إذا فقد هذا الالتزام والتفاعل فسيفقد قدرته على الرؤية الصحيحة وسوف يضل الطريق ويضل من معه.
9- القوة الذاتية : القائد يستمد قوته من ثقته بربه ثم بوطنه وبثبات عزمه وليس من حراساته ومواكبه.
10- الثقة بالنفس : من خصائص القائد الثقة بالنفس فمن يفقد ثقته بنفسه يفقد الثقة بالناس، لذا على القائد ان يظل مرؤوسيه بثقته وأن يثق ببلده وشعبه ويربط بهذه الثقة التصميم على تنفيذ رؤيته وتطلعاته وخططه مهما تكن الظروف.
11- المعرفة وسداد الرأي : من شروط سداد الرأي توافر المعرفة لذا يجب على القائد ان يعرف كيف يقوم بعمله، وان تكون لديه القدرة العقلية والقوة البدنية لإنجاز ذلك. إن عمل القائد لا ينتهي انتهاء الدوام ولا يعرف الإجازات والعطلات، إنه تحفز مستمر واستعداد دائم لاتخاذ القرارات في أي وقت من النهار أو الليل.
12- القدرة على التعبير وإيصال المعلومات : لا نستطيع ان نتوقع من القادة ان يكونوا أساطين في الخطابة وصنعة الكلام لكن يجب ان يملكوا القدرة على التعبير. كان مدربونا في الكلية العسكرية يصرون على هذه النقطة كثيراً فمن المهم للقائد أن يعرف كيف يوصل أوامره إلى مرؤوسيه في صورة تضمن فهم المرؤوسين لتلك الأوامر جيداً قبل تنفيذها منعاً للالتباس ووقع الأخطاء. إن استخدام الأفكار المعقدة والصور المبهمة واللغة المستعصية ذات الكلمات الكبيرة إضاعة للوقت فهي تطرح أسئلة أكثر مما تجيب عنها لأن البعض يسمعها لكنه لا يفهمها تماماً، والبعض يفهمها بطريقة تختلف عن فهم الآخرين لها وهذا يترك المجال مفتوحاً للتأويل والتفسير فتأتي نتيجة التنفيذ خلاف المطلوب. يجب أن يتوخى القائد البساطة في التعبير والوضوح في الشرح واستخدام اللغة التي يستوعبها الجميع وتجنب الإفراط في الشرح وإشباع الموضوع بالتفاصيل الزائدة عن الحد واللف والدوران حول فكرة معينة. حدد الفكرة التي تريد نقلها واختر كلماتك بعناية ثم انقلها إلى مستمعيك. كل ما تقدم في غاية الأهمية لكن يجب ان نعلم ان الكلام ليس وسيلة التخاطب الوحيدة بين البشر لذا على القائد ان يراقب ردود فعل مستمعيه ويلاحظ تصرفاتهم وحركاتهم. عليه اختيار الكلام الملائم لمناسبة بعينها وليكن النطق سليماً والصوت واضحاً والحركات متناسقة والعرض لائقاً بالقيادة وهيبتها لكي تزداد ثقة المرؤوسين برئيسهم ويعلو مقامه عندهم. أما التردد والتلعثم وضعف الاداء والإفراط في التكرار والإكثار من الكلام فليس من القيادة الجيدة في شيء.
13- قوة الحجة والقدرة على الإقناع : من مهمات القائد إقناع مرؤوسيه برؤيته وأهدافه وحشد جهودهم كفريق فعال لتحقيق الرؤية والأهداف. عليه أن يكون مستعداً في كل الأوقات للدفاع عن قراراته ورؤاه متسلحاً بقوي الحجج وسليم المنطق وصحيح المعلومات.
14- الولاء والاخلاص : إخلاص المرؤوسين للقائد مهم لكن الأهم منه إخلاص القائد لمرؤوسيه. ثقة المرؤوسين بالقائد مهمة لكن الأهم منها ثقة القائد بمرؤوسيه ومثلها الاحترام والتقدير والولاء. لكي يطرح فينا القادة الثقة علينا ان نفوز بولائهم وان نستقيم على هذا الولاء. كل هذه علائق مشتركة وسلسلة من حلقات عدة إذا انكسرت حلقة منها لسبب ما فإن الثقة ستنكسر وتحجب وسيكون من الصعب استرجاعها، لذا من المهم جداً ألا يدفع طرف هذه العلاقة الطرق الآخر إلى كسر الثقة.
15- التحفيز والتشجيع وإذكاء الطموح لدى المرؤوسين.
16- القدوة : القائد رمز المجتمع وقدوة شبابه، والناجح من القادة من يكون قدوة حسنة لمرؤوسيه فيكف يتوقع القائد منهم الالتزام إن لم يكن هو أول الملتزمين؟ كيف يتوقع القيادي الإداري من مرؤوسيه احترام الجمهور والعملاء وخدمتهم بشكل جيد إذا كان هو لا يحترمهم ولا يحل مشاكلهم بل لا يقابلهم؟
من حكيم الأقوال : كن قدوتهم تضمن قدرتهم، لذا على القائد ان يكون مثالاً يحتذى في تواضعه وصفاته الشخصية ودرجة تحمله للمسؤولية وعدله وإنصافه وموضوعيته.

الظواهر والبواطن في شؤون القيادة
بعض المرؤوسين أصحاب اختصاصات وربما كان بعضهم أكثر علماً في اختصاصه من القائد. ما يجب ان يفعله القائد هو ان يستشير أصحاب الاختصاص وأهل الحل والعقد ويأخذ زبدة القول ويصنع منه الرأي الثاقب والقرار الصائب. يمكن أن يقترح الجميع كل الإجابات التي يريدون اقتراحها لكن القائد صاحب الجواب الأخير لأنه صاحب المسؤولية الأولى، ولذا فإن الصيغة التي نعتمدها دائماً هي : عقول كثيرة ورأي واحد.
ويحدث في بعض الحالات أن يضفر القائد كل حبات عقد الرؤية أو الفكرة فيخطط لها ويستشير ثم يطرأ تطور معين فيتوقف تنفيذها. على القائد في حالة مثل هذه أن يدرس الأسباب التي أدت إلى ذلك ويوجه المسؤولين إلى اتخاذ الاحتياطات وإقرار الاجراءات لتفادي تكرار مثل هذه التجارب في المستقبل. وأحياناً يحدث العكس فتدفع تطورات أخرى المشروع بسرعة إلى الأمام فإذ به ينتهي بأكبر وأكثر فائدة مما خطط له بكثير. مثالي على ذلك تجربة شركة طيران الإمارات التي انطلقت بطائرتين مستأجرتين عام 1985 وأصبحت شركة عالمية ونخطط لرفع أسطولها عام 2012 إلى 150 طائرة.
هل هو الحظ أم شيء آخر؟ بعض الناس يفسر ذلك بالقول إن القائد الفلاني محظوظ لكني أرى ان القائد الأكثر حظاً منه هو القائد الذي يصنع حظه بيده. إذا كنّا نعني بالحظ هداية الله فلا مرد لحكمه. أما إذا قصد الناس بالحظ شيئاً آخر فأنا لست مستعداً للانتظار لعل الحظ يتوقف عندي :

أقعدت مكتوف اليدين
وتقول حاربني الزمن

لو كنت تبغي خيره
لبذلت من دمك الثمن


الفرص تصنع ولا توجد. إذا كنت قائداً حقيقياً يجب ان تفعل ذلك، وأن تظل يقظاً ومستعداً لاغتنامها بأسرع وقت ممكن فهذه أيضاً من خصائص القيادة الصحيحة ومن أصيل مهماتها لذا يجب ان تتحقق بمنأى عن الغرور والتعالي والترفع والاعتزاز المفرط بالنفس والمعصومية ففي الحديث الشريف : (لا يدخل النار أحد في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان ولا يدخل الجنة أحد في قلبه مثقال حبة خردل من كبرياء).
وليعرف القائد أن تحقيق النجاح في مشروع أو اثنين لا يسوغ له أن يقف على رؤوس القوم ويعلن : أنا خلاص أصبحت الأول بين القادة ولا رأي غير رأيي ونظرتي هي الصواب. هذه عوارض الإصابة بالمعصومية. إنها تجعل القائد يعتقد أنه لا يخطئ أبداً وأنه دائماً على حق ومتى وصل الإنسان إلى هذا الوضع فإنه يبدأ بالتراجع ويدفع نفسه وأمته في اتجاه هاوية بلا قرار.
انظروا إلى أين أوصلنا أهل المعصومية في العالم العربي وانظروا إلى أين أوصل (المعصومون) أنفسهم وشعوبهم في باقي العالم! عندما يعتقد القائد أنه وصل إلى القمة ولا حاجة له بنصح ومشورة أحد فهذا مؤشر أكيد على انه في طريق التراجع. كل الديكتاتوريين هكذا، ومعظمهم يفكر بالطريقة نفسها أياً كان موطنهم كما لو أنهم تخرجوا من مدرسة واحدة، لكن يبدو أن الجدد منهم لم يقرأوا التاريخ بعد كما يجب. كل الديكتاتوريين يفشلون في النهاية ويجرون بلادهم معهم ويدمرون في سنوات قليلة ليس كل جهدهم فقط بل جهد جميع القادة الآخرين قبلهم.
نحن في بداية الطريق لذا لا يوجد ما يبرر الغرور. القادة وحدهم يتحملون مسؤولية السماح لأنفسهم بالوقوع في فخ المعصومية لكن المتملقين يمهدون طريق بعض القادة إلى الفخ الذي ينتظره. القائد يحتاج من يقدم له فاضل القول وصادق المشورة لا من ينصحه اليوم ويخدعه غداً. التملق مذموم عند القائد الذي يثق بنفسه لأنه لا يحتاج أن يقال له : أنت قائد فهو يعرف نفسه ويعرف أنه القائد ولا يريد في ذلك علماً وتذكيراً.
من يقدر قائده ويحترمه ويجله ويرغب بفضله وتقديره فليصارحه وليذكره بأخطائه وعيوبه وليسدد خطاه ويهديه سبيل الصواب. على القائد في الوقت نفسه ان ينبذ أهل التملق ويترفع عن الصغائر وينشغل بتهذيب النفس وإصلاح الخلق وحسن السياسة، وأن يدرك موقعه ويعرف حدود قوته وطاقات شعبه ووطنه ويكرس وقته وجهده وفكره لخدمة الشعب.
طبعاً هناك قادة وهناك قادة آخرون والفروق بينهم تستعصي على المقارنة في الطاقات والقدرات. يمكن أن تكون هذه القدرات من الظواهر لكن القدرات القيادية لا تتمثل في الظواهر فقط. أشرت سابقاً إلى ما أسميه : الروح القيادية، وأعود هنا لأقول ان القائد ربما شعر أحياناً بأن قراره هو القرار الصحيح. ربما كان قلبه دليله، كما يقول الناس، وربما كان وراء ذلك إحساسه العام أو ظنه، وربما قال: شيء في داخلي جعلني أقدم على هذه الخطوة وأنبذ تلك، وشيء هداني إلى هذه الفرصة الواعدة وأبعدني عن فرصة غير ذات جدوى. أي ان هناك ملكات قيادية في دواخل القائد وجوانحه لا يعرف أحياناً كنهها.
كيف يفعل القائد ذلك، ومن أين يستمد هذه الملكات؟ هل هي خلاصة تراكم المعرفة وتجارب الحياة والمعطيات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، أما أنها في اللاوعي؟ هل هي في الجينات؟ كيف يعرف القائد ما يتفاداه وما يقبل عليه ومتى؟ هل هي قدرة ذاتية تضم كل ما تقدم وأشياء أخرى لا نعرفها، وما هو سبيل تملك الإنسان لها؟
إذا أردت تلخيص ما تقدم فلعل في الإمكان القول إن كل قائد يضم عشرات الخصائص والصفات والقدرات في الوعي واللاوعي وما حولهما. وإذا أردت تلخيص مفهوم القيادة المتميزة فربما قلت إنها النتاج الطبيعي للإبداع المتواصل والعمل الجاد والقدرة على تحفيز الآخرين، لكن كل ما تقدم ليس بالطبع القول الأخير لأن القيادة عملية مستمرة.
قلت في بداية هذا الفصل إني أجد القيادة من أصعب المواضيع شرحاً وتفسيراً، ولا أملك إلا أن أنهي الفصل بالقول نفسه. لكن قبل ذلك سأقص على القارئ الكريم هذه القصة بلا تعليق وسأترك له مهمة تفسيرها كما يشاء :
العادة في الكليات العسكرية الدولية أن تبدأ زيارة القياديين الكبار بتفتيش الطابور، والعادة كما يعرف القادة العسكريون في كل مكان أن يحاول قائد الكلية أو المعسكر المزار كسب حظوة القيادي الكبير وإثبات همته ونشاطه بأن يجد حجة للتعليق على أي شيء، كأن يقول لمن في الطابور : فلان! ارفع رأسك!، أو فلان : أشدد نفسك! أو فلان : أصلح ياقتك! وهكذا .
وكنت واقفاً قدام الطابور عندما اقترب مسؤول الكلية مني وقال : فلان مرشح! فقلت : نعم سيدي. فقال : أنت لا تقف وسط الكلية فخذ بعض الخطوات إلى اليسار. فقلت : نعم سيدي! ثم صحت بزملائي : كلية! خطوتين إلى اليمين خذ! ، أي أنني حركت الكتيبة كلها بينما بقيت في مكاني فاستاء مسؤول الكلية من تصرفي لكن القيادي الذي جاء لالقاء محاضرة سُرَّ. وقبل بداية المحاضرة كنت وزملائي نتناول القهوة فاقترب القيادي المحاضر وسألني : لماذا حركت كل من كان خلفك ولم تتحرك انت؟ ففكرت في السبب لكنني لم أجد آنذاك تفسيراً لتصرفي فقلت: لا أعرف يا سيدي. أحياناً أظن أنني رأيت على أرض الكلية علامة يخطها قائد الطابور بالطباشير ليسترشد بها إلى مكانه لكني لست متأكداً أن هذا هو التفسير الوحيد.

عودة »»