الصفحة الرئيسية
الكُتب والمراجع والحقوق
عدد الأقسام : 6
عدد المقالات : 224
عدد زوار المقالات : 161689
المتواجدين حاليا :
 
البحث فى المقالات
 
 
الصفحة الرئيسية » الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم - رؤيتي » الفصل السادس - التنمية في سبيل البقاء
تاريخ الإضافة :: 23/01/2007   ||   عدد الزوار :: 1431

التنمية في سبيل البقاء - الفصل السادس


ضفاف الخور

صراع البقاء
كانت تجارة اللؤلؤ بمثابة العمود الفقاري للخليج والإمارات عامة ولدبي خاصة إذ كانت نسبة كبيرة من رعايا المنطقة يمتهنون الغوص أو يزاولون أعمالاً تتصل بهذه التجارة. ونمت تجارة اللؤلؤ في دبي حتى أصبحت من أهم مناطق تجارة هذه المادة النفيسة في الخليج وتعامل تجارها العرب والهنود مباشرة مع أقرانهم في بومباي التي كانت آنذاك من أشهر أسواق تسويق اللؤلؤ الخليجي ومنها كان يشحن إلى أوروبا والولايات المتحدة.
ورغم النمو التجاري الذي جلبه الغوص إلى المنطقة وحققه لسكانها إلا أنه كان في حقيقته معاناة وصعوبة لا تطاق، وضرباً من القسوة اكتوى بنارها الغواصون والبحارة حتى أنه كان أشبه ما يكون بحرب شرسة صمد فيها رجال المنطقة بعزائم لا تلين وعانوا ويلاتها بثبات وقوة من أجل كسب الرزق والحصول على قوت الأهل والعيال فصار ما يحكى عن الغوص لأبناء الحاضر كأنه خيال أو أسطورة لا تصدق لبعد أذهانهم عن تفاصيل تلك الصورة القاسية من التحمل والمعاناة التي عاشها آباؤهم وأجدادهم واقعاً وحقيقة.
ولا أزال أذكر تأثري الشديد بما كنت أسمعه عن المعاناة التي كان الغواصون يواجهونها، وظلت تلك الصور في مخيلتي حتى هاجت في صدري في شكل قصيدة حاولت فيها تجسيد بعض صور ذلك الواقع الأليم والمجالدة الصعبة لتكون مستنداً صادقاً أمام أنظار أبنائنا ليدركوا حجم ما كان يقوم به أهلهم ويتحملونه من شدائد ومشقات من أجل العيش والبقاء والحفاظ على الأرض والكرامة والمقدرات لنرثها من بعدهم على ما نحن عليه من نعيم ورفاهية ورقي وتمدن، ولنذكرهم، رحمهم الله، بشيء من الجميل والإعجاب والاعتزاز بانتمائنا إلى أولئك الافذاذ الذين كانوا بحجم التحديات التي واجهوها :

من رياح الصحاري في بحار الرمال
لحن همس الليالي من خيالي سرى

كان الريح تجري في جنوب وشمال
يوم غيري جفونه غارقه بالكرى

أحمل الشوق وحدي من شموخ الجبال
ويفضح الموق وجدي للذي ما درى

يا صدى الليل خبر هل لديك احتيال
للذي طاري النجوى بقلبه طرى

خبري يا ليالي عن صمود الرجال
واذكري لي وقولي بالذي قد جرى

يا نجوم الثريا هل إليك ارتحال
يمكن اشوف فوقك بعض أسد الشرى

كان في الليل عبره وبسمة وابتهال
وخرت الشهب منها نازله للثرى

وبانت طيوف تسري وكان فيها جلال
وعن كفاح اهل شعبي كنت أسمع وأرى

يا صراع اهل شعبي واهل شعبي مثال
في الصبر والبطوله مجد أمسطرا

كيف أوصف مشاعر وجدها في اشتعال
حار فيها خيالي واعترى ما اعترى

بين أم أولدها لحظة ما تقال
يعجز الشعر يوصف بالذي تشعرا

ومن يودع عياله وادمعه في انهمال
واشتياقه ووجده جمر يتسعرا

ولي يودع حبيبه فايقه في الجمال
بين جفنه وعينه طيفه امصورا

والسفن من كبرها شامخه كالجبال
تنتظر شارة الربان ان يأمرا

موسم الغوص ضرب من ضروب المحال
والبحر فيه ظالم كم عدى وافترى

موسم الغوص قصه م الحكايا الطوال
اسألوا المجد عنها لي كتبها وقرا

موسم الغوص غصه ما محاها زلال
كم لها من عيون دمعها أحمرا

موسم الغوص حرب ليس فيها قتال
والرجال الأشاوس هم لها عسكرا

ويرفعون المراسي ويسحبون الحبال
ويبدي البر عنهم يبعد ويصغرا

ويرتفع صوت نهام يحث الرجال
في حماس ينادي والسفن تبحرا

ويختلط لحن صوته بين هولو ومال
من أنين الصواري ونّته تظهرا


أزمة اللؤلؤ
لعبت المنطقة التي تضم الإمارات دوراً تجارياً بالغ الأهمية في مختلف العصور التاريخية الماضية حيث كانت محطات مهمة للقوافل التجارية البحرية والبرية إلى ان غزاها البرتغاليون في نهاية القرن الخامس عشر واستمرت سيطرتهم على بحارها حتى تمكن أهل المنطقة من توحيد صفوفهم ومناهضة الاستعمار البرتغالي ودحره ثم طرده خارج المنطقة.
وساهم حكام دبي بقوة وفاعلية في استقرار دبي وازدهار تجارتها وفتح الأبواب أمام التجار والمستثمرين وتقديم التسهيلات لهم فأسفرت هذه السياسة عن نتيجة طيبة وإيجابية أكسبت دبي وضعها التجاري المتميز في المنطقة كاملة.
وأدت الأهمية التي تمتعت بها دبي في ما يتصل بتجارة اللؤلؤ إلى انتعاش اقتصادها فصارت مركزاً مهماً من مراكز استخراج اللؤلؤ وتسويقه في المنطقة لذا كان طبيعياً أن تتأثر أكثر من غيرها بانتكاس الطلب على اللؤلؤ الطبيعي خلال فترة الكساد الذي ضرب المنطقة بأسرها في الثلاثينات من القرن العشرين وأثر بشكل سلبي وكبير على تجارة المنطقة وأدى إلى ظروف معيشية قاسية منهكة في دبي وسائر الإمارات ودول الخليج نتيجة الركود العميق الذي أصاب اقتصادات دول العالم فخسرت الحركة التجارية الدولية نصف نشاطها وقيمتها.
ومن يعرف شيئاً عن الاقتصاد يعرف ان النمو والركود دورتان طبيعيتان في أي صناعة أو تجارة أو اقتصاد، وعلى الحكومات الناجحة استغلال خير سنوات النمو لتخفيف آثار الركود، لكن تطرأ أحياناً ظروف معينة تفاقم الكساد وتعمق ركوده وربما استمر سنوات طويلة مثلما حدث في شأن تجارة اللؤلؤ في الخليج نتيجة أسباب عالمية مرتبطة بتفاصيل كثيرة عن الكساد التجاري الذي خيم على أوروبا واميركا في أوائل الثلاثينات من القرن العشرين وتأثرت بسببه بشكل مباشر وقوي تجارة اللؤلؤ في منطقة الخليج. وعندما تغلق المصانع أبوابها ويقل المال في يد الناس ويصبح شغلهم الشاغل العثور على قوت يومهم فإن الكماليات وكل ما ليس ضرورياً للحياة يكون أول الضحايا لذا تراجع الطلب العالمي على مجموعة كبيرة من السلع وفي مقدمتها اللؤلؤ الخليجي الذي كان يعتبر ولا يزال من أنفس أنواع الجواهر والحلي، فيما قررت دول كثيرة منع استيراد الكماليات نتيجة انهيار عملتها المحلية لعجزها عن تأمين غطاء الذهب. ومع ذلك فإن الطعنة القوية جاءت على يد اليابانيين إذ بدأوا بتصدير نتاجهم من اللؤلؤ الاصطناعي على نطاق واسع في مطلع الثلاثينات.
ولا يمكن عموماً التفريق بين اللؤلؤ الطبيعي والاصطناعي إلا في المختبرات لذا أقبل الناس عليه لانخفاض ثمنه بالمقارنة باللؤلؤ الطبيعي الذي ضعف الاهتمام به وانصرف الناس عنه تدريجاً لارتفاع ثمنه ولم تستطع تجارة اللؤلؤ المنافسة نظراً إلى تكاليف استخراجه العالية. وفيما أخذت دعامات هذه التجارة الخليجية الحيوية في الانهيار بدا واضحاً لسكان دبي وغيرها من المناطق ان الأزمة الاقتصادية أصبحت ثقيلة وخانقة وتتحول بسرعة من أزمة مؤقتة إلى أزمة دائمة.
وكانت السنوات التي تلت انهيار هذه التجارة من الفترات الصعبة التي عرفتها المنطقة وإمارة دبي خاصة في تاريخها نظراً إلى اعتماد قطاعات المجتمع على هذا المصدر الحيوي فأثر ذلك في الاقتصاد وبشكل مباشر وكبير وخسر من جرائه التجار خسارة فادحة تركت ظلالها السلبية على كثير من مجالات الحياة. لكن أهل المنطقة ورعايا دبي كانوا على درجة قوية من الثقة بموعود الله تعالى ثم بقوتهم الذاتية التي تمكنهم من عبور الصعاب ومواجهة الظروف الحياتية أياً كانت قسوتها فاستطاعوا بشيء كبير من التحمل والتفكير وبعد النظر الذي هداهم إلى ارتياد مجالات أخرى من التجارة وتحول كثير من سفن الغوص إلى سفن أسفار تجارية يجوبون به موانئ الدول القريبة والبعيدة وينقلون البضائع والمسافرين إلى جهات مختلفة وتمكنوا بكل هذا وغيره من إحلال المجالات والنشاطات التجارية الجديدة محل الغوص وساعدهم على ذلك موقع دبي التجاري المميز، ولعب الخور مجالاً مهماً في تنمية التجارة.
وكان لحكمة قادة دبي دور أساسي في ازدهار التجارة ودعم التجار بكثير من صنوف الدعم والمساندة، ولم يمر وقت طويل حتى استعادت دبي وضعها التجاري بأفضل مما كانت عليه، وعبرت من مأزق كساد تجارة اللؤلؤ إلى مجالات رحبة من الاستثمارات التجارية المختلفة التي تطورت وزادت بشكل ملحوظ سنة بعد أخرى لتشكل في النهاية السمعة الطيبة التي اكتسبتها دبي في كونها المدينة التجارية المهمة على ضفاف الخليج دون منافس.

البحث عن بدائل
يقولون ان كل المنجزات التي حققها الإنسان عبر التاريخ عبارة عن حلم وفكرة. ولقد تحدثت عن بعض أقسام هذا الكتاب عن الحلم والرؤية والفكرة وسأحاول في فصول قادمة تسليط مزيد من الضوء على الأهداف التي نريد تحقيقها من الأحلام والرؤى والأفكار حتى منتصف هذا القرن وما بعده.
قبل نحو ثلاث سنوات تحدثت عن الحلم الذي بدأ يتحقق وقلت إننا نطمح إلى زيادة قدراتنا التنافسية العالمية التي تتضمن موقعاً استراتيجياً بين الشرق والغرب، وبنية تحتية متطورة تجمع بين الجودة والتكلفة الاقتصادية الفعالة والحد الأدنى من البيروقراطية وسياسات اقتصادية حرة وغياب الضرائب.
هذه مفاهيم اقتصادية تبدو غاية في العصرنة، بل إن مفهوم (غياب الضرائب) مفهوم متقدم ليس على العصر فقط بل على المستقبل المرئي أيضاً لان معظم دول العالم، بغض النظر عن درجة نموها وتقدمها، لم تجد بعد المعادلة الاقتصادية التي تمكنها من مجرد التفكير بالغاء الضرائب. وإذا أردنا ان نكون أكثر واقعية علينا الاعتراف بان الضرائب أصبحت في دول كثيرة صناعة قائمة بذاتها لم تتوقف عن النمو منذ نهاية الحرب العالمية الثانية فكثرت طبقاتها وشرائحها وتعددت مستوياتها وأنواعها وباتت تطال الأحياء والأموات على حد سواء، ووصلت الأنظمة الضريبية إلى مستوى متقدم من التعقيد حتى إن غربيين كثيرين يؤدون أعمالاً عادية لا يستطيعون تعبئة اللوائح الضريبية السنوية من دون مساعدة محاسب محترف.
وإذا استطعنا ان نصف مفهوم غياب الضرائب الآن بأنه مفهوم متقدم على العصر فبماذا كنا سنصف هذا المفهوم لو أطلقناه قبل مئة عام حتى لو لم يكن المفهوم شاملاً؟ أنا أصوغ مفاهيم السياسات الاقتصادية المتطورة وغياب الضرائب بكلام العصر لكني أحسب احياناً أنني أردد مفاهيم عرفتها دبي قبل تأسيس منظمة التجارة العالمية بمئة عام، وكانت أحد أهم أسباب المكانة التجارية العالية التي احتلتها دبي ففي عام 1902 أصدر الشيخ مكتوم بن حشر، يرحمه الله، قراراً بإعفاء الواردات من الضرائب الجمركية فتدفقت البضائع المشحونة من الهند إلى دبي وتحولت بسرعة إلى أهم مركز في الخليج لإعادة تصدير البضائع إلى موانئ الدول المجاورة أو شحنها إلى المناطق الداخلية المهمة مثل واحدة البريمي، وانتقل إلى دبي عدد كبير من كبار تجار الخليج.
وتابع جدي الشيخ سعيد بن مكتوم آل مكتوم (1912-1958)، طيب الله ثراه، انتهاج سياسات الانفتاح الاقتصادي وتحرير الأسواق شاملة أهم الصادرات آنذاك وهو اللؤلؤ، فانتقل إلى الإمارة عدد كبير من تجار اللؤلؤ في المنطقة وما وراءها، وأسهم ذلك في انتعاش اقتصادها أيضا وتحولها إلى أحد أهم مراكز التجارة باللؤلؤ. وكانت الإمارة بذلك من بين أكثر المستفيدين من هذه التجارة في الخليج، إلا أنها كانت أيضا الأكثر تأثرا بانهيارها إذ راجت في الإمارة آنذاك نشاطات تجارية وصناعية محدودة إلا ان قسماً كبيراً من تلك النشاطات كان لخدمة تجارة اللؤلؤ أساساً.
وخلال سبعة عشر عاماً بين بداية الكساد الكبير (1929) ونهاية الحرب العالمية الثانية (1945) حاولت دبي العثور على مصادر بديلة لتجارة اللؤلؤ وطرقت كل الأبواب الممكنة لتطوير النشاطات وتقديم الخدمات التي تضمن استمرارها، وفي عام 1937 وقّع جدي الشيخ سعيد بن مكتوم اتفاقية حصرية للتنقيب عن النفط في أغلب مناطق الإمارة مع شركة بترول الساحل المتصالح (وهو الاسم الذي أطلقته بريطانيا على منطقة الإمارات) التابعة لشركة نفط العراق لمدة 75 عاماً بعد مباحثات صعبة استمرت 20 شهراً لقاء 30ألف روبية سنوياً.
وعلقت دبي آمالاً كبيرة على اكتشاف النفط في أراضيها خصوصاً ان الشركة كانت ستدفع لحكومة دبي 200 ألف روبية خلال شهرين من اكتشاف النفط بكميات تجارية إضافة إلى ثلاث روبيات لقاء كل برميل مصدر. لكن الشركة اخفقت في العثور على البترول وتخلت عن امتيازها فعادت دبي إلى التركيز على النشاط الذي تعرفه جيدا وهو التجارة وبالتحديد تجارة إعادة التصدير فكان التجار يستوردون البضائع من دول كثيرة ويدخلونها إلى الإمارة معفاة من الضرائب ثم يعيدون تصديرها معفاة من الضرائب أيضاً. وشملت هذه التجارة عدداً كبيراً من السلع كان الذهب أهمها، وبدأ الاتجار به يزداد بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، ثم ارتفع بحدة بعدما قررت بعض الحكومات منع استيراد الذهب لأسباب اقتصادية محلية. وعززت حكومة دبي تجارة إعادة التصدير عندما شيدت مطاراً دولياً حديثاً عام 1959 وطورت الملاحة في الخور الذي كان ولا يزال الشريان الاقتصادي لإمارة دبي. ومع الزمن وتراكم الخبرة تحولت دبي إلى واحد من أهم مراكز إعادة تصدير الذهب في العالم، وباتت المدينة المفضلة لمجموعة من المصارف والشركات العالمية المعنية بتسويق المعدن الثمين.

الإيجابيات وغيرها
ذهبت مرة إلى والدي وقلت إن هذه الصحيفة وتلك تفتري علينا وتكتب عن دبي ما لا صحة له على الإطلاق واقترحت عليه منعها فهدأني وقال بل الأفضل ان نستمر بالسماح لها بالدخول فإن كان ما تكتبه عنا صحيحاً فنحن نستحق الانتقاد وإن كان افتراء فلن يصدقها أحد، فخرجت من عنده مقتنعاً ولم اقترح بعد ذلك منع مطبوعة مهما كان السبب.
وبين السلبيات والإيجابيات في الصحافة أفضل دائماً ان أقرأ في السلبيات حسن النية فالإيجابيات يعرفها الجميع ولا حاجة لتذكير الناس بها لكن الكتابة عن السلبيات تنبه المسؤولين وأصحاب القرار إلى الخطأ فيسارعون إلى تداركه وتصويبه. ولا أفرض على الصحافة رأياً مهما كان لأنها أعرف مني بعملها ورسالتها. لكن أمنيتي دائماً هي ان تكون السلبيات صحيحة ويأتي الكشف عنها نتيجة التحقيق الميداني وليس استناداً إلى المصادر الخفيفة والإشاعات أو الإيحاءات.
لماذا هذا التمهيد ؟
لأن القول صراحة أو مداورة أو تورية ان حكومة دبي كانت تشجع على تهريب الذهب إلى الهند أو باكستان وغيرهما غير صحيح. الصحيح هو ان الذهب كان يدخل إلى الإمارة في صورة قانونية سليمة بموجب اتفاقات بين البنوك والشركات التي تبيع الذهب والتجار، ويخرج في صورة قانونية سليمة. ما يحدث للذهب عد خروجه من حدود الإمارة لم يكن مسؤولية الإمارة. بريطانيا ظلت في الإمارات حتى عام 1971 وبحثت في الشكاوى من تهريب الذهب لكنها لم تطلب وقف تجارته في أي وقت من الأوقات لأنها وجدت ان التعامل به نظامي.
ورغم الاعتراف بالدور الذي أداه الذهب في تجارة إعادة التصدير خلال الخمسينات والستينات يجب الإيضاح أيضا بأنه لم يكن السلعة الوحيدة التي كان يُعاد تصديرها من موانئ دبي آنذاك إذ كانت السلع والبضائع والآلات التي حملتها السفن إلى باقي الدول الخليجية وإيران والعراق وشبه القارة الهندية وشرق أفريقيا بالمئات. ويجب ان يعرف الجميع ان العامل الحقيقي الذي أخرج دبي من الأزمة الخانقة التي عصفت بها بعد انهيار تجارة اللؤلؤ لم يكن الذهب آنذاك ولم يكن النفط بعد ذلك ولم تكن أي مادة أخرى بل الرؤية المستقبلية التي أتقن حكام دبي صياغتها وأصروا على تحويلها إلى واقع منذ نهاية القرن التاسع عشر.
إن حركة التنمية في دبي الآن ليست سياسة انتقيناها من بين البدائل الأخرى المتاحة في الحاضر، ولم تكن سياسة انتقاها والدي وجدي ومن سبقهما من بين البدائل التي كانت متاحة في الماضي. إنها جزء أساسي من تكوين دبي وجزء أساسي من تفكير قادتها. إنها سلاحنا الأساسي في صراعنا من أجل البقاء، وهي الآن، وفي الماضي والمستقبل، الخيار الوحيد الذي يضمن استمرار دبي ونموها ويكفل درء مضاعفات الأزمات الاقتصادية التي يحملها إلينا الشرق والغرب. إنها تنمية تقوم على مبادئ التجارة الحرة والأسواق الحرة والسماء الحرة والإعفاءات الضريبية، وتضافر هذه المبادئ مع مهارة تجار دبي وخبراتهم العالمية وتعاون كل شعب دبي هو الذي صنع الفرصة العظيمة ووضع الإمارة في مركز الصدارة تجارياً واقتصادياً في منطقة الخليج.

دبي الحديثة
لا يوجد تاريخ معين كنقطة بدء لنهضة دبي الحديثة فالبحث عن بدائل لتجارة اللؤلؤ لم يتوقف منذ انهيار ذلك النشاط، وكان الجهد التنموي مستمراً عندما انتقل جدي إلى جوار ربه وتولى والدي مقاليد الحكم في الإمارة عام 1958. ومع ذلك هناك نقطة تحول في تاريخ دبي الحديث تستوقفني كلما وجدت نفسي أعبر بر دبي إلى ديرة (وهما شطرا مدينة دبي) أو العكس هي الانتهاء من عمليات توسيع الخور عام 1960.
الإنكليز يقولون : (أعطني أي ميناء عندما تهب العاصفة)، ولا يمكن ان يتمنى أي قبطان ميناء أكثر أماناً وسلاماً من خور دبي فهو من أفضل الموانئ الطبيعية في الخليج ان لم يكن في العالم إذ يبلغ طوله نحو 14 كيلومتراً لذا تجمع ضفافه بين ميزتي الوجود على البحر، والوجود على نهر عظيم، ومن الطبيعي ان يشكل شريان دبي ومصدر بقائها وتميزها ونموها على مر العصور.
وكان الخور ميناء جيداً للسفن الصغيرة والمتوسطة الحجم التي كانت ترسو على ضفافه محملة ببضائع يمكن ان يصل وزنها إلى 300 طن، ثم تبحر وهي تحمل بضائع أخرى إلى الموانئ المنتشرة بين الهند وساحل أفريقيا الشرقي. لكن تنشيط الحركة التجارية بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية أدى إلى زيادة الاعتماد على السفن الأكبر التي لم تكن تستطيع دخول الخور فكانت ترسو خارجه وتنقل البضائع على متن سفن صغيرة داخل الخور مما كان يتسبب في تباطؤ حركة النقل وارتفاع تكاليفه.
وانشغل والدي بالبحث عن حل لهذه المشكلة عندما كان ولياً للعهد، فأمر عام 1954 بوضع دراسة اقتصادية وفنية لتوسيع الخور ولم تستطع الحكومة تمويله فعمد إلى تأسيس صندوق لهذا الغرض أسهم فيه أحد البنوك المحلية بمبلغ 200 ألف جنيه وحصل على قرض من الكويت بقيمة 400 ألف جنيه فتم جرف قاع الخور وبناء رصيفين طويلين على الضفتين لخدمة السفن، ثم بناء جسر بين الضفتين هو جسر آل مكتوم الذي افتتح عام 1963.
ورافق استكمال هذه العملية تجديد العزم على البحث عن الثروة النفطية فأمر والدي عام 1963 بتأسيس شركتين لإدارة التنقيب عن النفط في الإمارة هما شركة بترول دبي وشركة دبي المحدودة العاملة في المناطق البحرية ضمتا عدداً من الشركات الأجنبية التي تقاسمت مناطق الامتياز في البر والبحر. وأسفرت هذه الجهود عن العثور على البترول في حقل فتح البحري في العام 1966، ثم في حقل جنوب غرب فتح بعد أربع سنوات من ذلك، وحقلين بحريين آخرين هما فلاح وراشد. لكن الشركات المعنية بالإنتاج واجهت مشكلة في تخزين النفط المستخرج من حقل فتح بسبب ضحالة المياه في تلك المنطقة البحرية، وتم التوصل إلى فكرة رائدة كان من نتيجتها صنع خزانات ضخمة عائمة في دبي قطرت إلى مكان استخراج النفط من آباره البحرية لتخزين النفط فيها مما ساهم في حل هذه المشكلة وشحنت الناقلة الأولى بنفط حقل فتح بتاريخ 22/9/1969، وبات في استطاعة الإمارة تمويل التنمية ودخول مرحلة جديدة من تاريخها الحديث بمجموعة من المشاريع العملاقة التي لم يعرفها الخليج والشرق الأوسط.
وبعد توسيع الخور وتعميقه تمكنت المحامل الكبيرة زنة 800 طن من دخول الخور وتفريغ البضائع وتحميلها وسجلت حركة النقل والتجارة نشاطا كبيرا، توقع والدي استمرارها في صورة أكبر بكثير. ولما كان الخور وصل إلى قدرته الاستيعابية الأكبر من جهة حجم السفن وطبيعتها فقد رأى والدي ضرورة عاجلة في بناء ميناء بحري عميق فأمر عام 1969 بتشييد ميناء راشد بأربعة أرصفة لكن لم يكن العمل انتهى من البناء بعد عندما طلب إضافة 11 رصيفاً. واستكملت هذه المرحلة عام 1972 وتلتها توسعة ثانية رفعت عدد الأرصفة عام 1978 إلى 35 رصيفاً تستطيع خمسة منها مناولة أكبر سفن الحاويات. لكن والدي عاد وفاجأ الجميع عندما وجه قبل سنتين من الانتهاء من عملية التوسعة الثانية بمباشرة بناء ميناء جديد يضم تقريباً ضعفي عدد الأرصفة في الميناء الأول مع منشآت ضخمة لصيانة السفن هو ميناء جبل علي.
وأعتبر عام 1979 نقطة مضيئة في تاريخ دبي إذ استكملت فيه ثلاثة من أهم المشاريع التي عرفتها الإمارة الأول ميناء جبل علي، والثاني مصهر الألمنيوم الذي أقامته شركة ألمنيوم دبي (دوبال) وبدأ بإنتاج أولي كان 135 ألف طن سنوياً، والثالث واحد من أكبر مراكز المؤتمرات ومكاتب الشركات هو مركز دبي التجاري، وبهذا قدم والدي لشعب دبي بنية تحتية فريدة وقاعدة صناعية أولية حققت نجاحاً فورياً وجعلتها مركزاً تجارياً رئيساً على المستوى الإقليمي.

التنمية والتفاؤل
ما الذي يوجد في دبي ولا يوجد عند غيرها؟ البحر؟ كل دول الخليج تطل على البحر. الشواطئ الرملية؟ هذه عند الجميع، ومثلها الصحراء. الطقس العليل؟ لا شيء في الطبيعة التي أحبها أقرب إلى نفسي من نسمات ريح باردة وقت الغروب، والإمارات بحق من المشاتي المثالية في العالم لكنها لا تنفرد باعتدال الطقس في الشتاء ولا بقسوته في الصيف.
الطقس والصحراء والشواطئ الرملية والبحر لا تصنع التنمية. من يصنعها؟ الناس. سر النجاح هو التوصل إلى المعادلة المثالية لتوظيف مهارات الناس واستغلال الصحراء والبحر والخور والشواطئ لصنع تجربة حضارية متميزة. صيغة هذه المعادلة هي الرؤية الصحيحة ومفتاحها هو القائد الذي يجمع إلى نظرته المستقبلية العزم على تحويل رؤيته إلى واقع مهما تكن الظروف. أعتقد ان والدي تميز بشيء ثالث هو عدم وجود فاصل بين رؤيته وبين تنفيذها. الاثنان كانا بالنسبة له شيئاً واحداً والاثنان كانا في سباق دائم مع الزمن ومع الآخرين للوصول أولاً والبقاء أولاً لذا تميزت كل مشاريعه بإنجازها في وقت قياسي رغم التحديات التي برزت مع كل مشروع، وحققت مشاريعه كلها النجاح الذي توقعه وأدت المهمة التي تصورها لكل واحد من تلك المشاريع.
من ينظر من نافذة اليوم إلى مرحلة إنجاز مشاريع دبي الكبرى ثم ينظر إلى بداية الثمانينات، عندما وصل النشاط الاقتصادي في الخليج إلى الأوج، سيكتشف علاقة واضحة بين طفرة المشاريع وطفرة النمو التي أعقبتها، لكن كيف استطاع والدي في السبعينات ان يرى ما ستحمله الثمانينات بتلك الدقة؟
وماذا حدث آنذاك؟
كان سعر برميل النفط عندما انتهت المرحلة الأولى من بناء ميناء راشد دولارين تقريباً لكنه وصل في عام 1982 إلى 38 دولاراً ولم يتوقف سعر النفط عن الارتفاع في كل سنوات السبعينات لذا حمل النفط إلى الخليج مرحلة من النمو لم تعرفها في تاريخها. وكانت دبي بعد تنفيذ تلك المشاريع في الوضع الأمثل للاستفادة منها، في حين أدت زيادة الطلب على الألمنيوم إلى رفع انتاج مصهر دوبال عام 1983 إلى أكثر من 151 ألف طن مثلت قيمة مبيعاته (460 مليون درهم) نحو نصف قيمة صادرات دبي غير النفطية آنذاك، واستمر العمل حثيثاً لتطوير الإنتاج حتى بلغ 722 ألف طن في 2005.
وهناك ميزة أخرى اتصف بها والدي هي التفاؤل. لا يستطيع القائد مهما تصل درجة ثقته برؤيته ان يأخذ المخاطر الهائلة التي أقدم عليها والدي وأن يمضي قدماً في تنفيذ ذلك النوع من المشاريع الأسطورية ويصب فيها عشرات المليارات من دون ان يكون التفاؤل جزءاً أساسياً من رؤيته، ثم الإصرار على تحقيق النجاح والتمسك بالتفاؤل واعتماده كقناعة دائمة حتى عندما يصبح التشاؤم طابع التفكير في المنطقة كلها، ويحجم المستثمرون عن أخذ المخاطر وتطفح القلوب بالشكوك والمخاوف وتظلم الزوايا التي ينظر الناس عبرها إلى المستقبل.
هذا شيء آخر تعلمته من والدي : التفاؤل : التفاؤل بمستقبل دبي وبمستقبل الإمارات والمنطقة، والتفاؤل بشعب دبي والإمارات والخليج وباقي الوطن العربي، والإيمان بأن الاستقرار الاجتماعي الحقيقي هو الاستقرار الاقتصادي، وبأن الهدف من أي تنمية اقتصادية صحيحة ضمان بقاء الشعب والدولة، وتوفير أمن وراحة الناس وحفزهم على صنع الثروة وإتاحة كل الوسائل التي تكفل تحقيق ذلك.
هذه هي الأهداف نفسها التي نسعى إلى تحقيقها اليوم متسلحين بالإصرار نفسه على تحقيق النجاح، وبالثقة نفسها بالرؤية والناس، والتفاؤل نفسه والعزم على تعزيز التميز في تجربة دبي التنموية. هذه هي الاستمرارية التي تعرفها دبي. والدي عايش الأزمة الاقتصادية التي عرفتها الإمارة بعد انهيار تجارة اللؤلؤ بكل مرارتها لذا يعرف تماماً معنى الجوع والعوز والتخلف بكل ألمه وقسوته. كان يريد أن يصلح أوضاع الناس لأنه كان يعرف كم عانوا بسبب الركود. هذا هو الهدف الوحيد الذي كان يشغل تفكيره. كان يريد أن يبني أعلى جدار يستطيع بناءه لكي يبعد شبح الجوع والعوز والتخلف عن دبي إلى الأبد، ومن يفكر بذلك الجدار سيكتشف بسرعة اللبنات التي تكونه : الخور العريض ومطار دبي الدولي وميناء راشد وميناء جبل علي ومصهر الألمنيوم وعشرات المشاريع الأخرى التي أتاحت لمكونات الاقتصاد التقليدي والحركة التجارية الدولية العبور إلى دبي على أعرض طريق يمكن بناؤه.
كل ما فعلناه وما سنفعله في المستقبل هو استكمال رحلة التنمية التي بدأها والدي لكن في ظروف اقتصادية دولية جديدة تتطلب بناء أعرض طريق يمكنه بناؤه إلى الاقتصاد الجديد من خلال تنفيذ خططنا الاستراتيجية الرامية إلى تنويع البنية الاقتصادية، ووضع أسس راسخة للازدهار والتميز، وتحويل دبي من مركز تجاري إقليمي إلى مركز عالمي للمال والخدمات والتجارة الإلكترونية.
الأساس في رؤية والدي التنموية هي التجارة والخدمات. كان لا بد رأى شيئاً في المستقبل وكان سيستمر في تنفيذ رؤيته وسيجد التمويل اللازم لها بغض النظر عن نتائج عمليات التنقيب عن النفط. وفي نهاية عام 1984 كانت مساحة الامتيازات للتنقيب عن النفط في الإمارة نحو عشرة آلاف كليومتر مربع نشطت فيها سبع مجموعات دولية ضخت من 200 بئر نحو 324 ألف برميل بما في ذلك نفط حقل مرغم البري بعد مد خط أنابيب بطول 65 كيلومتراً إلى منطقة جبل علي. وارتفع انتاج الإمارة في السنة التالية إلى 348 ألف برميل، ثم وصل إلى نحو 400 ألف برميل يومياً قبل أن يبدأ التراجع التدريجي ومع ذلك فإن قوتنا الاقتصادية إلى ازدياد وليست إلى تراجع لأننا نجحنا في تعزيز القطاعات غير النفطية وتطوير قطاعات جديدة مثلت مساهماتها في الناتج المحلي الإجمالي (2005) نحو 94٪ أو 37 مليار دولار (136 مليار درهم).
ويجب ان أسجل هنا للحق والتاريخ والاعتراف بالجميل ان دبي ما كانت ستتبوأ المكانة التجارية والاقتصادية التي تتميز بها لولا دعم الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان يرحمه الله لدبي ولحركة التنمية في دبي وثقته التي لم تتزعزع لحظة واحدة بقدر ومستقبل الاتحاد ومساندته لكل الجهود التي تعزز موقع الإمارات على الخارطة الاقتصادية الدولية.
وفعل الشيخ زايد كل هذا وغيره الكثير من خلال الحكم الصالح والشورى والاخلاص وتعظيم العمل والتفاني في خدمة الوطن والشعب والتركيز على التنمية الراقية، وفتح بذلك باباً كبيراً على العالم ولجت منه الإمارات بسرعة قياسية لتحتل مكانها بين الدول المتقدمة، وأحسب أنه غادرنا إلى دار البقاء وهو مطمئن إلى ما أنجزه، ولعمري، إنها إنجازات العظماء الذين يشهد لهم التاريخ. والدي، رحمه الله، واجه تحديات في كل خطوة خطاها واستطاع بعون الله ثم بعزمه وتصميمه قهر كل تلك التحديات، ونحن سنفعل الشيء نفسه بإذن الله تعالى. مرت فترة كان فيها التفكير بنضوب النفط مصدر قلق، لكن هذا القلق يتلاشى لأننا حققنا نجاحاً لافتا في تنشيط التجارة وصنع البدائل وتنويع الاقتصاد وصنع الفرص الجديدة نتيجة إتقان استغلال أفضل مصدر في العالم للتنقيب عن ثروة لا تعرف النضوب سأكشفها لكم الآن .........

عودة »»