الصفحة الرئيسية
الكُتب والمراجع والحقوق
عدد الأقسام : 6
عدد المقالات : 224
عدد زوار المقالات : 161753
المتواجدين حاليا :
 
البحث فى المقالات
 
 
الصفحة الرئيسية » الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم - رؤيتي » الفصل الثامن
تاريخ الإضافة :: 23/01/2007   ||   عدد الزوار :: 1159

الفصل الثامن


الساسة والسياسـة
جاءني أحد المدربين العالميين مرة وطلب الإذن بإشراك أحد خيولي في سباق قريب فنصحته باختيار جواد آخر لأن هذا الجواد بالذات يشتكي من علة كنت متيقناً أنه يعاني منها لكن لا اعرف ما هي بالضبط. استغرب المدرب وقال إنه يعرف الجواد جيداً وان الأطباء البيطريين فحصوه ولم يجدوا فيه علة وأصر على إشراك الجواد في السباق المشهور لأنه متأكد من فوزه فشكرته على اهتمامه، وأردفت بأنني سمعت كل ما قاله لكن لا يعرف أحد في الدنيا خيلي كما أعرفها. ولما خرج تباين الرأي من نطاق الخصوصية إلى الشيوع لم يعد بد من معالجته فاحتكمنا إلى اختصاصيين عالميين أخضعوا الجواد إلى فحص كامل ثم رفعوا تقريراً بين العثور على عظمتين صغيرتين مكسورتين في عنقه.
ومرة كنت على رأس كوكبة من المدربين نمرن بعض الجياد في خطو خفيف نسميه (الهذبة)، لأن هدفنا تهذيب جريها، وكانت إلى يسارنا سيارتان : الأولى شاحنة صغيرة (بيك آب) فيها بعض المساعدين، والثانية سيارتي الخاصة وكانت تقل مسؤولاً في الحكومة وأحد الصحافيين. وكان نطاق التدريب في الصحراء فتخيلت لوهلة أن خطو الخيل بات أسرع قليلاً من المطلوب وأردت التأكد فطلبت من سائق الشاحنة الصغيرة مواكبتنا ثم سألته عن السرعة فقال إنها 21كيلومتراً. وقطعنا شوطاْ آخر لكن ترددي استمر فطلبت منه ان يكرر ما فعله ثم سألته عن السرعة فأكد أنها 21 كيلومتراً ومع ذلك شعرت أنها أعلى مما اعتقده فطلبت من سائق سيارتي أن يواكبنا ثم سألته عن السرعة فقال إنها 22 كيلومتراً، أي السرعة الأعلى التي أحسست بها، واكتشفنا ان الخطأ لم يكن في قيادة الجياد بسرعة الخطو التي أردتها بل في عداد سرعة الشاحنة الصغيرة.
إذا كنت أستطيع اكتشاف اختلال في سرعة الخطو بهذا التحديد فكيف لا أستطيع اكتشاف عطب في أحد جيادي المفضلة؟ كثيرون سألوني كيف عرفت. البعض أدعى ان لدي حاسة خاصة بالجياد لكن الإجابة بدهية : ألا يستطيع الأب ان ينظر إلى ابنه مرة واحدة ويعرف ان كان يشتكي من شيء؟ الا يستطيع القائد ان ينظر إلى رئيس فريق العمل أو احد أعضاء فريق مرة واحدة ويعرف أن هناك مشكلة ما؟
سألتني صحافية أجنبية مرة ماذا تعلمت خلال 25 سنة من تجربتي في تربية الخيول والمشاركة في السباقات في أوروبا فقلت لم أتعلم شيئاً لم أكن أعرفه في دبي. دهشت سائلتي وقالت : ألم يفدك كل هؤلاء المستشارين والخبراء والمدربين بشيء؟ فقلت : عندما بدأت تجربتي في أوروبا كان الجميع يقولون ان علي أن أحيط نفسي بمستشارين وخبراء من كل جانب. إذا أردت شراء الخيل يجب ان يكونوا معي، وإن أردت بيعها يجب ان يكونوا معي، وإن أردت المشاركة في السباق فالأمر نفسه. باختصار جمعت حولي كل عباقرة الخيل دهراً لكن جيادي لم تسبق إلا بعدما شكرت الجميع وبدأت أدير شؤون خيلي بنفسي وأعتني بطعامها وصحتها وتدريبها. (كيف)؟ سألتني الصحافية والدهشة ذهبت بها كل مذهب، فقلت أزيدها دهشة: (جوهر المشكلة ان المستشارين والخبراء والمدربين يغرقون أنفسهم في التفاصيل الصغيرة التي لا حصر لها فينسون أن الجواد يقف على ثلاث قوائم)!
مثل هؤلاء يفكرون بالطريقة ذاتها ليس في الخيل فقط بل بكل شيء تقريباً، لذا إذا تساءل القارئ كيف استطعنا في دبي أن نحقق كل هذه الانجازات بهذه السرعة القياسية فسأقول إن أحد الاسباب أننا لم نسمح لأحد أن يغرقنا في التفاصيل لأن أساس التنمية الصحيحة الرؤية التي لا تطمس تفاصيلها الصغيرة أهدافها الكبيرة.
نحن رضعنا التنمية وحب الخيل والصحراء ولا نريد من يدلنا على طرق معاملة الخيل ولا من أين تهب الشمال أو الجنوب. نعرف كل هذا ويكفي ان ألقي نظرة واحدة على الكثيب أو على تحدب الرمل حول شجر الصحراء فأعرف جهة الرياح. إن قال لي الخبير بعد كل هذا إنه وجد في مراجعه شيئاً مختلفا سأطلب منه ان يعذرني لأن ذنب وجود الخطأ في المرجع ليس ذنبي ولا يعنيني هو أو صاحبه.
ومرة حاولت إحدى الصحافيات الأجنبيات إحراجي عندما أصرت على ان أسمي لها أفضل خيال (jockey) في رأيي. لو قلت لها ويلي كارسون willie Carson أو فرانكي دي توري Frankie dettori أو أي خيال آخر لعتب علي الآخرون لان هذا الرأي يأتي من أكبر ملاك الخيول في العالم، لذا فضلت ان أتحيز لنفسي لا لأي راكب آخر وقلت لها : أنا. فمضت في استفزازها وقالت : إن كنت فعلاً أفضل خيال فلماذا لا تشترك في السباقات عندنا؟ فقلت أنا أشترك في سباقات الـ 160 كيلومترا لكن سباقاتكم ذات الأشواط القليلة أقصر من ان تثير اهتمامي.
وكان بيني وبين نهاية هذه المقابلة سؤال أخير فقالت : (والمضامير؟ أيها تفضل؟) لو قلت أسكوت أو نيوماركت اويورك أو أي مضمار آخر لعتب علي مديرو المضامير التي لم أذكرها فقلت : (المضمار الذي لخيلي فيه نزول ولخيل الآخرين طلوع).
بعض الصحافيين الأجانب يقول إن إجاباتي تدهشهم مع أنها عفوية ووليدة اللحظة، لكن يجب أن اعترف بأنني أدهش عندما يسألني أحد الأخوة الصحافيين العرب لماذا أهتم بالخيل. يا أخي! أنت عربي مثلي وتقرأ القرآن الكريم والحديث الشريف وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلام فكيف تسألني سؤالاً كهذا؟ الخيل ليست كالدواب الأخرى. إنها تجلب البركة إلى بيت صاحبها وهي عز لكل عربي ورمز للقوة والمنعة والقدرة. أما قرأت قوله تعالى :  وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل  ؟ أما سمعت قول النبي صلى الله عليه وسلام : ( الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة)؟
لقد أهتم الرسول صلى الله عليه وسلام بالخيل حتى أن ذكرها يرد في أحاديث كثيرة منها : (عن جرير رضي الله عنه قال ما حجبني النبي صلى الله عليه وسلام منذ أسلمت ولا رآني إلا تبسم في وجهي ولقد شكوت إليه أني لا أثبت على الخيل فضرب بيده في صدري وقال اللهم ثبته واجعله هادياً مهدياً).
إذا كنت أشارك في سباقات القدرة واشجع أولادي وبناتي على المشاركة في السباقات، وأحب الخيل وأعلم أولادي على حبها فهل أفعل شيئاً لم يحضنا ديننا عليه أو لم يكن النبي محمد صلى الله عليه وسلام القدوة لنا فيه؟ لهذا أستغرب عندما يسألني صحافيون عرب من سبب اشتراكي في سباقات الخيل كأنهم لا يعرفون أن الرسول صلى الله عليه وسلام كان يسابق بين الخيل ففي صحيح البخاري : ( عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : سابق رسول الله صلى الله عليه وسلام بين الخيل التي قد أضمرت فأرسلها من الحفياء وكان أمدها ثنية الوداع فقلت لموسى فكم كان بين ذلك قال ستة أميال أو سبعة وسابق بين الخيل التي لم تضمر فأرسلها من ثنية الوداع وكان أمدها مسجد بني زريق قلت فكم بين ذلك قال ميل أو نحوه وكان ابن عمر ممن سابق فيها).
بعضنا نسي أن أمته العربية كانت يوما ًأمة الريادة والخيل وأريد أن أذكر هؤلاء انني لن أنسى. تحدثت عن الريادة في مكان سابق في هذا الكتاب وسأقول هنا إن كل الأمم تحب الخيول لكننا نحن العرب لا نحبها فقط بل نحترمها ونكرمها ونتفاءل بها ففي تفسير المنام أن المرأة الحامل إن حلمت بفرس فهذه بشارة بمولود ذكر، وإن حلمت بها العازبة فهذه بشارة بزوج صالح.
كل الأمم تهتم بخيولها لكن العرب جعلوا من شؤون الخيل وأنسابها علماً وكتب فيه كثيرون مثل ابن قتيبة وابن الاعرابي وأبي عبيدة وأبي جعفر محمد بن حبيب البغدادي وأبي محلم محمد بن هشام الشيباني وابن الكلبي وأبي عبيدة معمر بن المثنى وغيرهم قبل اكثر من الف عام، واختص شعراء بوصف الخيل مثل أبي دؤاد الإيادي والطفيل والنابغة الجعدي لكن الأبيات الأثبت في الذاكرة هي ما قالها شعراء مثل أمرئ القيس والمتنبي وعنترة فللأول :

وقد أغتدي والطير في وكناتها
بمنجرد قيد الأوابد هيكل

مكر مفر مقبل مدبر معاً
كجلمود صخر حطه السيل من عل

كميت يزل اللبد عن حال متنه
كما زلت الصفواء بالمتنزل

مسح إذا ما السابحات على الونى
اثرن غباراً بالكديد المركل


وللمتنبي :

أعز مكان في الدنى سرج سابح
وخير جليس في الزمان كتاب


وله :

وعيني إلى أذني أغر كأنه
من الليل باق بين عينيه كوكب

له فضلة عن جسمه في إهابه
تجيء على صدر رحيب وتذهب

شققت به الظلماء أدنى عنانه
فيطغى وأرخيه مراراً فيلعب

وأصرع أي الوحش قفيته به
وأنزل عنه مثله حين أركب

وما الخيل إلا كالصديق قليلة
وإن كثرت في عين من لا يجرب

إذا لم تشاهد غير حسن شياتها
وأعضائها فالحسن عنك مغيب

لحا الله ذي الدنيا مناخاً لراكب
فكل بعيد الهم فيها معذب


عندما أتصور أمرأ القيس أو عنترة أو أبطال الماضي وقادته مثل خالد بن الوليد وأبي عبيدة بن الجراح وعقبة بن نافع وموسى بن نصير والعشرات غيرهم أتصورهم على صهوات جيادهم يقودون الجيوش في شرق العالم وغربه ويستشعرون الإيحاء وينشدون الأفكار العظيمة والمعنويات العالية. لكن زمان الفتوحات ولى وتلاشى المجد وانقطعت السيرة ونعت صهوة الجواد العربي أبطاله وشعراءه.
وبينما غيبت شمس الريادة والخيل عند العرب بدأت تبزغ في الغرب على أصولها العربية الكثيرة حتى إن كل الجياد السلالية الأصيلة في انكترا انحدرت من السلالة العربية، التي هي أقدم سلالة في العالم، إما مباشرة أو بالتزواج من ثلاثة جياد هي بايرلي التركي Byerly Turk وجودولفين بارب Godolphin (أي الجواد المغربي المستولد من الجياد العربية التي حملت الفاتحين إلى الأندلس) الذي يسمى أيضاً جودولفين العربي، ودارلي العربي Darley Arabian .
كثيرون سمعوا بمعركة واترلو الشهيرة التي التقى فيها نابليون بونابرت خصمه الإنكليزي دوق ولنغتون عام 1815. لكن أكثر الناس لا يعرفون عن وجود الرمز العربي في تلك المعركة الحاسمة إذ كان نابليون يمتطي جواداً عربياً أصيلاً ابيض هو مارينغو Marengo، بينما ركب الدوق حصاناً من نسل دارلي العربي هو كوبنهاغن.
الشعر والخيل والأصالة والشهامة والهيبة والكرم من ثوابت التكوين المتفرد للشخصية العربية وليست مكياجاً وريشاً وبهرجة وإضافات لا قيمة لها. حدث ما حدث في الماضي واختفى الفارس العربي وبقي الجواد، ثم كاد حتى هذا الجواد يختفي. إذا تركنا للآخرين الاقتصاد والتقنية والامتياز والريادة والخيل فماذا بقي لنا؟ وأعتقد ان من يستعظم علنيا اهتمامنا بالتنمية والخيل لا يعرف بالضبط ما الذي نفعله.
نريد أن نستعيد الريادة مرة أخرى لكن ليس في الاقتصاد والتقنية والامتياز فقط. حتى سنوات قليلة خلت كان العرب أمة الخيل في التراث فقط لكن أرجو ان يكون العرب انتبهوا إلى ان الوضع تغير تماماً الآن. عندنا مرابط ومضامير في دبي وأوروبا وأماكن أخرى، وخيولنا وخيالونا يشاركون في أهم سباقات الخيل الدولية ويفوزون في أشهر مضامير السباق في العالم ويحصدون الجوائز من كل نوع بالعشرات. لا نستطيع ان نقول إننا عدنا أمة الخيل مرة أخرى لكننا الآن في الطريق الصحيح.
إن الحكومة الالكترونية التي بدأت عربيا في دبي انتقلت إلى دول شقيقة أخرى، ومهرجانات التسوق لم تعد في دبي وحدها بل في مدن عربية عدة، وتجربتنا في إدارة المناطق الحرة والموانئ والمطارات مدرسة ونعتبر المساعدة على نقل هذه التجربة إلى الدول الشقيقة واجباً علينا لكننا نسهم أيضاً في إشاعة اهتمامات عربية أصيلة أخرى مثل تربية الخيل وتركيضها. السباقات التي تنظم الآن في مصر والأردن وسورية واسبانيا وغيرها لعبت دوراً أساسياً في العودة إلى الاعتناء بالخيل وتهجينها وإكثارها والتجارة بها، وبدأ كثيرون ينفضون الغبار عن المؤلفات العربية التي تعنى بهذا الحيوان الفريد بعدما أهملت مئات السنين.
من ينظر إلى الخيل من الجانب الاقتصادي فقط يخطئ فحبها في دمنا ونحن ولدنا على ظهور الخيل. إنها هواية ورياضة للجسم والنفس واعتبرها من أهم مصادر توليد الطاقة الإيجابية في الإنسان وإخماد الطاقة السلبية، لكن هذا لا يعني إغفال أهميتها الاقتصادية فالخيل في الدول الغربية صناعة كبيرة نستفيد منها. السباقات التي تشارك فيها في البلدان الأجنبية صارت مربحة، والعناية بالخيل توفر فرص عمل يعيش منها الألوف، ويمكن مع مرور الوقت وازدياد الاهتمام ان تتحول إلى صناعة مهمة كما في الدول الغربية خصوصاً ان مجال تنميتها في الوطن العربي كبير، لأنه أهم مواطنها الأصلية منذ آلاف السنين.

الخيل والسياسة
السياسة في (لسان العرب) هي القيام على الشيء بما يصلحه فالحاكم يسوس الرعية إذا استصلح الناس والسائس يسوس الخيل إذا استصلحها وقام عليها وراضها. ما الذي يعنيه هذا؟ يعني أن السياسة هي فعل السائس أياً كان نطاق عمله لذا شغف الناس بالخيل على مر العصور ورأوا فيها بعض صفات الإنسان فعلموها وتعلموا منها. لأجل هذا يستوقفني البيت قبل الأخير من بائية المتنبي التي اقتطعنا منها ما ذكر أعلاه ليس لانني شاعر بل لأنني أعرف الخيل. إن لم تر في الخيل إلا ما تراه عيناك فأنت لا تعرف الخيل جيداً بعد وسيغيب عنك حسنها الحقيقي إلى أن تتقن التعامل معها وعندها فقط ستعرف لماذا يقول العرب: (الخيل أعلم بفرسانها) وليس العكس.
ومن قرأ معلقة عنترة بن شداد فلا بد أنه تساءل ان كان الشاعر يخاطب جواداً ام إنساناً مثله،
اسمعوا :

هلا سألت الخيل يا ابنة مالك
ان كنت جاهلة بما لم تعلمي

إذ لا أزال على رحالة سابح
نهد تعاوره الكماة مكلم

لما رأيت القوم أقبل جمعهم
يتذامرون كررت غير مذمم

يدعون عنتر والرماح كأنها
أشطان بئر في لبان الأدهم

ما زلت أرميهم بثغرة نحوه
ولبانه حتى تسربل بالدم

فازور من وقع القنا فزجرته
وشكا إلي بعبرة وتحمحم

لو كان يدري ما المحاورة اشتكى
ولكان لو علم الكلام مكلمي

ولقد شفى نفسي وأذهب سقمها
قيل الفوارس ويك عنتر أقدم

والخيل تقتحم الخبار عوابسا
من بين شيظمة وآخر شيظم


ما كل من ركب الخيل خيال ولا كل خيال فارس. الخيال من يركب الخيل لكن الفارس من يعرف ما الذي يعنيه ان يكون على ظهر جواده. إنها الفروسية وهذه ليست مجرد امتطاء الجواد بل الشهامة والأصالة وكل الخصال التي تجسدها الفروسية، لذا أقول دائماً أنني فخور بمعرفتي بالخيل، ولو أني لم أكن قائداً لربما شئت ان أكون فارسا.
الرؤى التي ينسجها القائد في الأقبية لا تصلح إلا للأقبية، والرؤى التي يصوغها القائد القاعد على كرسيه لا تساعد على قيام الحضارة وانتصاب الصروح التنموية العملاقة. صهوة الجواد ليست مجرد مقعد بل منصة يشعر الفارس أنها تطير به وتسمو. إن هذا الشعور هو الذي يفتح الأفق الواسع أمام الرؤية، ويولد الأفكار الجديدة وينقي العقل من شوائب الرتابة واليوميات ويمكن القائد من رؤية الطريق أمامه وأمام شعبه فيعرف إلى أين يتجه وما هي الأهداف التي يريد تحقيقها وما الذي يحمله الأفق لغده وغد شعبه.
إن كنت مع جيادي فأنا متنقل من هذا إلى ذاك أمسح عنه العرق وأقيس نبضه وأطمعه وأدربه وأعلمه كل ما يلزم تعليمه لكي يصبح جواداً كريماً لكن هذه العلاقة ليست من طرف واحد لأنها لا تتضمن التأثير فقط بل التأثر. أنا أتعلم من الناس حولي وأتعلم من جيادي ومن يعرف كيف يسعد الجياد يعرف كيف يسعد الناس. من يعرف كيف يحترم الجياد يعرف كيف يحترم الآخرين. ومن يتقن رفع معنويات الخيل سيتقن رفع معنويات الناس، والعكس صحيح أيضاً. إن أعطيتها ستعطيك، وإن شجعتها ستقتحم المصاعب وتحملك إلى الفوز لكن يجب ان تعرفها جيداً، يجب ان تهتم بها، يجب ان تكون إلى جانبها إن ألم بها مرض أو علة، ثم يجب قبل كل شيء آخر ان تحبها.
العكس صحيح تماماً وإليكم البرهان :

عودة »»