الصفحة الرئيسية
الكُتب والمراجع والحقوق
عدد الأقسام : 6
عدد المقالات : 224
عدد زوار المقالات : 541301
المتواجدين حاليا :
 
البحث فى المقالات
 
 
الصفحة الرئيسية » الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم - رؤيتي » الفصل العاشر - الامتياز في التنمية
تاريخ الإضافة :: 23/01/2007   ||   عدد الزوار :: 3076

الامتياز في التنمية - الفصل العاشر


مفهوم الامتياز في رؤية دبي التنموية
الامتياز في التنمية بالنسبة لنا مفهوم حضاري متكامل وعملية بناء رأسية وأفقية للمجتمع المعني بها. لكي نحقق الامتياز في الوطن العربي يجب ان تكون جميع عناصر التنمية متميزة : الرؤية، الأهداف، القيادة، الأفكار، والإدارة، فريق العمل، التخطيط، المعايير، التدريب، التأهيل، المشاريع، التنفيذ، التسويق، التوجه، الانتاجية، الاستمرارية، المرونة ومعظم العناصر الأخرى المتصلة بها.
والامتياز مرحلة متقدمة في التطور فكيف نصنع الامتياز في مجتمعات عربية يجب ان نعترف أنها غير متميزة؟ القوانين غير متميزة، الأهداف غير متميزة، التخطيط غير متميز، السلوك غير متميز، وهكذا. القطاع العام في الوطن العربي غير متميز ومثله القطاع الخاص، المدارس والمعاهد والجامعات الحكومية غير متميزة، ومثلها ما يقابلها من المؤسسات التعليمية الأهلية، الشركات الحكومية غير متميزة وكذلك الشركات الخاصة وهكذا. البعض يقول ان التميز ليس صفة المجتمعات البشرية كلها فلماذا نريده ونتحمل كلفته العالية؟ سأجيب عن هذا السؤال فصبراً، وسأقول الآن إن بعض التجارب التنموية في تلك المجتمعات متميز ويمثل نموذجاً متقدماً يمكن دراسته للتعرف إلى جوهره وأسباب تميزه ونستطيع عندها صنع نموذج تنموي متقدم يمكن تطبيق عناصره الأساسية في الدول العربية وما وراءها.
ويمكن ان نستمر على أوضاعنا الراهنة وننتظر مجيء الامتياز لعل الحظ يسعفنا ويدفعه في طريقنا. أنا أحب الحظ، مثل كل البشر، لكني لا أومن به ولن أنتظر مجيئه. ويمكن أيضاً أن ندرس نقاط قوتنا ونقاط ضعفنا ونبدأ العمل لإبراز الأولى وإزالة الثانية إلى ان نصل إلى مرحلة تنموية متوازنة نستخدمها نقطة انطلاق جديدة نحو الجودة والامتياز فالريادة.
هل هذا حلم ام رؤية؟ اعتقد انه الآن على الأقل، مزيج من الإثنين. خريطة الإمكانات في الوطن العربي مليئة بالتناقضات والأضداد مثل باقي أجزاء خريطة العالم لكن عندنا تناقضات تتصف بها منطقتنا دون غيرها فرضتها التأثيرات السياسية الدولية وفرضت معها اختلافاً كبيراً في درجات النمو والتطور أملتهما عوامل معينة منها توافر مصادر الطاقة. يمكن ان نتحدث عن الموارد المالية المتأتية من صادرات الطاقة لكن أفضل الحديث عن طرق استخدام تلك الموارد لأن توافر التمويل لا يعني بالضرورة توافر التنمية، ولأن القيمة الحقيقية للمال بكفاءة استخدامه لا بحجمه. فرب مشروع تبدأ بتمويله بمبلغ 12 مليون دولار وإذ به ينمو ألف مرة خلال 20 سنة وربما صببت المليارات في مشروع مشابه لا يزال يستنزف مئات الملايين سنوياً لستر خسائره ومساعدة أجنحته على الطيران.
الفرق بين هذا النوع من المشاريع والآخر هو الفرق بين فكرة سيئة وأخرى ممتازة، والفرق بين الفكرة السيئة والفكرة الممتازة هو الفرق بين عقل يستطيع أن يقدم الامتياز وآخر يعجز عنه. هذا لا يعني أن العقل القادر على تقديم الامتياز هو العقل الذي ينتمي صاحبه إلى جنسية معينة، أو منطقة في العالم دون أخرى، بل يعني أننا لم نزرع في العقل العربي آلية التفكير المتميزة التي تنتج الامتياز فلماذا لم نفعل ذلك؟ لأننا استثمرنا جيداً في المشاريع الفاشلة وفشلنا في الاستثمار الجيد في العقول. ولماذا أيضا؟ لأننا نرمي على ظهر الجواد العربي الأحمال السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي لا طاقة له بها ثم نريد منه النزول إلى المضمار ومنافسة الجياد الخفيفة الرشيقة المدربة والفوز في السباق.
نستطيع في العالم العربي أن نفوز في السباق. نستطيع أن نحقق النجاح. نستطيع ان نعطي. نستطيع ان نقدم الجودة والامتياز والريادة. هذا ليس حلماً. كل هذا فعلناه في الماضي ونستطيع ان فعله اليوم لذا فإنه حقيقة ممكنة، لكن الطريق إلى تحقيق هذا الهدف ليس الطريق الذي نسلكه الآن. التنمية عملية إنتاج تراكمي وتكاملي في الوقت نفسه. إنها وصفة للوجبة التي تغذي الشعوب. إذا كانت المكونات جيدة وكانت المقادير صحيحة وكان الإعداد جيداً فإن المنتج النهائي سيحمل علامة الجودة وعندها فقط سنفوز في السباق. كلما حسنت مكونات التنمية ستحصل على مستوى تنموي أعلى لا يمكن الشعوب من المنافسة والبقاء فقط بل من أخذ الخطوة المتقدمة إلى مرحلة الامتياز. أهم مكونات الامتياز في التنمية هم البشر. البشر ثم البشر ثم البشر. كم مرة أعيدها؟ إن لم ننجح في تعليم الشباب وتثقيفهم وتطوير مهاراتهم وإذكاء روح التميز والإبداع فيهم فلن نحقق النجاح في أي شيء آخر مهما حاولنا.
الفشل العربي في التنمية الصحيحة نتيجة طبيعية للفشل في الاهتمام بالناس. وهناك أسباب عدة لهذا الفشل لكن إذا أردنا ان نكون أكثر تحديدا فعلينا ان نجزم بأن الفشل في المكان الأول فشل في الإدارة لأنها لم تحسن إدارة التنمية، وفشل في القيادة لأنها لم تحسن قيادة الإدارة. الفشل الكبير الواحد مصيبة فكيف بفشلين؟ إبقاء التنمية على قدميها معجزة فكيف بتحقيق الامتياز؟
الله أكرمنا بقيادة من الفعالين لا القوالين ومقارنة تجربتنا في الإمارات مع تجارب أخرى برهنت ان هناك قائداً يدمر وطنه ويشد شعبه إلى الحضيض، وقائداً يعمر وطنه ويرفع شعبه إلى الأعلى. قادتنا يمشون في الشوارع بلا سيارات مصفحة ومواكب ودراجات نارية بالعشرات. إنهم لا يخشون الشعب لأنهم من الشعب. أبوابهم مفتوحة للناس وتواصلهم قوي ويعرفون نبض رجل الشارع جيداً لذا فإن لا يمكن ان تكون العلاقة بينهما أكثر عمقاً من ذلك، وعندما يأخذون القرار فإن مصلحة الناس في مقدمة الاعتبار.
هذا هو أساس الرؤية الصحيحة : مصلحة الناس وخيرهم. إذا كان القائد لا يرى سوى حاشيته ولا يعرف إلا قصره ولا علاقة له بالناس ولا بمشاكلهم وتطلعاتهم فإن رؤيته وأفكاره وقراراته ستكون في مكان والناس في مكان مختلف تماماً. المرجعية النهائية للقائد هي شعبه لذا يجب ان تصب كل قراراته ورؤاه في خدمة المجتمع، وعندما يقدم هذا الاعتبار على كل ما تبقى فإنه سائر لا محالة في طريق النجاح.
النجاح بالنسبة لنا في الإمارات يعني أشياء كثيرة أحدها تحقيق الامتياز. إذا استطاع القائد ان يضفر من الإمكانات والقدرات والطاقات والخبرات المتوفرة عقد الامتياز فليفعل. إن لم تكن هذه العناصر متوافرة فعليه ان يكون مستعداً لصنعها. إن وجد القائد الدعائم الصالحة لبناء صرح الامتياز فليبدأ. إن لم يجدها فعليه أن يكون مستعداً لإزاحة كل الدعائم القائمة جانباً وإعادة بناء كل شيء من الصفر. إن كان قد استثمر الجهد والمال والخبرات والإبداع في الناس فإنه يستطيع ان يحقق كل هذا لكن بشرط أن يعرف ان القائد الذي يريد تحويل الحلم إلى رؤية لا يستطيع الاحتفاظ بالخيارين : إما أن يغفو لاستئناف حلمه أو ان يحمل رؤيته ويخرج بها إلى الناس. والقائد الذي يريد تحويل الرؤية إلى واقع لا يستطيع ان يكون في مكانين. إما أن يكون في قصره أو في موقع البناء، إما أن يكون على رأس حاشيته أو على رأس فريق العمل. إذا أحسن القائد الاختيار سيجد نفسه في طريق النجاح. إذا تابع طريق النجاح فسيصل في المرحلة المعلومة لا محالة إلى الامتياز.
نحن اليوم في هذا الطريق. أحسن ميزات النجاح انه طريق أكيد إلى تحقيق نجاح آخر. رؤيتنا كانت طموحة من البداية لكن تحقيق النجاح شجعنا على زيادة طموحها، وعندما نقارن وضعنا اليوم بوضعنا بالأمس نستطيع ان نرى التطور الكبير الذي تحقق لكننا نستطيع أيضاً ان نرى ما الذي نستطيع تحقيقه. لقد قبلنا التحدي ودخلنا الاختبار وخرجنا ونحن نرفع راية النجاح.
الإنجاز على قدر صاحبه. طاقاتنا كبيرة وعزمنا قوي ونحن مستعدون. نريد من دبي ان تكون مركزاً عالمياً للامتياز والإبداع والريادة لأننا قادرون على تحقيق الامتياز والإبداع والريادة بإذن الله ودعم قيادتنا. نريد دبي ان تكون المدينة العالمية الأولى للتجارة والمال والاستثمار والسياحة في القرن الواحد والعشرين لأننا قادرون على توفير الهياكل والخدمات والبيئة التي تمكنها من القيام بهذا الدور،
وها هي البراهين :

1 - الامتياز في الإدارة
من يدرس برنامج دبي للأداء الحكومي المتميز سيكتشف شيئاً مدهشاً في عالم الإدارة. خبراء الإدارة الذين قالوا في مناسبات عدة ان البرنامج يمثل ثورة في الإصلاح الإداري ليس على مستوى الوطن العربي فقط بل على مستوى العالم لم يبالغوا.
أنا أيضا لا أبالغ وإليكم الأسباب :
• القطاع الخاص يتفوق على القطاع الحكومي في الأداء لكن القطاع العام بدأ يتفوق في حالات معينة على القطاع الخاص. جائزة دبي للجودة مخصصة لشركات القطاع الخاص لكن أكثر من دائرة حكومية تقدمت للجائزة وفازت.
• القطاع الخاص تقليدياً هو الرائد في الإبداع والابتكار والمرونة لكن القطاع الحكومي يتقدمه في جوانب عدة مثل الكفاءة والمبادرة وتقديم الخدمة الممتازة وغيرها.
• القطاع الحكومي معروف تقليدياً بتثاقل خطواته وبطء حركته وروتين آليات العمل فيه وضعف فعاليته وإنجازه، على العكس من القطاع الخاص، لكن فعالية القطاع الحكومي تفضل الآن فعاليات الكثير من الشركات الخاصة.
• الشفافية تقليدياً من صفات القطاع الخاص لكن القطاع العام بات تحت المجهر الآن وعمله مكشوف للجميع وهو مستمر في توسيع نطاق الشفافية ضمن تجربة ناجحة يستطيع القطاع الخاص في الإمارات وخارج الدولة الاستفادة منها.
• الفساد والرشوة من الخبائث التي يتعامل معها القطاع العام بحزم شديد، وهناك آليات معمول بها لمنع هذه الظاهرة ومراقبة إضافية للأقسام التي تتعامل مع المشاريع والنواحي المالية والإدارية.
• يوجد تأكيد جديد في القطاع العام على ضرورة الانضباط ومعاملة المتعاملين معاملة حضارية مع توخي الظهور بالمظهر المناسب.
• يتضمن عدد من المشاريع الحكومية القائمة اعتماد التقنيات المتقدمة وتوفيرها مع التسهيلات الأخرى لشركات القطاع الخاص، منها مدينة دبي للإنترنت ومدينة دبي للإعلام.
• يعتمد القطاع العام مبدأ فعالية التكاليف وإدارة الموارد البشرية والمادية المتاحة لتحقيق الأداء الأمثل مما ينعكس إيجابياً على أداء الاقتصاد كله.

إن تميز القطاع الحكومي يتجسد في مدى قدرته على إرضاء المتعاملين وخدمتهم على الوجه الأمثل، وتجربتنا تؤكد ان هذا القطاع حقق خلال ست سنوات قفزة في التطور والفعالية يمكن أن تحتاج دول أخرى إلى سنوات كثيرة لتحقيقها. كيف استطاع القطاع العام خلال فترة زمنية قصيرة الوصول إلى مستوى القطاع الخاص في الخدمات وأساليب العمل، ولماذا نعتقد انه سيتابع تطوره لكي تصبح هذه الخدمات أفضل في حالات مما يقدمه القطاع الخاص؟
أحد الأسباب أننا استطعنا إخراج القطاع العام من خنادق الروتين والرتابة إلى ساحة التطوير والتحديث وزيادة الانتاجية وتحسين الأداء واحترام المتعاملين. الفضل في هذا يرجع إلى الله ثم إلى أسرة القطاع العام فهم الذين طوروا أنفسهم وطوروا العمل. هم اقنتعوا بالمسؤولية ونهضوا بها، وهم الذين سيتابعون هذا الطريق لأنهم يعرفون انه طريق خير الوطن، وطريق الخير هو طريق النجاح الدائم.
إحدى أدوات تحقيق هذا الإنجاز برنامج دبي للأداء الحكومي المتميز الذي أطلقناه في سبتمبر 1997 لتمكين القطاع الحكومي من الاستجابة الفعالة لتحديات العصر الجديد، وتطوير أداء الدوائر الحكومية من خلال التدريب المتواصل والمتابعة الدائمة لما يجري في عالمنا من تجارب وتطبيقات ناجحة، ويكمل بذلك برنامجاً آخر هو برنامج دبي للجودة، هدفه تعميم مفاهيم الجودة والالتزام بتطبيقاتها في سائر المجالات.
يتضمن البرنامج 15 فئة منها الدائرة الحكومية المتميزة وفريق العمل المتميز والتجربة الإدارية المتميزة والموظف الحكومي المتميز. حكومة دبي لا تقرر ما هي الدائرة التي تفوز أو ما هو الأداء المتميز أو لمن تعطي الجوائز وعمن تحجب. هذا متروك بكامله للجنة تحكيم مستقلة مؤلفة من خبراء عرب يأتي أعضاؤها من الخارج ولا علاقة لهم بأي دائرة من دوائر دبي، ويقيمون في الدولة شهراً وربما أكثر يقيّمون خلاله طلبات التقدم للجوائز في كل الفئات وفق معايير محددة ثم يرفعون تقريراً بنتائج عملهم وتوصياتهم نلتزم به ونعلن الفائزين في احتفال سنوي خاص تنقله وسائل الإعلام المرئي والمقروء والمسموع.
هذا البرنامج أصبح القوة المحركة لتطوير القطاع العام وأشاع روحاً تنافسية لم تعرفها الدوائر الحكومية من قبل. جميع مديري الدوائر والمسؤولين والموظفين أيا كان منصبهم يريدون التنافس على تقديم الأفضل والفوز بإحدى الجوائز، ولا يريد أحد ان يكون الأخير أو في أسفل اللائحة، أو أن يرد اسم دائرته بين الدوائر ذات الأداء المتردي لأن الفائز يعرفه كل الناس والمقصر يعرفه كل الناس.
الهدف من ذكر الدوائر والوزارات المقصرة منح المسؤولين فيها الفرصة لمحاسبة النفس ومراجعة الأداء والتخلص من السلبيات ثم تجرى إعادة تقييم للعمل خلال سنة، فإذا لم يتحسن الأداء فإن الخطوة التالية يمكن ان تشمل الإنذارات المكتوبة وربما تغيير طاقم الإدارة.
بعض الدوائر لا ترشح جميع الموظفين ذوي الأداء الجيد لذا أنشأنا آليات رديفة للمتابعة منها فريق (المتسوقين السريين) الذي يضم أعضاء تلقوا تدريبا خاصا لتقييم مستويات الخدمة في الدوائر الحكومية. وبين الحين والآخر يقصد أعضاء الفريق الدوائر الحكومية بسرية تامة ويتصرفون كأنهم عملاء عاديون وأصحاب حاجات ويسجلون ملاحظاتهم الخاصة بمستوى الخدمات وأسلوب التقديم والسرعة والدقة في إنجاز المعاملات ودرجة التزام الموظفين وحسن مظرهم وكيفية تعاملهم مع المراجعين ومدى حرصهم ورغبتهم في الخدمة والعمل والإنتاج ومدى استخدام الحاسوب وتوفر الفرص أمام العملاء لتقديم الشكاوى والاقتراحات وغير ذلك من معايير منهجية محددة ومعروفة للمقيمين.
وربما شملت التوصيات موظفين كباراً لكن من بين الآخرين موظفون عاديون مثل موظفة بدالة ضريرة في دائرة حكومية أو موظف في قسم العلاقات العامة أو مشغل رافعة أو أي موظف أو عامل من النماذج الطيبة من شبابنا العاملين في كل الدوائر ممن لا فئة لهم في البرنامج. وأسهمت هذه الآلية المساندة في تطوير مستويات إضافية من المنافسة بين الموظفين لذا نرى جميع هؤلاء يريدون الفوز بالجائزة ويقدمون للمتعاملين أفضل خدمة ممكنة لعل أحدهم متسوق سري يرشحه فيجد طريقه إلى الترقي والتقدير على مرأى من المجتمع ومسمعه.
ومن الطبيعي في هذا الجو التنافسي العام ان يقول كل مدير أو مسؤول ان دائرته أو قسمه هو الافضل والاحق بنيل الجائزة لذا هناك حلقة ثالثة للاسهام في تقييم الأداء تتضمن إجراء دراسة ميدانية علمية للتعرف على رأي الجمهور في الخدمات التي تقدمها الدوائر لأنه المعني الأول بها والحكم الأخير على مستواها تعلن نتائجها سنوياً ويكون فيها الشكر والثناء لمن كان أداؤه جيداً، والاتعاظ والعمل لتطوير الأداء بسرعة للآخرين.
إن البرنامج يؤدي المهمة التي تأسس من أجلها بنجاح وسأستمر شخصياً في متابعة نشاطه أولاً بأول، ونحاول على الدوام تطوير عمله ونتطلع إلى زيادة اهتمام الدوائر بنداوته ودوراته التدريبية، وإلى مشاركة المديرين ورؤساء الأقسام جنباً إلى جنب مع موظفيهم لكي يكونوا قدوة لهم.

2 - الامتياز في التكامل
لا يوجد في الدول العربية اقتصاد أكثر شفافية وحرية وانفتاحاً وأوثق ارتباطا بعوامل السوق من اقتصاد دولة الإمارات لذا فإن القطاع الحكومي في خدمة الشعب والقطاع الخاص وليس في وضع منافسة مع القطاع الخاص ولن يكون كذلك. إن أداء معظم الشركات والمؤسسات الحكومية في الإمارات يماثل مستويات القطاع الخاص لكن هذا لا يبرر توسع القطاع العام على حساب القطاع الخاص أو اقتطاع حصته. الغرض من تحسين أداء القطاع العام ورفع انتاجيته وتطويره ليس إضعاف الدور القيادي للقطاع الخاص في الصناعة والتجارة والخدمات، أو الحلول محله في أي نشاط فهذه ليست مهمته، ناهيك عن أنه لا يستطيع القيام بهذا الدور.
عمل القطاع الحكومي يتضمن التوجيه ومراقبة التزام المنافسة الصحيحة والمعايير والمقاييس والمواصفات المحددة وإزالة المعوقات وتسهيل العمل والتمكين والتيسير وتقديم الخدمات لجميع المتعاملين، بغض النظر عن القطاعات التي يعملون فيها. إذا تحسن أداء القطاع العام فإن المستهلك سيكون المستفيد الأول سواء كان مواطناً أم شركة.
وعندما تنشئ الحكومة كياناً مثل مدينة دبي للإنترنت أو مدينة دبي الصناعية أو مدينة دبي الطبية أو مركز دبي المالي العالمي فإنها لا تريد إدارة هذه المدن والمراكز كمؤسسات حكومية بل تمكين الشركات الخاصة من العمل فيها وزيادة الانتاج والربحية وتوفير فرص العمل.
أحد أهداف حكومية دبي الإلكترونية إعادة صياغة مفهوم الحكومة لتكون قادرة على تقديم أفضل الخدمات العامة وأكثرها فاعلية وكفاءة عن طريق الإنترنت. إن تبسيط الإجراءات أساس تحسين الخدمات وهذا بالضبط أحد أهداف الحكومة الإلكترونية. من الأهداف الرئيسية الأخرى تطوير جودة الخدمات وخفض التكاليف وتقليل نسبة الأخطاء وزيادة سرعة الاستجابة وتقديم الخدمات والمعلومات عبر الشبكة الدولية، وإلغاء الروتين والبيروقراطية وتقديم الخدمات لمجتمع الأعمال متى شاء وأينما شاء وكيفما شاء.
والقطاع الخاص في دبي مشهور بديناميكيته الفائقة وقدرته المتميزة على تطوير الأسواق وصنع الفرص واستغلالها وتوسيع نشاطه في كل أنحاء العالم، والاقتصاد الجديد يتيح فرصا لم تكن متوافرة في الماضي لذا فإن تفعيل الاقتصاد التقليدي يجب ان يسير جنباً إلى جنب مع تسريع عملية تبني فروع الاقتصاد الجديد مثل التجارة الإلكترونية والتعامل عبر شبكة الإنترنت وتوفير التدريب المناسب للتعاطي مع التقنيات واعتماد أساليب العمل الحديثة لأنني أريد لدبي ان تتميز بتجارتها وخدماتها واقتصادها في العصر الرقمي أو عصر المعرفة كما تميزت بتجارتها قبله.
إن نجاح المبادرات التي تقدمت بها الحكومة لتفعيل عمل القطاع العام وتمكينه من التعامل مع الاقتصاد الجديد والاستفادة من التقنيات وأساليب العمل الرقمية المتطورة يعتمد على وجود تنسيق كامل وتعاون فعال بين الحكومة والقطاع الخاص. وبما أن الحكومة اخذت زمام المبادرة في إدخال التقنيات والأساليب الحديثة على نطاق واسع لتفعيل العمل فإن القطاع الخاص حريص على تبني تلك التقنيات لرفع مستوى الانتاج والخدمات التي يقدمها للمستهلك وأسواق التصدير.
الهدف النهائي للقطاعين العام والخاص ونقطة التقائهما وتوجههما هو دعم الاقتصاد وخدمة الأسواق العالمية والمحلية وتقديم الخدمة الأفضل للمستهلك، إلا أن للقطاع العام مهمة أخرى هي توجيه الاستثمارات وتنفيذ المشاريع التي تؤدي إلى تقوية الاقتصاد وتوسيع السوق. وعندما يتحقق ذلك تكبر حصة القطاع الخاص من الاقتصاد ويزداد نشاطه وعائداته وأرباحه ويتمكن بالتالي من تنفيذ المشاريع ودعم الاقتصاد وتوفير فرص عمل أكبر.
إن نجاح القطاع العام نجاح للقطاع الخاص واستمرار هذا النجاح يعتمد إلى حد كبير على تطور شراكة وثيقة بينهما تتضمن التعلم من تجارب بعضهما والاستفادة من الخبرات الجديدة عبر حوار مفتوح دائم. فتطور القطاع العام يعني تمكينه من تقديم الخدمة السريعة ذات القيمة للقطاع الخاص بينما يستطيع القطاع الخاص الاسهام في تطوير الدوائر الحكومية ونقل الخبرة إليها عن طريق تدريب الموظفين الحكوميين على التقنيات والأساليب الحديثة التي تكتسبها الشركات، ومشاركة مندوبين من القطاع الخاص في أعمال لجان حكومية لزيادة فاعلية هذه اللجان وضمان تجاوبها مع جديد التطورات واستفادة أعضاء هذه اللجان من خبرات بعضهم بعضاً.
وعندما ينطق القطاعان الحكومي والخاص بلغة الإنجاز المشترك والإنتاجية العالية وتحسين الأداء ورفع الفعالية وتصبح خدمة المستهلك وأسواق التصدير نقطة التقاء وتعاون القطاعين فإن التمازج يصل إلى مرحلة متقدمة من التنسيق تسهم في تعجيل دورة الاقتصاد. وكلما ازداد تعاون القطاعين وتمازجهما ضمن إطار هذه الشراكة الاستراتيجية ازدادت سرعة الدورة إلى ان يصل الاقتصاد إلى مستوى قريب من الأداء الأمثل.
يجب ان ننتبه إلى أمر مهم في كل ما نفعله. عندما نتحدث عن القطاعين الحكومي والخاص فإننا لا نتحدث عن سائقين يقودان سيارة الاقتصاد الواحدة وكل منهما يريد توجيه الاقتصاد إلى الطريق الذي يناسبه. ولا نتحدث عن محركين متفاوتين في السرعة والفاعلية في سيارة واحدة، هذا يشد من ناحية والآخر من ناحية أخرى ولا علاقة لأداء الأول بالثاني بل نتحدث عن علبتي سرعة أمامية وخلفية تعملان معا بوتيرة عالية وتكامل متميز لتسريع الدورة الإنتاجية وتقوية الدفع الاقتصادي. هذا هو التكامل المتميز الذي نريده لأنه يمكننا من عبور صحراء الركود الاقتصادي وتخطي المطبات التي تخلفها الأزمات التي تعترض طريق التنمية العالمي بين الحين والآخر.

2 - الامتياز في الاستثمار
أعتقد أن الأهداف الاستثمارية الصحيحة لا تتحقق عندما تنجح الدولة في جذب الاستثمارات، أو عندما ينجح الوزير الفلاني في إقناع المستثمرين الأجانب بتوظيف الأموال في بلده، أو عندما تنجح مؤسسة ما بإقناع الشركات العالمية بإقامة المشاريع في موطنها بل عندما يحقق المستثمر النجاح. لماذا نحن هنا؟ لكي نمكن المستثمر من تحقيق النجاح. إذا لم يحقق النجاح فسيفشل هو وسنفشل نحن، وإذا حقق النجاح فسينجح هو وسننجح نحن.
عندما سألني أحد مديري الشركات التي انتقلت إلى دبي عن الشيء الذي أريد من الشركة القيام به في مقرها الجديد قلت : أريد نجاحكم فقط. التنمية مفيدة والمشاركة الوطنية والقومية مفيدة لكن ما يهم المستثمر في النهاية هو العائد على الاستثمارات. إذا جاء المستثمر إلى دبي وبدأ مشروعاً وربح مليوناً فسيستثمر مليونين، وإذا ربح مليونين فسيستثمر أربعة ملايين. لسنا إمارة نفطية وإسهام النفط في الناتج المحلي الإجمالي لا يمثل سوى نسبة ضئيلة جداً لذا فإن مشاريعنا التنموية تمول نفسها بنفسها أو بقروض التمويل الإسلامي وتسويق السندات في سوق دبي المالي والأسواق المالية الأوروبية. لكن في دبي آلاف المشاريع ومن يستثمر في دبي يبقى في دبي ويتوسع في دبي ويتخذها منطلقاً إلى الاستثمار في الدول الأخرى لأنه يعرف من الخبرة والتجربة اننا سنزيل كل العقبات التي تقف في طريق نجاح استثماراته وسيتعزز عمله بالثقة التي تبعث في نفسه الاطمئنان والأمل الكبير بمستقبل يبشّر بالخير والمردود الطيب له ولمؤسسته.
تدفق الاستثمارات الخارجية يتطلب قطاعاً حكومياً نظيفاً من الفساد والرشوة وما لم تقتلع الحكومات هذه الآفة من جذورها لن يأتيها الاستثمار الأجنبي. معظم الشركات الأجنبية لا تستطيع تقديم الرشوة لأنها تخالف بذلك قوانين بلدها وتعرض مسؤوليها إلى عقوبات شديدة. إذا لم تستطع الشركة الحصول على العقد من دون تقديم رشوة فالأسلم لها ولمسؤوليها الانسحاب. إن وجدت الفساد في الدولة المستهدفة باستثمارها فلن تدخلها وإن دخلتها ووجدت نفسها مضطرة لدفع الرشوة فإنها ستفضل الانسحاب. كل الحديث عن تقديم الحوافز للمستثمرين الأجانب وسن القوانين والأنظمة التي تساعد على جذب الاستثمار من الخارج وتسهيل الإجراءات وغيرها كلام لا معنى له إذا لم نضع حداً للفساد والرشوة وهذا ما فعلناه بنجاح كبير بفضل تعاون الجميع.
إن المستثمر المتميز لا يوظف الأموال ويقيم المشاريع ويؤسس الشركات ويوفر فرص العمل فقط، إنه يحمل إلينا الخبرة ويسهم في تعزيز المنافسة وإثراء التنوع والإضافة إلى التميز. إنه ينقل إلينا سلوكيات حضارية وممارسات مهنية جديدة ويوسع أفق استغلال الأسواق الخارجية ويقدم فرصاً جديدة للمستثمر المقيم ويسهم في ابتكار الحلول التي يمكن تعديلها لتتوافق مع الحلول المناسبة لنا. إنه يشارك في تعزيز سمعتنا الدولية ويسهم في تمهيد الطريق إلى الأسواق الخارجية لذا يجب أن نحترمه ونفعل كل ما بوسعنا لكي يحقق النجاح. هكذا نظرنا إلى الاستثمار في الماضي وهكذا سننظر إليه في المستقبل. استعدادنا لاستثمارات الماضي كان متميزاً واستعدادنا لاستثمارات المستقبل أكثر تميزاً. جزء مهم من دبي يعيش اليوم في المستقبل لذا نعتقد أنها تقدم واحدة من افضل الفرص الاستثمارية في العالم وها هي الأسباب :
• لا توجد ضرائب على أرباح الشركات.
• لا توجد ضرائب على الدخل.
• لا توجد اقتطاعات ضريبية من المنبع.
• لا توجد ضرائب على الأرباح الرأسمالية.
• لا توجد قيود على تحويل العملات.
• لا توجد أي حواجز تجارية.
• رسوم استيراد منخفضة نسبتها 5٪ مع وجود عدد كبير من الاستثناءات.
• مستويات تنافسية في الرواتب ورسوم العقارات والمكاتب ونفقات التشغيل.
• مزايا تفصيلية إضافية للمستثمرين في المناطق الحرة مثل منطقة جبل علي ومدينة دبي للإنترنت ومدينة دبي للإعلام ومطار دبي الدولي وغيرها تتضمن السماح بالتملك الاجنبي بنسبة مئة في المئة وإعادة إخراج رأس المال والأرباح والإعفاء من الضرائب والرسوم الجمركية وغيرها من المزايا مما ساهم في ارتفاع عدد الشركات العاملة في هذه المناطق إلى أكثر من 4000 شركة تنتمي إلى أكثر من 100 دولة وتزيد استثماراتها الكلية على 12 مليار دولار.
• أسواق مفتوحة وبيئة أعمال حرة.
• العائد على الاستثمار في دبي بين الأفضل في العالم ولعب استمرار تدفق الاستثمارات الخارجية دوراً مهماً في الأداء المتميز الذي تحقق خلال السنوات الخمس الماضية في القطاعات الرئيسية التي تشمل الانشاءات والعقارات والصناعة والخدمات وغيرها. ونتوقع استمرار هذا التدفق للاستفادة من المشاريع العالمية التي نعمل على تنفيذها أو التخطيط لتنفيذها في المستقبل مع ازدياد الثقة باقتصاد دبي وبمستقبل الإمارات والمنطقة.
• بنية أساسية متطورة تضاهي الموجودة في مراكز التميز في العالم مثل أوروبا واليابان والولايات المتحدة وتشمل الاتصالات الفائقة السرعة، المواصلات، المطارات، الفنادق .... إلخ.
• استغلال الإمكانات والفرص التجارية والتسويقية التي يتيحها واحد من أهم المراكز التجارية والصناعية والمالية والتسويقية في الشرق الأوسط، ومعبر لحركة تجارية تتعدى قيمتها السنوية 150 مليار دولار تخدم منطقة شاسعة تضم ملياري نسمة.
• إذا كان المستثمر في دبي فهو موجود من خلال تجارته ونشاطه في المنطقة.
• مناعة عضوية مجربة من الأزمات الاقتصادية التي يتعرض لها الاقتصاد العالمي بين الحين والآخر. النمو الاقتصادي في دبي لم يتأثر رغم ضعف النمو الاقتصادي في أوروبا واليابان، فمثلاً :
أ - معدل النمو السنوي الوسطي للناتج المحلي الإجمالي بلغ نحو 12٪ خلال السنوات العشر الماضية رغم استمرار تراجع إسهام البترول في الاقتصاد فانتقل من 44 مليار درهم عام 1996 إلى 136 مليار درهم (37 مليار دولار) عام 2005 مما يعني ان الاقتصاد يتضاعف كل ثلاث سنوات تقريباً.
ب - حققت مجموعة طيران الإمارات عائدات تاريخية في السنة المالية التي انتهت في 31 مارس 2005 فاقت ما تحقق في السنة المالية السابقة بنسبة 36٪ فوصلت إلى 5.2 مليار دولار (19.1 مليار درهم) مقارنة مع 3.8 مليار دولار (14 مليار درهم) في السنة المالية السباقة.
عدد المسافرين الذين استخدموا مطار دبي الدولي ارتفع بنسبة 14٪ عام 2005 مقارنة بالعام قبله فوصل إلى 24.7 مليون مسافر.
د - الشحن الجوي ارتفع بنسبة 20٪ عام 2005 إلى 1.4 مليون طن من 1.1 مليون طن في 2004.
هـ - مناولة الحاويات في موانئ دبي العالمية ارتفعت نحو ستة أضعاف خلال عشر سنوات ووصلت العام الماضي إلى أكثر من 7.6 مليون حاوية نمطية فباتت اليوم أكبر مشغلي الموانئ في الشرق الأوسط وتحتل المرتبة السابعة في قائمة أكبر مشغلي الموانئ في الشرق الأوسط وتحتل المرتبة السابعة في قائمة أكبر مشغلي الموانئ في العالم وأسرعها نمواً مما يعزز مكانة دبي كموقع استراتيجي للأعمال والشحن لأكثر من 100 خط ملاحي لأكبر أسواق العالم.
و - استمرار تحقيق ارتفاع كبير في عدد المعارض والمؤتمرات الدولية نظراً إلى وجود البنية التحتية المتطورة واستتباب الأمن والأمان والقدرة على استضافة وتنظيم أكبر المعارض والمؤتمرات الدولية مهما يكن تخصصها أو حجمها، لذا باتت الإمارات المكان المفضل للعارضين والمشترين على حد سواء فالعارضون يقدمون أحدث ما أنتجته مصانعهم ويأتون به إلى الدولة، والمشترون يجدون ضالتهم تحت سقف واحد ونتيح لهم فرصة التعرف على الجديد والمتطور من كل شيء. مثلاً بعض خبراء المعارض الدوليين يعتبرون معرض دبي للطيران أهم معارض الطيران في العالم، وأعتقد، بلا شك، أنه أجد أهم ثلاثة في العالم ويحقق زيادة في المشاركات في كل دورة بمعدل 12 - 20٪ .
ز - الاستثمار العقاري من بين الأفضل في العالم فأسعار العقارات في بعض مناطق دبي ارتفعت نحو 40 ضعفاً خلال عشر سنوات ونتوقع ان يلعب هذا القطاع دوراً محورياً في تعزيز الناتج المحلي الإجمالي مستقبلاً بعدما أصبح الأنشط في الشرق الأوسط ومن أهم أسواق العقارات في العالم.
ح - ارتفاع قيمة قطاع السياحة والضيافة والتموين الغذائي عام 2004 إلى 1.2 مليار دولار (4.4 مليار درهم) مقارنة بنحو مليار دولار عام 2003 رافقه تخطي عدد نزلاء الفنادق خمسة ملايين نزيل مما يثبت وجود مستوى مرتفع من الأمن والاستقرار، ورقي الخدمات والتسهيلات التي تقدمها دبي.
ط - حقق القطاع الصناعي في 2005 نمواً بنسبة 15٪ فزادت قيمته على 4.5 مليار دولار (16.5 مليار درهم)، أي انه نما بمقدار ثلاثة أضعاف خلال عشر سنوات. ونتوقع لهذا القطاع ان يشهد نقلة نوعية من خلال مدينة دبي الصناعية التي ستقام في منطقة مساحتها 560 مليون قدم مربع.
• توفير فرص إنشاء مراكز للتخزين والتوزيع وخدمات ما بعد البيع لدول المنطقة المعروفة باسم منطقة العالم الأوسط الاقتصادية أو The Central World Economic Zone (CWEZ) التي تضم نحو ملياري مستهلك ينتشرون في دول مجلس التعاون الخليجي وشبه القارة الهندية وشمالي الخليج وآسيا الوسطى وبلاد الشام وتركيا وقبرص وشرق افريقيا وشمالها.
• قطاع حكومي ذو كفاءة وأمانة واستقامة رفيعة.
• تجاوب فعال مع حاجات المستثمرين من خلال توفير ما نسميه (خدمات النافذة الحكومية الواحدة) لتسهيل عملية الانتقال إلى دبي واستكمال الإجراءات القانونية والتصاريح والخدمات الأخرى المتسمة بسرعة التقديم والإتقان ورقي المستوى، ولذا اعتمد أكثر من نصف أكبر 1000 شركة في العالم إمارة دبي مقراً إقليمياً لها.
• الشركات العالمية تنفق المليارات لاستقدام الخبرات التي تحتاجها لتنفيذ مشاريعها لكن في دبي واحد من اكبر تجمعات المهارات والخبرات المختلفة في العالم ويستطيع المستثمرون استغلالها والعثور عليها في مكان واحد.
• بيئة حياة وبيئة عمل متميزة في مكاتب ومبان حديثة مجهزة على أعلى المستويات.
• تسهيلات متقدمة للترويج والإعلان والعرض تشمل معارض متطورة ذات سمعة عالمية تنتظم بمعدل وسطي يزيد على 100 معرض في السنة.
• خدمات متميزة تقدمها هيئة دبي للاستثمار والتطوير للمستثمرين المتخصصين ورجال الأعمال وأصحاب المشاريع الراغبين في الانتقال إلى إمارة دبي تشمل :
- إنجاز وتطوير ومساندة مشاريع هادفة وطموحة تستفيد من الدعم الحكومي للتقليل من نسبة المخاطر والتحديات التي يمكن أن تواجهها.
- جذب منشآت عالمية متعددة الجنسيات من خلال توفير عروض قيمة مخصصة لها تسهل انتقالها إلى المنطقة.
- مساندة الشركات المحلية ذات المستوى العالمي من خلال وظائف وعروض قيمة لتطوير مشاريعهم ودعمهم بالابتكار والتطوير والخبرة وإبرام اتفاقات شراكة للوصول إلى متعاملين بمستويات عالمية.


4 - الامتياز في التسويق
أحد أسباب النجاح المتواصل الذي يحققه (مهرجان دبي للتسوق) و(مفاجآت صيف دبي) اللذان يستقطبان الملايين هو أننا لا نستخدم هذين المهرجانين لتسويق البضائع والخدمات والمفاجآت فقط بل نسوقهما في غلاف الامتياز الذي تشتهر به المدينة فنحولهما إلى احتفالين كبيرين نكرم فيهما الأسرة العربية ونبتهج فيهما بالأم والأب والطفل والتكنولوجيا والسلوك الحميد والأمانة والسمعة الطيبة والخيال والثقافة والترفيه، ونقدم فيهما عشرات الفعاليات التي تستهدف كل فئات الزائرين.
الإعلان مهم لكي يعرف الناس ما هي الخدمات التي نقدمها وما هي الفعاليات التي أعددناها لكي ينظموا وقتهم ويستفيدوا منها كلها، لكن الزائر ذكي ويستطيع بسهولة التفريق بين الممتاز والعادي لذا فإن السمعة الممتازة التي تتمتع بها دبي ليست دعاية، ومن يزر هذه المدينة فسيكتشف على الفور أنها مختلفة، وتقدم الافضل من لحظة هبوط طائرته إلى لحظة مغادرته. النظرة الأولى تترك إنطباعاً دائماً في عقول الناس لذا من المهم جداً استقبال الضيوف في المطار بالترحيب وحسن الضيافة وتقديم المعونة.
إن السمعة الممتازة ثروة يجب صونها والمحافظة عليها، والناس تثق بآراء الآخرين وتقييمهم أكثر مما تسمعه أو تراه من مصادر أخرى. من يحافظ على سمعته الممتازة فإن الناس سيقصدونه دائماً ويثقون بما يقدمه ويقبلون عليه فتتوسع حصته في السوق وتزداد المبيعات والأرباح، ومن يفعل العكس فسيكسد عمله وسيجد نفسه خارج السوق، وأفضل دعاية للبائع أو مقدم الخدمة هي الأمانة في البيع والتعامل.
التسويق عملية متكاملة يجب ان يشارك فيها الجميع. إنها عملية مستمرة لذا يجب ضخ دماء جديدة في كوادر التسويق يتمتع أصحابها بالقدرات الشخصية المناسبة لأداء دورهم بأفضل طريقة ممكنة، وقادرة على ابتكار الجديد والشيق والمتنوع من الخدمات والمنتوجات ذات المستوى الرفيع الذي يشد الأنظار. إنها عملية تعتبر الزبون على حق دائماً لذا يجب التأكد من جودة الخدمات والمنتجات التي نقدمها له واستبعاد ما يخف الإقبال عليه أو تطويره، ولنتذكر دائماً ان تقديم الجودة لا يكلف أكثر مما دونها مرتبة.
استراتيجيتنا التسويقية تقوم على استهداف أربع فئات هي : الزوار، المقيمون، التجارة والصناعة والخدمات، أسواق التصدير، وغايتنا تنظيم الجهود لتنمية الدولة بمساندة موارد بشرية مهيأة لمعرفة حاجات المواطنين والمقيمين ومجتمع الأعمال والزوار وتخطي توقعاتهم. يجب ألا ننتظر قدوم الزبون بل ان نصل إليه في بلده، كما يجب التركيز دائماً على جذب فئات جديدة مثل رجال الأعمال والمديرين التنفيذيين كثيري الأسفار.
من المهم أيضاً تسويق الصورة الإيجابية للبلد واستخدام عوامل الجذب الطبيعية والمطورة مع التزام تقديم الصورة الصحيحة القابلة للتصديق التي تتضمن شيئاً من المفاجأة. ويجب ان يندمج التسويق السياحي مع توفير التسهيلات السياحية ذات النوعية ومع حسن الضيافة فمن غير المقبول أن ننظم معارض التسويق في العالم ونخصص الميزانيات لذلك وندعو الناس إلى زيارة دبي لكن ما أن يصل هؤلاء حتى نواجههم بصعوبات في المطار وعدم توافر سيارات الأجرة والمواصلات وعدم وجود شواغر في الفنادق فهذا كله يؤدي إلى نتيجة عكسية.
إن تنسيق جهود التسويق يعطي نتائج افضل بكلفة أقل لذا يجب ان تتفادى خطط التسويق ازدواجية الهدف خلال تنظيم المعارض في الخارج أو المشاركة في المعارض السياحية والتسويقية العالمية. ويجب ان تعتمد خطط التسويق على دراسات ميدانية للتعرف على حاجات المتسوق وأولوياته وتسهيل وصول الزائر إلى الأسواق والمزايا والتسهيلات التي تقدمها.
تعلمنا من تجاربنا ان المتسوقين والزوار يقبلون على أماكن الجذب والأسواق التي تتضمن التسلية والترفيه أكثر من إقبالهم على الأسواق التي لا تقدمها. ومراكز التسويق والبيع بالتجزئة جذابة للأعمال التجارية الجديدة، كما أن انتقال المؤسسات التجارية إلى أماكن جديدة يلعب دوراً مهماً في جذب الشركات إلى تلك الأماكن وبهذا يمكن تحقيق التوسع التدريجي.
إن دبي أكبر سوق في العالم لإعادة التصدير، ولدينا دائرة متخصصة بتعزيز النشاط التجاري في جميع أنحاء العالم هي دائرة السياحة والتسويق التجاري التي تدير عمليات التسويق والترويج من مكاتب في أميركا وأوروبا وافريقيا وآسيا، لكن علينا توسيع نطاق اهتمامنا بالتصدير فلدينا رؤية أبعد وأوسع، ويجب ان يكون لنا حضور في أكثر بلدان العالم لأن الاتصال المباشر أكثر جدوى من الوسائل الأخرى في بناء الشراكات التجارية واستقطاب الاستثمار خصوصاً مع مناطق تعتمد على دبي لاستيراد قسم كبير من حاجاتها مثل افريقيا.
إن خدمة الشعب مسؤولية كبيرة ويترتب على المؤسسات التجارية والخدمية الناشطة في هذا المجال التزام الأخلاق في التعامل ولها حدودها التي يجب ألا تتخطاها. ويجب ان تتحقق هذه الأهداف في جو من الالتزام بالمنافسة الإيجابية وإعطاء المتسوقين فرصة اختيار ما يريدونه من بضائع وخدمات من دون أن يخشوا الغش والاتجار بالسلع المقلدة وغيرها من ممارسات مرفوضة.

5 - الامتياز في إدارة الموارد وفعالية التكاليف
هل الخدمة النوعية Quality Service أكثر كلفة من الخدمة العادية أم أقل؟
نحن أثبتنا أنها أقل كلفة شرط إتقان إدارة الموارد وتحقيق الفعالية القصوى من التكاليف، وهذه بعض الأمثلة : إذا كانت شركة طيران الإمارات تقدم خدمة نوعية وكانت شركة الطيران الأخرى تقدم خدمة عادية فما هي الشركة التي تكلف أكثر؟ شركة الطيران الأخرى طبعاً. لماذا؟ لأن تلك الشركة لا تقدم الخدمة النوعية ومع ذلك تحمل حكوماتها خسائر بالمليارات لكن شركة طيران الإمارات في المقابل تقدم الخدمة النوعية وتحقق الأرباح ليس في أيام الخير فقط بل عندما يصبح وضع صناعة الطيران كلها بائساً كما جرى في أعقاب أحداث نيويورك عام 2001.
مثال آخر : فنادق دبي من أفخم الفنادق الموجوة في العالم وهي تقدم خدمة ذات نوعية عالية جداً فهل تكلفة هذه الفنادق أعلى من الفنادق التي تقدم الخدمة العادية؟ طبقاً لا لأن مردود الفنادق الأخيرة منخفض بينما مردود فنادق دبي الاعلى، ليس على مستوى الوطن العربي فقط بل العالم.
مثال ثالث : أيهما أكثر تكلفة المصنع الذي تعتمد الجودة في بنائه ام غيره من المصانع؟ إذا لم تكن هناك جودة فهناك أخطاء وثمن الخطأ كبير. إذا أدى الخطأ إلى خسائر بشرية فهذا الخطأ لا يقدر بثمن. حتى لو تجاوز هذا المصنع الخطأ فالعمر التشغيلي لهذا المصنع سيكون قصيراً بالمقارنة، ولن ينتج الجودة لذا سيكون تسويق الانتاج صعباً والمردود ضعيفاً وبيئة العمل متخلفة ومضرة للناس والبيئة.
مثال رابع : أي القطاعين الحكوميين أقل كلفة على المدى الطويل : القطاع النشيط ام القطاع الكسول ؟ القطاع النشيط طبعا لكن يجب ان ننتبه إلى ان المقياس هنا لم يعد الربح والخسارة لان هذا مقياس القطاع الخاص. هدف القطاع الحكومي تطوير الأداء وتحسين الخدمة، وتطوير الأداء يتضمن التزاماً قويا بمبدأ فعالية التكاليف وتحقيق الاستفادة القصوى من الموارد البشرية (أي الموظفين) والموارد المادية المتاحة مثل أماكن العمل وأنظمة الكومبيوتر وغيرها.
مثال : إذا كانت هناك قاعة مفتوحة فيجب ان نستفيد منها الاستفادة المثلى فنوزع الموظفين في الأماكن المناسبة ونوفر لهم شروط العمل الملائمة لكي يستطيعوا زيادة الإنتاج وتحسين العمل وابتكار الحلول وتطوير الأفكار وتقديم الاقتراحات. يجب ان نستخدم أنظمة الكومبيوتر ومتمماتها (طابعات وماسحات وغيرهما) بأكثر الطرق الممكنة فعالية ومن خلال الشبكات المحلية أو الشبكات الواسعة المرتبطة بالدوائر الأخرى وبشبكة الإنترنت.
نحن لا نصر دائماً على أهمية تشجيع المبادرات الإبداعية وتقديم الاقتراحات وتطوير الأفكار لكي نخزنها في الكومبيوترات بل لكي تجمع وتنظم وتعرض على فرق العمل للدراسة وتنفيذ الاقتراحات العملية للحد من التكاليف وزيادة الإيرادات. لا يوجد خيار أمام الحكومات التي تريد تحقيق النجاح سوى ان تعمل دوائرها كفريق واحد لتحقيق الهدف المشترك من دون مناكفة أو ازدواجية أو تعقيد، ومن خلال التحالف مع مواردها البشرية ومشاركتها خططها وبرامجها وقراراتها ومبادراتها واقتراحاتها. مثلاً أحد الاقتراحات وفر على دائرة واحدة عشرة ملايين درهم. اقتراح آخر بفرض رسم بسيط على تركيب أجهزة الحاسب الآلي قدم لإحدى الدوائر دخلاً مستمراً من البنوك. إن تحقيق الوفر في النفقات هدف مهم لكي لا نرهق الميزانية لكن هناك أهدافاً مادية ومعنوية أخرى ذات قيمة عالية جداً فمثلاً مدى كفاءة القطاع الحكومي لا ينعكس إيجابياً على أداء القطاع وحده فقط بل على أداء الدولة كلها بما في ذلك القطاع الخاص، وعندما تزداد سرعة الإنجاز لدى القطاع العام تزداد سرعة الإنجاز في سائر القطاعات فيصبح تأسيس الشركات أسرع ومثله تنفيذ المشاريع والتصدير والاستيراد وسائر النشاطات الأخرى. وعلينا إدارة مواردنا بكفاءة لنضمن مستقبل أجيالنا القادمة لذا سيستمر تأكيدنا على أهمية هذا المبدأ.
بعض المديرين تنفسوا الصعداء بعد تنفيذ برنامج الحكومة الإلكترونية واعتقدوا ان وقت الاستراحة حان لكني قلت ان العكس صحيح. ما هي الفائدة من إعطاء شخص تلفزيوناً متطوراً إذا كان لا يعرف تشغيله؟ امتلاك التكنولوجيا لا يعني نهاية الطريق بل بدايته والأهم من امتلاك التقنية إتقان التعامل معها لتحقيق أقصى استفادة ممكنة. هذا لا ينحصر بمقدم الخدمة بل بمتلقيها لذا شكلنا فريق عمل لتدريب المتعاملين مع بوابة الحكومة الإلكترونية في الإنترنت، وسنستمر في هذا الجهد للمساعدة على توسيع نطاق استخدامها وتسهيل الوصول إليها فمن شأن ذلك تقليص كلفة الحصول على الخدمات وتقليص الوقت أيضاً، وتستطيع الشركات والاشخاص استغلال الوقت المتوافر لتحسين الإنتاجية أو ليقضيه الأب العامل أو الأم العاملة مع الأسرة أو يخصص لتعميق الثقافة أو الإطلاع أو للترفيه. هذه أيضاً فعاليات مهمة في استغلال الوقت وتعزيز الامتياز في المجتمع.

6 - الامتياز في التعايش
يوجد شيء في دبي اشعر به وأنا أسير أو أسوق سيارتي في شوارعها وحدي في كثير من الأوقات، لكن لا استطيع لمسه لمس اليد أو التعبير عنه بوضوح. إنه مثل شفافية الفجر أو أطياف الليل. ربما قلت إنه (روح دبي). إذا سئلت ما الذي أعنيه لربما قلت إنه مزيج من روح أهلها وروح المدينة.
عندما يبتسم الإنسان لنفسه فمن السهل ان يبتسم للآخرين. هكذا هم أهل دبي. أول طريق الابتسامة انتزاع الطاقة السلبية من صدور الناس واقتلاع اليأس والإحباط. هذا يحدث عندما يؤدي الإنسان عملاً مجدياً يحمل إليه الفرح والافتخار. إذا حدث ذلك فسترتفع معنوياته وسيكون لطيفاً مع نفسه ومع الآخرين وسيضيف إلى عطلة الأسبوع كل أيام عمله.
من يعش في دبي يظل في دبي. حتى عندما يترك البعض دبي إلى مدينة أخرى فإن قسماً منه يظل في دبي لذا كثيرون يعودون. أسمع قصصاً عن أشخاص ذهبوا إلى كندا وأوروبا وأميركا ثم عادوا بعد سنة أو اثنين وأولادهم أسبق منهم في الرجوع. البعض بدأ معنا بداية متواضعة وارتقى إلى العالمية في الأعمال والاستثمار واشترى الشركات الكبيرة، والبعض اكتسب في دبي خبرات عالمية مطلوبة في دول أخرى فقبل عروضاً مغرية ومناصب عالية ومع ذلك أمنوا إدارة استثماراتهم في الخارج وتركوا مناصبهم العالية هناك وعادوا.
لماذا يا ترى؟
يوجد ود في دبي، وألفة. يوجد تسامح يحترمه الجميع وتقاليد يحترمها الجميع. يوجد احترام للذات والآخرين. يوجد اتزان وامتياز وحضارة.
قرطبة كانت هكذا.
يستطيع المرء ان يسير في شوارع دبي وحاراتها في أي وقت يشاء. إذا التفت السائر خلفه فلعله يريد رؤية الأنوار البعيدة في أفق المدينة، أو البحث عن وجه يعرفه لكن ليس للتأكد من ان نشالاً أو سارقاً سيغافله كما يحدث في بعض شوارع عواصم الدنيا. البعض يعود إلى دبي لهذا السبب. يوجد أماكن في هذه المدينة.
قرطبة كانت هكذا.
توجد شوارع نظيفة وعمارات جميلة وحدائق يقارب تنظيمها الكمال. لا نقول للناس ماذا يلبسون لكن عندما يكون الداخل جميلاً فإن المظهر يماشيه. هناك أناقة واعتناء بالمظهر والسلوك عند من يقدرون الامتياز.
كثيرون زاروا دبي ثم عادوا إليها واستقروا – الآلاف – ولكل منهم قصة. أحدهم طبيب أسنان ألماني درس في هارفارد وكان يحاضر في جامعة برلين ثم جاء إلى دبي سائحاً فأعجبته الحياة فيها فعاد إليها واستقر. متى جاءها سائحاً؟ في أغسطس! تصوروا! في أغسطس. وماذا ترك وراءه؟ ألمانيا وجامعة برلين.
توجد بيئة حياة متميزة في دبي لا يجدها المرء إلا في المدن السياحية المتميزة. يوجد تغيير دائم في دبي لأن الامتياز لا يعرف الجمود. توجد مبادرة. توجد رغبة في ابتكار الجديدة من كل شيء. توجد حركة دائبة في الليل والنهار لكن يوجد ارتياح. توجد ضغوط العمل المعتادة لأن الجميع يستيقظ ويبدأ السباق لكن يوجد ترفيه متميز بعد ذلك.
تحدثنا كثيراً عن الانتاجية والأداء والفعالية والتطوير لكننا لا نطلب من أحد فوق طاقته ولا نريد ان يعمل أحد فوق طاقته أو على حساب أسرته. نريد ان يعطي مقابل ما يأخذ وعندما يعطي فوق ذلك سيأخذ فوق ما يأخذه. نريد التعامل مع الناس بعدل وإنصاف وحضارة.
نريده بعد ذلك ان يحقق التوازن في حياته. أن يعطي العمل حقه وأن يعطي أسرته ونفسه حقهما لان افضل وقت يمر على الإنسان هو الوقت الذي يقضيه مع أسرته. نريده ان يستمتع هو وأسرته بالحياة ويرفه عن أسرته وعن نفسه جيداً وإلا لن يكون مستعداً لاستئناف السباق في صباح اليوم التالي.
للصغار مكانة كبيرة في دبي لان لهم مكاناً كبيرا في قلوبنا نحن العرب لكن الامتياز الخاص بهم ليس صغيراً. إنه الامتياز نفسه للكبار لأن الامتياز لا يعرف السن ولا العنصرية. الامتياز للجميع في جميع الأوقات والحالات. الامتياز ليس في الصناعة والتجارة بل في الخدمات كذلك. يجب ان تكون الخدمة ذات مستوى مرتفع تليق بمقدمها ومتلقيها.
يوجد مكان في أماكن العمل للمرأة في دبي. توجد لها مكانة. المرأة ليست نصف المجتمع بل ام المجتمع لذا مكانتها خاصة لأنها اشتركت في سباقنا الكبير وفازت بجدارتها وليس بالترضية. تستطيع ان تقود الفريق وتدير حياة أطفالها وشركتها وتنجز وتصنع شباب المستقبل وشاباته والثروة و فرص العمل للآخرين وتركب الخيل وتسابق الرجال وتفوز. المرأة في قرطبة كانت هكذا. كانت رسيس تخرج مع الخليفة عبد الرحمن الناصر على ظهر جوادها وهي تلبس قلنسوة وتتقلد سيفاً وتشق معه شوارع قرطبة حتى مدينة الزهراء. لبنى كانت كاتبة الخليفة الحكم بن عبد الرحمن ومزنة كاتبة الناصر لدين الله (وفي ظل هذا المجتمع)، كما يقول أحد الكتاب، (كانت المرأة الأندلسية واسعة النفوذ تتمتع بقسط كبير من الحرية).
دبي مدينة الانتقاء والخيارات. يستطيع ساكنها اختيار أسلوب الحياة الذي يرتاح إليه ونمط الترفيه الذي يروق له. العمل في مدن العمل المعروفة ... عمل، لكن العمل في مدينة سياحية متعة. لهذا استقطبنا في دبي دفقاً من المواهب المتميزة التي لا تجدها مجتمعة في مكان واحد في أي مدينة في الدنيا.
بعض هؤلاء مغتربون عرب. منذ خمسين سنة ونحن نشكو من هجرة العقل العربي والمال العربي إلى الغرب. ماذا فعلنا لوقف هذه الظاهرة الخطرة؟ زدنا جرعة الشكوى وشتمنا الغرب جيداً لأنه كيان شرير يسرق مقدرات الأمم ثم يسرق عقول أبنائها.
الغرب ليس السبب يا عرب. عندما يعود المغترب إلى وطنه الأم لقضاء إجازة مع أهله فإنه لا يخترق المطار إلا وهو يطحن أسنانه ندماً لأنه فكر في المجئ. الطوابير بلا نهاية والانتظار بالساعة والاثنتين والحر شديد وهذا ينظر إليه بريبة كأنه متهم، والآخر يطرح أسئلة لا مبرر لها بينما المغترب يحاول أن ينظر يميناً وشمالاً ليهرب بخجله بعيداً عن عيون أولاده وزوجته. إذا كانت البوابة هكذا فكيف البيت؟ لا أحد يهتم ولا أحد يبتسم ولا أحد يساعد ولا أحد يقول : أهلا بكم.
أهلاً وسهلاً ومرحباً بكم في دبي أيها السادة المغتربون العرب. قلنا هذا لكثيرين عادوا وسنقولها لكثيرين آخرين وسنستقطب العقول العربية المهاجرة التي تريد المجيء والاستقرار ثم سنتمنى للباقين دوام النجاح. بعض هؤلاء رغبوا لأولادهم نشأة عربية لكنهم يريدون مستويات من التعليم والصحة والخدمات تضاهي الموجودة في أوروبا واميركا. عندنا كل هذا.
البعض الآخر يريد عائداً جيداً على استثماراته. العائد على الاستثمارات في دبي جيد جداً ونحن لا نؤمم ولا نصادر ولا نعتدي على أموال الناس ولا نتهم من يحقق الأرباح نتيجة عمله الصحيح بسرقة قوت الشعب فأهلاً وسهلاً ومرحباً بالمال العربي المهاجر.
آخرون من الهند ولبنان وباكستان والولايات المتحدة وسورية ومصر وفرنسا وغيرهم ينتمون إلى أكثر من 150 جنسية يقولون أشياء مشابهة ويضيفون إلى ما يقوله كثيرون آخرون من أنهم اندمجوا في مجتمع دبي بسرعة. أعتقد ان هذا طبيعي لأن دبي مدينة بلا غربة. دبي مدينة بلا هامش. لا أحد فيها يعيش في هامشها مكتئباً لذا الكآبة شعور لا تعرفه دبي.
دبي مدينة عربية الحضارة عالمية التطلع والمفهوم والامتياز. قرطبة كانت هكذا. عدد الجامعات في حاضرة الخلافة الأموية الثانية كان أقل بقليل من عدد الجامعات في كل باقي بلدان أوروبا لكن كان في جامعاتها امتياز لذا جاءها أوروبيون كثيرون تقلدوا بعد دراستهم المناصب العالية واصبح بعضهم باباوات. تجار من أوروبا وآسيا وافريقيا نشطوا في أسواق تلك المدينة التي كانت تضم أكثر من مليون نسمة. كان فيهم المسلم والمسيحي واليهودي. العصر الذهبي الذي عرفه اليهود في تاريخهم القديم كان مع العرب في الأندلس، فبرز من بينهم الفلاسفة والعلماء والأطباء وأصحاب المهن الرفيعة.
هذه صفة أخرى من صفات الامتياز. إنها احترام أديان الآخرين ومعتقداتهم لكي يحترم الآخرون ديننا ومعتقداتنا لكن الاحترام لي عطية بل اكتساباً. كيف نقنع الآخرين بسماحة الإسلام وبعضنا لا يعرف السماحة؟ كيف نقنعهم بعدالة الإسلام ونحن نمارس الظلم؟ كيف نقعهم بانه دين حق ونحن نتعامل بالباطل؟ الله يقول: لا إكراه في الدين فبأي حق نريد أن نقسر الآخرين على ديننا؟ إن المسؤولية التي تقع على عاتقنا تفرض علينا ان نقدم للآخرين صورة جميلة عن ديننا من خلال معاملتنا لهم وتعايشنا الإيجابي معهم في أمن وسلام وتفاعل لتحقيق مقتضيات التنمية التجارية والانسانية معاً.
الامتياز لا يعرف التفرقة الدينية أو العرقية لأن إنسانيته الجامعة فوق ما يفرق البشر. الجميع يعيشون بسلام والكل يريدون ان يعملوا وينتجوا ويربحوا في بيئة تتساوى فيها الفرص والحقوق والواجبات، لذا كانت المحافظة على السلام والأمن مسؤولية الجميع وأهم أركان استمرار الانتاج وحماية المصالح والتعاون والتعايش بكل أنواعه : تعايش الديانات، تعايش الأختلاف، تعايش القيم، تعايش المفاهيم وهكذا.
أعظم ما في الحضارة العربية الأندلسية ليس قصر الحمراء أو مسجد قرطبة الكبير أو مدينة الزهراء أو قصر إشبيلية بل لأنها قدمت للإنسانية النموذج الفريد الذي عرفه العالم حتى الآن على إمكان تعايش الحضارات والأديان وتعاون الجميع لصنع الامتياز.
ماذا حل محل المؤسسة العلمية في قرطبة؟ مؤسسة محاكم التفتيش، أطول مؤسسة صنعها الإنسان عمراً. ماذا حل محل الثقافة والأدب في قرطبة؟ إحراق المؤلفات وحبس من يكتشفه عمال محاكم التفتيش مكباً على كتاب. ماذا حل محل التعايش في قرطبة؟ العنصرية. معظم حضارات العالم الجديد وقعت ضحية هذه العنصرية لأن الاسبان لم يروا في تنوع الحضارة البشرية آنذاك واحداً من أجمل صفات الإنسانية بل عدواً لا رحمة له ولا شفقة.
التنوع هو الذي يعطي الحضارات مذاقها المتميز. التنوع الكبير الموجود في دبي هو أحد أسرار سحر دبي، وقرطبة. هذه الخلطة في مكان آخر يمكن ان تكون شيئاً مختلفاً تماماً. نحن أيضاً بعد ألف عام من زوال الخلافة في حاضرة الأندلس نقدم نموذجاً متجدداً من إمكان تعايش الحضارات والأديان والتنوع والاختلاف وتعاون الجميع لصنع الامتياز في كل شيء.
من يتحدث اليوم عن صراع الحضارات، وعن العداوة بين الإسلام والغرب، ويزعم ان الغرب لا يستطيع التعايش مع الإسلام وأننا نمجد الموت ولا نمجد الحياة فإنه لم يزر دبي ولا يعرف تاريخ قرطبة أو تاريخ كل حواضر العرب. كلهم تعايشوا مع الأديان كلها ونحن أيضاً نفعل الشيء نفسه ونقدم البرهان مرة أخرى على ان العيش في النهاية ما هو إلا التعايش الذي يدعو إليه الدين الإسلامي وتزهو به صفات حضارتنا.

عودة »»