الطريق إلى المستقبل - الفصل الثالث عشر
سباق الأمم والشعوب
قلت قبل خمس سنوات ان طريق الريادة والنجاح لا يزال مفتوحاً أمام الجادين في
المسيرة والراغبين في العطاء فهذه البداية، وما أنجزناه حتى اليوم لا يزيد على 10
في المئة من أهدافنا. ومنذ ذلك التاريخ أضفنا إلى الإنجازات السابقة الكثير وبدأنا
عدداً مهماً من المشاريع الكبيرة ضمن رؤية تمتد حتى منتصف القرن الجاري لكن ما زلت
اعتقد أن ما حققناه حتى الآن لا يزيد على 10 في المئة من أهدافنا، وأننا لا نزال في
بداية السباق الطويل.
عندما نتحدث عن المستقبل فنحن نتحدث عن التحديات. طموحاتنا كبيرة ونتوقع ان تكون
التحديات التي سنواجهها بحجم الطموحات، وستتوقف قدرتنا على تجاوز تلك التحديات على
العمل والتخطيط والاستعداد والتفاؤل والثقة بأنفسنا وبقدراتنا، وعلى أملنا الكبير
بأننا نستطيع ان نصل إلى أهدافنا. التحديات الكبير هي التي تصنع الشعوب الكبيرة،
وحين أنظر إلى الماضي ثم أعود وأنظر إلى المستقبل فأنا مقتنع في قرارة نفسي بأننا
سنتغلب على تلك التحديات وسنحقق النجاح لأننا فعلنا هذا في الماضي وسنفعله في
المستقبل.
أهم أسباب القوة التي يتمتع بها اتحاد الإمارات قدرته على قهر التحديات التي واجهته
خلال أكثر من ثلاثين عاماً، والتكيف بسرعة مع مختلف المتغيرات. هناك عدد كبير من
التحديات الماثلة في الطريق إلى المستقبل لذا يجب ان نتحرك على جبهات عدة. يجب
الاستمرار في تطوير التعليم وتنمية الكوادر البشرية وتعميق المشاركة الشعبية وتطوير
المؤسسات البرلمانية التمثيلية ودعم الدور القيادي للقطاع الخاص وتفعيل القطاع
العام وتعزيز الشفافية في كل القطاعات وتوسيع دائرة الحوافز الاستثمارية لتتعدى
المناطق الحرة ودعم الشركات الصغيرة والمتوسطة وتطوير برامج تمويل المشاريع الناشئة
ومحاربة الفساد وتبسيط الإجراءات ومتابعة الإصرار على تقديم الجودة والامتياز في كل
شيء.
إن التخطيط الاستراتيجي للموارد البشرية وتطوير مناخ الاستثمار وتحسين البنية
التحتية والاهتمام بإصلاح التشريعات والأنظمة وتمتين الشراكة بين القطاعين العام
والخاص والتعرف إلى آراء الناس وإبراز دبي كمركز دولي للتميز والإبداع متطلبات
أساسية لا تعرف النهاية ولا تتوقف عند حد، ويجب ان نستمر في دراسة أفضل الطرق
لتحسينها وابتكار الحلول الجديدة لزيادة فعاليتها وجدواها وفوائدها.
يوجد في مجتمعنا الكثير من المظاهر السلبية الصغيرة التي لا ننتبه إليها دائماً
لكنها تؤثر في مجموعها في الأداء سواء على مستوى الفرد أو الشركة أو المجتمع وينبغي
التخلص منها بالسرعة الممكنة من خلال تشجيع السلوكيات الإيجابية وترسيخ الأمانة
وتطوير الأداء لأن كل هذا سيؤدي إلى نتائج إيجابية على المدى الطويل ويحقق
الاستغلال الأمثل للموارد ويُسهم في توفير البيئة التي تساعد على تعميق الامتياز
والإبداع.
التغلب على تحديات قرن جديد في ألفية جديدة يتطلب تفكيراً جديداً وأساليب مبتكرة
يمكن الاستفادة منها في تطوير المجتمع وتعجيل حركة التنمية، وهذا يقتضي التغيير.
التغيير يعني القبول بالجديد المفيد والاقتناع النهائي بأن القديم غير المفيد لم
يعد مناسباً وآن أوان طرحه من العقول والممارسة. إنه يعني تغيير أنماط التفكير
والقدرة على فهم اللغة التي يتحدث بها العالم، والقدرة على نقل رسالتنا وأهدافنا
ومواقفنا بالوضوح والبساطة والصراحة التي تمكن العالم من فهمنا وبالتالي تعميق
التعاون بين الشعوب وإزالة مكامن سوء الفهم وإتاحة المجال لتوجيه كل الجهود إلى صنع
التنمية.
إن أهدافنا استراتيجية، وتخطيطنا استراتيجي، وتطلعاتنا استراتيجية لذا فإن التغيير
الذي نتحدث عنه يجب ان يكون بالضرورة تغييراً استراتيجياً يستجيب لكل ما تقدم
ويتوافق معه.
اكتسبنا خلال الثلاثين سنة الماضية خبرة واسعة في ابتكار الحلول للتغلب على المشاكل
التي واجهتنا خلال عملية الانتقال بدبي إلى العصر الحديث وعلينا ان نكون مستعدين
لمقارعة أدق هذه التحديات وأصعبها وأكثرها تعقيداً. هذا الاستعداد يتطلب منا جميعاً
النهوض بمسؤولياتنا وتوخي الواقعية في التحليل والقرار وفرز الحقائق عن الأوهام
وتحديد الأهداف والاتجاه والأولويات بدقة تمهيداً لحشد الموارد اللازمة لتنفيذها.
إذا تطلب الانتقال إلى هذه المرحلة العبور على جسر جديد آخر فيجب ان نكون مستعدين
لقطعه في الوقت المناسب وبأسرع وقت. إذا تطلبت المراحل المقبلة أكثر من هذا فيجب ان
نكون مستعدين لقطع عدة جسور في آن واحد. يجب ان نكون مستعدين لتذليل المستحيلات
ومصالحة الأضداد في أي وقت وفي أية مرحلة. إذا كان البعض يعتقد ان هذا ضرب من
المعجزات فأود أن أذكره بأن التحديات هي التي تصنع المعجزات.
الســلام
عندما نتحدث عن المستقبل فنحن نتحدث عن السلام يكن يجب ان نكون واقعيين. شعوب هذه
المنطقة عافت النزاعات المسلحة والتهديدات والتوتر وهي تريد السلام العادل
والاستقرار والأمن لكن جل المظاهر السلبية لا يزال مستمراً في صورة أو أخرى والسبب
واضح هو عدم توافر إرادة كافية لإحلال السلام وبناء الاستقرار. إنني أحمّل الدول
الكبرى مسؤولية مباشرة للحال المؤسفة في الشرق الأوسط لأن الدول الكبرى وحدها هي
القادرة على تطبيق قرارات الشرعية الدولية، وهي وحدها القادرة على دفع المنطقة في
اتجاه الحلول العادلة كافة. لا أعرف في العالم منطقة تأثرت بالتوازنات والمنافسات
الدولية خلال نحو مئة عام مثل منطقتنا لأن القوى الكبرى تعاطت مع قضايا الشرق
الأوسط بمنطق السمسار لا بمنطق الحكم العادل والوسيط المحايد، وسعت إلى تصريف
القضايا بما أملته متطلبات مصالحها الآنية لا بما يمليه إنجاز الحلول العادلة وبما
يتوافق مع القوانين الدولية وقرارات الأمم المتحدة.
ونرى اليوم تغيراً إيجابياً يعبر عن نفسه بمحاولات جادة على المستوى الدولي، خصوصاً
في أوروبا، للوصول على جذور المشاكل والتعرف على مكونات التربة التي تنمو فيها
والمواقف التي تتغذى منها، لذا نرى ان الحل العادل للصراع العربي الاسرائيلي يمكن
ان يعالج بعض الجذور، وان الاسهام في إخراج العراق الشقيق من محنته يمكن ان يعالج
جذوراً أخرى، وان تحقيق التنمية الصحيحة والاصلاح السياسي وتوطيد العدالة
الاجتماعية ستعالج جذوراً إضافية، بينما أرى ان يتحرك التعاون الدولي للتصدي
للإرهاب على مسارين في آن : مسار المستوى الأمني المباشر، ومسار التعاطي الفاعل مع
جملة القضايا التي أشرت إليها.
وعندما أحمل الدول العظمى المسؤولية المباشرة للحال المؤسفة في الشرق الاوسط فأنا
لا أغفي أصحاب الشأن العربي من المسؤولية فبعضهم يوفر بسياساته وتصرفاته الذرائع
والأسباب، وبعضهم لا يحسن قراءة واقع النظام الدولي، وبعضهم لم يتمكن بعد من تحكيم
العقل في القرارات التي تتحكم بها العاطفة. إن الطريق إلى تلافي هذه السلبيات يكمن
في الاحتكام إلى العقل والعدل والمنطق، وتغليب الكبائر على الصغائر، ووضع هدف بقاء
الأمة فوق فنائها، ورفض الارهاب جملة وتفصيلاً، وتقديم مصلحة الوطن على مصلحة الفرد
وإعلاء صوت العقل على صراخ الحناجر. لا نعرف شيئاً محدداً ربحناه من كل الحروب التي
خاضها العرب خلال الخمسين سنة الماضية لكننا نعرف ان حربي الخليج الاولى والثانية
امتصتا أموال المنطقة أو أعاقتا تقدمها وأضعفتا استغلال مشاريعها وقيدتا حركة
التنمية إلى ارض الركود سنوات.
الوضع خارج منطقتنا ليس أقل اضطراباً وتعقيداً لذا لا تزال أمام الإنسانية فترة
طويلة قبل أن يعمها السلام. البعض عاد إلى أجواء القرن التاسع عشر ليتحدث عن صراع
الحضارات والأديان. أعتقد ان الوصف الصحيح هو الصراع على المصالح. البعض يتحدث عن
عداوة بين المسلمين والمسيحيين. هؤلاء لم يقرأوا القرآن بعد. البعض لا يزال يعتقد
أن الانتصار العسكري هو أفضل سلام. هؤلاء لم يقرأوا التاريخ جيداً بعد. لا يوجد في
تاريخ الشعوب الكبيرة انتصار دائم أو هزيمة دائمة. الحرب العالمية الأولى انتهت
بانتصار كبير لكن الحرب العالمية الثانية كانت أكثر ضراوة وأشد فتكاً من كل الحروب
التي عرفها العالم. الشرق الأوسط بعد أربع حروب كبيرة وعشرات الحروب الأصغر ليس
أقرب إلى السلام اليوم مما كان قبل عشر سنوات لذا فإن الأهم من الذي يشن الحرب هو
الذي يشن السلام.
البعض يعتقد ان الحروب طريق استنهاض الاقتصادات الهابطة. هؤلاء لا يعرفون أهمية
السلام بعد. الإنفاق الحكومي يُسهم في استنهاض الاقتصادات سواء كان على السلاح أو
المستشفيات فليكن على إدامة الحياة لا على إزهاقها لكن الذي يحرك الاقتصادات اليوم
ليس الانفاق الحكومي بل الإنفاق الشخصي. الشخص القلق والخائف والمقبل على حرب لا
ينفق إلا على الضروريات وفي أضيق الحدود لهذا انهارت تجارة اللؤلؤ في الخليج.
سياساتنا العربية والدولية حيادية ومتوازنة تقوم على مبدأ تجنب الدخول في الصراعات
والتحالفات الدولية. لا نخاف ولا نخيف ولا نمارس الضغوط على أحد ولا نقبل من أحد ان
يمارس علينا الضغوط ولا نتدخل في شؤون أحد ولا نسمح لأحد بالتدخل في شؤوننا.
علاقاتنا جيدة مع الجميع، وليست لدينا أي مطامع في أي مكان. نريد إبقاء جسورنا
مفتوحة، ونريد ان نكون محل ثقة الجميع. اقتناعنا بالسلام قوي لكن السلام الحقيقي لن
يتحقق ما لم يكن منصفاً وما لم يكن قناعة الجميع به يمثل قوة قناعتنا.
كل ما نريده تصفية النزاعات على أساس الشرعية الدولية وإعادة كل الحقوق إلى كل
أصحابها وتحقيق المساواة لجميع البشر ورفع الحصار عن كل العرب لكي نتابع تطوير
بلادنا ونستكمل تنفيذ رؤية تحقيق الامتياز والريادة. هذا هو هدفنا الكبير وكل
الكلام عن وجود تهديدات للمنطقة في المستقبل ضوضاء من حولنا لن نسمح لها ان
تستوقفنا لأننا نعتقد أن لغة الحرب لا تحل شيئاً لا تستطيع لغة الحوار ان تحله سواء
كان الخلاف بين المغرب وشقيقتها العربية الجزائر، أو بين الإمارات وجارتها المسلمة
إيران.
إن أهم مميزات التنمية التي عرفتها الإمارات ليس صفتها الاستمرارية والتفاؤلية
والإيجابية فقط بل استمراريتها وتفاؤلها وإيجابيتها حتى عندما يصل التوتر في
المنطقة إلى الأوج وتسيطر الطاقة السلبية على التفكير. نحن متفائلون بالمنطقة
وبمستقبلها لأننا متفائلون بالسلام، ونعتقد ان استتباب أمن المنطقة واستقرارها
وإبعادها عن التوتر عوامل أساسية في متابعة تحقيق النمو والازدهار خصوصاً ان
المنطقة ككل تتسم بحساسية خاصة لأنها من أهم منابع النفط وصناعات البترول والغاز في
العالم.
إن تفاؤلنا عميق وآمالنا كبيرة لكن يجب ان نكون واقعيين دائماً. أحد الأحلام التي
أتمنى دائماً ان تتحقق هي ان أزور القدس وأصلي في الأقصى، وكلما اعتقدت ان الامنية
تقترب من التحقق ارتكس السلام وابتعد الحلم مرة اخرى. جاء وقت اعتقدنا ان القرن
العشرين يمكن ان يصبح قرن السلام العالمي بعدما ذاقت البشرية مرارة الحروب الطاحنة
لكنه انتهى كأكثر القرون التي عرفها الإنسان دموية وظلماً. لا نستطيع تعليق التنمية
إلى ان يصبح السلام حقيقة واقعة وتنتهي مرحلة طويلة جداً من التوتر لم تعرفها
المنطقة في تاريخها الحديث لذا يجب ان نعتمد في تخطيطنا التنموي كل البدائل
المناسبة.
الديمقراطية
عندما نتحدث عن المستقبل فنحن نتحدث عن الحق في الاختيار. والدي يرحمه الله لم يفرض
علينا رأياً وربانا على حرية الاختيار، وأنا مقتنع بأن هذا هو الاسلوب الصحيح في
التعامل مع الناس وبين الناس لأن الاقتناع أقوى تأثيراً وأكثر ديمومة من كل أنواع
القسر.
أبسط قواعد الديمقراطية الاختيار. إذا جاءت الديمقراطية بمرسوم فستذهب بمرسوم. إذا
قسرنا المجتمع على مفهوم مثل الديمقراطية قبل إتاحة التحاور في شأنه على أوسع نطاق
ممكن فنحن ندفع المجتمع إلى قفزة مفاجئة في فراغ. إذا أردنا فرض الديمقراطية على
الناس فإننا ننفي أهم قواعد الديمقراطية لذا يجب عدم استخدام الديمقراطية سلاحاً
جديداً للتهديد والتدخل والفرز وإبعاد الأنظار وفتح جبهات جانبية على معارك ليست
حاسمة في هذه المرحلة.
لا يوجد في الديمقراطية ما يخيفنا لأننا نمارس الديمقراطية التي تناسبنا منذ زمن
طويل. المخيف هو المضاعفات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الحادة التي يكتشف شعب
ما فجأة أنه وقع فيها نتيجة اختيار القيادة القفز فوق المشاكل الحقيقية التي
تواجهها وتبني نظام مثل الديمقراطية الغربية قبل ان تعد الناس له إعداداً جيداً.
للديمقراطية فوائد ومزايا كثيرة إذا طبقت بشكل مناسب في المناسب من المجتمعات لكنها
ليست وصفة سحرية لكل المشاكل. إنها ليست دواء كل علة اجتماعية واقتصادية وسياسية.
إنها لا تولد الوظائف ولا تحمي من الكساد ولا تضمن انتخاب الأصلح ولا تعيق شن
الحروب المدمرة واستفراد الزعامات بالسلطة. بعض الأنظمة يتصرف كأن الديمقراطية مجرد
إدلاء الناخبين بأصواتهم، والبعض باسم الديمقراطية يخرق القوانين الدولية بالجملة
ويدمن على ارتكاب فظائع لا نعرفها في أخبث الديكتاتوريات، والبعض لا يصلح أحواله
إلا في سنة الانتخابات العامة.
وجودنا في المنطقة ليس مؤقتاً ولم تولد أمتنا قبل مئة سنة أو مئتين. نحن هنا منذ
آلاف السنين وننوي ان نبقى هنا آلاف السنين، ونحمل في عقولنا وضمائرنا وطبيعتنا وفي
الوعي واللاوعي تراكمات حضارات وتراث وعادات كل تلك الألفيات. إذا غير الإنسان كل
هذا لكي يكون ديمقراطياً غربياً فسيكون في حاجة إلى من يدله على نفسه لأنه لن يكون
الشخص الشرقي ذاته.
نحن جزء من العالم الكبير بتطلعاتنا وأهدافنا وتعاوننا لكن لنا تفردنا وأوضاعنا
الخاصة مثلما لجميع الشعوب والأمم الأخرى تفردها وأوضاعها الخاصة. الديمقراطية ليست
معطفاً يجب ان يناسب كل من يرتديه. ما يلائم الغرب في مرحلة معينة من تطوره السياسي
والاجتماعي ربما لم يكن مناسباً للشرق في مرحلة تطور أخرى، ومها يناسب الجنوب ربما
لم يكن مناسباً للشمال، وما يناسب قاطن الجبال لا يناسب ابن الصحراء. أنا لست ضد
الديمقراطية التي يختارها الناس نتيجة الدراسة والقناعة ولست ضد أي نظام آخر يصون
الامن والاستقرار والحقوق والأخلاق، ويسمح لي بالتعبير عن رأيي، ويكفل لي حريتي
الفردية وممارسة إنسانيتي وديني وعاداتي وتقاليدي.
لكن يجب ان ننتبه في الوقت نفسه إلى ان (الخصوصيات) و (التفرد) ليسا رخصة لإعاقة
الإصلاح الحقيقي واستمرار الظلم ووقف بناء المؤسسات وعرقلة التنمية وكبت الحريات
الشخصية والعامة وتجاهل الحقوق فكل ما نريد قوله هنا إن الدول التي تظل وفية
لديمقراطيتها في سلامها وحربها قليلة، والأقل منها عدداً الدول التي تستمر في صون
الحريات المدنية لمواطنيها عندما تتهددها المخاطر أو تحيط بها الضغوط الأمنية
والاقتصادية.
أحد مظاهر الديمقراطية هو الخروج عن الإجماع وقول (لا) وفق ما يمليه ضمير القائل
حتى عندما يقول الجميع (نعم)، والدعوة إلى التغيير عندما يدفع القلق الناس إلى
التشبث بالراهن المألوف. هذه المواقف لا تصبح سهلة أو حتى ممكنة في أوقات الشدة
ناهيك عن أوقات الحرب، لكن هذا لا يحدث في الأنظمة الديمقراطية فقط ومن يعتقد غير
هذا فإنه لا يعرف جيداً كيف نفكر. العرب يعيشون في منطقة لم تعرف السلام الطويل إلا
لماماً. (لماماً) هنا لا تعني منذ سنتين أو عشرين أو مئة ومئتين بل منذ الحملة
الصليبية الثانية قبل أكثر من 900عام. كلما انتهت حرب وجدنا منطقتنا على أبواب حرب
أخرى وكلما خرجنا من نفق مظلم وجدنا نفقاً مظلماً آخر في الانتظار. نحن نعتقد أن كل
الأصوات يجب ان تعلو على صوت المعركة ما لم يكن الهدف هو الدفاع عن وجود الوطن لكن
هذه المقولة الشائعة في كثير من الدول العربية لم تأت من فراغ. لهذا أعتقد انه على
من يريد للعرب الديمقراطية ان يريد لهم أولاً شيئين آخرين : استمرار السلام لكي
يتحول الإنفاق العسكري إلى الإنفاق المدني، وتحقيق التنمية الصحيحة لكي تكون للناس
مصلحة في ضمان استمرار السلام.
العولمة
العولمة في منظوري بيئة عمل اقتصادية عالمية جديدة تهدف إلى تحقيق درجة عالية من
الاندماج في النشاطات التجارية والمالية والخدمية وتتضمن التزام مجموعة من المبادئ
والأنظمة وإحداث تغييرات عميقة لم يعرفها العالم في الماضي. بعض الدول أكثر تفاوتاً
في مراحل تطورها الاقتصادي من دول أخرى وأكثر مرونة وقدرة على التعامل مع ما يطرأ
على الاقتصاد العالمي من تغييرات ومستجدات لذا فإن التحديات التي تواجهها في إطار
العولمة أقل حدة من الاقتصادات الأخرى.
ويكثر الحديث والتحليلات عن بيئة العولمة الجديدة في ما يختص بالاقتصاد وغيره من
الأنظمة الأخرى التي تنتظم في سلكها نشاطات كثيرة لكننا على درجة كبيرة من الجاهزية
لان نتعاطى مع بيئة العولمة الجديدة بكل جدارة وامكانات واستعداد وان نستفيد مما
تطرحه هذه البيئة من فرص ومجالات مستحدثة.
ولن نكون أبداً في موضع الأخذ والتلقي وإنما نحن كعادتنا في صدارة المستوعبين لكل
جديد نافع والمتفاعلين مع ما تقدمه العولمة من معطيات حديثة، والمؤثرين فيها بصورة
كبيرة مع قناعتنا التامة بقدرتنا على الفحص والتمييز بين ما ينفعنا فنتعاطى معه
بصدر مفتوح وإيجابية مطلقة وتطويره إلى الأحسن للاستفادة القصوى منه وإفادة غيرنا،
وبين ما لا رغبة لنا فيه فنتفاداه ونستبعده من دربنا وحساباتنا.
ولم نعد اليوم ولا غيرنا معزولين عن العالم فنحن جزء أصيل من هذا البحر البشري من
حولنا نتأثر به ونؤثر فيه ولدينا قناعاتنا ومبادئنا وقيمنا التي تحكم مسيرتنا
وتعاطينا مع بيئة العولمة الجديدة التي تفرض نفسها على الجميع. ومن هذا المنطلق
الواعي والفهم المتحضر تتكون لدينا في دبي قدرة على استيعاب الجديد والتأثير فيه
سواء في مجال الاقتصاد أو غيره من الشؤون الحياتية مع الاحتفاظ بخصوصياتنا وبالذات
في مجال الفكر والعقيدة والقيم الخلقية لأننا من أمة أصيلة منتمية إلى حضارة ذات
قيم ومبادئ استفاد العالم منها في كثير من المجالات وبالذات في ما يخص العلوم
والمعارف فقد حفل تاريخنا العربي في الاندلس وغيرها من المناطق بعلماء أفذاذ أسسوا
علوماً كثيرة وبرع كثيرون منهم في مجالات الطب والرياضيات والفلك ولا يزال العالم
يدين لفضل معارفهم. ولذا نحن جاهزون تماماً للتعاطي مع كل جديد من البيئات والأنظمة
الاقتصادية وغيرها دون أية عوائق لأننا حددنا رؤيتنا الواضحة ونملك من الوسائل ما
يعيننا على بلوغ أهدافنا فنحن في معاصرتنا أكثر تحمساً للاقتصاد الجديد وخاصة في ما
يتعلق بالشق المعرفي منه وهو ما يطلق عليه اقتصاد المعلومات.
وتتحدد نظرتنا إلى العولمة ليس بوصفها هدفاً في حد ذاتها وإنما طريق جديد إلى
التنمية لذا فنحن راغبون في الانخراط فيها لأنها تناسب استراتيجيتنا التنموية بعيدة
المدى، ونعتقد انها من أفضل الأوعية المتوافرة لإنجاح هذه الاستراتيجية وتطويرها
وإبراز تكاملها مع الاقتصاد العالمي. إنها مضمار لسباق التنمية الكبير بين الشعوب
والأمم، وفرصة متاحة للإمارات وكل الدول الأخرى للمساهمة في جعل العالم مكاناً أكثر
سلاماً وتفاهماً وإنتاجاً. لكن أهم عنصر في أي سباق هو الجواد لذا نعتقد أننا نملك
الخطط والرؤى والإمكانات الذاتية لاثبات قدراتنا في مجال هذه العولمة والتأثير
فيها.
إن اعتماد الدول على الدول الأخرى في نموها لا يتقلص بل يزداد، ولا توجد في العالم
اليوم دول تستطيع تحقيق الاكتفاء الذاتي الحقيقي من كل شيء بما في ذلك الولايات
المتحدة التي تتمتع بامكانات صناعية ومالية كبيرة. وموطن العولمة في العامل وليس
دولة واحدة أو اكثر فلا مفر إذن من التماشي معها والتفاعل مع كثير من معطياتها
الإيجابية ولن نكون كوضع النعامة عند الخطر لأن ذلك ليس من مصلحة أي دولة. وأمنيتي
ان يكون في محيط العولمة حيز واعتبار لمصالح كل الدول وتشجيع التنمية وحماية البيئة
مما يتهددها من مخاطر وتقليص الهوات الاقتصادية والتمويلية والتقنية والمعلوماتية
والمحاولة الجادة للمساهمة في تخفيف وطأة الفقر وإنهاء المجاعات والجهل والامراض
وكل الآفات الأخرى التي أخفق العالم حتى الآن في التصدي لها بالجدية المناسبة. أما
إذا لم يكن ذلك في اعتبار العولمة فلن يتوافر لها القبول اللازم الذي هو سبيل مهم
لنجاحها.
الإمارات عضو في منظمة التجارة العالمية منذ إبريل 1996 وممارس قديم لمبدأ التجارة
الحرة منذ زمن طويل، ونحن جاهزون بفاعلية ومستعدون لمواجهة متطلبات التحول
الاقتصادي العالمي في إطار اتفاقية التجارة العالمية، ومستعدون من الآن لمواجهة
متطلبات العصر الاقتصادي الجديد حتى منتصف القرن الجاري وما بعده لآن انتظار قدوم
الأحداث قبل التعامل معها لم يكن خيارنا في الماضي ولن يكون خيارنا في المستقبل.
لا يوجد اقتصاد واحد أو تكتل اقتصادي واحد يستطيع ان يقدم نفسه كبديل للاقتصاد
العالمي، ولم يعد اقتصاد واحد أو تكتل اقتصادي واحد يستطيع احتكار التنمية أو
التقنية أو إغلاق الأبواب الاقتصادية المفتوحة على العالم. المصالح ستتغلب في
النهاية على الأهواء، والمنفعة الدائمة ستتغلب على المنفعة المؤقتة، وستتجاوز الدول
مخاوفها الراهنة وتعود إلى الاقتناع بان صنع الفرص التنموية الحقيقية يتطلب سوقاً
دولية تفوق كل ما هو متوافر اليوم حجماً.
طريق تحقيق هذا الهدف هو إزالة الحواجز الاقتصادية بين الدول واستمرار العمل لتحويل
الاقتصاد العالمي إلى اقتصاد أكثر تكاملاً وفاعلية في أجواء المنافسة الصحيحة،
والتعاون الصادق بين كل الدول بغض النظر عن انتماءاتها وفلسفتها وأنظمتها السياسية.
العدو الدائم للإنسانية هو الجوع والمرض والجهل وليس الحضارات أو الأديان الأخرى،
ويجب ان نتعاون للقضاء على هذه المؤرقات للانسانية جمعاء. التنمية الاقتصادية مفتاح
لكل تنمية أخرى، وأحد أهم عوامل نجاح الاقتصاد ان يجد الناس المال في جيوبهم
لينفقوا ويسرعوا دوران عجلة الاقتصاد وهذا يتطلب توفير فرص العمل واستتباب الأمن
والعدل والسلام وضمان حقوق الناس وحرياتهم ومصالحهم الاقتصادية.
المهـارات
لا الآلة ولا رأس المال يصنعان الازدهار ويقهران المستحيل بل الإنسان. ومن فضل الله
علينا أننا تنبهنا في وقت مبكر إلى هذه الحقيقة، واستشرفنا المستقبل وأخرجنا
القدرات والطاقات الخلاقة في مجتمعنا. أعتقد ان الاستمرار في تلقين الطلاب المعارف
التقليدية بالصورة التقليدية وفي بيئة التعليم التقليدية نوع جديد من الأمية لم يعد
لها مكان في أي مجتمع يريد الانضمام إلى السباق العالمي الجديد لتحقيق التنمية
المتميزة الجديدة.
النجاح في هذا السباق يقتضي إعداد أجيال مؤمنة بربها ثم مدركة لالتزاماتها الوطنية
ومؤهلة تأهيلاً على المستوى العالمي في مختلف التخصصات والمعارف الإنسانية المعاصرة
من خلال تطوير مناهج التعليم والارتقاء بمهارات المعلمين وإتقان التعامل مع
التقنيات الحديثة وتوفير بيئة مدرسية تحفز البحث العلمي والابتكار وتوقد روح
الإبداع طبقاً لاستراتيجية متطورة قابلة للتطبيق تأخذ في الأولوية أهمية التعليم
كركيزة حيوية لمسيرة التنمية الشاملة. لذا عندما نتحدث عن المستقبل فإننا نتحدث عن
تميز الناس وتميز التعليم والمهارات والقدرات والاستقلالية في التفكير وصقل الخبرات
المحلية لبناء مخزون من الموارد البشرية القادرة على التعامل بكفاءة مع التحديات
التي ستواجهنا وتقديم أعلى مستوى ممكن من الإنتاج والخدمات.
يجب تعزيز المرحلة الأساسية من اكتساب العلوم والمهارات بتوفير المراكز والمؤسسات
والمعاهد والهيئات والآليات التي تقدم أكثر البيئات مثالية لإثراء المعارف وتشجيع
الإبداع وإخصاب المبادرات والابتكار وحفز الطموح وإعداد الكوادر الإدارية للمجتمع
والأعمال. إن الهدف من مبادراتنا القائمة وتلك التي سنقدمها للمجتمع في المستقبل هو
تجسيد الحرص على شمولية عملية التنمية بتأكيد البعد الاجتماعي الذي نوليه اهتماماً
كبيراً وتتضمن ركائزه العناية بالتنمية البشرية وتأهيل الكوادر المواطنة ودعم
جهودها في مختلف المجالات.
الاستعداد للمستقبل يعني في المكان الأول إعداد الشباب المواطن لقيادة حركة التنمية
الآتية انطلاقاً من القناعة الثابتة بدورهم الحاسم في مواصلة مسيرة النهوض
الاقتصادي وتسخير طاقاتهم الفاعلة لخدمة مجتمعهم. لدينا ثروة كبيرة من المواهب
الشابة التي يقع على عاتق كل قطاعات المجتمع واجب تنميتها بالتعليم المناسب
والتدريب والدعم والتشجيع وإبراز المهارات والطاقات واحتضان المبادرات الخلاقة في
كل المراحل لكي يتمكن الشباب من تحقيق النجاح لان التنمية المتميزة تتطلب تميز
صانعيها في التجارة والصناعة والإدارة والخدمات وكل نواحي النشاطات الأخرى. وسنستمر
في الوقت نفسه في جذب أصحاب المهارات والمواهب والاختصاصات الدقيقة للمساهمة في
إثراء مخزون الخبرات وصنع الفرص وتطوير الأعمال الجديدة في الاقتصاد القائم على
التقنية والمعرفة.
نفذنا عدداً مهماً من المشاريع الكبيرة ونحن في طريق تنفيذ عدد آخر من المشاريع
الاستراتيجية لكننا نريد اقتصاداً يقوم على أكبر قاعدة ممكنة من الشركات الصغيرة
والمتوسطة. الشركات الكبيرة كبيرة الآن ويمكن ان تحقق نمواً أفضل في المستقبل لكننا
نريد توسيع الأسواق وزيادة الفرص وبالتالي تمكين الشركات المتوسطة والصغيرة من
التحول إلى شركات كبيرة في المستقبل لكي توفر بذلك قاعدة إقتصادية كبيرة لاقتصاد
أكبر.
كثيرون لا يحبون أخذ المخاطرة الاقتصادية أو لا يقدرون عليها لذا يجب ان تأخذ
الحكومة المبادرة من خلال تنمية روح الأعمال في الشباب واحتضان مبادراتهم وتذليل
العقبات التي تقف في طريق تحولها من أفكار ناجحة إلى مشاريع ناجحة، وتطوير أدوات
وبرامج تمويل المشاريع الناشئة. إننا نتوقع ان تفرز المشاريع التي ننفذها مئات
المشاريع المساندة لها أو المتصلة بها، وأن تسهم في توفير الظروف التي تحفز الشباب
على إنشاء المشاريع الخاصة بهم والاستثمار في الاقتصاد الوطني بما يشمل قطاعات
الاقتصاد التقليدي وقطاعات الاقتصاد الجديد لا سيما خدمات المعلومات والاتصالات
والتجارة الالكترونية وغيرها. وسنتولى هذه المشاريع الناشئة بعناية كافية تتضمن
تقديم الخبرات والمعرفة والخدمات الاستشارية والمتابعة والتمويل والتسويق، ومن ثم
زيادة الدعم بمستوى يوازي مستوى النجاح الذي يحققه المشروع.
الرؤية والمستقبل
ان الهدف النهائي لكل رؤية يضعها أي قائد هو خدمة شعبه لذا فإن الاعتماد في صياغة
محاور الرؤية وتفاصيلها على أفكار مجموعة محدودة من الناس في عدد محدود من القاعات
والمكاتب المغلقة ليست الرؤية التي يريدها الناس. لكي تلبي الرؤية مصلحة الناس يجب
ان نعرف ما الذي يريده الناس لأنهم المستفيدون من الرؤية والمعنيون الأوائل بها.
يجب ان نعد الاستبانات المناسبة ونترك القاعات والمكاتب ونتوجه إلى الناس في
الشوارع والشركات ومجمعات التسوق ونوسع نطاق الحوار والتشاور والاستفسار ليشمل أكبر
عدد ممكن من فئات المجتمع وأوسع دائرة ممكنة من الناشطين في التجارة والصناعة
والخدمات والإدارة والتعليم وغيرها.
في المرحلة التالية يجب ان نجمع الإداريين المحليين في مواقع المسؤولية ومجموعة
مختارة من الناس مع أكبر عدد ممكن من الخبراء وأهل الاختصاص من أهم الجامعات ومراكز
البحث والدراسة والشركات والمؤسسات المتخصصة في كل فرع من فروع المال والتجارة
والتخطيط الاجتماعي والسياسي من كل أنحاء العالم، ونقدم لهم الخطوط العريضة للرؤية
ثم نعطيهم حرية مناقشتها والتحاور في شأنها في قاعات الاجتماعات وورشات العمل
وطاولات الحوار وتقديم اقتراحاتهم. ويمكن بعد كل هذا فقط ان يعيد القائد النظر في
الرؤية ويزيد أو ينقص أو يعدل ويتأكد انه فكر بكل شيء قبل ان يقدمها للناس.
ما الذي نريد تحقيقه من كل هذا؟ شيء أريد أن أسميه (التخطيط الجماعي ) planning
consensus لأنه نتاج التفكير والتحليل الجماعيين. عندما يتحقق هذا فإن الرؤية تصبح
رؤية ميدانية في الصنع وميدانية في التطبيق والأهداف. لماذا يجب ان نفعل كل هذا؟
لأننا نريد ان نعطي التنمية العمق الإنساني الذي تستحقه والأبعاد الإقليمية
والدولية لأن هذا المجال الرحب هو المجال المناسب لتطلعاتنا التنموية.
علينا أن ندرس المفاهيم الجديدة والمتغيرات المتسارعة في مجالات شتى قبل تحديد خطة
عمل واضحة المعالم لمواكبة تلك المتغيرات ومساعدتنا على تحقيق أفضل النتائج
والاستفادة من الآخرين في تطوير القدرات الذاتية في مجالات الاقتصاد والعلوم
والاجتماع والفكر بما يضمن تعزيز القدرة على المنافسة وتلبية شروط تحقيق النجاح
والازدهار.
لا يمكن تنفيذ الرؤية من دون الاعتماد على الناس، ولا يمكن ان يسهم الناس في
تحويلها إلى حقيقة ما لم يقتنعوا بها ولا يمكن أن يقتنعوا بها ما لم تستجب
لتطلعاتهم وتلبي مصالحهم وتبتعد عن التنظير والتعقيد وتتميز بالبساطة والوضوح، لذا
يجب ان يعرف كل واحد منهم بأن رأيه مهم في أي رؤية أو خطة، وأن عليه واجب الاسهام
في صنعها حتى لو بكلمة واحدة فعندها فقط يصبح المواطن والمقيم الذي يشارك في صنع
رؤية دبي جزءاً من دبي.
هذه هي خلفية رؤيتنا المرحلية لدبي حتى عام 2010 . إنها رؤية اقتصادية منهجية تتسم
بالطموح والشمول وتعتمد في جوهرها على الإنسان، ونعتقد أننا نملك الطاقات والقدرات
والرغبة والتصميم على إنجازها في الشكل الذي نتصوره.
من أهداف هذه الرؤية :
• رفع قيمة الناتج المحلي الإجمالي لإمارة دبي بنسبة 100 في المئة.
• رفع متوسط مستوى دخل الفرد في إمارة دبي بنسبة 100 في المئة لكي يصبح الأعلى في
الشرق الاوسط ومن بين الأعلى في العالم.
• تسريع عملية تنويع القاعدة الاقتصادية من خلال :
- رفع نسبة إسهام الانتاج والخدمات في الناتج المحلي إلى 70 ٪ .
- رفع إسهام النشاطات التي تعتمد على المعلوماتية والملكية الفكرية في الناتج
المحلي الإجمالي إلى 20 ٪ .
- رفع الطاقة الاستيعابية لمطار دبي الدولي من مستواها الحالي وهو 24.7 مليون راكب
سنوياً لتصل لاحقاً إلى 120 مليون راكب سنوياً.
- زيادة عدد السياح ليصل إلى 15 مليون سائح وما يستلزمه ذلك من دعم الأسطول الجوي
لطيران الإمارات وفتح خطوط جوية جديدة وزيادة مراكز التسوق والتسهيلات والمنشآت
الفندقية والسياحية والترفيهية وتطويرها.
• إفراد دور محوري لبنات وابناء الإمارات في الرؤية من خلال تنفيذ عدد من المبادرات
المركزة التي ستعزز ثروتنا البشرية وتسهم في احتضان الأفكار ورعاية المشاريع
الناشئة وإعداد كوادر مواطنة قادرة على تحمل مسؤولية التطوير.
• الالتزام بمواكبة التنمية الاجتماعية التنمية الاقتصادية للمساعدة على صنع
التوازن الأمثل في المجتمع وتعزيز دور المرأة فيه وتأكيد القيم الاجتماعية وإشاعة
روح التسامح ونبذ التحامل وفق ما يحضنا عليه ديننا الإسلامي الحنيف وأخلاقنا
العربية وتراثنا المجيد.
• تعزيز قدراتنا على المنافسة دولياً من خلال :
- تطوير قطاع الخدمات بما يضمن استمرار الامتياز.
- تنفيذ عدد جديد من المشاريع الاستراتيجية مع التأكيد على أهمية إنجازها في
أوقاتها المحددة لأن المستفيد الاول هو الذي ينفذ أولاً، ولأن الوقت أهم ما يملكه
الإنسان ويمكن تعويض كل شيء آخر إلا الوقت.
- متابعة التركيز على تطوير قطاعي التكنولوجيا والاتصالات.
- دعم مركز دبي في صناعة المال والاستثمار العالمية من خلال توفير البنية الأساسية
عالية المستوى لجذب كبار المستثمرين الدوليين في هذا المجال وتسهيل حركة تدفق رؤوس
الأموال وتطوير سوق مالية إقليمية فاعلة وتشجيع عودة رؤوس الأموال العربية
المهاجرة.
- مساعدة القطاع الخاص على الازدهار من خلال إزالة المعوقات وتوسيع الاسواق وفتح
الاسواق الجديدة وزيادة فاعلية القطاع العام وتطوير البرامج والمهرجانات التي تزيد
الانتاج والحركة التجارية والسياحية.
أعرف ان هذه اهداف طموحة لكني أعرف مكامن قوتنا وضعفنا وأعرف قدراتنا جيداً ولا
اقترح شيئاً لا نستطيع تحقيقه. أذكر عندما قدمت رؤيتي لإقامة مدينة دبي للإنترنت
والحكومة الإلكترونية وتطوير التجارة الإلكترونية فإن كثيرين قالوا أن إنجاز هذه
المشاريع خلال الفترة الزمنية القصيرة التي اقترحتها مستحيل لأن هذا درب جديد لم
يسر عليه أحد في المنطقة من قبل. لكنني كنت دائماً متفائلاً، وتمكنا في النهاية من
تحقيق كل أهدافنا كما توقعناها باسهام مجموعة من فرق العمل المتميزة التي تحب عملها
وتفتخر به، وبإسهام إدارة متمرسة استوعبت دورها ومسؤولياتها جيداً ونهضت بأعباء
المهمة الصعبة التي وقعت على عاتقها.
إنني سعيد بما توصلنا إليه لكن قلت وأقول دائماً هذه بداية لذا فإن تحقيق أهداف
رؤية 2010 يستوجب منا متابعة العمل بروح الفريق التي كانت طابع عملنا في دبي وأحد
أهم عوامل النجاح في الماضي، واستكمال اتجاهنا الحالي لتعميق دور اقتصاد المعلومات،
وتحويل المجتمع إلى مجتمع معرفي، وستكون الأفكار المبدعة أحد أهم العناصر للوصول
إلى تلك الأهداف. إنها أيضا اختبار عملي للتأكد من سلامة خطواتنا وتخطيطنا في
الماضي. كيف نعرف في المستقبل أننا وصلنا إلى غايتنا؟ عندما نحقق النجاح في إنجاز
أهداف الرؤية وعندما يعترف بنا العالم كأعضاء فاعلين في المجتمع الدولي ونقدم
نموذجاً ناجحاً لأمتنا العربية تسترشد به وتقتدي.
خلف رؤية عام 2010 لدينا رؤية استراتيجية تنموية بعيدة الأمد حددنا اتجاهها
انطلاقاً من رؤية 2010 تشمل الفترة حتى عام 2050، ونأمل مع الزمن ان تتبلور رؤية
جديدة تأخذ دبي إلى أبعد من ذلك. إن أهم معالم هذه الرؤية تحقيق معدل نمو مرتفع
وزيادة المشاركة في النشاطات التجارية والاستثمارية العالمية، والعمل بفاعلية في
الإطار الاتحادي لتقويته وتطويره وتعزيز عمقنا الاقتصادي في الدولة والخليج وباقي
الدول العربية والعالم.
من مرتكزات هذه الرؤية الاستمرار في تطوير اقتصاد دبي بشقيه التقليدي والجديد
وتحقيق أفضل تكاملية ممكنة بين القطاعين الخاص والعام، وتعزيز المكانة التجارية
الدولية التي تمتاز بها دبي كواحدة من أهم المعابر والمنافذ التجارية في العالم،
وتحويل الإمارات إلى مركز عالمي جذاب للصناعات التحويلية عالية التقنية من خلال
تدريب كوادر قادرة على تقييم وإدارة المشاريع الصناعية وتسويق منتجاتها بفعالية في
الأسواق العالمية، واستغلال الفرص التي يقدمها انتقال الصناعة الدولية إلى مراكز
الانتاج ذات الفاعلية الأكبر والكلفة الأقل.
إن الدورة الاقتصادية المقبلة ستتميز بنشاطات جديدة تتطلب درجة عالية من التخصص
والفاعلية والتركيز، ونعمل لتوفير البيئة المثالية لكي تصبح دبي في المراكز
العالمية للشركات التي تنشط في هذه المجالات، وللتعامل بمهنية مع الأدوات والأساليب
التي ترفع قدرتنا على المنافسة في عالم لا يعرف اقتصاده الحدود ولا السدود ولا
الحماية. من أهدافنا الأخرى :
• جعل الإمارات المركز المفضل للمال والأعمال والتجارة والسياحة والتأمين والخدمات
خلال الخمسين سنة المقبلة.
• جعل الإمارات من دول الصف الأول في اقتصاد المعلومات والأسواق الافتراضية ومركزاً
عالمياً لتقنية المعلومات من خلال تطوير الإمكانات الوطنية ومتابعة إبرام الشراكات
الاستراتيجية لاستقطاب كبار الناشطين في هذا القطاع، وشركات تطوير التكنولوجيا،
وتلك المتخصصة في وضع التصورات الإبداعية والأفكار الجديدة، واصحاب الخبرات
والمواهب المتخصصة ذات المستويات العالية.
• جعل الإمارات مركزاً خليجياً وعربياً وعالمياً متميزاً للتدريب والتأهيل واكتساب
الخبرات المتقدمة ومهارات التعامل مع التقنيات وأنظمة الاتصالات الجديدة.
• جعل الإمارات مركزاً للريادة في الاقتصاد الجديد.
• التأكيد على الأمن والاستقرار وسيادة القانون في الدولة واستخدام كل المنابر
والمحافل المناسبة لإزالة أي انطباعات عن أي مخاوف من الاستثمار في الدولة.
• تطوير دور الدولة إقليمياً وعالمياً واستمرار تفردها كمركز للامتياز.
العالم الأوسط
معظم الاقتصادات الرئيسية في المنطقة التي نطلق عليها عموماً اسم (الغرب) وصل إلى
مستوى متقدم من النضج وحقق درجة عالية من الاستيعاب والتقارب النسبي في مستويات
التقنية والفاعلية واستغلال الموارد بأنواعها والتزام القوالب والممارسات
الاقتصادية المتشابهة. ورغم وجود فوارق كثيرة، بعضها مهم، بين هذه الدول فإنها تشكل
في مجموعها كياناً اقتصادياً له سماته الخاصة. ويقابل هذا الكيان اقتصاد له سمات
منفصلة في شرق العالم الأقصى، أي في دول مثل اليابان والصين وسنغافورة وهونغ كونغ
وغيرها.
وبين غرب العالم وشرقه هناك كتلة اقتصادية أوسطية تتألف من اكثر من 30 دولة لا
تنتمي في قسم كبير من أشكال تكوينها التنموي وأنماطها الاقتصادية إلى أي من
الكتلتين الأخريين تضم دول مجلس التعاون الخليجي وشبه القارة الهندية وشمال الخليج
وآسيا الوسطى وبلاد الشام وتركيا وقبرص وشرق افريقيا وشمالها، أي في المنطقة
المعروفة باسم منطقة العالم الاوسط الاقتصادية : The Central World Economic Zone
(CWEZ) .
وينطبق على هذا القسم من العالم ما ينطبق على العالمين الآخرين من جهة تفاوت مراحل
النمو بين دولة وأخرى وتباين أنظمتها السياسية والاقتصادية وتركيبتها الاجتماعية
والعرقية وقدراتها وطاقاتها ومواردها البشرية والمالية. لكن مهما تختلف الزاوية
التي ينظر منها المرء إلى هذا العالم الأوسط فإنه سيكتشف كياناً يشكل ثلث العالم
تقريباً في عدد سكانه الذي يقترب من ملياري نسمة ومع ذلك فإن قيمة ناتجه المحلي
الإجمالي تقدر نحو 1.5 تريليون دولار، أي 12٪ من قيمة الناتج في الولايات المتحدة
(12.4 تريليون) ونحو 40 ٪ من الناتج الإجمالي لليابان الذي يزيد على 3.8 تريليون
دولار بينما تقدر قيمة تجارته المنظورة بنحو 700 مليار دولار.
أحد أهم الفوائد التي تقدمها دراسة تاريخ الشعوب أنها يمكن ان تعطي مؤشراً، أو
مؤشرات، محتملة لما يمكن ان يحدث في المستقبل. إن منطقة العالم الأوسط مهبط كل
الديانات السماوية ومهد أهم الحضارات التي عرفها العالم، وموطن مجموعة من أهم مراكز
الحضارة والفكر والعلوم والتجارة والبناء. التاريخ الصحيح سجل الإنسانية لذا فإن
عمره لا يقاس بعمر الأجيال، وفترة مئتين أو ثلاثمئة سنة ليست أكثر من غمضة عين في
نظر التاريخ، وربما فتحها بعد ذلك وإذ بمواطن العصر الذهبي القديم في الحضارة
الإنسانية مواطن العصر الذهبي الجديد.
المكونات التي صنعت في هذه المنطقة العصر الذهبي للحضارة الإنسانية قبل الف عام هي
المكونات الموجودة نفسها اليوم. وشعوب العالم الاوسط التي صنعت العصر الذهبي هي
الشعوب نفسها، وأبناؤها في الحاضر ليسوا أقل ذكاء وابتكاراً من أجدادهم قبل عشرة
قرون، لذا لا يوجد في العالم الأوسط ما يمنعه من تحقيق تقدم اقتصادي يعادل التقدم
الموجود في الكيانين الآخرين إذا توصل إلى الصيغ التنموية المناسبة، ويمكن بسهولة
تصور الإمكانات الهائلة التي تعد بها هذه المنطقة في المستقبل عندما لا تقتصر حصتها
من العالم على ثلث عدد سكانه بل على ثلث ثروته.
أين برهاننا على إمكان حدوث مثل هذا التقدم؟
الإمارات.
لقد إنجزنا البنية الأساسية للاقتصاد الجديد وطورنا الخدمات، ونحن نواكب اتجاهات
التحولات الجذرية في الاقتصاد العالمي ونتفاعل معها بوعي وكفاءة وسرعة لهدف كبير هو
ترسيخ مكانة الإمارات على المستويات كافة وتعزيز دورها كبوابة دولية للمال والأعمال
والتجارة والتقنية والسياحة، لذا نعتقد ان ما حققناه وما سنحققه في المستقبل برهان
على إمكان تكرار هذه التجربة في دول العالم الأوسط الذي يحيط بدبي وبالإمارات. أبعد
مسافة تفصلنا عن هذه الدول يمكن قطعها في نحو أربع ساعات طيران، وكل مواطني تلك
الدول أشقاء أو جيران أو شركاء في بناء الحضارة والتجارة منذ مئات السنين. دبي حققت
الكثير وأمامها الكثير الذي سيتحقق بإذن الله وأثبتت أنها تستطيع مضاهاة الموجود في
أكثر الدول تقدماً لذا نعتقد أننا نقدم لدول العالم الأوسط نموذجاً تنموياً مناسباً
يمكن تعديله وتبنيه وفق ما تقتضيه الظروف المحلية، ونعتقد أنها مثال مناسب، وعنصر
تغيير إيجابي تستطيع المنطقة التطلع إليه باطمئنان لأننا جزء لا يتجزأ من هذا
الكيان العملاق.
دبي كانت محطة على الطرق التجارية بين الشرق والغرب لكنها الآن محطة نهائية تبدأ
منها الطرق المؤدية إلى الجهات الأربع. دول العالم الأوسط تحتاج إلى عاصمة اقتصادية
ولا نعتقد فقط أننا نستطيع القيام بهذا الدور لأننا نملك البنية الأساسية ذات
المستوى العالمي بل لأننا نؤدي قسماً مهماً منه الآن، وسنواصل تطويره في المستقبل
إلى ان تتحول دبي إلى عاصمة اقتصادية للمنطقة.
ما هو الإثبات ؟
عدد الرحلات الجوية بين دبي وحيدر آباد ومومباي (بومباي) يزيد على عدد الرحلات بين
حيدر آباد ومومباي. عدد الرحلات بين دبي وبريطانيا (92 رحلة اسبوعياً) يماثل عدد
الرحلات بين بريطانيا وكل العواصم العربية، ونسير 49 رحلة أسبوعياً إلى استراليا
وسنستمر في توسيع شبكتنا التي تضم 78 محطة في 54 بلداً. إن قسماً كبيراً من 24.7
مليون مسافر تحط طائراتهم في مطار دبي الدولي يستخدمون دبي (منصة) ينطلقون منها إلى
دول أخرى للتجارة وأداء الأعمال وعقد الصفقات وإدارة المشاريع، والشركات الموجودة
في دبي تتعامل مع تجار من الهند وباكستان وافريقيا والدول العربية وعشرات الدول
الأخرى بينما البضاعة موجودة في كل دول العالم، وهناك شركات دولية كثيرة تخدم منطقة
العالم الأوسط من خلال مراكز التخزين والتوزيع وخدمات ما بعد البيع الموجودة في
دبي.
إن من يستعرض النشاط التجاري لإمارة دبي خلال السنوات الخمس الماضية سيرى التغير
الكبير الذي طرأ على تكوينه في اتجاه تحقيق الدور الذي نريد لدبي أن تعلبه في
المستقبل. ومنذ سنوات قليلة فقط كان أهم شركاء دبي التجاريين بالنسبة للواردات
الدول التجارية التقليدية الكبيرة مثل اليابان والولايات المتحدة وألمانيا
وبريطانيا وفرنسا لكن الصين حلت أولاً في العام 2004 (18 مليار درهم) وبعدها الهند
(17 ملياراً) ثم اليابان (10 مليارات) بينما احتلت الولايات المتحدة وألمانيا
وبريطانيا وفرنسا المراكز اللاحقة. وفي الوقت نفسه نجد أن معظم أكبر عشرين دولة في
تجارة الصادرات وإعادة التصدير موجود في دول العالم الأوسط مثل الهند (2.1 مليار
دولار في 2004)، وإيران والعراق واليمن والسعودية واندونيسيا وتركيا وباكستان
والصومال وتنزانيا وغيرها.
أعتقد أن دبي لا تقدم لكل تلك الدول مركزاً اقتصادياً متميزاً يستطيع تلبية حاجاتها
التنموية فقط بل تقدم لها الأمل في إمكان تحقيق التنمية المتميزة بالتفاؤل نفسه
والعزم والثقة بالنفس والشجاعة. كل ما يتطلبه نهوض هذه الدول مرة أخرى موجود :
المصادر الطبيعية، المال، البشر، المواهب، المهارات، الطاقات، روح التجارة الحرة،
القدرة على التطوير وصنع الثروة، السوق الاستهلاكية الكبيرة وغيرها. ما ينقصها هو
وعي مكامن قوتها وقدراتها والالتزام المناسب لاستخدام كل هذه العناصر لصنع العصر
الاقتصادي الذهبي الجديد.
العــرب
في العالم الأوسط عالم أصغر يختلف في معظم هياكله ودرجات نموه وعلاقاته الاقتصادية
عن الغرب والشرق إلا أنه يتميز مثل باقي دول العالم الأوسط بتوافر كل العناصر
الضرورية لصنع عصر ذهبي جديد، ويضيف إلى ذلك تمتعه بمكونين من أربعة مكونات أساسية
لصنع الدول القوية هما الدين واللغة المشتركين، بينما لا يزال يفتقد المكونين
الآخرين وهما العلم الواحد والقيادة القوية.
لا توجد في العالم العربي فجوة حضارية أو ثقافية أو عرقية، أو ذاك الاختلاف الكبير
في العادات والتطلعات والأذواق والسلوكيات الاجتماعية والاستهلاكية الموجود في
العوالم الأرضية الاخرى. لكن ما لا يوجد فيه هو الوعي الكافي بأن استمرار انجذاب
الدول الأخرى المحيطة بهم إلى التجمعات الاقتصادية والاستهلاكية الأبعد يفرزهم
تدريجياً عن الكتل الأخرى وينذر بمخاطر قادمة. إنه ينحسر بعيداً عنهم ليبقيهم جزيرة
معزولة لا تمتد بينها وبين المناطق الأخرى الجسور التجارية والاقتصادية التي كانت
قائمة في الماضي. أين هو العمق الاقتصادي العربي اليوم؟ ما هي قيمة التجارة البينية
بين الدول العربية؟ ماذا حل بفكرة السوق العربية الواحدة؟ إن لم يكن الجواب على هذه
الأسئلة : لا شيء، فهو ليس كثير البعد عن لا شيء. لا يوجد تعاون إقليمي كما يجب،
ولا يوجد تعاون عربي كما يجب، ولا تعاون كما يجب بين العرب وجيرانهم أو بين العرب
والعالم.
يوجد بيننا من احتراف تذكيرنا بنقائصنا ونقاط ضعفنا كأنه الوحيد الذي يعرفها، لكننا
لا نريد مزيداً من الطاقة السلبية. نريد ان نكون إيجابيين ونريد أن نكون متفائلين
ونريد ان نحقق الرؤى الاقتصادية ونفوز لذا نريد من يذكرنا بنقاط قوتنا ويدلنا على
النماذج التنموية التي تصنع من الرؤية واقعاً. مثل الغزال والأسد في مطلع هذا
الكتاب لدبي والإمارات أولاً لكنه كل العرب أيضاً. الغرب متقدم علينا باقتصاده لا
بحضارته، وأساس هذا التقدم إتقان استخدام الآلة. معظم المشاكل في الدول العربي
نمطية مما يعني أن حلها في دولة يسهل حلها في دولة أخرى، وما لا يمكن حله الآن يمكن
حله في المستقبل لذا المهم ان نبدأ لأن الوقت المثالي لبناء التنمية دائماً هو
الآن.
نحن في دولة الإمارات كنا لا نملك الكثير وبقيادة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان،
طيب الله ثراه، صرنا نملك كل ما تطمح إليه الدول المتقدمة : التجارة سليمة والصناعة
سلمية والزراعة والأمن والاستقرار. الدول التي كانت تتخطانا في التنمية والازدهار
أصبحت خلفنا الآن وبدأنا نضاهي الامتياز في الدول المتطورة.
لا تقولوا رجاء ان دبي مدينة وان الإمارات دولة نفطية صغيرة لذا تستطيع ان تفعل كل
هذا. الرؤية الصحيحة والفاعلية وإتقان استخدام الموارد المالية والبشرية لا علاقة
لها بالحجم أو النفط. توجد دول نفطية كثيرة لا تحتمل درجة نموها المقارنة بنمونا،
والشركة الصغيرة التي تحقق الأرباح العالية أفضل بكثير من الشركات العملاقة التي لا
تحقق الربح. أعمدة نهضة الغرب خلال الحروب الصليبية وبعدها قامت على المدن :
البندقية وجنوا ومارسيليا وبيزا وغيرها، وأكبر نسب النمو في العالم يتحقق في
اقتصادات المدن مثل دبي وهونغ كونغ وسنغافورة بينما تقود حفنة من المدن مثل نيويورك
ولندن وفرانكفورت اقتصادات الدول الموجودة فيها وتهيمن على حركة المال والاستثمار
في معظم دول العالم الأخرى.
قلت في مكان سابق أن هناك فرصة تاريخية لكي يفيق العالم العربي من غفوته ويصبح رؤية
وحقيقة. أعتقد أن قدر هذه الأمة هو ان تصبح أمة عظيمة مرة أخرى، وليس مهماً في هذه
المرحلة بالذات التقرير ما إذا كان هذا الاعتقاد حلماً أو رؤية. كل سنوات تخلفنا
الماضي غمضة واحدة من عين التاريخ. هل هذه نظرة تفاؤلية؟ طبعا لكنه تفاؤل الحقائق
وليس تفاؤل الأوهام. لدينا كل شيء لبناء صرح كبير لكن هذا لا يعني شيئاً على
الإطلاق الآن. الدعائم قوية لكنها ممددة على أجنابها، والنوافذ كبيرة لكنها مغلقة،
والجدران عالية لكنها تفصل بين بعضنا بعضاً لذا يجب ان نجد القيادات المناسبة التي
ترفع هذه الدعائم نحو السماء وتفتح النوافذ على العالم وتنقب في الجدران الأبواب
التي يطل منها العربي على العربي للاشتراك في صنع التنمية الصحيحة. هل نستطيع ان
نفعل هذا؟ أنا واثق أننا نستطيع لكن علينا أولاً ان نستعيد تلك الخصلة التي أضعناها
: الريادة.
الريادة في القيادة : على القائد العربي ان يكون وفياً لشعبه وبلده، وملتزماً
بتحقيق أحلام وطموحات شعبه وفق رؤية واضحة تواكب العصر.
الريادة في المجتمع : يجب ان نزيل مظاهر التخلف وكل العتيق والبالي الذي لم يعد
مناسباً اليوم. يجب فتح الحوار مع الحضارات الأخرى، ويجب إزالة كل أوجه سوء الفهم
وتعزيز التعاون والصداقة مع الشعوب الأخرى، ويجب تحقيق الريادة في الصناعة والتقنية
والتجارة والتعليم والثقافة وكل شيء آخر.
انسوا الضوضاء الصاخبة من حولنا، وتجاهلوا التهديدات، وصموا آذانكم عن حديث الحروب
والتوتر، والكلام الفارغ عن صراع الأديان والحضارات. المنطقة مقبلة على ازدهار
اقتصادي لم تعرفه من ألف عام ولا تحتاج إلى جهد غير عادي لاستكمال وصفة صنع الدول
العظمى : الأمن وسيادة القانون والقرارات الاقتصادية الصابئة والابتعاد عن الارتجال
في التخطيط والتنفيذ والكف عن لوم الآخرين على قصور نحن سببه الأول. إرضاء الناس
شيء وإرضاء مصلحة الوطن شيء آخر، والاستفادة من حناجر الناس وهتافاتهم يجب ألا تصبح
سياسة مقصودة في هذه المرحلة. الإدمان على إضاعة الفرص العظيمة علاجه العودة إلى
اقتناص الفرص المتاحة وإتاحة المجال لصناعة الفرص التنموية الأعظم، والسياسة التي
يجب استقصادها والإصرار عليها هي إعداد أنفسنا للسباق الاقتصادي الكبير والفوز في
هذا السباق.