الصفحة الرئيسية
الكُتب والمراجع والحقوق
عدد الأقسام : 6
عدد المقالات : 224
عدد زوار المقالات : 177148
المتواجدين حاليا :
 
البحث فى المقالات
 
 
الصفحة الرئيسية » الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم - رؤيتي » خاتمة الكتاب
تاريخ الإضافة :: 23/01/2007   ||   عدد الزوار :: 993

خاتمة الكتاب


مع إطلالة كل صباح في افريقيا يستيقظ الغزال مدركاً أن عليه ان يسابق أسرع الأسود عدواً وإلا كان مصيره الهلاك. ومع إطلالة كل صباح في افريقيا يستيقظ الأسد مدركاً ان عليه ان يعدو أسرع من أبطأ غزال وإلا أهلكه الجوع. لا يهم إن كنت أسداً أو غزالاً فمع إشراقة كل صباح يتعين عليك ان تعدو أسرع من غيرك حتى تحقق النجاح.
تحقيق النجاح يتطلب القرار الصائب في الوقت الصائب والقرارات الصائبة خلال معظم نصف القرن الماضي أساس نجاح دبي، ونحن واثقون من ان القرارات الأحدث ستكون أساس نجاح دبي في المستقبل. من حق كل إنسان ان يحلم وان تكون له رؤية وهدف ووقت معين للوصول إلى هذا الهدف. كل القيادات تحلم لكن القائد الحقيقي هو الذي يجعل الحلم رؤية والرؤية حقيقة. الرؤية هي التنمية لكنها الشجاعة وفعل المستحيل أيضاً. إنها تقول : نستطيع أن نفعل كل هذا. إنها الثقة بالله ثم بشعبنا ثم القول : سنحقق كل هذا بإذن الله. إنها وضوح الهدف ثم تحقيقه بعزم وفاعلية وسرعة. إنها الإصرار على استمرار العمل إلى ان يرى أبناؤنا بلدهم وقد أصبح يضاهي أبرز المراكز الاقتصادية في العالم.
أعتقد أنني قدمت في هذا الكتاب براهين كافية تؤهلني للقول باطمئنان ان هدف تحقيق الامتياز هدف واقعي يمكن تحقيقه. أعتقد أيضاً ان الانتقال بالإمارات من دورها كمركز اقتصادي إقليمي إلى دورها الإضافي كمركز اقتصادي عالمي تطور طبيعي لأن الازدهار الاقتصادي الذي ننعم به في دولة الإمارات أصبح يحتاج إلى زخم جديد يحد من الاعتماد على الموارد الطبيعية ويعظم الاعتماد على الخدمات المتميزة والسياحة واقتصاد الفكر والمعرفة والطاقة البشرية ويحقق معدلات التنمية التي نطمح إليها. إلا اننا لا نريد في الوقت نفسه ان نجد أنفسنا في المستقبل رهن أي مصدر أساسي للدخل مهما يكن لذا يجب ان نعمل من الآن على تنويع المكونات الاقتصادية في أوسع حلقة ممكنة والاستعداد دائماً لاقتناص الفرص وصنعها.
منذ زمن ليس ببعيد كان هدفنا اللحاق بالركب وقد تجاوزنا بنجاحاتنا هذا الهدف بكثير. نريد الآن الريادة. نريد هذه الريادة كاملة لا نقصان فيها ولن نرضى عنها بديلاً، ثم سنريد استبقاءها لنا ولجميع العرب. للحاق بالركب ثمن ولتحقيق الريادة ثمن آخر أكبر بكثير. تعلمنا من أجدادنا أن اللؤلؤ لا يطفو على السطح. يجب ان نغوص من أجله، لذا يجب ان نكون مستعدين لكل شيء.
لقد أثبتت الإمارات أنها تستطيع تحويل الأفكار إلى حقائق والمنطقة الحرة في جبل علي وطيران الإمارات ومركز دبي المالي العالمي وعشرات المشاريع المتميزة خير دليل على ذلك. إن العالم المقبل عالم مثير ستكون الريادة فيه لمن يملك البدائل المناسبة والمرونة والإبداع والأفكار الخلاقة والاستعداد السريع للتأقلم مع التغيير. لا توجد دولة في العالم لا تريد ان تحقق الريادة، ولا توجد دولة لم تستعد للسباق الكبير القادم الذي يمكن أن يتحول إلى أكبر سباق اقتصادي عرفه العالم حتى الآن.
أعتقد أن هدف تحقيق الفوز في هذا السباق جواب مناسب عن سؤال سمعته من كثيرين هو : هذه التنمية السريعة المتسارعة التي تقودها في دبي إلى أين؟ ، لكنه ليس الجواب الوحيد. الأجوبة الأخرى تتصل بنوع التربية التي نشأ عليها الإنسان، وما هو حافزه في الحياة وماذا يريد منها بالضبط. إذا كان حافزي هو تقدم شعبي وبلدي ووضعهما في المكان الذي يستحقانه فأين عليّ ان أتوقف يا ترى، وما هو نوع هذا التقدم الذي سنحققه ان توقفنا؟
البعض كان يمزج شكوكاً سمعها بحقائق يراها بعينيه ويسأل : أنت صاحب رؤية تنموية لدبي فماذا سيحدث لهذه الرؤية لو غاب صاحبها لأي سبب من الأسباب؟
وراء هذا السؤال الذي يعتبره البعض كبيراً سوء فهم صغير. صحيح أنني أدير وأوجه وأخطط وأساهم في التنفيذ لكن أريد هنا أن أوكد للجميع ان محمد بن راشد لم يكن يستطيع القيام بأي شيء لولا الثقة التي وضعها إخواني فيّ ولولا تأييدهم ودعمهم المستمر. محمد بن راشد ما كان يقدر على فعل أي شيء من دون فرق العمل التي يقودها ومن دون دعم القطاع الخاص. أنا لم أحقق بذاتي كل هذا النجاح، هم الذين حققوه. من أقصد بـ (هم)؟ كل فرد في كل قسم من كل دائرة حكومية، وكل تاجر في القطاع الخاص وكل ناشط فيه وكل من أسهم معنا في تحقيق ما سبق من أهدافنا في أي قطاع أو مكان وُجد فيه.
إذا تفاخر الإنسان بما وجد قصر بما لا يوجد ونحن في بداية الطريق. الوقت ليس وقت من يريد أن يثب ويرفع يده ويقول : (أنا! ، أنا!) فالمسيرة مستمرة والعمل الذي ينتظرنا أضعاف أضعاف العمل الذي أديناه حتى الآن، لكن يجب ان أعطي القطاع الخاص حقه وأقول إن ما تحقق لا تقدر الحكومة على تحقيقه مهما تبلغ قوتها لذا فإن النجاح نجاح للقطاع الخاص أولاً ثم للحكومة وكلاهما وجهان لنجاح واحد هو نجاح دبي والإمارات وكل من يتمنى النجاح لنا ونتمناه له.
أنا سألت نفسي السؤال ذاته الذي سمعته من آخرين وتوصلت إلى الجواب واطمأننت إلى صحته لذا لم أطرحه إلى نفسي مرة أخرى.
ماذا سيحدث للرؤية إن غاب صاحب الرؤية؟
لا شيء.
رؤيتي لدبي أصبحت رؤية دبي لنفسها لذا ستستمر لان دبي ستستمر.
البعض الآخر كان يمزج شكه بيقينه ويسألني ان كنت مقتنعاً بقولي أن دبي تستطيع منافسة مراكز التميز الدولية في أميركا وأوروبا واليابان. جواب الآن هو جوابي نفسه في الماضي : ليس عندي أدنى شك بان دبي قادرة على الوصول إلى هذه المرتبة وستصل إن شاء الله وهذا أقوله بكل حزم وثقة وقوة. لكن هذا ليس هدفنا النهائي.
نحن لسنا في سباق مع الآخرين فقط بل في سباق مع أنفسنا وفي سباق مع الزمن. الدنيا فرص تغتنم ولا تترك، والتنمية لا تتوقف لذا ليس لها أين أو متى. دبي جزء من الإمارات والإمارات جزء من العالم العربي والعالم العربي جزء من العالم لذا فإن الرؤية بلا حدود لأن الأفق بلا حدود فكلما اقترب الإنسان منه رسم الافق لنفسه حدوداً جديدة يجب على صاحب الرؤية ان يواكبها بتطلعات جديدة لكي يسهم هو وبلده في صنع الفرص الإنسانية الواسعة.
سندفع الرؤية في طريقها الصحيح وسنطورها دائماً ومن يأتي بعدنا لا بدّ ان يتابع الطريق ومن بعده ومن بعده إلى ان يرث الله الأرض ومن عليها. هل ستكون الرؤية نفسها؟ طبعاً لا. رؤيتي اليوم ليست الرؤية الأولية نفسها قبل عشرين عاماً، ولا يمكن ان تنفتح الرؤية على التقنيات الحديثة والتجارة الإلكترونية والإنترنت والعولمة ثم تبقى كما هي لأنها إن بقيت كذلك فستكون رؤية متخشبة لا مرونة فيها ولا أفق لها لذا لن تناسب العصر ولن تناسب الناس.
عندما تتغير الرؤية ستتغير خطة العمل وطرق التنفيذ. كل فرق العمل التي أديرها في عملية التنمية اعتمدت الطرق الحديثة واستوعبت الخبرات والمعرفة المتراكمة بسرعة ووظفتها في خدمة أهدافنا فازداد الإنتاج وصار الإنجاز أسرع بكثير من ذي قبل.
أريد لقادة الفرق والإداريين الكبار اكتساب كل المعارف والمهارات الممكنة في أوسع نطاق ممكن، وعندما أنقل أحد هؤلاء إلى قطاع جدي سيحمل معه المهارات والخبرات التي اكتسبها في قطاعه السابق ويضيف إليها. هذه عملية لا تتوقف لذا فإن اكتساب المهارات لا يتوقف ومثله التوجيه المستمر وزيادة الفاعلية واختصار الوقت والجهد والتكاليف.
وما هي المحصلة النهائية لكل هذا؟
لو دارت دورة الزمن لاستطعنا الآن أن نحقق كل ما حققناه خلال العشرين سنة الماضية في خمس سنوات فقط، إلا أن اكتساب الخبرة لم يتوقف لذا سنضاعف خلال السنوات الخمس المقبلة كل ما حققناه خلال العشرين سنة الماضية.
إذا استعظم البعض علينا هذا الهدف الجديد واتهمونا بأننا نقضم أكثر مما نستطيع بلعه ثم عادوا وسألوا : إلى أين يا دبي؟ سأقول لهم الآتي :
هل تعرفون دبي جيداً؟ هل تعرفون كل الإنجازات التي حققناها خلال العشرين سنة الماضية؟ هل تثقون بمصداقية دبي التي يثق العالم بها اليوم؟ إن كنتم تعرفون كل هذا فاسمعوا : لا توجد في دبي اليوم دراسة تنموية دقيقة لا لأننا لا نستطيع ان نعدّ مثل هذه الدراسات بل لأن الدراسة لا تنتهي على الورق إلا وكانت وتيرة الإنجاز التنموي على الأرض تجاوزتها بأشواط.
إن لم تعط هذه الحقيقة فكرة عما سيحمله المستقبل إلى دبي فاسمعوا :
الحياة فرص، والفرص الكبيرة لا تطرق الأبواب فمن يريدها عليه ان ينتزعها انتزاعاً ويكتسبها لشعبه ولنفسه، وعلى الإنسان ان يتسلح بروح القوة وصلابة الإرادة والعزيمة والرغبة في انتزاع الفرص الكبيرة لكي لا يعيش على فتات الأسود.
لن أرك فرصة في انتظار فرصة أخرى لكننا لم نصل إلى المركز الذي نتمناه. كل ما وصلنا إليه لا شيء بالنسبة لرؤيتي. كل ما ترونه ليس إلا بداية الطريق. كل ما ترونه مواقف صغيرة تؤدي إلى المحطة الكبيرة، وكل ما ترونه مجرد لبنات القاعدة التأسيسية لما هو قادم ومنها سنصنع الصرح الكبير الذي أريده لشعبي ثم سأتمنى من الباقين ان يفعلوا الشيء نفسه في الدول العربية الأخرى لكي نبني التنمية العربية المتميزة، وهذه يد الإمارات بيدكم فلنبدأ.
أعرف ان الطريق إلى ما نخطط له من التنمية والتحديث والبناء شاق وأعرف أنه طويل وأعرف ان المراحل القادمة أصعب وأطول وأهم لكنني أؤمن بربي ثم أثق بشعبي وبحكمة قيادتي وبمستقبل أمتي وأنا واثق من أننا سنحقق كل أهدافنا بإذن الله. رؤيتنا واضحة وطريقنا ممهد والساعة تدق، ولم يبق مجال أو وقت للتردد أو أنصاف الأهداف والحلول. كثيرون يتكلمون ونحن نفعل، والتنمية عملية مستمرة لا تتوقف عند حد، والسباق نحو التميز ليس له خط نهاية.

عودة »»