التجارة ثم التجارة
كما أسلفنا فقد كان اهتمام الشيخ راشد منصباً على توفير مناخ ملائم للتجارة بهدف
العمل على جذب التجار والشركات والمؤسسات العالمية فقد كان اهتمام الشيخ راشد منصباً
على توفير مناخ ملائم للتجارة بهدف العمل على جذب التجار والشركات والمؤسسات
العالمية إلى دبي لإنشاء مقار لها، وكان الشيخ راشد يعلم جيدا ان الطريق لتحقيق مثل
هذا الامر لم يكن سهلا، ولكنه ايضا ليس بالمستحيل مع العمل الجاد الدؤوب. فقد كانت
الفترة التي واكبت الحرب العالمية الثانية والتي تلتها فترة عصبية على المنطقة
والعالم بأسره، فكيف يمكن الخروج بالبلاد من تلك الأزمة بأقل الخسائر الممكنة؟ ثم
كيف يكون العمل على تحقيق الهدف بجذب رؤوس الأموال والتجار إلى دبي؟
أسئلة لا يسهل الإجابة عليها، وخاصة إذا ما علمنا ان الإمكانات المتاحة وقتها لم
تكن كبيرة مقارنة مع مناطق أخرى كسنغافورة وهونغ كونغ، وإيران وغيرها، ولكن على ما
يبدو ان الشيخ راشد كان يحمل في نفسه الإجابة على تلك الاسئلة.


أدى الحظر الاقتصادي الذي فرض أثناء الحرب العالمية الثانية إلى الاضرار بمشاريع
التنمية في الخليج، وكان من الصعب تحقيق قدر من التنمية في ظل تلك الظروف المشددة.
وكان الشيخ راشد يعلم تماما ان وجود نظام مصرفي متطور يعد عاملا مساعدا وفعالا في
دعم الاوضاع التجارية في دبي، فبذل محاولات عديدة أثمرت في عام 1954م موافقة (إمبريال
بنك اوف إيران) الذي عرف فيما بعد باسم (البنك البريطاني للشرق الاوسط) على إنشاء
مقر له في دبي، وقد اشترط البنك في البدء ان يحصل على امتياز احتكار العمل المصرفي
لمدة خمسة وعشرين عاماً، وكانت تجربة البحرين في هذا الصدد ماثلة في ذهن الشيخ راشد،
فنجح في تخفيض الاتفاق إلى عشرين عاماً، على ان يقوم البنك بتشغيل موظفين وكتبة من
أبناء دبي ما أمكنه ذلك. عرفت اسواق دبي الازدهار مرة أخرى إثر رفع الحظر الاقتصادي،
فإذا ما أضفنا إلى ذلك مزايا اخرى كانخفاض الرسوم الجمركية وغياب الإجراءات
البيروقراطية، فضلا عن الاستقرار السياسي الذي يعم دبي، لأدركن ان دبي بدأت تتحول
إلى جنة التجار، بالفعل بدا توافد المؤسسات التجارية والمالية على دبي بأعداد كبيرة.
يقول السيد جمعة الماجد أحد أهم تجار دبي (لم يهتم سمو الشيخ راشد فقط بالشركات أو
التجار أو الاشخاص من الجنسيات العربية أو الاجنبية فقط وإنما كان ينظر بنفس
الاهتمام إلى كل شخص يسهم في بناء دبي بغض النظر عن جنسيته أو ديانته).
ففي عام 1954م جاءت شركة امبريال التجارية، ومقرها في مدينة كراتشي الباكستانية
وتعرف باسم (Imperial Trading Corporation ITC) وقد أسست مكتبا إقليميا لها في دبي.
ثم جاء جي . بي . شويترام جيتواني واقام شركة جي . بي. التجارية، ويقول جي. بي.
شويترام : (كنت قد عشت في هونغ كونغ وسنغافورة، وحذرني بعض الناس من ان دبي لم تكن
تتوفر فيها الخدمات الاساسية ولم تكن بها أجهزة تكييف، فاشتريت مروحتين ووضعت واحدة
على كل من طرفي غرفة المكتب، وكنت اشغل المراوح بالطاقة الكهربائية المستمدة من
بطارية السيارة، وأحضرت ايضا ثلاجة مجمدة تعمل على الكيروسين، لم تكن هناك شروط
خاصة بالترخيص في عام 1954، بل كان يكفي ان تبدأ بمزاولة التجارة. وكان من المحتم
ان يلتقي المرء خلال مزاولته للتجارة بالشيخ راشد الذي كان يشجع الناس على الذهاب
إلى مجلسه والتحدث إليه).
ويكمل شويترام : (جاءت شركتنا إلى دبي لأول مرة عام 1950م لملاحقة تاجر فارسي يعمل
في دبي وكان يدين لنا بمبلغ كبير. كان الشيخ راشد يدرك أهمية السمعة الطيبة بالنسبة
لدبي كمركز تجاري، ولذلك لم يسمح لطبقة التجار ان تصرف بأسلوب غير مسئول أو تصبح
مكبلة بالديون، وفي حالتنا أثبتنا له حقنا، وقام الشيخ بالقبض على التاجر الذي سدد
الدين لنا).
وفي غضون سنوات أصبح شويترام تاجرا بارزا، ودعمه الشيخ راشد مرة ثانية، حينما كان
يدور تحقيق حول زعم أحد التجار الفرس انه أفلس نتيجة عدم وصول سفينة محملة بالسكر
كان ينتظر وصولها من هولندا، وأظهرت التحقيقات التي تابعها الشيخ راشد بمنتهى
الجدية ان السفينة ليس لها وجود أصلا، فقام الشيخ بعملية فحص شامل لفواتير التاجر
الفارسي وتيقن من عملية الاحتيال بنفسه، فكلف رئيس دائرة الجمارك، مهدي التاجر
بالتحقيق في الامر. يعلق شويترام على الامر قائلا: (استدعيت إلى مكتب الحاكم، وقيل
لي اننا سنتوجه إلى اوروبا في غضون ساعات قليلة، وقامت حكومة دبي بتحمل تكاليف
السفر واتخذت كافة الإجراءات لتقصي الحقيقة في كل من هولندا والمانيا ولندن،
واستطعنا حل المشكلة في النهاية، ولعل هذه الحادثة تدل على اسلوب الشيخ راشد في
احترام التعامل السليم).
ويضيف سعادة عيسى صالح القرق سفير الامارات حاليا بالمملكة المتحدة (كان رحمه الله
يستخدم ذكائه الفطري في بناء دبي عن طريق بناء الإنسان فقد كان يقوم باختيار عدد من
الشباب ويساعدهم حتى يشبوا وينالوا الخبرة اللازمة ثم يتركهم يعتمدون على انفسهم
ليشتد عودهم وتعتمد عليهم دبي في المستقبل، وكان عند حدوث الأزمات يقوم اولا بسؤال
الشباب عن رأيهم في الحلول ثم يسأل بعد ذلك الكبار المشهود لهم بحسن الرأي).