الصفحة الرئيسية
الكُتب والمراجع والحقوق
عدد الأقسام : 6
عدد المقالات : 224
عدد زوار المقالات : 163777
المتواجدين حاليا :
 
البحث فى المقالات
 
 
الصفحة الرئيسية » آل مكتوم مسيرة العطاء » التعمير
تاريخ الإضافة :: 10/02/2007   ||   عدد الزوار :: 622

التعمير


في عام 1958م، وفي شهر أكتوبر، بعد وفاة أبيه الشيخ سعيد، أعلن الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم حاكما رسميا لدبي، وكان هو الحاكم الفعلي لها منذ أكثر من عقدين من الزمان، وقد تم انتقال السلطة إلى الشيخ راشد بسلاسة وهدوء لما كان هناك من إجماع على أحقية الشيخ راشد في خلافة ابيه، ثم بدأ الشيخ راشد على الفور في خطوات جدية وفاصلة للعمل على تطوير دبي، حيث قام بعد أشهر من تسلمه الحكم بإصدار مرسوم بتأسيس شركة كهرباء دبي، كما أصدر أوامره للبدء في العمل في إنشاء مطار دبي، وكانت مشكلة التمويل هي المشكلة الرئيسية التي قابلت الشيخ راشد، ولكنه نجح في إقناع مكتب الأمم المتحدة للمساعدات الفنية بتمويل وإدارة عملية مسح شامل لمصادر المياه، فقد كان عدد سكان دبي في تلك الآونة، عام 1959م، قد بلغ حوالي ثلاثين ألف نسمة معظمهم من الوافدين، ولم تكن مصادر المياه العذبة النظيفة متوفرة، وأمر الشيخ راشد بالقضاء على تلك المشكلة في غضون خمس سنوات، حيث يقول حمد بن سوقات : (كان الشيخ راشد يدرك ضرورة استقدام عمالة وافدة وخاصة على المستويات العليا للمساهمة في تطوير المدينة في المستقبل، وكان يعرف أنه لابد أن يوفر المياه والكهرباء إذا ما كان يريد تحقيق ذلك، وكانت الحكومة لا تزال تواجه مصاعب مالية، فحاول الشيخ راشد ان يحصل على التمويل بكل الوسائل، وقد قال لي ذات مرة : ان دبي تحتاج إلى بنية أساسية للمحافظة على موقعها كعاصمة تجارية للمنطقة، وهو أمر أصبح أكثر صعوبة خاصة مع دخول بضع دول المنطقة عصر النفط، وكان على ثقة بأنه في وجود البنية التحتية الأساسية يمكن لدبي ان تستفيد من اكتشاف الرواسب النفطية القابلة للاستغلال التجاري خلال فترة زمنية أقل).
وقد كانت الحياة البدائية التي مازالت منتشرة في دبي تقلق الشيخ راشد، فقد كان المصدر الاساسي للمياه هو بركة كانت تتكون في فترة الشتاء في منطقة الكرامة، وتجف في الصيف، وكانت هناك آبار أخرى للمياه العذبة في دبي كبئر قريب من حصن الفهيدي، وآخر في ديرة، فضلا عن بئر بالقرب من مستشفى دبي الحالي وآبار اخرى في الجميرة، وكان السكان يقفون صفوفا طويلة ولساعات للحصول على نصيب من المياه العذبة، وكانت الكوليرا والأمراض المتعلقة بالتلوث تظهر في بضع شهور السنة، وفي عام 1959م تم التوصل إلى اتفاق مع حكومة قطر على ان تقوم بالتمويل وبتزويد حكومة دبي بعدد من الخبراء للاشراف على مشروع كبير للحفر، حيث كان من المعلوم ان هناك آبار للمياه العذبة في دبي تحتاج إلى من كشف عنها، وعلى سبيل المثال فقد كانت هناك بئر في منطقة العوير، وبدأت عملية المسح الجيولوجي، لدى وصول كبير المهندسين إريك تلوك، حيث تم فحص مياه بئر العوير عن طريق إرسال العينات إلى قطر والبحرين لفحصها والتأكد من صلاحيتها، ونتيجة لذلك مرت ثمانية عشر شهراً من الانتظار، جاءت بعدها النتائج لتؤكد ان البئر يكفي مدينة دبي بأكملها، وان مياهه تحتوي على الكثير من المعادن المفيدة للجسم، وتلا ذلك اكتشاف بئرين في مناطق البدو بالوحوش والهباب. ومدت الأنابيب الاسمنتية على الفور لتوصيل المياه العذبة إلى كافة أنحاء دبي، يقول حمد بن سوقات : (كانت المناطق الآهلة بالسكان في دبي تحتاج إلى وقت أطول بتوفير مياه الشرب، فركز الشيخ راشد على المناطق الأقل تطورا على أطراف المدينة وتشاور مع المترددين على المجلس فيما يتعلق بالمناطق التي يفضل تطويرها مباشرة، وقد كنا بحاجة آنذاك إلى مزيد من البيوت ومرافق للأعمال التجارية لكي نواكب التطور)، وبعد عامين تقريبا كانت إيجارات العقارات في دبي قد بدأت ترتفع بمعدل يفوق معد ارتفاع الرواتب كثيراً، وبدأ الامر يشكل ضغطا على السكان، ولم يكن الشيخ راشد على استعداد للضغط على أصحاب العقارات لتخفيض الإيجارات لانه كان يؤمن بحرية السوق، فحاول ان يضغط عليهم قليلا، ولكنه بدأ خطوات عملية لإيجاد حل جذري للمشكلة، حيث اتجه نظره إلى المناطق الموجودة على أطراف دبي كالسطوة والكرامة، وبدأ خطة لتعميرها عن طريق تمويلها من إمكاناته الذاتية، أو عن طريق إهداء أراض لاشخاص قادرين على البناء مع إعطاء الاولوية للاسكان ذي الايجار المنخفض، وقد اشترط على من أهداهم الأرض ان يقوموا بالبناء فوراً، وكان يتابع بنفسه أعمال البناء والتشييد، يقول زكريا الدولة : (عندما اتخذ القرار ببدء التشييد في منطقتي السطوة والكرامة قرر الشيخ إعطاء الأولوية للمساكن ذات الإيجار المنخفض وتابع ذلك الأمر عن كثب، فكان يعطي مساحات من الاراضي لمن يعبر عن رغبته في البناء ولكنه كان يصر على بدء البناء فورا، فإذا تعهد شخص ما بالقيام بالبناء، كان عليه ان يفي بوعده وكان الشيخ راشد يتابع سير الأعمال على موقع كل ارض قام بإهدائها، وكان هناك بعض الناس الذين تقاعسوا عن البناء، وبالرغم من ان الشيخ راشد لم يكن شخصا يسترد ما أهداه من قبل، إلا أنه كان يقرر عدم التعامل بمثل هذا الكرم مع كل من خذله). وكنتيجة للعمل المتواصل في التشييد والبناء في منطقتي السطوة والكرامة، والقصيص، وتوقف العمل في كثير من المواقع، فأرسل الشيخ راشد إلى بومباي عددا من مساعديه لشراء ثلاثة آلاف طن من الأسمنت التي أردت بمجرد وصولها إلى دبي إلى اعتدال الأسعار وعودة العمل مرة أخرى، وأصبحت ضواحي المدينة تتمتع بالمياه الجارية والكهرباء دون باقي المدينة التي كانت تعيش على الكيروسين والشموع، وتمتعت الضواحي بالمكيفات والثلاجات، وأنشئت شركة كهرباء دبي في عام 1959م، برأس مال أولي قدره ثلاث ملايين روبية، وتم تشييد أول محطة كهرباء بطاقة تبلغ ثلاثمائة وستين كيلو واط، كما تم شراء مهماز بقوة 6.6 كليو واط لتغذية مطار دبي الدولي. وتم إنشاء أول مولد تابع لشركة كهرباء دبي في ديره وبدأ إنتاجه عام 1961م. ونجحت شركة كهرباء دبي في توصيل الكهرباء إلى عدد كبير من المستهلكين في غضون ستة أشهر ووصل العدد على حوالي 2500 مستهلك عام 1962م، وهكذا ومع تواصل عملية التطوير لمنطقتي السطوة والكرامة تم استكمال بناء أول مشروع لتزويد دبي بالمياه في يوليو عام 1961م وتم مد خط أنابيب رئيسي من العوير إلى رأس الخور، وقد استخدم فيما بعد لربط المناطق المختلفة بالمركز الرئيسي لإمداد المياه. وبعد بضع سنوات كان قد تم تزويد كافة منازل دبي بالمياه الجارية مجانا ووصلت قوة الضخ إلى مليون جالون يومياً.

عودة »»