الصفحة الرئيسية
الكُتب والمراجع والحقوق
عدد الأقسام : 6
عدد المقالات : 224
عدد زوار المقالات : 168028
المتواجدين حاليا :
 
البحث فى المقالات
 
 
الصفحة الرئيسية » آل مكتوم مسيرة العطاء » التعمير وأثره على التجارة
تاريخ الإضافة :: 10/02/2007   ||   عدد الزوار :: 824

التعمير وأثره على التجارة


لم يكن عصر النفط قد حل بعد في أوائل الستينيات، ومع ذلك فقد عرفت دبي طريق الازدهار والتعمير، فقد كانت تلك المشروعات دافعاً قوياً للتجار لإدراك أهمية الاستثمار في دبي، بعد ان غيرت تلك المشروعات من وجه المدينة التي بدأت تخطو نحو التحديث، وأمام الاقبال المتزايد من المستثمرين بدأت دبي تشهد المزيد من مشروعات التعمير. وارتفعت اسعار الاراضي ما بين 4 إلى 10 جنيها للقدم المربع عام 1962م، ومنذ بداية الستينيات ونتيجة لحركة التعمير المزدهرة وبعد إنشاء المطار، بدأت الاسواق تشهد تنوعاً واضحا في نوعية السلع التي لم تعد مقتصرة على المواد الاستهلاكية، وإنما أصبحت تشمل المواد الغذائية المختلفة والمنسوجات والبضائع التي تباع بالجملة والتجزئة، كما ان ازدياد حركة البناء أدت إلى توفير الاسمنت والأخشاب ومواد البناء المختلفة وبدأت السيارات تشهد إقبالاً واضحا وان كان ذلك بالطبع يسير بوتيرة بطيئة تختلف عن إمارة لأخرى إلا ان الانتعاش الواضح كان في دبي باعتبارها السوق الرئيسية لجميع الإمارات وساعد في ازدياد وتيرة النمو في دبي إنشاء المطار المدني وإنجاز تحسينات الميناء وتعيين مستشار بريطاني للإشراف على الجمارك وإدارة الميناء عام 1960م. وانعكس التباين الكبير بين ميناء دبي الذي بات يشهد المزيد من عمليات التوسعة وميناء الشارقة الذي كان يزداد تدهوراً فيما يتعلق بالواردات وزيارات السفن، ففي الأشهر الثلاثة الأخيرة فقط من عام 1960 وصلت إلى ميناء دبي 79 سفينة في حين لم تصل إلى الشارقة خلال الفترة نفسه أي سفينة وكانت البضائع المرسلة إلى الشارقة تصل عبر ميناء دبي.
وكانت دبي تعتمد بشكل رئيسي على تجارة إعادة التصدير، وتعتبر إيران أهم بلد تستقبل البضائع التي يعاد تصديرها من دبي، وكان الحجم الكبير لإعادة التصدير الذي كان يصل في بعض الاحيان إلى 70٪ من البضائع الواردة يشكل موردا مهما للإدارة، لذا كان أي اضطراب يواجه أسواق إيران ينعكس مباشرة على الوضع في دبي.
أن أهم التطورات التي شهدتها دبي في بداية الستينيات هو حصول التجار على وكالات تجارية وهذا يعني ان الإمارة بدأت تنتقل من الاستيراد العشوائي إلى الاستيراد المتخصص، كما أن ذلك يعطي صورة أكثر وضوحا عن واقع العمل التجاري ونموه بشكل مضطرد، بحيث أصبحت بعض السلع الجديدة التي تعتبر من الكماليات تلقى رواجا بين الناس وهذا بدوره شجع الانجليز على الاهتمام بالتجار الراغبين في اخذ وكالات انجليزية. ففي يوليو 1962م وجه المعتمد البريطاني



خطابا إلى رابطة الشرق الاوسط في لندن طالبا الاهتمام باثنين من تجار دبي القادمين إلى لندن أحدهما وكيل سيارات الفوكسهول والبيدفورد، وكانا يرغبان في الحصول على وكالات جديدة، كما أرسل خطابا آخر يطلب الاهتمام باثنين آخرين من التجار يرغبان في الحصول على وكالة سيارات موريس ووكالات أخرى، و كان الانجليز حريصين على إعطاء المزيد من الوكالات لمواجهة منافسة بضائع الدول الاخرى وخاصة اليابان.
وفي عام 1962م بدأت إيران تقلل من استيراد المنسوجات والاقمشة والشاي بعد ان زاد الانتاج المحلي الذي تشجعه الحكومة وأثر هذا بدوره على صادرات تجار دبي من هذه السلع، ويبدو ان الانتاج الإيراني المحلي من الاقمشة والشاي اصبح منافسا في أسواق إيران، بل وأسواق دبي المصدرة لإيران، ويعود ذلك إلى رخص الاسعار والجودة. ولكن السوق الإيرانية كانت متذبذبة بسبب الأوضاع السياسية المضطربة. وأدى وجود المزيد من القيود مثل التغيرات التي طرأت على التعرفة الجمركية إلى اتجاه تجار دبي للمتاجرة بشكل أكبر مع الهند ومحاولة تعويض ضعف تجارتهم مع إيران، خاصة وقد بدأوا يعانون المزيد من الضغوط لاضطرارهم إلى دفع رسوم إضافية بسبب تكدس بضائعهم على أرصفة الميناء لعدة أشهر، وازدادت الاوضاع سوءا مع تشديد الرقابة على الواردات في كل من الهند وباكستان من قبل السلطات هناك ومع ذلك ففي الوقت الذي كانت السوق تشهد
هذه الانتكاسات كانت حركة البناء والتشييد مستمرة في دبي، حيث أصبح هناك تقدم واضح في المباني في كل أرجاء المدنية، ورغم أن شركة تطوير النفط أعطت إشعارا بأنها ستنهي عملياتها في دبي في ديسمبر 1962م وهذا يعني فقدان مصدر مهم من مصادر الدخل فإن الشيخ راشد لم يتراجع عن الاستمرار في عملية التطوير وتأسيس المزيد من المشروعات.
بدأ مركز دبي يتعزز منذ عام 1963م ورغم انكماش السوق فإن حجم الاستيراد وصل إلى ثمانية ملايين جنيه استرليني، وكانت معظم السلع تأتي من المملكة المتحدة، إلا أن اليابان والهند كانتا منافستين قويتين لبريطانيا، وكانت السوق قد استردت عافيتها مع نهاية 1963م، وكانت هناك فورة من الحماس وسط التجار،



وازداد الاهتمام بشراء الارز والدقيق والمواد الغذائية المعلبة التي بدأت تجد رواجا بشكل متزايد، كما بدأت سوق المنسوجات تشهد رواجا، وخاصة السلع اليابانية، وفي بداية عام 1964م قامت السلطات الإيرانية بتخفيف القيود على الاستيراد مما أدى إلى زيادة في إعادة الصادرات وخاصة المواد الغذائية والمنسوجات بالإضافة إلى السلع الكمالية مثل المضخات الزراعية والعطور والسجاد، كما عادت حركة التصدير بحيويتها إلى الهند وباكستان ودول الخليج والمناطق الداخلية في الإمارات. ونتج عن تحرك السوق مرة أخرى زيادة في الواردات قفزت إلى معدلات عالية وكانت معظم هذه الواردات من السيارات ومواد البناء لمواجهة الطفرة المتصاعدة في الإنشاءات، وأصبحت الطفرة الانشائية الكبيرة مجالا جديدا وواسعا لامتصاص السيولة النقدية المتوافرة لدى التجار.
كانت سياسة الباب المفتوح التي اتبعتها دبي سببا رئيسيا في تميزها عن بقية الإمارات، وقد شجعت هذه السياسة عددا كبيرا من التجار الأجانب وخاصة الهنود والإيرانيين والباكستانيين على الاستثمار في دبي بعدما منحوا حرية العمل مثل المواطنين دون دفعهم لأية رسوم نظير هذه المميزات، وخلق قدوم هؤلاء صلات وروابط مع الدول المجاورة والتي تعتبر ذات أهمية بالنسبة لتجار إعادة التصدير، كما ان نجاحهم في أعمالهم جذب كبار التجار من مناطق مختلفة في الخليج العربي إلى دبي، وكان الاستقرار السياسي ومناخ العمل المرن دور كبير ايضا في جذب تجار من البحرين وقطر والكويت لشراء الاراضي وإقامة الاعمال إلا ان معظم تجارتهم تركزت على المواد الغذائية.
في عام 1959م، كان عدد سكان دبي يقارب 40 ألف نسمة، وكان يوجد 25 بريطانيا فقط، ولم يكن هناك احد من رعايا الدول الاوروبية، وبعد خمس سنوات فقط، أي في عام 1964م، وصل عدد السكان إلى 60 الف نسمة، وارتفع عدد البريطانيين إلى 200 شخص، وأكثر من 100 أوروبي. وقد أتت زيادة السكان مع ازدياد النمو التجاري في الإمارة والآمال المعقودة على اكتشاف النفط في إمارة أبوظبي، وزادت التجارة من 5 ملايين جنيه استرليني عام 1959 إلى 12 مليون جنيه استرليني عام 1964، واصبح هناك ثلاثة بنوك، كما شهدت المدينة منذ بداية الستينيات حركة عمرانية كبيرة صاحبها تنوع في نماذج المباني التي كانت تقام بكثرة، كما بدأ بعض الصناع في إقامة مصانع صغيرة تنسجم مع المجتمع التجاري النامي، وساعدت سياسة التعرفة الجمركية المتحررة والمرنة على نمو حركة الاستيراد وصاحب هذا النمو نمو في قطاعات أخرى مثل المراكب التي ازدادت أعددها، كما أخذت مجموعات كبيرة من الإيرانيين والباكستانيين والهنود تفد إلى المدينة.
ومنذ عام 1961م أخذت أسواق دبي تشهد تنوعا ملحوظا في البضائع وتركزت معظم الواردات على مواد البناء بسبب الحركة العمرانية النشطة التي كانت تشهدها المدينة، واصبح هناك طلب متنام على الاسمنت والاخشاب ومواد البناء، وظهرت وسائل نقل جيدة تمثلت في الشاحنات التي باتت هي الناقل الرئيسي للبضائع بين دبي وبقية الإمارات، ورغم ان بضع السلع كان يتم استيرادها مباشرة لمناطق بعيدة مثل رأس الخيمة وخورفكان، ظلت دبي هي السوق الرئيسية لكل الإمارات بما فيها تلك المدينتان والمناطق الداخلية من إمارات الساحل وحتى أبوظبي التي اكتشف فيها النفط وكانت بعيدة نسبيا ويتم تموين اسواقها من دبي، وكانت تشحن له من دبي سلع تصل قيمتها إلى مائة ألف جنيه استرليني شهريا. كما أصبحت بعض السلع التي كانت تعتبر فيما مضى من الكماليات تفرض نفسها إلى السوق سلعا استهلاكية اساسية مثل السيارات، وكانت سيارات اللاندروفر الانجليزية الصنع أكثر السيارات رواجا بسبب صلابتها وتكيفها مع ظروف الجو الحار والطرق غير المعبدة بالإضافة إلى سهولة ارتيادها الصحراء. كما كانت معظم سيارات الأجرة من نوع اللاندروفر. وعلى الرغم من وجود كمية من السيارات اليابانية ذات الدفع الرباعي المنافسة في السوق فإن السيارات الانجليزية كانت هي المسيطرة والمرغوب فيه لدى السكان، ولكن تسوية الطرق الرملية وفرشها بالحصباء أنعش سوق سيارات الصالون، واصبح هناك طلب متزايد عليها، إلا أنها لم تكن تعمر كثيراً بسبب حرارة الجو الشديدة وعدم وجود المواصفات المناسبة في تلك الفترة، وهذا ما نبه المقيمية البريطانية في دبي إلى دعوة مصنعي السيارات في إنجلترا للاهتمام بتصنيع سيارات تتحمل حرارة الجو وتوفير قطع الغيار اللازمة. وبعد حلول منتصف عام 1964م كانت الطرق المعبدة قد تضاعفت، كما قامت البلدية بإنشاء خدمات مواصلات بأسعار زهيدة تستخدم فيها سيارات أجرة لخدمة السكان، ونتيجة لدخول الكهرباء في دبي بدأت السوق تشهد رواجا في السلع الكهربائية وكانت معظم الواردات للاستهلاك المحلي رغم ارتفاع سعر الكهرباء وأخذ الكثيرون يشترون أجهزة تلفاز لاستقبال الارسال الذي يبث من الظهران من المملكة العربية السعودية، وكان الناس سعداء بمشاهدة التلفاز رغم ان ساعات ظهور البث كانت غير مستقرة، كما ظهرت سلع جديدة مثل الثلاجات والغسالات والعطور الغربية وولاعات السجائر وأمواس الحلاقة، وبالإضافة إلى رواجها داخليا كانت تجد ايضا سوقا في إعادة التصدير، وكانت أهم وجهة لها باكستان، فالباكستانيون الذي يعملون في دبي، أو الذين يحضرون لزيارة أقاربهم يشترون عند عودتهم إلى وطنهم سلعا مختلفة ويقومون ببيعها هناك حيث تدر عليه أرباحاً تصل ما بين 50 إلى 60٪ من سعرها، كما كانت الهند سوقا رائجة للبضائع القادمة من دبي، فالتجار الهنود يشكلون جالية كبيرة ومهمة، وتزورهم أعداد كبير من أقاربهم ومعارفهم تفوق أعداد الباكستانيين.
وفي عام 1964م كانت هناك أربع سفن ركاب تغادر دبي كل شهر إلى بومباي ويعتقد ان كل سفينة كانت تحمل بضائع قيمتها مليون روبية، ويتم شحن جميع أنواع السلع، ولكن الأصناف الرئيسية كانت الاقمشة والاجهزة الكهربائية والخردوات والقطع المعدنية. ومصنوعات الخردة، كالمسامير والأقفال والساعات والألماس والياقوت وغيرها. وساهمت تلك التجارة الرائجة في زيادة ثروة دبي.
وفي عام 1963م قدرت قيمة البضائع المصدرة إلى باكستان وغير المسجلة بما يزيد على مليون جنيه استرليني، وللهند بأكثر من ثلاثة ملايين جنيه استرليني.
في عام 1962م كان الشيخ راشد يجهز لإنشاء بنك دبي الوطني على الرغم من الاعتراضات التي أبداها البريطانيون على أساس انهم يحتكرون العمل المصرفي حتى عام 1974 بموجب اتفاقيات وقعت منذ إنشاء البنك البريطاني في عام 1946م، ولكن هذا الوضع اصبح غير الممكن ان يستمر في ظل التطورات الاقتصادية في المنطقة، وكان رأس مال البنك يبلغ مليون جنيه استرليني، ثلثه من دولة الكويت، والباقي من موطنين من دبي، فاعترض البريطانيون على أساس ان البنك يعد أجنبياً، وهو اعتراض لم يدم طويلا نظرا لمساهمة مواطني دبي بنسبة 70٪ من راس مال البنك وبالتالي فالبنك ليس أجنبيا، وتم افتتاح البنك رغم اعتراض البريطانيين الذين ظنوا ان البنك سيغلق أبوابه بعد فترة قصيرة لقلة راس ماله، ولكن الحقيقة انه كانت هناك نية لتوسيع قاعدة بنك دبي الوطني عبر جذب أموال من خلال طرح أسهمه للاكتتاب. وبعد فترة قصيرة أصبح بنك دبي الوطني منافساً للبنك البريطاني بعد ان طلب الشيخ راشد من تجار دبي الاستثمار في البنك الجديد.
وفي أبريل عام 1963م بدأت مصارف جديدة تأتي للمنطقة، ومنها سيتي بنك الامريكي، ولم تفلح اعتراضات البريطانيين في إعاقة فتح المصرف الامريكي فرعا له في دبي، حيث كان المصرف هو المصرف الرئيسي الذي يتعامل مع شركة انتركونتننتال الامريكية التي أبرمت اتفاقا للتنقيب عن النفط في دبي إثر تخلي شركة تطوير النفط عن امتيازها، وقد انزعج المعتمد البريطاني كثيرا من خبر اعتزام البنك فتح فرع له في دبي، وطلب تفسيرا من الشيخ راشد، ورد الشيخ راشد بأنه قد تناهى إلى سمعه ان هناك بنكاً أجنبيا قد اشترى البنك البريطاني وبالتالي لم تعد الاتفاقية سارية المفعول، وكان يشير إلى اندماج البنك البريطاني مع بنك هونج كونج، وفي مايو 1963 وصل المدير العام للبنك البريطاني إلى دبي لتقديم احتجاج للشيخ راشد على انتهاك الاتفاقية، إلا أنه لم يتلق جوابا/ وفي النهاية استسلم الانجليز للامر الواقع، وقام المدير العام للبنك البريطاني بإخطار الشيخ راشد بأنهم يوافقون على السماح لسيتي بنك بالعمل في دبي شريطة ان يقوم الحاكم بإرسال خطاب إلى البنك البريطاني يوضح فيه ان هذا استثناء وحيد للاتفاقية، وان علاقته بالبنك البريطاني سوف تستمر وان يحفظ به حساباته وحسابات حكومته، ولكن الانجليز كانوا يعلمون صعوبة التقيد بتلك الشروط في ظل التوسع المالي والاقتصادي للإمارة، فالعمل المصرفي الذي ظل متقصراً عليهم منذ عام 1946 اصبح الان أكثر حرية مع جود بنك وطني وآخر امريكي، بالإضافة إلى البنك الشرقي الذي يمارس أعماله في دبي من خلال فرعه في الشارقة.

عودة »»