ميناء راشد
في عام 1965م، وبعد اتساع نطاق العمل الحكومي، تم إنشاء غرفة تجارة وصناعة دبي،
التي كان إنشاؤها يعكس التطور السريع الذي تمر به دبي، والمكانة الجديدة التي أصبحت
أهلا لتبوئها في عالم التجارة، ومع انتعاش التجارة وازدياد حركة الاستيراد وإعادة
التصدير، أضحت هناك حاجة ملحة إلى إنشاء ميناء جديد يمكنه استقبال سفن من نوعية
أكبر حجما وبالتالي كميات أكبر من البضائع، فالخور لم يعد قادرا على استيعاب الحركة
النشطة للسفن والبضائع، كما ان السفن الكبيرة كانت تضطر إلى الانتظار على بعد ميل
من الخور لتذهب إليها قوارب صغيرة تعمل على إفراغ حمولتها والعودة بالبضائع إلى
الشاطئ، وقد يطول الانتظار لأيام وأسابيع حتى تجد رصيفا فارغا في ميناء أكثر تطورا،
ومن الواضح ان هذا الوضع لم يعد يناسب مدينة دبي بعد التطورات الواعدة التي شهدتها،
ومن هنا بدأ الشيخ راشد في التفكير في بناء ميناء جديد عميق يستطيع تلبية كافة
احتياجات المدينة الطموحة، فقام في عام 1965م بتكليف سير ويليام هالكرو وشركاه
بالعمل على دراسة الموضوع وتقديم مقترحاتهم حوله، وبعد دراسة وافية قدم المختصون
رسوما لميناء جديد اختاروا له منطقة الشندغة القريبة من الخور، والتي تتمتع بعمق
المياه، وكانت الرسومات قد صممت على أساس ان يتم إنشاء ميناء من اربعة أرصفة في
بادئ الأمر، ولكن الشيخ راشد قرر ان هذه السعة غير كافية لاستيعاب الحركة التجارية
المتوقعة، وقرر ان تعاد الرسومات على أساس ان يتم عمل ميناء مكون من ستة عشر رصيفاً
كاملة، وأمر بتجهيز الارصفة كلها بالمعدات الحديثة في مجال تفريغ وشحن البضائع.

من الواضح ان الشيخ راشد كان يدور في ذهنه تصور محدد وثابت حول الفترة المقبلة، لذا
فكر في تغيير مخططات الميناء واعتماد مخططات ذات سعة أكبر، وقد أثبتت الأيام أنه
كان محقا حينما اتخذ هذا القرار، وفي نفس التوقيت قام الشيخ راشد بإيفاد متخصصين
إلى المناطق الحرة في هولندا وسنغافورة، أكثر المناطق الحرة نجاحا حينئذ، ليطلعوا
عن كثب على كل منا يتعلق بإدارة المناطق الحرة، لقد كان الشيخ راشد يخطط لإنشاء
منطقة حرة، وتم تخصيص مساحة كبيرة بجوار أرصفة الميناء لتشييد مخازن ضخمة لتحوي
البضائع المشحونة عبر الميناء.
على الرغم من اتساع حجم الاشغال العامة والمشروعات التي كانت قيد الإنجاز في تلك
الفترة من تاريخ دبي، وهو الأمر الذي كان يستوجب بالتبعية ازدياداً في حجم الانفاق
على الإنشاءات، إلا أن هذا الأمر لم يثن الشيخ راشد عن توجهه العام بالعمل على
تخفيض النفقات متى كان ذلك ممكنا، فقد علمته فترة انهيار اللؤلؤ ان يكون حريصا على
كل فلس يقع في يده، ومن حين طلب الخبراء عمل كارسين للأمواج حول الميناء الجديد من
صخور أوصوا بجلبها من مناطق مجاورة كرأس الخيمة وجزر صيري، لم يستجب الشيخ راشد على
الفور، بل فكر قليلا، ثم طلب إليهم ان يقوموا بالبحث في مناطق قريبة من دبي كان
يعلم أنها تحتوي على أحجار قاسية نتيجة شكوى البدو له من صعوبة الحفر فيها، وبالفعل
بعد بحث وتنقيب تم العثور على الاحجار المطلوبة في احد المناطق القريبة من دبي،
وقدرت المبالغ التي تم توفيرها نتيجة لتلك الفكرة بما يناهز 4.2 مليون جنيه
استرليني.
تم افتتح الميناء في عام 1971، أي بعد خمس سنوات من العمل المضني الشاق الذي كان
الشيخ راشد يتابعه بنفسه وبشكل يومي، وهنا ظهر مدى بعد نظر الشيخ راشد حين قرر
توسعة الارصفة إلى ستة عشر رصيفا بدلا من اربعة، فعند الافتتاح كانت جميع أرصفة
الميناء محجوزة، وكانت هناك سفن أخرى مدرجة على قوائم الانتظار.
ثم في فبراير 1976، ومع توسع حجم واردات دبي التي بلغت حوالي مائة مليون جنيه
استرليني، كانت هناك حاجة إلى توسعة المرافق الخاصة بالميناء، وبالفعل تم إنشاء عدد
عشرين رصيفاً جديدا، خصصت خمسة منها للسفن ذات الأحجام الضخمة، وزيدت مساحة منطقة
التخزين إلى ثلاثين ألف متر مربع.
وبذلك أصبح لدى دبي ميناء عملاق بكل المقاييس، وقد عده الخبراء الاقتصاديون إضافة
حيوية وهامة على طريق الاكتفاء الذاتي لدبي، كما ان الزمن الذي أنجز فيه المشروع
كان يعتبر بمقاييس تلك الفترة زمنا قصيرا جدا.