المقدمة
في يوم الرابع من يناير / كانون الثاني 2006
الموافق 4 ذي الحجة 1426 هجرية فقد الوطن
الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم طيب الله ثراه...

رحم الله الفقيد الشيخ مكتوم وأسكنه فسيح جناته
إن كل ما تحقق على أرض دولة الإمارات العربية المتحدة من رفاهية وتقدم واستقرار ليس
سوى ترجمة صادقة لتطلعات وأحلام وجهود رجال آمنوا بقدسية الوطن وكرامة شعبه وأهله
ولم يتوانوا لحظة واحدة في أن يمنحوا هذا الوطن كل أنفسهم أو أن يهبوا له أرواحهم
قرباناً خالصاً في سبيل عزته ورفعته.
والكتاب الذي نقدمه للقارئ الكريم هو وقفة عرفان مع واحد من أولئك الرجال الذين
خلدوا أسماءهم على صفحات تاريخ الخير والعطاء، وكان من تلك القيادات النادرة
تاريخياً، والقريبة دائماً من مواطنيها وتطلعاتهم والمدركة بحسها القيادي المتوهج
للحظات التاريخ الحاسمة، ولواجبات الاختيارات في حياة الأمم، وهو المغفور له الشيخ
مكتوم بن راشد آل مكتوم رحمه الله وطيب الله ثراه، قائد من رواد السرية الأولى التي
قادت سفينة الاتحاد تحت راية وبمعية المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان مع
إخوانه الرواد مؤسسي الاتحاد فقد عمل سموه جنديا كرس نفسه منذ انطلاق المسيرة في
مواقع القيادة والمسؤولية يضع الأسس والتشريعات ويُرسي مع إخوانه البنية الأساسية
ومقومات الدولة العصرية في رحلة مباركة مفعمة بالطموحات والإنجازات.
لقد رحل الشيخ مكتوم وأسلم الروح إلى خالقها مطمئنا، وانطفأت بموته إحدى شموع
القادة في وطننا الغالي، وبرحيله فقدت دولة الإمارات قائداً تاريخياً من قادتها
ساهم طيلة حياته الحافلة بالعطاء والعمل في بناء الدولة وفي كل ما من شأنه ترسيخ
كيانها وخير شعبها، وسيظل دوره الفعال في بناء الدولة وتعزيز المسيرة الاتحادية
محفورا في ذاكرة الوطن وأبنائه يُشار إليه بالبنان في الصفات الحميدة والمناقب
الفريدة.
فقد عايش سموه جميع مراحل الاتحاد وإنجازاته وعمل على رأس السلطة التنفيذية للدولة
مترئسا مجلس الوزراء ومتجشما صعاب التأسيس والبناء، وهو في كل المواقع التي شغلها
كشف عن عزيمة لا تفتر وقدرة نادرة في فنون القيادة وإدارة معركة التنمية، مُسترشدا
ًبرحلة كفاحه الطويلة ونهله من أفكار وفلسفة والده المغفور له الشيخ راشد بن سعيد
آل مكتوم طيب الله ثراه.
وبالعودة إلى جميع مواقفه نجد أنها اتسمت دائماً بروح القيادة المتجذرة في المكان
بخصوصياته الحضارية والإنسانية، تنهي بنا إلى الوقوف على مخزن ثري ومتنوع ومتوازن
وممتد في عمقه وفي رؤيته للأحداث وللتطورات. كما تشكل أيضا إثراء لتاريخ أبناء دولة
الإمارات ووضع ورسم الملامح ثقافة الأجيال الحاضرة والمقبلة من أبناء هذا الوطن
العزيز.
وعبر سموه في كل المناسبات والأحوال عن نظرة عميقة وأصيلة تتسم بالحكمة والبصيرة
وتتصف بالرؤية الثابتة والمتوازنة القادرة على صناعة الحاضر واستشراف المستقبل،
والذي رأى فيه أنه سيكون هو الآخر حافلاً بالبذل والمزيد من التضحيات لصيانة
المكتسبات وتطويرها بما يتماشى مع روح العصر ويستجيب لتحدياته، دون إغفاله للقضايا
المحلية والإقليمية والعربية والدولية التي أولاها حرصاً وعناية إيماناً بأهميتها
في واقع الدولة، وبتأثيرها في قضايا الأمة وانشغالاتها في محيطها الدولي.
وبقدر ما أن هذه المواقف والرؤى تؤرخ لمراحل هامة من مسيرة الدولة وإنجازاتها فإنها
من جهة أخرى تنم عن روح قيادية عالية تمتع بها المغفور له الشيخ مكتوم متجذرة في
الأصالة ومواكبة لمتطلبات العصر، وكاشفة عن جوانب إنسانية في شخصيته واهتماماته.
وفي هذه المناسبة لا بد أن تتذكر بالتقدير والعرفان فقيد الوطن والأمة الوالد
والقائد المؤسس المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه
الذي كان له الدور الأكبر والجهد الأبرز في الإنجاز الوحدوي التاريخي إلى جانب أخيه
المغفور له بإذن الله الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم رحمه الله وبدعم ومساندة من
إخوانهما حكام الإمارات ومن شعب الإمارات الوفي الذي التف حول قيادته ومنحها ثقته
ومحبته بلا حدود وسار معها متجاوزاً كل العقبات والتحديات. والعزم والإصرار على
تحقيق المزيد من الإنجازات على طريق مستقبل واعد ينعم فيه المواطنون برغد العيش
وبمزيد من العزة والمنعة بقيادة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس
الدولة خدمة للوطن وإكمالا للمسيرة الاتحادية المباركة على طريق الخير والعطاء.
وإن مكتب شؤون الإعلام إذ يضع هذا الإصرار الحافل برؤى وتصورات المغفور له الشيخ
مكتوم بن راشد آل مكتوم ليأمل في أن يشكل معلماً هادياً على درب الخير والعطاء
ومنهلا كافيا لكل مستزيد يتطلع للبحث في فكر سموه وتوجهاته إثراء لتجربة الاتحاد
وإغناء لمخزونها القيمي والفكري الذي يظل هو الرصيد الحقيقي وزاد الأجيال اللاحقة
لمواصلة المسير.