الصفحة الرئيسية
الكُتب والمراجع والحقوق
عدد الأقسام : 6
عدد المقالات : 224
عدد زوار المقالات : 161767
المتواجدين حاليا :
 
البحث فى المقالات
 
 
الصفحة الرئيسية » الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم » فلسفته في الحكم
تاريخ الإضافة :: 24/12/2006   ||   عدد الزوار :: 694

فلسفته في الحكم


استطاع الشيخ راشد على مدى اثنين وثلاثين عاما، هي مدة حكمه، ان يصنع من دبي مدينة عصرية تقارع كبريات مدن العالم حداثة وعصرنه، وساهم كذلك في تأسيس إتحاد الإمارات العربية المتحدة بفكره وجهده حتى باتت الإمارات العربية المتحدة دولة تتبوأ مكانة مرموقة بين دول العالم. وما من شك أن رجلا تلك إسهاماته لم يكن حاكما عاديا. فقد كان الشيخ راشد طوال فترة حكمه لدبي وتقلده منصب نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء، ينطلق في إدارة شئون الحكم من فلسفة بسيطة وواضحة. فقد كان يجمع بين النظرة التقدمية الواعية وحصافة التاجر، وله رؤيته الخاصة لمفهوم الديمقراطية اذ كان يقول (ان مفهومنا للديمقراطية هو خدمة أبناء شعبنا، وإعطاؤهم الفرصة الكاملة للمشاركة في بناء بلدهم، والكل سواء).
وقد كرس هذا الفهم المتقدم للعمل العام طابعا مميزا للعلاقة بين الحاكم والمحكوم. فلا غرو ان كان أفراد الشعب على اتصال مباشر بحاكمهم يعرضون عليه مظالمهم ويصغي هو إليهم باهتمام.
وقد عرف عن الشيخ راشد بساطته وتواضعه وهما خصلتان استلهم منهما أسلوبه المتميز في إدارة شئون الحكم وتمثل هذا التواضع في أنه لم يكن يدعي عصمة من الخطأ ولا تكبرا وترفعا يبعده عن رعيته. فقد كن يقول (إننا ندعو المواطنين إلى التعاضد والتماسك والتعاون مع المسئولين إلى أساس المصارحة والصدق في القول، فنحن لا ندعي العصمة من الخطأ، إذ أن شعارنا الأول في تحمل المسئولية هو المزيد من العمل المنتج الهادف، ومن لا يعمل هو وحده الذي لا يتعرض للخطأ).
وكان الشيخ راشد يعتمد المباشرة أسلوبا للحكم وكان دائم البحث عن حقائق الأمور، ولم يكن متعجلا في اتخاذ القرارات. وقد لاحظ كل من تعامل معه من مهندسين ورجال أعمال وإداريين أنه كان يطرح الكثير من الأسئلة ويستمع إليهم بانتباه. وكان نشيطا ذا ذهن وقاد، وذاكرة قوية، وذكاء حاد. وقد استغل كل تلك الملكات أحسن استغلال من أجل تحقيق الأهداف التي وضعها نصب عينيه.
ولم يكن الشيخ راشد، بشهادة أصدقائه، يجب ان يحيط نفسه بمن كانوا يوافقونه الرأي في كل شيء، وكان دائم البحث عما هو جديد. ولم تكن أسفاره إلى الخارج إلا من اجل بلده وتطورها، فقد كان يعود من كل رحلة خارجية بأفكار جديدة لدبي ويدرس إمكانية تطبيقها. وكان مجلسه منبرا حرا لتبادل الآراء ووضع الخطط لتنمية دبي.
وفي ذلك يقوم جريم ويلسن في كتابه راشد بن سعيد آل مكتوم الوالد والباني (إن أحد المفوضين السياسيين البريطانيين شبه مجلس الشيخ راشد بأسلوب كيندي في إدارة البيت الأبيض في واشنطن حيث كان الرئيس الأسبق للولايات المتحدة عادة ما يخاطب كبار المفكرين والمبدعين في بلده ويحثهم على العمل والإنجاز. وكان الشيخ راشد يؤمن بأن ثقافة المنطقة وعاداتها وتقاليدها المستمدة من روح الإسلام لا تناقض مع حركة التطور والتنمية بل هي صمام أمان المجتمع. وكان شديد الاعتزاز بقيمه الأخلاقية حريصا على أن لا يؤثر ظهور النفط وعائداته المالية على أخلاقيات شعبه).
وكان اهتمام الشيخ راشد بتطوير التجارة والصناعة أحد أهم الأسباب في قصة نجاح دبي، فقد كان يعمل جاهدا على خلق المناخ الملائم للعمل عن طريق توفير الوسائل المساعدة على تنشيط الحركة الصناعية والتجارية. وكان دوما يقول إن الواجب يفرض على المرء مواصلة الجهاد والعمل حتى يصل إلى تحقيق أمانيه وأهدافه.
ولم يكن الشيخ راشد يكل من حث الناس على توخي البساطة والنأي عن التعقيد في تصريف المهام الموكلة لهم وكان في الوقت نفسه يشدد على الحرص والتنظيم والعمل على تذليل العقبات التي تحول دون التنفيذ السريع والإنتاج المأمول. ومن أبرز الشعارات التي كان يرفعها شعار (عمل جاد، وسهر متواصل، وإحساس متفاعل مع أماني الشعب وآماله في حياة أفضل ومستقبل زاهر).
ومما يدل على بعد نظره وثاقب تفكيره أنه كان من أوائل الحكام في المنطقة الذين نادوا بضرورة بناء دولة حديثة يسودها القانون، ويحتل فيها النهج العلمي مكانته، ويستند فيها العمل على الموضوعية، والتخطيط في شتى مناحي الحياة.
وكان الشيخ راشد يتمتع بحس وطني نادر ودراية تامة بشؤون الاقتصاد. ولا يملك المرء، وهو يقرأ سيرة هذا الحاكم الفذ، إلا أن يبدي إعجابه بتلك النظرة البعيدة التي سبق بها زمانه، فقد قال الشيخ راشد قبل ثلاثة عقود مضت إنه لم يفكر يوما ولن يفكر في استثمار أموال الدولة خارج الدولة. وها نحن نرى اليوم الآفة التي تعاني منها اقتصاديات الدول العربية ان أموال مواطنيها مستثمرة في دول أجنبية. وليس أدعى للباحث وهو يتناول سيرة حياة رجل في قامة الشيخ راشد من ان يستشهد بآراء الكتاب والمفكرين الأجانب. فها هو الكاتب الصحفي البريطاني جريم ويلسن يقول فيه : (والواقع ان قراءة تاريخ تلك الفترة ليست بالأمر السهل. فليس هناك سجلات مدونه تغطي الجزء الأكبر من هذا القرن (العشرين)، والشيخ راشد نفسه لم يكن مهتما بتوثيق أعماله، فكان اهتمامه الأكبر منصبا على الإنجاز من اجل المستقبل بدلا من تضييع الوقت في تسجيل مآثر الماضي. كان الشيخ راشد رجلا بعيد النظر لا ينتظر حدوث الأمر حتى يبدأ في تحليل أبعاده. وكان يتخذ القرار ويشرع في تنفيذه على الفور وقبل ان يجد نفسه مطالبا بالالتزام بالأعراف الدولية – بعد ان أصبح لدبي شأن على الساحة الدولية ).
وكان الشيخ راشد يلتزم تجاه الطرف المتعامل معه بمجرد المصافحة بالأيدي، وكان هذا هو الأسلوب البدوي التقليدي في عقد الصفقات، والمدهش في الأمر أنه كان أسلوبا فعالا وناجحا، وكان الشيخ راشد يوفي التزاماته ويتوقع من الطرف الآخر ان يلتزم هو أيضا دون الانتظار حتى يتم تحرير عقد رسمي بينهما.
يقول العميد الدكتور محمد حافظ عبده الرهوان في كتابه (الاستراتيجية الأمنية التنموية للشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم): (إن من أهم أسباب نجاح إنجازات راشد التنموية أنه كان يؤمن بذاتية التنمية أسلوبا ومنهجا، أي أنه كان يؤمن بان لكل بلد موقعه وموارده وطاقاته التي تمكنه من النهوض وتفرض عليه خطة معينة للتنمية تتفق وظروفه الخاصة وإمكانيات أبنائه، مقتنعا في ذات الوقت بضرورة الاستفادة بتجارب الآخرين).
وقد انتهج الشيخ راشد أسلوبا في التنمية مستمدا من عادات البلد وثقافته الإسلامية الأصيلة، فتبنى في سياساته مبادئ مثل تقرير الملكية الخاصة والعامة على السواء والاعتماد على القطاع الحكومي والقطاع الخاص في تحقيق التنمية، والأخذ بالشورى الإسلامية فكانت مجالسه مفتوحة لجميع فئات الشعب على نحو ما رأينا آنفاً. كما منح الأرض مجانا للأفراد لاستثمارها. وقد أخذ الشيخ راشد، في تطبيقه لسياساته، بأهم مبادئ التوزيع العادل للثروات في الإسلام عملا بالحديث الشريف القائل (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته) فعمل على توفير الحياة الكريمة للمواطنين وكفل لهم السكن والرعاية الصحية والتعليم والأمن.
وكان الشيخ راشد ينطلق في تصريف شئون الحكم في إيمانه الراسخ بالله تعالى فكان نظيف اليد، عفيف اللسان، يكره الإساءة، ويمقت التسلط، وكان على قناعة من ان عجز الحكومات عن حل مشكلاتها الاقتصادية ينجم عنه تفاقم الأزمات السياسية والاجتماعية والأمنية.
وينقل جريم ويلسن في كتابه الذي أشرنا إليه من قبل عن أحد الذين عاصروا الشيخ راشد، قوله وهو يوجز فلسفة الأخير في الاقتصاد :
(مع زيادة عدد السكان نشأت الحاجة إلى توسيع نطاق الدوائر الحكومية المدنية، وكان الشيخ راشد يدرك ان عدة دول خليجية كانت قد كبلت الأسرة التجارية فيها بقيود الروتين الحكومي والضرائب الجديدة والضوابط التنظيمية المعقدة. وكان يوجه من كان يعمل منا في مجالات تتعلق بالقطاع التجاري بضرورة تسهيل الإجراءات لكي تستطيع المؤسسات الشرعية مزاولة التجارة بسلاسة. وكانت سياسة الباب المفتوح التي اتبعها الشيخ راشد بالإضافة إلى غياب الروتين الحكومي من أهم أسباب جذب الكثيرين من الناس إلى دبي).

عودة »»