الصفحة الرئيسية
الكُتب والمراجع والحقوق
عدد الأقسام : 6
عدد المقالات : 224
عدد زوار المقالات : 161559
المتواجدين حاليا :
 
البحث فى المقالات
 
 
الصفحة الرئيسية » الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم » نصف قرن من الإنجازات
تاريخ الإضافة :: 24/12/2006   ||   عدد الزوار :: 1374

نصف قرن من الإنجازات


لم يكن الشيخ راشد بن سعيد، حينما تولى مقاليد الحكم في إمارة دبي عام 1958، بغريب على دهاليز السياسة ومطباتها. فقد شارك والده الشيخ سعيد في تسيير أمور الحكم منذ عام 1939 حيث كان وليا للعهد في وقت كان العالم، ومنطقة الخليج العربية على وجه الخصوص، يمر بأزمات اقتصادية طاحنة، فكان ان بدأ الشيخ راشد وهو ولي لعهد دبي ثم حاكم لها في الفترة من 1958 حتى 1990، في التصدي لتلك المعضلات بدراية وسعة أفق منقطعة النظير.



ولقد عملت دبي منذ أوائل القرن العشرين على ان تكون مركزا تجاريا لمنطقة الخليج، وظلت خلال السنوات التي أعقبت انهيار صناعة اللؤلؤ وما رافقها من كساد اقتصادي محتفظة بوعيها التجاري. غير ان اكتشاف النفط فيها بكميات تجارية هو الذي أحدث تلك النقلة الهائلة في دبي وفتح أمامها آفاقا جديدة مما جعلها واحدة من أكثر اقتصاديات العالم انتعاشا.

النفط والطفرة


كانت دبي قبل اكتشاف النفط تعتمد على التجارة وصيد الأسماك واللؤلؤ كمصدر أساسي للدخل، ثم تعرضت تجارة اللؤلؤ لكساد كبير في ثلاثينيات القرن الماضي بعد ظهور اللؤلؤ الصناعي الياباني وانتشار استخدامه على نطاق عالمي واسع. وكانت الغالبية العظمى من مواطني دبي يسكنون في بيوت من سعف النخيل ويعتمدون في غذائهم عل التمر والسمك واللبن. وفي حقيقة الأمر كان ذلك هو واقع الحياة في معظم أجزاء منطقة الخليج العربي قبل ان يشرق فجر صناعة النفط في الفترة التي سبقت الحرب العالمية الثانية.
وكانت دبي تعاني من عدة معوقات تحول دون تحقيق التنمية المنشودة وتمثلت تلك المعوقات في نقص المدخول والثروات، وعدم وجود رأس المال الاجتماعي، ونقص الموارد الطبيعية، والتخلف الاجتماعي والثقافي والإداري.
وعزا العميد الدكتور محمد حافظ عبده الرهوان في كتابه (الاستراتيجية الأمنية التنموية للشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم) أسباب ذلك التخلف الذي كان على الشيخ راشد ان يواجهه عندما كان وليا لعهد دبي ثم حاكما لها، في عاملين أثنين هما الفقر، والتبعية الاقتصادية للخارج، وفي سبيل القضاء على تلك المعوقات انتهج أسلوبا جديدا في التعامل مع مشاكل التنمية على نحو ما أشرنا إليه بالتفصيل من قبل.



وكان الشيخ راشد مصمما على أن تصبح دبي إمارة نفطية خاصة بعد ان بدأت بوادر الانتعاش تظهر في اقتصاديات دول مجاورة مثل المملكة العربية السعودية والبحرين والكويت، وبعد ان أظهرت تقارير جيولوجية مؤشرات إيجابية على وجود النفط في دبي، تم تشكيل شركة امتيازات البترول المحدودة في عام 1935 ومنحت حكومة دبي هذه الشركة امتياز التنقيب عن النفط في أراضيها في عام 1937 وذلك بعد مرور خمس سنوات على اكتشاف النفط في البحرين التي شهدت ازدهارا لم يسبق له مثيل. وأصرت دبي على توظيف مواطنين من دبي في الشركة. على ان اندلاع الحرب العالمية الثانية أوقف عمليات التنقيب عن النفط في دبي مما أجل دخولها عصر الازدهار النفطي.



ثم استؤنفت عمليات استكشاف النفط بعد ان وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها. ولم يكن الشيخ راشد، الذي كان يقوم آنذاك بالتفاوض بالنيابة عن أبيه، يشعر بالارتياح تجاه الشروط التي كانت تنص عليها اتفاقيات التنقيب عن النفط مع بعض دول المنطقة والتي تحصل بموجبها حكومات تلك الدول على عشرين بالمائة فقط من الأرباح.
وقد استطاع الشيخ راشد ببراعته التفاوضية ان يطالب بحصة متساوية من الدخل المحصل من النفط مناصفة مع شركة النفط الإنجليزية الإيرانية (أنجلوإيرانيان أويل كبماني). ولدهشة العاملين في صناعة النفط قبلت الشركة بشرط الشيخ راشد. ومع ذلك فان اكتشاف النفط في المناطق البرية لم يصادف نجاحا، فأوقفت الشركة الحفر وأعيد الامتياز إلى الحكومة في عام 1971.
على ان الجهود لاستكشاف النفط لم تتوقف حتى تم العثور على الذهب الأسود في المناطق البحرية وبالتحديد في حقل (فتح) في عام 1966 فكان ذلك إيذانا بدخول دبي عصر النفط. وقد اختار الشيخ راشد بنفسه اسم (فتح) لأول حقل نفطي ليكون بمثابة فاتحة خير على البلاد وشعبها. وكانت حكومة دبي قد أنشأت قبل ذلك شرطة نفط دبي (دي. بي سي) في عام 1963 وهي اتحاد قوي من الشركات الكبرى العاملة في هذا المجال تنضوي تحت لوائه شركة أميريكان كونتننتال (كونوكو) وشركة (كومباني فرانسيز دوبترول) بالإضافة إلى شركة (ربسول) الأسبانية وشركتي (آر دبليوتي – دى ئى إيه) و (وينترسول).
وبدأت دبي إنتاج النفط رسميا في السادس من سبتمبر عام 1969. وتم شحن اول ناقلة بالبترول في 22 سبتمبر 1969 بحمولة 180 ألف برميل. وفي التاسع من نوفمبر 1970 تم اكتشاف حقل النفط الثاني في جنوب غرب حقل (فتح) وبدأ إنتاجه في عام 1972. وتوالت بعد ذلك عمليات استكشاف النفط في دبي، فيما قام الشيخ راشد بإبرام اثنتي عشرة اتفاقية في الفترة ما بين أكتوبر 1982 ونوفمبر 1983.
وطالب الشيخ راشد في عام 1970 شركات النفط بأن تزيد حصة دبي من دخل النفط من 50٪ إلى 55٪ . وشهدت أسعار النفط ارتفاعاً هائلاً إبان الحرب السادس من أكتوبر عام 1973 والتي حقق فيها العرب انتصارهم المشهود على إسرائيل.
وهكذا دخلت دبي عصر النفط فتدفقت الموارد المالية على الحكومة، وزادت معها مشغوليات الشيخ راشد حتى نصحه أصدقاؤه بالتخفيف عن وتيرة نشاطه حفاظاً على صحته، ولكن الشيخ النشيط كان يرد عليهم قائلاً ان المرء يريد تحقيق الكثير إلا أنه لا يستطيع إنجاز إلا القليل.


خور دبي


كان ميناء لنجة على الساحل الإيراني من الخليج يمور حركة ونشاطاً حتى أواخر القرن التاسع عشر، وكانت الإدارة الإيرانية تجني منها عوائد ضخمة من الضرائب التي تجنيها من السفن التي ترسو فيها، وفي عام 1902 أسندت الإدارة الإيرانية إلى موظفين بلجيكيين مهمة إدارة لنجة فقاموا بفرض لوائح ونظم تراخيص جديدة وضرائب أعلى، وكانت تلك التغييرات القشة التي قصمت ظهر البعير وأنذرت بموت الميناء.
ودفع انهيار ميناء لنجة الكثير من التجار إلى نقل أعمالهم التجارية إلى الضفة المقابلة للخليج العربي حيث دبي، وقد استفادت دبي من موقعها الجغرافي ومن انهيار ميناء لجنة فوفرت الجو التجاري الحر للتجار وأصحاب المهن والغواصين للعمل فيها إبان حكم الشيخ مكتوم بن حشر (1894 – 1906م) ولذلك فقد بدأت السفن التقليدية تزداد في ميناء دبي الطبيعي حتى اصبح في عام 1902 يستقبل البواخر بصورة مستمرة، ومن ثم اعتبر المركز التجاري الرئيس للساحل المتصالح، وكان خور دبي هو الشريان النابض في قلب المدينة حيث كانت ترسو فيه السفن لتفريغ حمولتها، وكانت القوارب الصغيرة تنقل البضائع من هذه السفن إلى ضفتي الخور ومباشرة إلى مخازن ومستودعات التجار التي تقع على الخور.
وبفضل هذا الخور أخذت دبي تستعيد نشاطها في أوائل الخمسينيات بعد فترة كساد سبقت ذلك مباشرة، ونظراً لمحدودية الأرصفة كانت المراكب الخشبية التقليدية الكبيرة تضطر إلى الرسو كل ثلاث جنباً إلى جنب في الخور الذي يبلغ طوله تسعة أميال، وكان الشيخ راشد يرى ان الإضطراب الناجم عن قلة عدد الأرصفة تسبب في التهرب من الضرائب التي كانت دبي في أمس الحاجة إلى عائداتها آنذاك.
وبدأ الشيخ راشد يتحدث في مجلسه حول ضرورة تقديم المزيد من التسهيلات في الخور لإنعاش القدرات الاقتصادية على ان ثمة ظاهرة سلبية بدأت تطل برأسها وهي ان الخور بدأ يمتلئ بالطمي بدرجة تنذر بالخطر مما يعيق حركة الملاحة فيه، وكان الشيخ راشد على دراية بهذا الأمر فكلف المستشارين بإجراء مسح للخور ووضع الخطط الكفيلة بفتح الممر المائي بصفة دائمة.
ومن أجل تمويل عمليات المسح قامت حكومة دبي ببيع سندات مالية خاصة بخور دبي إلى التجار، كما قامت بتدبير قرض بمبلغ يساوي نصف مليون جنيه استرليني في عام 1958 / 1959 لتمويل أعمال الحفر في خور دبي، وما ان تقدمت شركة (هالكرو) بخطة ضخمة لإعادة تطوير الخور حتى شرع الشيخ راشد في مناقشة المهندسين حول المزايا النسبية لحوائط ودعائم الصلب واستخدام المتفجرات.
وكان مقدراً ان تصل تكلفة المشروع كله نحو 600.000 جنيه استرليني، وهو مبلغ فوق طاقة حكومية دبي ويساوي إجمالي الناتج القومي لمدينة دبي في ذلك الوقت لعدة سنوات فكان ان تفتق ذهن الشيخ راشد عن فكرة السندات المالية تلك والتي اطلق عليها اسم سندات الخور.
وبحلول عام 1959 كان العمل يجري على قدم وساق، والضجيج المنبعث من حركة الحفارات الميكانيكية والآليات الثقيلة والرافعات يقض هدوء المدينة الناعسة، وكان الشيخ راشد يزور مواقع العمل على الخور عدة مرات في اليوم للوقوف على سير تنفيذ المشروع، ولم يمض وقت طويل حتى كانت حكومة دبي تجني ثمار هذا المشروع حتى قبل ان يكتمل، فقد أمر الشيخ راشد باستخدام حصيلة الحفر من الصخور والطمي لردم المنطقة المنخفضة على جانبي الخور وخاصة الشريط الطيني المواجه لبر ديره، وهكذا توفرت اراضي جديدة على مستوى البحر في موقع من أهم مواقع المدينة، وأخذ الشيخ راشد يبيع مساحات واسعة من هذه الأراضي مستفيداً من عائداتها في تغطية جزء من تكاليف تطوير خور دبي.
ومع نهاية عام 1960 كانت شركة (هالكرو) قد فرغت من تنفيذ مشروع تحسين مرفأ دبي، وأصبح الخور قادراً على استقبال سفن ذات غاطس بعمق ثمانية أقدام، وتحقق أمل الحكومة في ان تؤدي عملية توسعة الخور وتطوير البنية الأساسية للمرفأ إلى بروز دبي كمركز تجاري رئيس على طول الساحل المتصالح.
وحقق المشروع نجاحاً باهراً وزادت عوائد الرسوم الضريبية، وكان هذا المشروع هو أضخم مشروع تنموي شهده الساحل المتصالح حتى ذلك الحين.
وكانت الخطوة التالية التي قرر الشيخ راشد اتخاذها هو إنشاء جسر يربط بين دبي وبر دبي حيث كان من الصعب جداً الطواف حول الخور لذلك أراد ان يربط بين طرفي المدينة بطريق معبد يسهل السير عليه، وبدأت الأشغال في بناء جسر المكتوم ذي الاتجاهين بعد ان نجح الشيخ راشد في الحصول على قرض بقيمة 190.000 جنيه استرليني، وانتهى العمل في بناء أول جسر يربط ديره ببر دبي في عام 1962، وقام الشيخ راشد بافتتاحه في ذلك العام معلناً بداية مرحلة جديدة من الحياة التجارية في المدينة.


قطاع الطيران


كانت الطائرات البرمائية هي التي تربط دبي بالعالم الخارجي منذ ثلاثينيات القرن الماضي، وقد اهتم الشيخ سعيد والد الشيخ راشد بجذب شركات الطيران العالمية، فأقنع شركة (إمبريال إيروييز) التي أصبحت تعرف فيما بعد (ببريتيش إيروييز) بجدوى توقف طائراتها في دبي أثناء رحلاتها إلى بومباي.
وقد لاحت الفرصة الأولى لدخول دبي قطاع الطيران في فترة الثلاثينيات من القرن الماضي عقب إخفاق خطط استخدام الطائرات البريطانية للقواعد الجوية الإيرانية، فحاولت شركة إمبريال إيروييز بدعم من الحكومة البريطانية الحصول على قاعدة في أي من مشيخات الساحل المتصالحة لكي تستخدمها القوات الجوية الملكية في عام 1931، إلا أن هذا الطلب قوبل بالرفض من قبل الشيخ سعيد، ومن ثم باءت المبادرة البريطانية لإنشاء مطار في دبي بالفشل.
على ان الشيخ سعيد أبلغ في عام 1933 المندوب السياسي البريطاني المقيم في الشارقة بموافقته على قيام الطيران الملكي البريطاني ببناء مخزن للبترول في خور دبي، وتم توفير قارب بواسطة الحاكم في الخور بموجب اتفاقية مدتها ست سنوات، وفي شهر يناير عام 1934 هبطت أول طائرة عسكرية في خور دبي إيذاناً ببدء عصر الطيران في دبي.
وفي عام 1937 أرادت شركة امبريال إيروييز استخدام دبي قاعدة تتوقف فيها طائراتها المتوجهة من بغداد إلى بومباي، فوافقت دبي على الفكرة، وقام الشيخ سعيد بالتوقيع على اتفاقية مدتها سنة كاملة في يوم 22 يوليو 1937 يتعهد بموجبها بتوفير التسهيلات التي تحتاجها شركة الطيران مقابل 440 مليون روبية هندية شهرياً شريطة ان تقوم الشركة بدفع أجور استخدام أية مبان أخرى بصورة منفردة.
وبعد عقدين من الزمن كان الشيخ راشد مدركاً لمدى تأثير حركة الطيران على الأسواق العالمية، وكان على القادم إلى دبي من خارج المنطقة ان يسافر جواً إلى البحرين، ثم يستقل مركباً أو سفينة إلى دبي أو الانتظار حتى تأتي طائرة في إحدى رحلاتها غير المنتظمة لتقله إلى دبي، ولهذا كانت فكرة إنشاء مطار في دبي تراود الشيخ راشد منذ وقت طويل إدراكاً منه بأن المطار سيسهم في جعل دبي مركزاً إقليمياً، وفي مساء يوم من أيام عام 1958 أعلن الشيخ راشد في مجلسه بعد ان أصبح حاكماً لدبي عزمه البدء في إنشاء المطار في اقرب وقت ممكن، وبعد أشهر قليلة حدد موقعين لإقامة المطار على واحد منهما الأول في القصيص والثاني في جبل علي، واختيرت القصيص كموقع للمطار بعد ان أثبتت الدراسات على التربة مواءمتها لبناء مطار واستبعدت منطقة جبل علي لبعدها عن دبي والشارقة.
وبُدء العمل بالفعل خلال أشهر قليلة من اتخاذ الشيخ راشد قراره بإنجاز المرحلة الأولى وهي تشييد مدرج رملي محكم بطول ستة آلاف قدم.
وفي الثلاثين من سبتمبر من عام 1960 افتتح الشيخ راشد رسمياً مطار دبي الدولي الذي كان يتألف من مبنى صغير وبرج مراقبة وضم أول سوقين حرتين في منطقة الساحل المتصالح، فدخلت بذلك دبي عصراً جديداً في عالم السفر.
ولم يكن الشيخ راشد ليقتنع إلا بمطار صالح لكل الظروف والأجواء فأصدر قراره بالبدء في العمل بإنشاء مدرج من القار للمطار بعد افتتاحه بسنتين، حيث بدء العمل به في شهر مايو 1963 وأنتهى العمل في المدرج الذي بلغ طوله 9200 قدم وافتتحه الشيخ راشد يوم 15 مايو 1965.
ومع زيادة حركة الطيران في دبي أمر الشيخ راشد بإعداد خطط لإنشاء مبنى للمطار الجديد بالإضافة إلى مدرج يمكنه استيعاب الخطوط الجوية العالمية، وقد بدء العمل في تنفيذ المشروع الذي بلغت تكلفته 6.8 مليون جنيه استرليني، في 15 إبريل 1969 وافتتحه الشيخ راشد رسمياً في 15 مايو 1971م.


ميناء راشد


في مطلع الستينيات، ومع توسعة خور دبي أخذ مستوى المعيشة في مدينة دبي في التحسن بفضل توفير المرافق الأساسية، وزادت مع هذا التحسن في المعيشة حركة الملاحة في الخور، الأمر الذي أحدث اضطراباً في المرور عبره، وقد وصل متوسط عدد السفن التي تدخل دبي في أواخر الستينيات 4000 سفينة في السنة، وكانت السفن عابرة المحيطات ترسو في الخليج بعيداً عن شاطئ دبي حيث يجري تفريغها وشحنها بواسطة صنادل تجرها القاطرات.
ولهذا فقد اقتنع الشيخ راشد بضرورة إنشاء ميناء حديث كبير الحجم يتناسب مع تطور وتوسع المدينة، فقام بتكليف الخبراء بإعداد دراسة جدوى حول إنشاء ميناء في المياه العميقة، وبحلول عام 1967 كان المهندسون المصممون يقومون برسم مخططات ميناء في منطقة الشندغة التي اختيرت لعمق مياهها ولوجودها على مقربة من مدخل الخور. وقد وُضع التصميم الأول بحيث يتألف الميناء من أربعة أرصفة قادرة على استقبال السفن عبارة المحيطات وناقلات البترول، وأُطلق على الميناء اسم (ميناء راشد) وكانت الأعمال الإنشائية لهذا الميناء هي أكبر أعمال إنشائية شهدتها دبي حتى ذلك الحين، ولكن قبل الانتهاء من جميع أعمال الإنشاء أعطى الشيخ راشد أمراً مفاجئاً بإنشاء ستة عشر رصيفاً بدلاً من أربعة.
وعندما افتتح حاكم دبي ميناء راشد في أكتوبر عام 1971، أي بعد خمس سنوات من بدء أعمال الحفر الهندسية، تبين ان القرار الذي كان الشيخ قد اتخذه بزيادة عدد الأرصفة كان قراراً عبقرياً بالفعل، فبحلول موعد الافتتاح كانت الأرصفة محجوزة بالكامل.
وفي فبراير عام 1976 بدأت مرحلة جديدة في تطوير الميناء، إذ أضيف عشرون رصيفاً بما فيها خمسة أرصفة مخصصة للحاويات تستقبل أكبر السفن حجماً، كما تم توسيع منطقة التخزين إلى ثلاثين ألف متر مربع، بما في ذلك منطقة متطلبات التخزين الخاصة التي أصبحت تضم أربعمائة ثلاجة.
كما قامت حكومة دبي بتطوير ميناء الحمرية عام 1975 لكي خدم سفن البوم والسفن الخشبية التي تنتقل على ساحل الخليج.
ولقد مكن ميناء راشد مدينة دبي من تعزيز موقعها كمركز تجاري في منطقة الخليج، وكان لوقوعه بالقرب من المصارف والمكاتب التجارية، وكذا نظام تشغيله عالي الكفاءة، وخلو عملياته من التعقيدات الإدارية، وارصفته المصممة تصميماً، ومخازنه ومنشآته الأخرى كل ذلك سهل على التجار استيراد بضائعهم وساعد كثيراً من الوكالات وشركات التأمين وشركات عمالة إصلاح السفن وغيرها من المؤسسات على اتخاذ دبي مقراً لها.


الميناء الصناعي بجبل علي


استيقظ البريطاني نيفيل ألن، الذي جاء إلى دبي عام 1958 كممثل لشركة هالكرو، في الساعة الخامسة من صبيحة أحد الأيام في منتصف سبعينيات القرن العشرين على رنين الهاتف، وجاءه صوت على الطرف الآخر لأحد رجالات الشيخ راشد يخبره بأن حاكم دبي يريد ان يراه على قمة تل صغير قرب قرية جبل علي، وانزعج ألن من الطلب المفاجئ فأسرع إلى حيث التلة الصغيرة ووجد الشيخ راشد وبعض المسئولين في انتظاره، فأشار الشيخ راشد بيده ناحية الساحل القريب قائلا: (هناك ... أريد إنشاء الميناء) وبطريقته الخاصة شرح لألن فكرته ثم طلب في حينها معرفة التكلفة التقديرية للمشروع فأعطاه ألن رقما تقريبيا بتكلفة المشروع تحت إصرار الشيخ راشد الذي أمره بالبدء في العمل في هذا المشروع ويصف نيفيل ألن الشيخ راشد بأنه كان إنسانا ذكيا بدرجة غير عادية ويعمل بسرعة البرق، وكان الشيخ راشد دائما يقوم إنه يريد أن يبني ميناء كبيرا جدا على غرار ميناء الجبيل أو ميناء ينبع السعوديين، وكانت فكرته لبناء ميناء صناعي لأن ميناء راشد مختص في التعامل بشحنات البضائع المستوردة للاستخدامات المدنية.
وقد استغرق الأمر أربع سنوات وتحديدا حتى الثاني من أغسطس عام 1976، عندما تم حفر الأرض تمهيدا لإنشاء ميناء جبل علي وانتهى العمل من إنشاء أول رصيفين خلال ثمانية عشر شهرا وقد عمل الميناء بكامل طاقته في يونيو 1979 وهو يقع على بعد خمسة وثلاثين كيلو متراً من مدينة دبي ومائة وعشرين كيلو متراً من مدخل الخليج، وفي حقيقة الأمر كان الشيخ راشد يشعر بان منطقة جبل علي يمكن ان تصبح أقرب إلى المدينة في حالة توفر وسائل المواصلات والطرق الجيدة، وفي نفس الوقت هي بعيده عن المدينة بما فيه الكفاية لأن تكون منطقة تصنيع من أجل جذب مزيد من الأعمال التجارية إلى الإمارات، ومرة أخرى تثبت الأيام ان الشيخ راشد كان على حق تماما عندما اختبار منطقة جبل علي لإقامة ميناء صناعي فيها وبعد ان بدأ الميناء العمل دخلت التنمية الصناعية في طور التنفيذ على قطعة من الأرض تبلغ مساحتها حوالي 5000 كم خصصت لهذا الغرض بالقرب من الميناء فنشأت شركات صناعية كبيرة مثل شركة ألمونيوم دبي (دوبال) التي تعتبر اليوم واحدة من أكبر شركات إنتاج الألمنيوم في العالم ومصورا من مصادر العملة الأجنبية للدولة وشركة غاز دبي (دوغاز) ومصنع للأسمنت ومصنع لأساسيات البناء من الحديد والصلب ومصنع كابلات الكهرباء ومحطة للكهرباء وغيرها من منشآت، ووفرت المنطقة الصناعية عددا كبيرا من الاتصالات السلكية واللاسلكية والماء والكهرباء، وتمت الاستفادة من الحرارة العالية الناتجة عن صناعة الألمنيوم في تشغيل محطة كبرى لتحلية المياه تنتج نحو 35 مليون جالون من المياه العذبة، (دوغاز) بتكلفة قيمتها 400 مليون دولار، وهي اليوم واحدة من أهم المؤسسات الصناعية في منطقة الخليج، والتي أنشئت بمرسوم من حاكم دبي عام 1977، وفي نفس السنة أمر بإنشاء شركة دبي للكابلات (دوكاب) في نفس المنطقة بكلفة 22 مليون دولار واعتبرت الميناء منطقة حرة، وهي الأولى من نوعها في منطقة الخليج وتتمتع البضائع التي تصل جبل علي بقصد إعادة التصدير أو العبور بإعفاء جمركي كامل بالإضافة إلى الإعفاء من رسوم العبور وفترة طويلة من التخزين المعفي من الرسوم.
وما كاد الناس يفيقون من الدهشة التي صاحبت قرار الشيخ راشد بإنشاء ميناء جبل علي حتى فاجأهم بعد أسابيع قليلة بمشروع آخر هو بناء الحوض الجاف الذي كان أحد الأحلام التي كانت تراود الشيخ راشد لاستكمال البنية الأساسية لدبي ونبعت الحاجة لبناء هذا الحوض بعد تزايد الملاحة على ميناء راشد مما جعل وجود حوض لإصلاح السفن وصيانتها أمرا ضروريا وقام الشيخ راشد بالتوقيع على اتفاقية إنشائه في أواسط شهر مايو عام 1972 وفي عام 1979 تم افتتاح الحوض الجاف الذي أشتمل على ثلاثة أحواض يستوعب واحد منها سفنا حمولتها مليون طن وأسندت رئاسة تلك المنشأة إلى الشيخ محمد بن راشد، ويعد ميناء جبل علي الذي انتهى العمل فيه بالكامل عام 1981 أكبر ميناء في الشرق الأوسط ليضيف بذلك الشيخ راشد إنجازا جديدا لسجل إنجازاته العديدة فقد قال حاكم دبي مرة عن مشروع ميناء جبل علي : (إن إقامة هذا الميناء يأتي تمشيا مع خططنا لجعل هذا البلد مركزا له شأنه في المجتمع العالمي، ولكي نحول بلدنا من بلد يعتمد على التجارة فقط إلى مركز يساهم في الصناعات العالمية المتطورة ويسهل السبل أمام هذه الصناعات لتمضي قدما في خدمة الإنسانية ومجالات الحياة المختلفة).
ويصف جريم ويلسن في كتابه (راشد بن سعيد آل مكتوم الوالد والباني) ميناء جبل علي بأنه أضخم ميناء من صنع الإنسان وثاني أضخم مشروعين أنجزهما الإنسان على وجه الأرض بعد سور الصين العظيم، وهما المشروعان الوحيدان اللذان يمكن رؤيتهما من على سطح العمر، وقد بلغت تكلفة بنائه 6.2 بليون درهم (أي ما يعادل 3 مليارات دولار) وشيد الميناء في منطقة رملية صحراوية تبلغ مساحتها نحو 25 فدانا، وقد تطلب إنجاز هذا المشروع الضخم إزالة أكثر من 160 مليون ياردة مربعة من الرمال والحصباء والحجارة.


جداف دبي


لعبت النظرة الثاقبة للشيخ راشد دورا هاما في تنشيط جداف دبي الذي يقع على بعد 1500 متر تقريبا من جسر القرهود، وهو جزء من خور دبي، فقد كان حاكم دبي مدركا للأهمية الإستراتيجية لهذا الموقع الذي يشكل حوضا طبيعيا مع نهاية خور دبي، فأصدر مرسوما أميريا بإنشاء جداف دبي.
وقد افتتح المشروع رسميا عام 1978م وبلغت تكلفته 45 مليون درهم وعلى الرغم من أنه أنشئ أساسا ليكون مكانا لإصلاح وصيانة السفن الخشبية وقوارب الصيد إلا أنه شهد توسعا سريعا على مر السنين ليثبت نظرة الشيخ راشد في أهمية هذا الموقع الذي يمكن الوصول إليه برا عن الطريق الرئيسية المؤدية إلى جسر القرهود في بر دبي، وقد أصبح الجداف حاليا قادرا على استيعاب كافة أنواع السفن اعتبارا من الزوارق واليخوت الصغيرة ومرورا بسفن البضائع وانتهاءً بزوارق الإمداد والسفن العاملة في مجال النفط.
والجداف مزود بنظامين متطورين لرفع السفن إلى الحوض الجاف، وتستطيع الوحدة الصغيرة رفع سفن يصل وزنها إلى 435 طنا، ويصل طول منصة الحوض إلى 40 مترا وعرضها 12 مترا ولهذا فإن بإمكانها استيعاب 42 سفينة من ذلك الوزن أما الرافعة الكبيرة فتصل حمولتها إلى 2520 طنا وتستطيع الرافعة الكبيرة في الحوض التعامل مع أية سفينة تتمكن من العبور عبر الفتحتين الموجودين في جسري المكتوم والقرهود أي السفن التي صل عرضها إلى 26 مترا.
وقد شهد الجداف عدة توسعات أمر بها الشيخ راشد وذلك بعد أن حقق الجداف الغرض، والهدف الرئيسي لإنشائه وهو تقديم أفضل الخدمات والتسهيلات بأنسب الأسعار الأمر الذي أدى إلى اتساع الجداف وتنامي أنشطته.
ويعتبر جداف دبي اليوم من أبرز المشروعات الاقتصادية المساعدة التي نفذتها حكومة دبي في عهد صاحب السمو الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، ولا يقدم الجداف خدمات إصلاح السفن بشكل مباشر وإنما تقوم بذلك شركات متخصصة في مجال الهندسة البحرية تتخذ من الجداف مقرا لها، ويوفر الجداف التسهيلات والخدمات لشركات الملاحة المحلية والدولية بمستوى عال من الكفاءة، ويدير الجداف مجلس إدارة من الكفاءات الوطنية تم تشكيلها عام 1980 بموجب مرسوم أميري أصدره الشيخ راشد.
وقد أكد نجاح مشروع الجداف مدى بعد نظر الشيخ راشد عندما قرر إنشاءه في ذلك الوقت.

عودة »»