أمن المنطقة تخطى مرحلة الأماني إلى مرحلة التنفيذ
30/10/1982 م
نص الحديث الشامل الذي أدلى به صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد ولي العهد نائب
القائد الأعلى للقوات المسلحة لصحيفة (الراي العام) الكويتية بتاريخ 3 أكتوبر 1982
وتناول فيه مختلف قضايا العمل الوطني ومسيرة مجلس التعاون لدول الخليج العربية
وتطورات الأوضاع على الساحة العربية :
س : ما الذي تنتظره سموكم من مؤتمر القمة الخليجي المزمع عقده في البحرين ؟ وما هو
تقييمكم للتعاون الخليجي في المرحلة الحالية؟
صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد : إن انعقاد مؤتمر قمة مجلس التعاون في التاسع من
نوفمبر المقبل في البحرين يأتي بعد تطورات كبيرة وهامة على الساحة العربية ولا شك
أنها ستكون محل بحث وتقويم من قادة دول الخليج الذي يحرصون دائماً على الإسهام في
قضايا أمتنا العربية والتصدي لما يحيط بها من أخطار وما يواجهها من أخطار وتحديات
إيماناً بالمصير المشترك الذي يربط بين أجزاء الوطن العربي من الخليج إلى المحيط
منذ فجر التاريخ، ومما يبعث على التفاؤل ان القمة الخليجية تنعقد هذه المرة وقد
تبلورت الكثير من الدراسات والبحوث والمناقشات السياسية والاقتصادية والعسكرية
والأمنية التي أنجزت خلال اجتماعات وزراء الخارجية والداخلية والاقتصاد والبترول
والدفاع لدول المجلس وسيجد القادة أمامهم حصيلة مثمرة من العمل والخطوات الجادة على
طريق التكامل الذي أرست دعائمه مؤتمرات القمة السابق.
ومن المؤكد ان القرارات التي سيصدرها قادة الدول الخليجية في المرحلة المقبلة ستكون
خطوة لتوسيع سبل التعاون ودعامة فعلية في صرح العمل الخليجي وتعميق التلاحم الذي
يحقق مصالح شعوبنا ويترك آثاره على المسيرة العربية والإسلامية، ولست أعتقد ان
الحرب العراقية الإيرانية ستكون بعيدة عن اهتمام قادة دول مجلس التعاون الخليجي
الذين يبذلون جهودهم الدائمة للعمل على وقف هذه الحرب وندعو الله ان يوفقهم في
سعيهم المبارك الذي يخدم في المقام الأول الأشقاء في العراق وإيران ويعزز استقرار
شعوب الخليج.
س : ما الذي سيبحثه وزراء دفاع مجلس التعاون الخليجي في اجتماعاتهم المقبلة؟ وهل
هناك نية لتوحيد جيوش المجلس ؟
ج : لقد برهن مجلس التعاون الخليجي على كونه أداة ناجحة لتطوير العلاقات بين الدول
الأعضاء لالتقاء رؤيتها انطلاقاً من وحدة المصير وبغية تحقيق الاستقرار لشعوبها في
ضوء التحركات والمصالح الدولية المتباينة من حولنا واستقرار المعطيات التي خلقتها
الأحداث المحيطة بالخليج.
ولما كان توثيق الأمن هو القاعدة الأساسية لبناء الاستقرار وحماية مكاسبنا الوطنية،
فقد بدأت دول مجلس التعاون الخليجي خطوات جادة لوضع أسس تكفل الحماية والأمن
المشترك وتحقيق مبدأ التكامل الأمني. وأستطيع القول ان قضية أمن المنطقة قد تعدت
مرحلة الأماني إلى مرحلة جديدة من العمل التنفيذي وقطعت شوطا ًبعيداً لتحديد
الوسائل وبلورة الأهداف واستثمار كل الإمكانيات المتاحة لتحقيق الكثير من الأمور
الإيجابية والأساسية المتعلقة بأمن ورفاه شعوبنا، ومع كل ذلك فإننا ما زلنا مطالبين
ببذل الجهود الشاقة والعمل المستمر والدؤوب لكي نصل إلى أهدافنا والوفاء
بالتزاماتنا تجاه أمتنا ووطننا العربي الكبير واذا تطلب الأمر من دول مجلس التعاون
الخليجي توحيد جيوشها فإني أومن بأن قادة دول المجلس بروح المسئولية سوف يتخذون
القرار المناسب بهذا الشأن في الوقت المناسب لأن وحدة دول الخليج كما تؤكدها الأيام
تنطلق من خصائص أصيلة وحقائق ملموسة لا تحتاج إلى مواثيق مكتوبة وصيغ موثقة.
س : ما هي واجبات المواطن الخليجي في المرحلة المقبلة كما ترونها سموكم ؟
ج : ينبغي علينا في المرحلة المقبلة ان نضاعف البذل والعطاء، عطاء المواطن لوطنه
المشوب بالحب والحرص على ذرات ترابه حرصه على نفسه وحياته، ولكي يكون عطاؤنا مثمراً
ومباركاً فإنه ينبغي على المواطن الخليجي ان يستزيد كل يوم من سلاحين رئيسيين هما
العلم والأخلاق، وأن المال عارض زائل لا يدوم.
س : هل لسموكم ان يتحدث عبر الرأي العام عن طبيعة العلاقات بين دولة الكويت ودولة
الإمارات العربية المتحدة ؟
ج : إن العلاقات الأخوية القوية بين دولة الإمارات ودولة الكويت الشقيقة تزخر بأشرف
المواقف وأنصع الصفات وتنبع من معطيات طبيعية وبشرية ذات جذور ممتدة إلى أعماق
التاريخ وتنطلق من واقع متشابه في البيئة والعادات والتقاليد وتطلع إلى أهداف واحدة
ويجتذبها مصير مشترك. ولا شك ان صاحب السمو الوالد الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان
وصاحب السمو الشيخ جابر الأحمد يدركان هذه الجذور العميقة التي تربط بين شعبينا
ويعملان لتلبية أماني شعوبنا في تحقيق مزيد من التقدم والاستقرار واستكمال أسس وحدة
العمل في مختلف المجالات والميادين والالتزام بسياسة مجلس التعاون والتنسيق لوحدة
الصف العربي. ونحن نؤمن إيماناً عميقاً بأن آفاق هذه العلاقات سوف تزداد رسوخاً لما
فيه مصلحة البلدين وأبناء الخليج والأمة العربية جمعاء.
س : تظل مسألة تنويع مصادر التسليح قضية ملحة في منطقة الخليج، ما تعليق سموكم على
ذلك؟
ج : إنني أتفق معك بأن مسألة تنويع مصادر التسليح هي قضية ملحة في منطقة الخليج بل
وفي كل دولة تسعى لتعزيز جيشها ودعم قوتها، ونحن في الإمارات نعي هذه الحقائق جيداً
ونعرف خطورة الاعتماد على مصدر واحد للسلاح، لذلك فإننا نحرص دائماً على تجنب
الوقوع تحت رحمة أهواء الدول الأجنبية المنتجة في الحصول على أفضل وأحدث الأسلحة من
الدول القادرة على تأمين احتياجات قواتنا المسلحة وفقاً لشروطنا ولي وفقاً لشروطها،
وأعتقد ان التنسيق بين دول مجلس التعاون الخليجي في المرحلة المقبلة على الصعيد
العسكري يمكن ان يعطي دفعة قوية لمسألة تنويع مصادر السلاح على أن مسألة التصنيع
الحربي العربي للسلاح تبقى ضرورة قومية ينبغي ان توضع في إطارها الصحيح وخاصة في
ظروفنا الراهنة.
س : إلى أي مدى تؤمنون سموكم بأهمية قيام الصناعة في منطقة الخليج رغم ما يحيط بها
من محاذير بسبب نقص الأيدي العاملة والمواد الخام أو غيرها من العناصر الضرورية
لقيام هذه الصناعة؟
ج : إن الصناعة أساس قوي يمكن ان ترتكز عليه نهضة الأمم وقفزات الشعوب وهي الطريق
الأمثل للتخلص من التخلف واستثمار الفوائد في الداخل وبناء القوة الذاتية على نحو
متكامل، ونحن في دولة الإمارات العربية المتحدة ندرك ان حجم التحديات التي تواجهها
المنطقة على الساحة الاقتصادية ليس هيناً وأن انتقالنا من دول تستورد أكثر
احتياجاتها إلى دول تحرص على توفير القدر الأكبر من السلع والضرورات من الداخل
يحتاج إلى جهد وزمن وتضحية كبيرة ندرك هذا نشعر ان المنطقة ما كانت تقع في هذه
المتاهات وتتوه تحت وطأة الظروف لو أنها فطنت إلى غياب القاعدة الصناعية وأهمية
صناعة القدرة الذاتية وهو ما يمكن تدراكه في إطار مجلس التعاون الخليجي من خلال
التنسيق والتكامل، ونحن في دولة الإمارات نقيم المشروعات الصناعة التي تتصل اتصالاً
وثيقاً بالبترول باعتباره أهم مواردنا الطبيعية بعد أن اجتمعت الآراء على ضرورة
تصنيعه محلياً وتصديره بصورة متعددة بدلاً من تصديره للخارج بالشكل التقليدي، ولعل
مجمع الصناعات البتروكيماوية يمثل مؤشرات حية لالتزامنا بهذه النظرة الاقتصادية
السليمة.
إن فرصة الصناعة في منطقة الخليج لم تكن مظلمة، بل على العكس من ذلك فإن تنويع
مصادر الدخل سوف يحقق نجاحات باهرة بإذن الله بشكل يكفل تعزيز ثقتنا بأنفسنا ويؤكد
حرصنا على ان تظل دول مجلس التعاون مجتمعاً مثالياً يجمع بين الرخاء والاستقرار
والتطور في آن واحد على أنه يجب ألا يغيب عن أذهاننا ضرورة ان تكون تحركاتنا هذه في
إطار خطة تستهدف تدريب الكوادر الوطنية بمنطقة الخليج ككل بحيث تكون على مستوى من
الكفاءة والمقدرة التي تؤهلها للوفاء بكافة مسئولياتها في إدارة ثرواتنا الوطنية
باكامل.
س :إن الحرب العراقية – الإيرانية بدأت تتسع شيئاً فشيئاً، فما رأي سموكم في الحلول
التي يمكن ان تضع حداً لهذه الحرب ؟
ج : إن كل قطرة دم تسيل في الحرب العراقية – الإيرانية التي لا طائل من ورائها هي
دماء عزيزة على كل مسلم، ومن المؤلم ان هذه الحرب قد استمرت ولأكثر من عامين دون
توقف رغم أنها لا تخدم مصالح الشعبين وتهدر طاقات كلا من الدولتين وتعرقل كل
إمكانيات التنمية فيهما وما زلنا على قناعتنا بأن النزاع العراقي – الإيراني يمكن
تسويته في إطار يستند إلى مبادئ القانون الدولي التي تؤكد على عدم التدخل في الشؤون
الداخلية وعلى مبادئ حسن الجوار وتسوية المنازعات بالطرق السلمية، وفي يقيني أن
حقيقة الأوضاع القائمة على جبهة القتال بين الدولتين كفيلة بإقناع الجميع بوقف هذه
الحرب التي تفقد كل مبرراتها بالنظر إلى انعكاساتها على البلدين وعلى قضايا العرب
والمسلمين وأنه لمن الحكمة الاستجابة إلى المقترحات الأخيرة التي اقترحتها لجنة
المساعي الحميدة واللجوء على الحوار والمفاوضات المثمرة بين بغداد وطهران للتوصل
إلى اتفاق يرسي العلاقات بينهما على أساس الاحترام المتبادل والالتزام بالأعراف
والمواثيق الإقليمية والدولية.
س : هل تعتقدون سموكم أن الجو مهيأ لوضع استراتيجية عربية خاصة بعد أحداث لبنان ؟
ج : إن أحداث لبنان المحزنة والغزو الصهيوني للأراضي اللبنانية والمذبحة الوحشية
التي ارتكبتها القوات الصهونية وعملاؤها ضد الفلسطينيين العزل في مخيمي صبرا
وشاتيلا قد كشفت أطماع ونوايا إسرائيل المبيتة ضد الدول العربية وسعي العدو الدائم
لاقتناص الفرص التي تساعده على تحقيق أهدافه لإقامة دول كبرى في المنطقة على حساب
الأرض العربية. وقد اتفق العرب في فاس ولأول مرة منذ بدء الصراع العربي –
الإسرائيلي على مشروع متكامل ومدروس لتسوية أزمة الشرق الأوسط والقضية الفلسطينية
بما يتفق وقرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وفي رأينا ان هذا الاتفاق بحد ذاته هو
المقدمة الأولى لوضع استراتيجية عربية موحدة بعد ان اتفقت الدول العربية على رأي
واحد في الصراع العربي ضد إسرائيل. وقد بدأت اللجنة السباعية المنبثقة عن قمة فاس
الانطلاق في مهمتها وعلينا في هذه الفترة بالذات ان ندفع بهذا الجهد السياسي في
كافة الأصعدة والمستويات لإيجاد ضغط عالمي فعال ومؤثر على إسرائيل التي تتحمل
بعدوانها مسئولية كل الحروب وعدم الاستقرار في هذه المنطقة الحيوية ونحن نتوقع رفض
إسرائيل لهذه المبادرة التاريخية وقد علمتنا التجارب إن المنطق وحده والعدل وحده لا
يكفيان لفرض الإرادة السياسية لذلك يجب ان يكون لدينا البديل الاحتياطي لهذا الجيد
السياسي.
س : نود أن تحدثنا سموكم عن خطط المستقبل وخاصة بالنسبة لدولة الإمارات ؟
ج : أعتقد دون الدخول في تفصيلات كثيرة أن أهم ما نحن في سبيل تنفيذه خلال
الثمانينات من مشروعات إنما يستهدف بالدرجة الأولى بناء الإنسان باعتباره أفضل
استثمار فوق أرضنا وتأمين مستقبله وضمان أجيالنا القادمة، ونحن نضع في اعتبارنا
زيادة الجهود الرامية إلى توسيع رقعتنا الزراعية الخضراء عن طريق إصلاح مساحات
واسعة من الأرض وتدبير الموارد المائية اللازمة لتحقيق الأمن الغذائي لشعبنا في
المستقبل القريب والبعيد معاً، وسيكون من ضمن مشروعات الثمانينات توسيع نطاق
الخدمات المختلفة في مجالات التربية والتعليم والثقافة والصحة والرعاية الاجتماعية
والإسكان وغيرها بهدف توفير الرخاء لأبناء شعبنا العزيز.
س : هل هناك دراسات حول تطبيق التجنيد الإلزامي في دولة الإمارات؟ وما مدى إسهام
الخريجين في القوات المسلحة في دولة الإمارات؟
ج : إن القوات المسلحة في دولة الإمارات تعتبر إحدى الركائز الأساسية التي يقوم
عليها بناء القوة الذاتية للدولة وهي هدف عزيز تعمل قيادة الدولة بعزم وتصميم على
بلوغه بخطوات مدروسة، وقد قطعت دولة الإمارات العربية المتحدة شوطاً كبيراً في هذا
المجال بحيث أصبحت المناصب القيادية العليا وقيادات فروع القوات المسلحة وتشكيلاتها
بأيد ضباط من أبناء الإمارات ممن تم تدريبهم وتأهيلهم علمياً وتقنياً في أعرق
المعاهد والكيات العسكرية العربية والدولية ومن ناحية أخرى فإن معاهدنا العسكرية
تشكل في مجموعها رافداً مجدداً يغذي قواتنا المسلحة بعناصر شابة فنية واعية، ويهمني
أن أنوه هنا بثقتنا وثقة شباب الإمارات بأنفسهم وقدرتهم على استيعاب واستخدام أكثر
الأسلحة تطوراً وتعقيداً في زمن قياسي كما أن الاهتمام الذي يوليه الوالد صاحب
السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة والقائد الأعلى للقوات المسلحة
بأبنائه الضباط والجنود يعزز مسيرة قواتنا المسلحة ويؤكد دورها في تأدية المهام
والواجبات المطلوبة منها. وبالنسبة للتجنيد الإجباري فإنه يشكل غاية سامية لتعزيز
قواتنا المسلحة بالكوادر الوطنية، وقد بلغنا مرحلة متقدمة بالنسبة لإعداد مشروع
قانون التجنيد الإجباري في ضوء متطلبات التنمية الاقتصادية بحيث يحقق التوازن
الكامل والضروري لبناء المجتمع القوي الذي ننشده.