استراتيجية التنمية الصناعية
في فكر صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد
في إطار خطط دولة الإمارات العربية المتحدة لتصحيح الهيكل الإنتاجي، وتقليص
الاعتماد على قطاع النفط والغاز، وإرساء الأسس السليمة لاقتصاد قوي، منحت الصناعة
أولوية خاصة لأنها طبقا للمقاييس الاقتصادية الدولية، القطاع المؤهل الذي يتوجب أن
تقوم حوله جهود التنمية لتوفر العوامل المساعدة على قيامها، مثل وجود رؤوس الأموال
الكافية وتواجد المواد الأولية والطاقة واليد العاملة، وغيرها من العوامل الأساسية.
ويؤكد النظر إلى واقع التنمية الصناعية الإماراتية أنها مرت بمرحلتي تطور هامتين،
أولاهما خلال الفترة من عام 1973 إلى عام 1985م حيث شهدت الصناعة نمواً سريعاً
لتلبية الطلب المتنامي الذي أفرزه تطور البنية التحتية في البلاد، بينما اعتمدت
كافة القطاعات الاقتصادية خلال تلك الفترة على الواردات لتلبية احتياجاتها. وكانت
مصانع مواد البناء وورش الحديد ومصانع الألمنيوم والزجاج والأصباغ من أوائل
الصناعات التي أقيمت في الدولة. ثم أعقب ذلك تطور قطاع الأغذية والمشروبات وقطاع
الصناعة الكيماوية واستطاعت الصناعات التي أنشئت للإحلال محل الواردات أن تنافس
العديد من العلامات التجارية في الشوق المحلية.
أما المرحلة الثانية التي بدأت منذ عام 1986م فقد تميز النمو الصناعي فيها بعاملين
مهمين، الأول تمثل في الإحلال محل الواردات، والثاني في تأسيس الصناعات الموجهة
للتصدير. وكان التوجه الخاص بالإحلال محل الواردات أكثر بروزاً في قطاع السلع
الاستهلاكية، وبالأخص في قطاع صناعة الأغذية والمشروبات وصناعة الأثاث إلى جانب
الصناعات الورقية. واستطاع كل من القطاعين العام والخاص بالدولة أن يحقق نجاحاً في
تأسيس صناعات تلبي طلب الأسواق العالمية، وبالتالي تم تأسيس قاعدة صناعات تصديرية
من خلال تطوير العديد من المناطق الحرة في الإمارات وبالأخص إقامة العديد من
الوحدات الصناعية في المنطقة الحرة لجبل علي.
وجاء اهتمام الدولة وقيادتها الرشيدة بقطاع التنمية الصناعة بهدف تجنب تدنى عوائد
قطاع النفط وخلق قطاع صناعي قادر على قيادة مسيرة التنمية الوطنية، وتمثلت ملامح
هذا الاهتمام من خلال:
- إصدار القانون الاتحادي الخاص بتنظيم شؤون الصناعة عام 1979م الذي اشتمل على
القواعد والتسهيلات والحوافز التي تستهدف تشجيع المستثمرين على الاستثمار في المجال
الصناعي. وفي إمارة أبوظبي صدر المرسوم الأميري رقم (5) القاضي بإنشاء المؤسسة
العامة للصناعة، لتقوم بمهام، اقتراح السياسة الصناعية للإمارة، والإشراف على
تنفيذها بعد إقرارها من الجهات المسؤولة في الحكومة المحلية. وإعداد الخطة الصناعية
في ضوء التنمية الاقتصادية والاجتماعية للإمارة، وبالتنسيق مع الجهات المعينة،
ودراسة وتنفيذ وإدارة المصانع المملوكة بالكامل للحكومة المحلية وتسويق منتجاتها
على أسس تجارية. ودعم وتشجيع القطاع الخاص الصناعي. والاشتراك مع الأشخاص الطبيعيين
أو الاعتباريين في القيام بإدارة المصانع. ومنذ إنشاء المؤسسات وحتى اليوم، قامت
بإنشاء العديد من الصناعات في الإمارة والتي مولتها حكومة أبوظبي.
- انشئ في يوليو 1997م صندوق القروض الصناعية الذي يهدف إلى تقديم التسهيلات
الائتمانية والقروض إلى القطاع الصناعي من خلال المؤسسة العامة للصناعة المنشأة في
أبوظبي خلال العام نفسه، والتي تملك العديد من المصانع مثل مصانع الأسمنت والدقيق
والأعلاف والأنابيب والطابوق والمياه المعدنية والألمنيوم ووحدة التسليح.
- وفرت دولة الإمارات حوافز للاستثمار الصناعي حيث نص قانون تنظيم شئون الصناعة على
حق المستثمر في الحصول على حوافز قبل الاستثمار، تشمل العون النفي، وتوفير البيانات
والمعلومات، والمساهمة في بعض نفقات دراسة الجدوى الاقتصادية والفنية للمشروع.
ومنحت المشاريع الصناعية إعفاءات من الرسوم الجمركية على وارداتها من الآلات
والمعدات وقطع الغيار ومواد البناء التي تحتاجها والمواد الأولية اللازمة للإنتاج
وإعفاء صادراتها من رسوم التصدير إضافة إلى عدم وجود ضرائب على أرباح المشاريع
الصناعية.
- تم إنشاء إحدى عشرة منطقة صناعية رئيسية فضلاً عن مناطق أخرى قيد الإنشاء في
المصفح والعين والرويس.
- الإعلان عن رفع رأسمالشركة الصناعات إلى أربعة مليارات درهم في ديسمبر 1998م من
خلال شراكة حكومتي أبوظبي ودبي، والتي تعد دليلا قوياً على الرغبة في إقامة مشروعات
صناعية ضخمة وبداية لتطور نوعي في التنمية الصناعية في الدولة.
- أعلن في دبي قرار الحكومة الخاص بإعفاء المنشآت الصناعية في الإمارة من رسوم
التسجيل وخفض رسوم البلدية إلى 5 بالمائة والعودة برسوم غرفة تجارة وصناعة دبي إلى
المستويات السابقة حيث استفاد من هذا القرار نحو 839 منشأة صناعية.
- بدأت وزراة المالية والصناعة بتبسيط إجراءات الترخيص الصناعي عام1998 مما أدى إلى
ارتفاع عدد المنشآت الصناعية بالدولة ليصل إلى 1695 منشأة صناعية بلغت جملة
استثماراتها 14,5 مليار درهم ويعمل فيها نحو 145 ألف عامل حتى نهاية العام نفسه.
- تم تأسيس دائرة المواصفات والمقاييس بوزارة الصناعة والمالية وفقاً للقانون
الاتحادي رقم 14 لسنة 1976 بهدف وضع ونشر ومراجعة تطبيق قواعد التوحيد القياسي
والمواصفات والمقاييس وضبط وتعديل الجودة من خلال التسيق بين الجهات المختلفة، ورفع
مستوى الكفاءة والإنتاجية وتحسين سمعة المنتجات الوطنية وحماية المستهلك والمحافظة
على الأرواح والسلامة العامة.
- إنشاء دوائر التنمية الصناعية في غالبية إمارات الدولة بهدف توفير كافة الإمكانات
الرامية والهادفة لدعم النشاط الاقتصادي وخاصة النشاط الصناعي وتأهيلها لمرحلة
جديدة من الانطلاق نحو مسيرة التنمية الشاملة.
- دراسة جدوى المشاريع الصناعية وعرضها على القطاع الخاص(يتولى هذه المهمة كل من
مصرف الإمارات الصناعي و المؤسسات العامة للصناعة في أبوظبي والغرفة التجارية).
- المشاركة في تكاليف دراسة الجدوى الاقتصادية والفنية للمشروع الصناعي (طبقاً
للمادة 23 من القانون الاتحادي رقم(1) لسنة 1979).
- تقديم البيانات والاحصائيات والمعلومات الاقتصادية والفنية، المتعلقة بحق المعرفة
والتقنية المستخدمة( طبقاً للمادة22 من القانون الاتحادي رقم (1)لسنة 1979).
- إعطاء الافضلية لأصحاب المشروعات الصناعية، في حالة إنشاء صناعات جديدة وأفضلية
للحصول على قروض من البنوك والمؤسسات المالية التي تملكها الدولة، أو تساهم فيها(
طبقاً للمادة 24، من القانون الاتحادي رقم (1) لسنة1979).
- تقديم الحوافز المادية للشركات والمؤسسات الصناعية، التي نص عليها القانون
الاتحادي رقم (1) لسنة 1979 في المادة 20 من الباب السادس وتشمل هذه المزايا: تخصيص
قطعة أرض لموقع المشروع الصناعي، سواء بغير مقابل أو بثمن مخفض أو تأجيرها له بأجرة
رمزية بشروط أفضل. توريد الكهرباء والماء إلى مشروعات باسعار تشجيعية والاعفاء من
الرسوم الجمركية بالنسبة إلى الواردات من الآلات والمعدات وقطع الغيار ومواد البناء
التي يحتاج إليها المشروع الصناعي. ومن المواد الأولية والوسيطة والبضائع نصف
المصنة، التي تلزم المشروعات لأغراضه الانتاجية وكذلك مواد التغليف والتعبئة التي
تستنفذ في الانتاج. واعفاء الارباح التي يغلها المشروع، وكذلك المبالغ الاحتياطية
المقتطعة من الأرباح لاستغلالها فيه، من جميع الضرائب لمدة خمس سنوات قابلة للتجديد
تبدأ من تاريخ الانتاج. واعفاء صادرات المشروع من المنتجات المحلية الصناعية من
ضرائب رسوم التصدير، ومنح الصادرات إعانة تشجيعية. وتمتع الإنتاج المحلي بالحماية
الجمركية مع مراعاة كفاية هذا الإنتاج من حيث الكمية والنوع والجودة.
- منح المنتجات الوطنية للدولة أفضلية سعرية مقدارها 10% في المشتريات الحكومية، مع
مراعاة عناصر المافسة من حيث الجودة والتسليم(طبقاً لقرار مجلس الوزراء رقم(578/5)
لسنة 1985).
وقد جاءت هذه الخطوات في إطار استراتيجية شمالة للتنمية الصناعية رعتها الدولة;
تهدف إلى تحقيق زيادة مساهمة القطاع الصناعي في الناتج المحلي الإجمالي، وتنمية
الصناعات الزراعية، والاستفادة من الثروات المائية، وإحياء الصناعات المرتبطة بها،
وإنتاج مستلزمات الزراعة كالأسمدة والكيماويات لاستصلاح الأراضي القابلة للزراعة،
وتنمية الموارد الزراعية والحيوانية، وتحقيق الأمن الغذائي مستقبلاً، واستثمار
الثروات المعدنية التي تم اكتشافها، وتحقيق الاكتفاء الذاتي في مجال السلع الضرورية،
وتنمية الصناعات اليدوية، وإيجاد كوادر صناعية كدربة من العمالة الوطنية.
إن تلك التنمية الصناعية المزدهرة في دولة الإمارات، جاءت كنتيجة منطقية
لاستراتيجية متكاملة الأبعاد ومتعددة المحاور، ترتكز على هدف رئيس يتمثل في الوصل
إلى تنمية شاملة تحقق الرخاء والرفاهية على أرض الوطن، وتمكنه من إنجاز مايخطط له
من أهداف وبلوغ ما يرمي إليه من تطلعات. وفي استقراء فكر صاحب السمو الشيخ خليفة بن
زايد ما يحدد معالم هذه الاستراتيجية البناءة، ويبين أهدافها وغاياتها، ويظهر
مردوداتها ويستشرف مستقبل تبنيها.