عنوان المقال : استراتيجية التنمية البشرية في فكر صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان

استراتيجية التنمية البشرية في فكر
صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان


السيد صلاح السويفي والاستاذ أنور عبد الهادي والدكتور أليكساندر شوميلين والدكتور محمد مجدي الجزيري والسيد عبد الرحيم خلال مشاركتهم في ندوة خليفة القائد

منذ الوهلة الاولى يدرك الناظر إلى صرح التنمية الشاهق على ارض دولة الإمارات العربية المتحدة، ان هذه الإنجاز العظيم لم يتحقق بضربة حظ، ولم يكن وليد الصدفة، أو مجرد استجابة عفوية لثروة طبيعية تفجرت في ارض البلاد، وإنما هو نتاج فكر واضح المعالم محدد القسمات، يغطي في شموليته كافة جوانب العملية التنموية، ويستند إلى استراتيجيات وسياسات وخطط محددة ومدروسة، ترصد إمكانات الواقع، وتحدد أهداف وتطلعات المستقبل، وترسم الخطوات المطلوبة لتحقيق الغايات.
وسمات الزعامة والقيادة لصاحب السمو رئيس الدولة الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان هي خير تجسيد للفكر الذي استندت إليه التجربة الرائدة للتنمية في الإمارات. وقد تبدو محاولة التعرف على ملامح وقسمات هذا الفكر مهمة شاقة بالنظر إلى ضخامة الانجازات التي تحققت، وتعدد مجالاتها، وتداخلها على نحو يصعب الفصل بينها.
ولكن النظرة المتأنية والمتعمقة لرحلة العبور من عمق الصحراء إلى الآفاق الرحبة للحضارة الإنسانية التي قادها صاحب السمو، تؤكد ان سموه جمع في زعامته بين أسلوب القائد الذي يضع خطة المعركة ويحشد كافة الإمكانات اللازمة لها، وبين اسلوب رجل الأعمال الذي يحدد الخطوات المطلوبة ليقيم مشروعه من الألف إلى الياء. مع فارق واحد هو ان معركة صاحب السمو كانت بحجم ولادة أمة ومشروعه بحجم بناء دولة، وقد أراد سموه لهذه الأمة وهذه الدولة ان تكون بمواصفات خاصة تجعلها قادرة على تبوء مكانتها بين الأمم والدول، اعتماداً على قدرات وطاقات أبنائها ومسيرة عطائهم المتجددة.
وتتجسد الملامح الفكرية للمشروع الحضاري التنموي الذي خاض غمار معركته باقتدار صاحب السمو الشيخ خليفة رئيس الدولة في أوضح تجلياتها فيما أولاه سموه من اهتمام بالإنسان.
فعلى العكس من المشاريع التجارية التي يكون فيها رأس المال هو عنصر الانتاج الأهم، فإن العنصر الأهم في المشروع الحضاري التنموي الذي شيده صاحب السمو الشيخ خليفة رئيس الدولة كان هو العنصر البشري، الذي تبدأ به عملية التنمية، وتنتهي عنده، وتدور حوله، وتتخذ منه هدفا ووسيلة.
وقد استمد صاحب السمو الشيخ خليفة رئيس الدولة الكثير من سمات مشروعه التنموي الحضاري من فكر والده المغفور له صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان معلم الإمارات الاول، الذي أرسى لبنات هذه السياسة بقوله ( الإنسان هو أساس أية عملية حضارية واهتمامنا بالإنسان ضروري لأنه محور كل تقدم حقيقي .. ومهما أقمنا من مبان ومنشآت ومدارس ومستشفيات، ومهما مددنا من جسور، فإن كل ذلك يظل كيانا ماديا لا روح فيه، وغير قادر على الاستمرار .. ان روح كل ذلك هو الإنسان).
وقد أسهم هذا الإدراك الواعي بقيمة الإنسان كمحور ارتكاز تدور حوله وتستند عليه التنمية الشاملة بقوة في انطلاقة دولة الإمارات العربية المتحدة التي أوصلتها إلى مصاف الدول المتقدمة حتى أضحت تتبوأ مراتب السبق في تصنيفات التنمية البشرية المرتفعة في التقارير الصادرة عن المنظمات الدولية والإقليمية.
وعلى هذا الأساس استند صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد في رؤيته للعنصر البشري، وأعطى الأولوية القصوى لبناء الإنسان.
ويؤكد سموه استمرار هذه النهج كهدف مستمر بقوله : (سيظل محور اهتمامنا دائما هو إنسان الإمارات لانه هو غاية التنمية وهدفها حاضرا ومستقبلا .. وسنمضي قدما على هذا الدرب لان الخير الذي تحقق لنا هو خير في صالح الجميع وإذا كان حب هذا الوطن لأبنائه لا مثيل له وعطاء لا ينضب فإننا ننتظر المزيد إلى الأمام).
وقد جعل سموه من بناء الإنسان هدفا ترتكز عليه خطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وعن ذلك يقول سموه : (إن الإنسان هو الثروة الحقيقية لهذا البلد قبل النفط وبعده كما ان مصلحة المواطن هي الهدف الذي نعمل من أجله ليل نهار، إن بناء الإنسان يختلف تماما عن كل عمليات البناء العادية الاخرى لانه الركيزة الأساسية لعملية التنمية الاجتماعية والاقتصادية الشاملة وعليه مسؤولية دفع مسيرة هذه الأمة).
وتأكيدا على تبني الإمارات لمنظور تنمية الإنسان كتوجه استراتيجي، قال سموه : (إذا كانت الأعياد القومية تمثل منعطفات غالية يحرص على تسجيلها كل الذين يكتبون تاريخ الشعوب والأوطان. فإن من حق شعب الإمارات ان يذكر بالتمجيد والفخر يوم الثاني من ديسمبر 1971 كعلامة بارزة في مسيرته التاريخية وتجسيد طموحاته في الاتحاد.
ولو عاد انسان الامارات بالذاكرة إلى صورة وطنه منذ سنوات قليلة خلت وقارن بينها وبين ما هي عليه اليوم، فالمؤكد انه يمتلئ إعجابا بالنهضة وما حققته خلال فترة زمنية قصيرة، فالاتحاد انطلق ينجز من الاعمال في كل المرافق ما يواكب حضارة القرن العشرين إذ شهدت البلاد نهضة شاملة في مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية ووفرت كل اسباب النهوض بانسان الإمارات باعتباره ركيزة الاتحاد الأساسية وثروته الكبيرة).
كما قال سموه : (لعل الإنجاز الاكبر والاعظم الذي نفخر به في هذه المناسبة القومية هو بناء إنسان الإمارات وإعداده وتأهيله ليحتل مكانه ويساهم في بناء وطنه والوصول به إلى مصاف الدول المتقدمة. ان بناء الإنسان كان ولا يزال هو الهدف الاول والأسمى الذي يسعى إليه قائد المسيرة فالإنسان عنده هو صانع التنمية هو أساس كل تقدم وازدهار والعمود الفقري لكل شعب أو أمة).
ويرى سموه ان الاستثمار في الإنسان هو الاهم في سياق التنمية الوطنية، ذلك ان العائد المرجو من هذا الاستثمار ينعكس بصورة مباشرة على مستقبل الدولة وعلى قطاعاتها المختلفة، وبقدر ما يكون هناك اهتمام بالعنصر البشري في تكوينه وتأهيله وتوجيهه نحو الغايات العليا، يكون الغد مشرقا، والمستقبل بهذا المعنى يمكن قراءته من خلال نوعية الرصيد البشري المختزن في الحاضر.
وعلى ضوء هذه القاعدة لم تدخر دولة الإمارات جهدا ولا مالا في سبيل ان توفر للمواطن كل ما يحتاجه على المستويات التعليمية والاجتماعية والصحية وغيرها، وقد نهضت رؤية صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد لبناء الإنسان على مجموعة متكاملة من الأطر التي يساند بعضها الآخر كيما يتحقق الهدف المنشود، ومن أهمها:

أولاً : التخطيط منهج للتنمية البشرية :
فسموه يرى في التخطيط الجيد والمدروس ضرورة واجبة للارتقاء بالإنسان قدرة واداء بما يفرزه من نتائج تنعكس بالإيجاب على المسيرة التنموية للدولة، ويعبر عن ذلك بقوله : (إن مرحلة بناء الانسان التي نجحت دولة الإمارات العربية المتحدة في التخطيط لها ثم بناء أدوات تنفيذها حققت وبامتياز بنية بشرية أساسها إنسان الإمارات لننتقل بعد ذلك إلى مرحلة توظيف العنصر الأغلى، توظيف قدرة الوطن. يمكننا ان نسمي هذه المرحلة بمرحلة المردود الوطني. وتتلخص في الانتقال إلى مرحلة عمل تتناسب والقدرات المكتسبة خلال المراحل التي اعقبت قيام الدولة. يتم خلالها استغلال أكبر للبنية البشرية الوطنية المؤهلة للوصول إلى مردود وطني يشكل بمجمله أساس الثروة القومية للدولة وضمانا أكبر في مواجهتها لاستحقاقات المستقبل. حين نرصد واقع تجربة توظيف العنصر البشري في عمليات التنمية، نجد أننا بحاجة إلى تحرك اوسع لاستيعاب القدرات التي لم تستغل بطاقتها الكاملة. والتي تتناسب وكونها جزء تنمويا هاما وأساسيا في عملية بناء الدولة. وإننا إذ ننبه إلى هذا الأمر الهام ننطلق من مفهوم وإدراك علمي وإنساني يتخلص في ان عدم توظيف كامل الطاقة البشرية هو العامل المؤدي إلى تبديدها وإعادتها إلى مرحلة ما قبل التأهيل.
وفق هذا المفهوم .. نرى في فتح مجالات جديدة أو استغلال المجالات المتوفرة للقوة البشرية في الدولة، ضرورة ملحة يجب ان توضع في أولويات أجهزة التخطيط خصوصا وأن المجال مفتوح ومتوفر لتحقيق هذا الهدف وبأكثر من طريقة وسبيل. هذه السبل والمجالات خلقتها مراحل التحول الانتقال للدولة. ابتداء من دولة التأسيس فدولة الازدهار الاقتصادي المعتمد على العنصر الواحد. ثم مرحلة الاقتصاد المنتج والمؤثر في الاقتصاد العالمي).

ثانياً : تطوير كافة الخدمات المقدمة للمواطنين :
ولا شك في أن ثمة اساسيات نهض عليها ذلك التخطيط الذي أبان سمو الشيخ خليفة مراحله المتعاقبة، لعل في مقدمتها الاهتمام المتعاظم لدولة الإمارات بتطوير كافة الخادمات المقدمة للمواطنين وهو أمر نبه إليه قائلا : ( .. إن ما تحقق في الإمارات خلال عقدين من الزمن يعد نقلة تنموية كبيرة سواء في مجال بناء الإنسان أو في الجانب الاقتصادي ولا يوجد ميدان ومجال من مجالات الحياة لشعب الإمارات إلا كان محل بحث ودراسة خصوصا وأن الاستراتيجية التنموية في الإمارات تسير وفقا لعدد من الاولويات أبرزها الشق المتعلق ببناء الإنسان باعتباره الثروة الحقيقية).
ويقول سموه مشيرا إلى إحاطة جهود تطوير الخدمات بكل فئات المجتمع : (انطلاقا من حرص الدولة على النهوض بأبناء الوطن وتوفير افضل الظروف لتحقيق حياة رغدة لهم فقد شهدت مجالات الخدمات التعليمية والصحية والاجتماعية طفرة كبيرة على صعيد تحديث وتطوير العملية التعليمية بالبلاد وتوفير افضل مستويات الرعاية الصحية والطبية لمواطنيها والمقيمين على ارضها وتطوير وتنمية المجتمع كنظام متكامل يستقي جذوره من القيم الإسلامية والتقاليد العربية الأصيلة وتحقيق استقرار الأسرة وتماسكها وتوجيه الشباب وتوفير أفضل الظروف الملائمة للنهوض بالوضع الاجتماعي للمرأة وحماية الطفولة وكذلك تقديم العون المادي والمعنوي للمحتاجين والمعوقين والمسنين من أبناء الوطن).
ويؤكد سموه في مناسبة اخرى ان التنمية البشرية تدخل باستمرار في خطط الدولة وتقع في دائرة أهدافها الرئيسية فيقول : (على صعيد التنمية البشرية فقد وضعنا الخطط الطموحة لتطوير كافة الخدمات المقدمة للمواطنين وإحداث تغييرات شاملة في نظمنا التعليمية والصحية والقضاء على المشكلات الاجتماعية وإعطاء المرأة دوراً أكبر في بناء المجتمع ومستقبل أجياله).
وإذا كان تطوير الخدمات المقدمة لأبناء الإمارات والمقيمين على أراضيها وليد تخطيط علمي جاد، فإنه أيضا حصيلة لمتابعة حكومية رصدت مسيرته، وقومت تأثيراته، وعمدت للتدخل لحسم ما قد يعترض أداءه الامثل بقرارات تنظيمية توائم بين المصلحتين العامة والخاصة، كأن تنظم حركة الأسعار، أو تجد حلا لأزمة الإسكان أو غير ذلك من أوجه التدخل ذات الاستراتيجية المقصودة.

ثالثا : التوسع في التعليم وتنمية القدرات العلمية والتكنولوجية :
إن التعليم الذي يواكب تطورات العصر هو الباب الذي تندفع عبره الأمم والشعوب في خطواتها الواثقة نحو التقدم والرقي وبناء الحضارة، فلا بناء للإنسان باعتباره الأساس الاول لعملية التقدم هذه إلا من خلال العلم أداة وطريقا، ولم يغب ذلك عن التجربة التنموية الإماراتية منذ أولى خطوات إقامة دعائمها، وهذا ما يؤكده سمو الشيخ خليفة مبرزاً إيمان صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان – رحمه الله – بالتعليم كنواة ومرتكز للرقي الحضاري، بقوله : (إن صاحب السمو رئيس الدولة ومنذ اللحظة الأولى لتوليه المسؤولية جعل بناء الانسان وتأهيله وتدريبه في مقدمة سلم أولوياته وذلك انطلاقا من اعتقاده الراسخ بأن شباب الوطن رجالا ونساء هم ذخيرة هذا الوطن وعدته للمستقبل والأمل المرتجى لمواكبة القفزة الحضارية الكبيرة التي يشهدها عالم اليوم، ولذا فقد حرص سموه على دعوة أبنائه المواطنين وحثهم على التزود بالعلم والمعرفة الواسعة والاستعداد لبذل المزيد من الجهد والعطاء والإقبال بروح عالية ورغبة صادقة على الدخول إلى كافة مجالات العمل حتى يظل عطاء الوطن متدفقا في كل الظروف).
وإيماناً من سمو الشيخ خليفة بن زايد بدور التعليم والمعلم في خلق النهضة الحضارية في كافة المجالات مما ينعكس على تقدم الدولة ورقيها ومكانتها في المجتمع الدولي، فقد أصدر سموه القرار رقم 6 لسنة 1996م بشأن تخصيص جائزة باسم (جائزة خليفة بن زايد للمعلم) تهدف إلى إبراز أهمية الدور الذي يمارسه المعلمون في المجتمع، وتدعيم المكانة التي ينبغي أن يتبوءوها في مجتمعهم، بما يتعهدون به الأجيال من رعاية وعناية وحفز أبناء دولة الإمارات العربية المتحدة للإقبال على مهنة التعليم والانخراط فيها. وتكريم المعلمين المتميزين والمبدعين والملتزمين بأخلاقيات المهنة والذين ما زال عطاؤهم متدفقا، أو المربين القدامى الذين توقف عطاؤهم لأسباب مقدرة.
وحثاً على طلب العلم وتحصيل المعرفة يقول صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد : (لقد منّ الله على وطننا بالخير وأتاح لنا جميعا المجال لبذل المال في خدمة العلم وليس لنا أن ندع هذه الفرصة تفوتنا بل علينا أن نسابق الزمن وأن تكون خطواتنا نحو تحصيل العلم والمعرفة اسرع من خطانا في أي مجال مهما عز شأنه. ومما لا شك فيه ان اجهزة التعليم والثقافية لم تدخر جهداً للوصول إلى مرتبة التوجيه السامي لكننا ما زلنا نشعر بضرورة إعادة النظر في استراتيجيات التخطيط التعليمي للوصول بها إلى انطلاقة تعليمية تمكننا من الوقوف على أرض صلبة في مواجهة عصر بالغ السرعة والتعقيد حافل بالتحولات والإنجازات).
وتأكيداً لما يتمتع به أبناء الإمارات من قدرات على استيعاب أحدث تقنيات العصر والتعاطي معها اداء وتطويرا لخدمة مسيرة التنمية الحضارية يقول سموه : (إننا على ثقة من أن أبناء الامارات الذين تمكنوا من صنع المعجزة التنموية الرائعة التي صارت مضرب الامثال لقادرون على مواصلة مسيرة النهضة الشاملة وذلك من خلال جهودهم الحثيثة في العمل على سد الثغرات العلمية والتكنولوجية بيننا وبين الدول التي سبقتنا في هذه المجالات، ونحن واثقون ايضا من قدرتنا على الوصول بالتنمية الاجتماعية والاقتصادية إلى اقصى درجاتها وعلى تطوير المجتمع كنظام متكامل تتوافر له مقومات خاصة وفريدة تستند إلى الجذور التاريخية والمقومات الحضارية والقيم الدينية ).
وعن أثر ما توليه الدولة من اهتمام مثمر بالعلم والبحث العلمي يقول صاحب السمو الشيخ خليفة : (لا أكون مغاليا إذا قلت ان عطاء دولة الإتحاد جعل الإمارات تتجاوز مواقع الدول النامية في كثير من ميادين الزراعة والصحة والعلم إذ يبلغ عدد الذين يستفيدون من خدمات قطاع التعليم والتدريب والبحث العلمي ما يقارب ربع مليون طالبة وطالب هذا العام (1986م) وهو مجال توليه الدولة عناية فائقة إيمانا منها بأهمية تنمية الفرد باعتباره الثروة الحقيقية للبلاد والعماد الذي يرتكز عليه كيان المجتمع وهو صاحب الدور الأكبر في تحقيق خطط التنمية الاجتماعية والاقتصادية).
وقد عمل صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة (حفظه الله) على تعزيز قدرات الدولة في المجال التكنولوجي من أجل ان تتحقق التنمية الشاملة والتطوير المستمر.
فقال سموه : (إن القفزة النوعية التي حققتها دولة الإمارات في مجال التكنولوجيا، لم تكن وليدة ظروف طارئة أو استثنائية، بل هي تتويج لجهود مضنية وثمرة لاستراتيجية التطوير المتكاملة، التي صاغها وتابع مراحلها بعناية ودقة صاحب السمو الوالد الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان).
وحين نتمعن في استراتيجية التطوير تلك سنجد أنها أخذت في اعتبارها الظروف والمتغيرات الإقليمية والدولية والموقع الاستراتيجي الهام والخصائص الحضارية والاجتماعية والقيم الروحية للدولة.
وضمن رؤيته التطويرية عمل سموه على أن يكون التخطيط مرتكزا في المقام الاول على مقتضيات المرحلة وما تمليه من دينامية وتسارع ومرونة، وهذا ما يؤكده في قوله : (ولأننا جزء من هذا العالم فقد كان من الطبيعي ان تصدر التوجيهات السامية بسن القوانين والتشريعات الجديدة لبلورة رؤية عصرية تستجيب لمعطيات ومتطلبات عصر العولمة).
وأضاف سموه أنه : (في إطار هذه التوجيهات دعا صاحب السمو رئيس الدولة ابناءه المواطنين إلى التزود بالعلوم الحديثة والمعارف الواسعة والإقبال بروح عالية ورغبة صادقة على طرق كافة مجالات العمل حتى تتمكن دولة الإمارات خلال الألفية الثالثة من تحقيق نقلة حضارية واسعة النطاق اقتصاديا واجتماعيا وعسكريا وأمنيا تستطيع من خلالها سد الثغرة بينها وبين الدول المتقدمة التي قطعت أشواطا بعيدة في مجال العلوم والتكنولوجيا).
ومن هذا المنطلق كان إنشاء كليات التقنية العليا وتأسيس معهد زايد للأبحاث والتكنولوجيا وغيرها شواهد حية تجسد اهتمامات سموه بالتنمية الشاملة في البلاد، وتعكس السياسة الحكيمة في إعداد الشباب وتأهيله لمواكبة التطورات المتسارعة في علوم التكنولوجيا وثورة الاتصالات، وبما يمكن جيل المستقبل من الالتحاق بعملية البناء مزودا بأحدث النظريات والمعارف اللازمة للمشاركة في إدارة عجلة التنمية بصورة واعية وفاعلة، وقادرة على رفع تحدي المنافسة الذي يفرضه التغير المستمر والمتسارع للتقنيات وأدوات الإنتاج.
وقد حرص صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان على رعاية الصروح العلمية والتقنية، وعمل على تزويدها بالكفاءات والمناهج والوسائل الحديثة ذات المستوى العالي، حتى تكون على نفس الدرجة مع مثيلاتها من الكليات في العالم، وذلك إيمانا منه بضرورة إيجاد الارضية اللازمة لتحقيق نهضة صناعية تضع الدولة على قدم سواء مع الدول المتقدمة في العالم.
وقد أكد عمق وصدق رؤيته هذه في قوله : (إن العملية التعليمية وبقدر ما حققت من مستويات التأهيل العلمي المختلفة، نراها اليوم في تحد مستمر ومتصاعد يتطلب العمل الدؤوب في تطوير المناهج، ووضع الخطط الرامية إلى تحقيق المستوى المطلوب في مواكبة تسارع التطور التقني، واستيعاب مستجدات التكنولوجيا الحديثة من مخترعات ومكتشفات ومعدات جديدة، والتفاعل مع حركة العلم الحديث، وتشجيع روح الابتكار لتسليح الشريحة التعليمية بشقيها المعلم والمتعلم بالقدرة على المنافسة في سوق مفتوح وعالم تهاوت فيه حدود التبادل العلمي والمعرفي وتشعبت وتعددت مصادره وقنواته).
ومن هنا كانت الأفكار السامية الموجهة بضرورة توفير أفضل الظروف التي تجعل من المعرفة ورفع المهارة العلمية والعملية أمرا متاحا بدرجة عالية تواكب العصر وتندمج فيه، دون إغفال رفع وتيرة دعم وترسيخ مرتكزات البناء المؤسسي الوطني وتفعيل آلياته وأساليبه ووسائله انسجاما مع خصوصية العادات والتقاليد والتراث. وتتلخص رؤية صاحب السمو الشيخ خليفة في أهمية مواكبة العصر دون التفريط بأساسيات الهوية الوطنية العربية الإسلامية والحفاظ على تراث الآباء والأجداد. هذه الرؤية تحولت إلى منهاج عمل انعكس على مختلف مناحي تجربة التنمية البشرية ومنها العملية التعليمية باعتبارها مدخلا من مداخل التغيير الرئيسية.
فيقول سموه : (ومما يدعو إلى الفخر والاعتزاز ان القيادة الحكيمة لهذا الوطن في مسيرتها نحو تحديث البلاد وتحقيق التقدم العلمي والحضاري قد احتفظت لمجتمع الإمارات بكل ترابطه الأسري وتكافله الاجتماعي دون أدنى تفريط بعاداته ولا تقاليده العربية وبلا أي مساس بعقيدته الإسلامية السمحاء). ويضيف سموه : (إن المدينة والحضارة لا شك ستعم البلاد بكاملها، ولكن هذا لا يعني ان نترك أو ننسى عاداتنا وتقاليدنا الشريفة المورثة).
وينطلق سموه في كل ذلك من أن التلاقي مع متطلبات العصر لا يعني إلغاء الهوية وطمر التاريخ، بل يجب الانطلاق نحو المستقبل والتناغم مع ثقافة العصر وفي الوقت نفسه يجب التمسك بالموروث الديني والاخلاقي والحضاري وتأكيدا لذلك يقول سموه : (سنعمل على الحفاظ على الارث الحضاري الذي غرسه القائد الوالد على أرضنا الطيبة فلقد غرس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان – رحمه الله – فينا حب الوطن الغالي والتمسك بهويتنا الوطنية والبعد عن كل ما يمس ويتعارض مع تراثنا وثقافتنا العربية والإسلامية. إن اختيارنا طريق الحداثة ومواكبتنا لمتطلبات العصر لا يعنى مطلقا تفريطنا في قيمنا ومبادئنا وموروثاتنا الاجتماعية. فنحن نأخذ بكل مقومات التقدم لنواكب العالم من حولنا ونتفاعل معه ولكننا نحرص في الوقت نفسه على التمسك بشخصيتنا وهويتنا وأصالتنا الوطنية).
وفي أكثر من مناسبة عبر صاحب السمو الشيخ خليفة عن ارتياحه لما تم تحقيقه على صعيد التحديث والتطوير. يقول سموه : ( لقد نجحنا في دخول الألفية الثالثة، ونحن أكثر ثقة بالنفس، وأكثر قدرة واستعدادا للتفاعل الايجابي مع المستجدات العالمية، وفي مقدمتها النظام الاقتصادي العالمي الجديد، وثورة المعلومات والاتصالات، وانفتاح الاسواق، خاصة مع بدء سريان قوانين منظمة التجارة العالمية.
وضمن هذا السياق يضيف : (إن هذه المستجدات لم تشكل بالنسبة لنا في دولة الإمارات العربية المتحدة عبئا ثقيلا، أو حدثا يصعب التعامل معه، ويعود الفضل في ذلك إلى نجاح دولتنا العزيزة بقيادة قائد مسيرتنا المظفرة في بلورة رؤية عصرية فريدة، تستجيب في الوقت ذاته للمعطيات والمستجدات الإقليمية والدولية، وتحرص على سد الثغرة الحضارية والمعرفية والاقتصادية والثقافية بيننا وبين من سبقونا في هذه المجالات).
ومع هذه الخطوات الواثقة التي تم قطعها على صعيد توظيف تقنيات العصر في مسالك التنمية وزيادة فعالية وإنتاجية المؤسسات، يرى صاحب السمو رئيس الدولة ان مسألة التكامل الدولي في الاستفادة من التكنولوجيا وتيسير نقلها بين الأمم، أمر بالغ الأهمية، حيث يقول : (إنه ثبت بما لا يدع مجالا للشك أنه ليس بمقدور أية دولة منفردة مهما بلغ شأنها، ومهما بلغت مواردها، ان تواجه بنجاح تحديات العصر الحديث، وإفرازاته المتسارعة في مجال تقنيات المعلومات، التي أدت إلى ظهور ما يسمى بالاقتصاد الجديد، الذي ألغى القيود والمسافات، ووحد الأهداف والتوجهات، والذي حول مجتمعاتنا إلى عالم واحد، ينظر باستنارة للانفتاح الاقتصادي والبناء الاجتماعي، والازدهار العلمي والثقافي).
ويعتبر سموه ان ثورة التكنولوجيا والانفجار المعلوماتي تشكل اليوم عاملا حاسما في قيادة التوجهات العالمية على المستويات الاقتصادية والاستراتيجية والإعلامية، الأمر الذي يستدعي مواكبة التحولات والمستجدات في هذا الشأن. ويرى في المقابل أيضا، ان التكنولوجيا باتت تفرض تحديات لا يمكن تجاهلها أو التغاضي عنها بأي شكل من الأشكال، وأنه لابد من التعامل معها وفق رؤية مستقبلية واضحة تترجم إلى استراتيجيات وخطط بعيدة المدى ليس على مستوى الدولة فحسب، بل على المستوى العربي والعالمي ككل.
فرهان التكنولوجيا من منظور سموه، لا يعني التوصل إلى استيعاب الآليات التقنية وتوظيفها فحسب، وإنما يعني أيضا تسخيرها في الاتجاه الصحيح الذي يخدم المصالح الإنسانية ويعود على الإنسان بالنفع في حياته اليومية اقتصاديا واجتماعيا وصحيا وثقافيا.
ولقد حدد سموه منهجا متكاملا يمكن ان تسير في مسالكه التكنولوجيا والتنمية والقيم، جنبا إلى جنب، في انسجام وتوافق تام.
وبهذا المنهج تصبح التكنولوجيا الحديثة أداة طيعة في خدمة المجموعة البشرية، وعنصرا فعالا في زيادة التواصل البناء بين الشعوب والثقافات، ولا يخفى ما أصبحت تتيحه تكنولوجيا الاتصال والتكنولوجيا الرقمية بصفة عامة، من فرص للتعارف والتقارب بين الدول والأفراد، بطريقة تلاشت معها الحدود واختزلت المسافات، وبالتالي تأكدت ضرورة ان تكون ادوات الاتصال العصرية بمختلف أنواعها، عاملا يثري الحوار والتواصل ويغني التجربة الإنسانية بصفة عامة.
وقد ركزت استراتيجيته في نقل التكنولوجيا على أهمية فتح قنوات مختلفة للمؤسسات الوطنية للتفاعل مع آخر المستجدات التقنية وإيجاد فرص الباحثين للاطلاع على أحدث المخترعات، وتلعب في هذا الإطار المعارض المتخصصة التي تقام في دولة الإمارات برعاية سموه دورا بارزا في التعرف على آخر المبتكرات التكنولوجية العالمية في المجالات المختلفة ومنها مجال تقنيات الاتصال.

رابعا : التوسع في برامج التأهيل والتدريب :
بالتدريب الموجه القائم على الوسائل والخطط العلمية التي تتلاءم مع الاحتياجات ترتقي قدرات الإنسان وتزداد دائرة معارفه شمولاً واتساعا بل وتنشيط ملكاته الإبداعية على التجديد والابتكار مما يؤدي بدوره إلى استحداث تكنولوجيات جديدة لا استيعابها وتطويرها فقط. وهذا ما سعت إليه دولة الإمارات العربية المتحدة وجلعته أحد أسس بناء الكوادر الوطنية من أبناء البلاد لتحمل مسؤوليات مستقبل التنمية الشاملة وتجسيد وإدارة برامجها.
وقد شدد صاحب السمو الشيخ خليفة على ضرورة تنمية مهارات الفرد وإكسابه خبرات متجددة لترقية مستوى تحصيله العلمي والعملي ورفع كفاءته الإنتاجية بقوله : (لقد استندت هذه الرؤية إلى نفس المقومات التي شكلت استراتيجية التنمية الشاملة للبلاد والتي جعلت بناء الإنسان والاعتماد على الذات في مقدمة أولوياتها لتحقيق النهضة الشاملة. وقد أفسحت هذه الرؤية مجالاً أوسع للشباب باعتبارهم عدة الوطن وذخيرته للمستقبل وأنهم وحدهم القادرون على صنع حاضر الوطن ومستقبل أجياله. ومن هناك كانت التوجيهات بضرورة توفير أنسب الظروف وأفضل الإمكانيات التي من شأنها تزويد أبناء الوطن بالعلم والمعرفة وصقل مهاراتهم وخبراتهم وإعدادهم الاعداد الجيد للدخول إلى كافة مجالات العمل والإنتاج بروح عالية ورغبة صادقة حتى يظل عطاء الوطن متدفقا في كل المجالات وفي كافة الظروف).
ويضيف سموه قائلا : (إننا في الحقيقة نشعر بسعادة غامرة ونحن نرى اجيالا متعاقبة من أبناء الامارات يشاركون بفاعلية في قيادة مسؤوليات الوطن في مواقع العمل والإنتاج وفي مختلف القطاعات والميادين الاخرى. ونحن ندرك تماما ان الحفاظ على ما تحقق على ارض الوطن من إنجازات ومكتسبات ضخمة في كافة المجالات يتطلب منا جميعا مضاعفة الجهود والطاقات من أجل مواكبة البحوث والاكتشافات العلمية، وأن نعمل على تطوير الاداء وذلك بالتدريب المتواصل واكتساب المزيد من الخبرات).
ومن منطلق الحرص على أن يسير التقدم الاقتصادي في بلدان دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية وفق الخطط التي تكفل مزيدا من الاستفادة من قدرات أبنائها بالتدريب واكتساب الخبرات والمعارف الحديثة، عبر سمو الشيخ خليفة عن ذلك بقوله : (إن فرص الصناعة في منطقة الخليج لم تكن مظلمة، بل على العكس من ذلك فإن تنويع مصادر الدخل سوف يحقق نجاحات باهرة بإذن الله بشكل يكفل تعزيز ثقتنا بأنفسنا ويؤكد حرصنا على ان تظل دول مجلس التعاون مجتمعا مثاليا يجمع بين الرخاء والاستقرار والتطور في آن واحد على أنه يجب الا يغيب عن أذهاننا ضرورة ان تكون تحركاتنا هذه في إطار خطة تستهدف الكوادر الوطنية بمنطقة الخليج ككل بحيث تكون على مستوى من الكفاءة والمقدرة التي تؤهلها للوفاء بكافة مسئولياتها في إدارة ثرواتنا الوطنية بالكامل).

خامسا : إتاحة فرص العمل للكوادر الوطنية :
تنظر دولة الإمارات لتخطيط القوى البشرية وإيجاد التوازن في سوق العمل ما بين العرض والطلب مع التركيز على دور العمالة المواطنة في إشغال الوظائف والإيفاء باحتياجات سوق العمل على أنه إحدى الركائز الاستراتيجية لخطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وفي إطار تنفيذ ذلك وضعت برامج متعددة لتصويب مسارات سوق العمالة ولتوظيف الكوادر الوطنية، وأناطت بأجهزتها التنفيذية متابعة حسن ادائها لضمان تحقق الغاية منها على المديين القريب والمتوسط، وكانت النتائج جدّ مهمة حيث توالت نسب التوطين في وظائف ومهن القطاعين العام والخاص ارتفاعا، واطردت برامج التأهيل والتدريب الرامية إلى تزويد خريجي الجامعات والمعاهد الفنية من ابناء وبنات الإمارات بالخبرات العملية المطلوبة لأسواق العمل، وتنامي الإدراك بقدرة الكفاءات الوطنية على إنجاز كافة ما يسند إليها من مهام سواء على صعيد المهارات الفنية والعملية، أو مهارات الإدارة العليا والإشراف والمتابعة والتخطيط.
وقد عبر صاحب السمو رئيس الدولة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد عن ثقته في قدرة الكوادر الوطنية على الارتقاء بعوامل تقدم الوطن في شتى المجالات بقوله : (إن إرادة البناء تحرك فينا سعادة غامرة وتضع أمام أعيننا إنجازات عارمة تكاد تعطي كل بقعة وكل رقعة من أرضنا الخيرة وتحفزنا على المزيد من البذل والعطاء، وهي جديرة كذلك بأن تفتح الطريق واسعة أمام القدرات والكفاءات الوطنية للمشاركة في تحقيق المزيد من الإنجازات تجسيدا لرغبة قائمة وإحساسا بالمسؤولية نحو الأجيال القادمة وبما يحفظ البنية الحضارية وجذورها الثابتة والراسخة).
وينوه سموه بالعوامل التي أدت إلى توسع الامارات في استقدام الايدي العاملة، ثم باتخاذ إجراءات وتدابير لترشيد هذا الاستقدام قائلا : (إن دولة الإمارات دولة نامية اقتضت ظروفها في المرحلة الماضية الإقدام على عملية تنمية عمرانية وحضارية واقتصادية وصناعية واسعة وسريعة، وكانت هذه العملية تتطلب بالضرورة الحصول على خبرات متعددة وأيد عاملة وقد اقتضى ذلك تشجيع غير المواطنين على القدوم إلى الدولة للإسهام في تنفيذ عملية التنمية).
ويضيف سموه قائلا : (وقد برز من خلال تطبيق هذه السياسة كثير من الآثار السلبية التي نجمت عن فتح الابواب امام الوافدين دون ضوابط مما أدى إلى وجود أعداد كبيرة من الافراد الذين لا يسهمون في عملية التنمية ويمثلون عبئا عليها).
ويستطرد : (وفي ضوء ما افرزته التجربة خلال الفترة الماضية كان لابد من إعادة النظر في تدابير الدخول والإقامة للقضاء على سلبيات النظم القديمة التي ادت إلى هذه الحالة وإحكام هذه التدابير بحيث لا تسمح بدخول العناصر التي أشرت إليها).
ويؤكد سموه ارتباط سياسة التوطين بخطط تنفذها الدولة بالتزامن مع أخرى تهدف إلى تصويب سوق العمالة الوافدة، بقوله : (أن العمالة الاجنبية الوافدة ليست ملمحا من ملامح الحياة في الإمارات دون غيرها من دول المنطقة التي تعاني من نقص في الموارد البشرية وإن كانت بدرجات متفاوتة، وقد حزمت دولة الإمارات أمرها وقررت تصويب سوق العمالة الوافدة وهناك لجنة عليا شكلها مجلس الوزراء لتقييم الحاجة الضرورية للعمالة والمواءمة بين عمليات التنمية ومعضلة التوازن السكاني ولاشك أن هذه المهمة هي من أخطر المهام التي تنعكس آثارها على ترتيب شؤون البيت الكبير الذي يحتوينا في رحابه ونتفيأ في ظلاله الخير والأمن والرفاه .. ونحن نريد لهذا البيت ان يكون موطنا لكل غرس طيب وحصنا آمنا من كل شر فلا يدخله أحد إلا من بابه الشرعي وكل دول العالم تنظم عملية الدخول إليها والعمل فيها وفق مصلحتها وظروفها واعتبارات أمنها وهدفها الوطني).
ويستطرد مشيرا لضرورة علاج سلبيات التوسع في استقدام العمالة في منطقة الخليج فيقول سموه : (وهدفنا في التصدي لهذه الظاهرة السلبية يتطابق تماما مع الهدف الاوسع لمجلس التعاون الخليجي في هذا المجال .. الذي يتطلب الحرص في استقدام العمالية الوافدة وضرورة جذب التكنولوجيا المتقدمة لتقليل حجم هذه العمالة والتركيز على أهمية التعليم الفني والتدريب لتأمين الموارد البشرية باعتبارها الوسيلة الناجحة لعملية التوطين – والحمد لله – فقد نجحت مؤسساتنا التعليمية في خلق جيل من الأجيال القادرة على تحمل تبعات العمل الوطني).
ويمضي منبها إلى اهمية الاختيار النوعي للعمالة الوافدة بقوله : (وفي رأينا ان المرحلة القادمة لابد لها أن تكون مرحلة التحديد القاطع لنوعية العمالة التي تريدها الدولة ووضع السياسة الواضحة لاستيرادها .. وبالتأكيد فان الدولة تحتاج في المرحلة المقبلة إلى بقاء الكفاءات الماهرة الوافدة حتى تصبح الكوادر الوطنية قادرة على تحمل تبعات النمو والتطور).
ويشدد صاحب السمو الشيخ خليفة على أهمية دور القطاع الخاص في استيعاب الكوادر المواطنة من خلال عمليات تأهيل وتدريب ترفع من قدرتهم التنافسية في سوق العمل، بقوله : (ارتبط الخلل في التركيبة السكانية بالظروف التي أملتها عملية التنمية ومرحلة قيام البنى التحتية للدولة، حيث تطلبت الاستعانة بعمالة وافدة وبأعداد تضمن تنفيذ البرامج القياسية للبناء والتي اختزلت مراحل زمنية كبيرة من أجل الوصول إلى ما خطط له في وقت قياسي كان يحتاج إلى جهد أكبر من الاعتيادي).
ثم يقول سموه ( بعد النجاح في تحقيق ذلك ... دخلت التنمية في الوتيرة الاعتيادية لدولة استوفت اسس تقدمها وتطورها، واصبحت تتعامل مع متطلبات تطورها المرحلية. ليعود السوق إلى استيعابه الطبيعي للقوة البشرية الوافدة. ومع مستجدات التطوير أصبح الاحتياج نوعيا أكثر منه كميا. فاصبح التركيز على القوى ذات الخبرة والتجربة. فأنتجت شريحة واسعة من مواطني الدولة القادرين على ملء الفراغ وتلبية الكثير من احتياجات السوق. إن صياغة قوانين خاصة بتوطين العمالة سوف يشكل إطارا عمليا نحو حل فعلي للمشكلة).
ثم يضيف : (نحن نعرف ان للقطاع الاقتصادي العام والخاص حساباته في هذه الأمور، لكننا نرى ان هناك دورا يجب ان يقوم به في هذا المجال، وهو دور يأتي في صلب عملية الامن الاقتصادي التي لا يقوم أي اقتصاد بدونها. ومن أجل التوازن بين تصحيح الخلل في التركيبة السكانية وأخذ حسابات الجدوى الاقتصادية بنظر الاعتبار).
ويمضي مؤكدا : (إن دور القطاع الاقتصادي يقتضي استيعاب الكوادر المواطنة من خلال زجهم في عملية تدريب وتأهيل حقيقية تجعل منهم قوة منافسة في السوق. تفرض وجودها بمهاراتها لا بقرارات مفروضة تجعل من عملية استخدامهم عملية صورية. و ليس لحاجة فعلية ذات جدوى، هذا الأمر إلى جانب الإجراءات المتتالية التي تتخذ وفق مصلحة البلاد العليا سوف يصحح هذا الخلل على المدى الطويل.
وكان طبيعيا ان تترجم تلك الرؤية الرشيدة لقيادة دولة الإمارات العربية المتحدة نجاحات مشهودة على مستوى التنمية البشرية باعتبارها أساس التقدم الاقتصادي والاجتماعي، وهو أمر تظهر حقيقته أرقام ومؤشرات التقارير المعنية بهذه التنمية محليا وعربيا ودوليا.

رابط المقال ::: http://www.alamuae.com/khalifa/showtopics-262.html
صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان
http://www.alamuae.com/khalifa