عنوان المقال : لماذا يحتاج مجلس التعاون الخليجي والاتحاد الاوروبي علاقات أقوى ؟

لماذا يحتاج مجلس التعاون الخليجي والاتحاد الاوروبي علاقات أقوى ؟


يُعد الاتحاد الاوروبي الشريك التجاري الرئيسي لمجلس التعاون الخليجي. وقد وقعت الكتلتان اتفاقية تعاون سنة 1988 دخلت حيز التنفيذ عام 1990. والحقيقة ان هذه الاتفاقية أثبتت انها كانت دون الآمال المعلقة عليها وكانت مخيبة لطموح الطرفين.

1) إطار التعاون بين مجلس التعاون الخليجي والاتحاد الاوروبي :
عندما أسس مجلس التعاون الخليجي في مدينة أبوظبي عام
1981، ارتكزت مسودة الوثيقة التي صادق عليها القادة على نموذج السوق الأوروبية المشتركة. وقد استغرق مجلس التعاون الخليجي وقتا لتأسيس نفسه. وهذا الوقت لم ينته بعد. وينطبق الأمر نفسه على الاتحاد الاوروبي، فلا شك ان الكيانين مختلفان تماما، ودعوني أتحدث عن بعض هذه الاختلافات :
- ان مجلس التعاون الخليجي يضم ست دول بينما ينضوي تحت الاتحاد الأوروبي 25 دولة (ولكنه هو الآخر بدا بست دول).
- لمجلس التعاون الخليجي لغة مشتركة واحدة في حين يتعين على الاتحاد الأوروبي التعامل مع أكثر من 20 لغة.
- تعتمد اقتصاديات مجلس التعاون الخليجي على النفط. أما اقتصاديات دول الاتحاد الاوروبي فترتكز على تصنيع السلع وتوفير الخدمات (وإن كانت اقتصاديات بعض دول مجلس التعاون الخليجي مثل دبي والبحرين ستحذو حذو الاقتصاديات الاوروبية قريبا).

ولكن مع ذلك فان مجلس التعاون الخليجي والاتحاد الاوروبي يشتركان في بعض الخصائص مثل :
- هوية إقليمية قوية : رغم التنوع والخلافات الداخلية، فان هناك إحساسا بهوية أوروبية مشتركة، وان كان الاعتراف بها خارج الاتحاد الاوروبي أكثر من الاعتراف بها داخل هذا الاتحاد. ولكنها واقع قائم رغم كل ذلك. وعلى نحو مماثل، فإنه مما لا شك فيه أن هناك هوية خليجية تطورت على مدى الثلاثين سنة الماضية، مقابل ما هو قائم في بقية الدول العربية.
- تعمل مؤسسات الكتلتين بشكل منتظم رغم الازمات التي تحدث من وقت لآخر.
• فالاتحاد الاوروبي تطور دائما من خلال الازمات المؤسسية، وفي هذه اللحظة بالذات يعيش أزمة عميقة، وفي الوقت نفسه فإن فكرة أوروبا تنطلق نحو الأمام إذ تعقد مؤتمرات قمة، ويتحدث المسؤولون والوزراء بعضهم مع بعض لتطوير برامجهم وخططهم. وعندما يصعب تحقيق ذلك عمليا، فإنهم يتفقون على أنهم اختلفوا، ثم يحاولون إيجاد الحلول المناسبة في أقرب وقت ممكن. ومهما كان خلافهم، فإن هناك شعورا بأننا نعمل معا.
• تنعقد مؤتمرات القمة الخليجية بانتظام، مرة في السنة، وغالباً ما يكون ذلك في ديسمبر مهما كان الأمر. وينطبق الأمر على الاجتماعات الوزارية ولقاءات الخبراء والبيروقراطيين. ولكن بالرغم من ذلك فإن آليات مجلس التعاون الخليجي لا تزال تعمل. واليوم انظر إلى الجامعة العربية أو إلى اتحاد المغرب العربي حيث يتطلب مجرد انعقاد القمم مفاوضات قد تستغرق سنين وحيث يتم إلغاء اجتماعات قمة مبرمجة في آخر لحظة بسبب الخلافات السياسية.
- لقد تبنّى مجلس التعاون الخليجي اتحادا جمركيا عام 2003 وستكون له عملة مشتركة سنة 2010، كما هو حال أوروبا تماما.
- أصل التجمعين :
• أسست السوق الاوروبي المشتركة بعد الحرب العالمية الثانية من ست دول. واليوم يبلغ الاتحاد الاوروبي 25 دولة. وهو يتساءل في نفسه : ما هي القيود الجغرافية لتوسيعه (تركيا؟ أوكرانيا؟ أرمينيا؟).
• أسس مجلس التعاون الخليجي من ست دول عربية خلال الحرب العراقية الإيرانية كتكتل لهذه الدول. واليوم فإن انضمام اليمن إلى النادي الخليجي أصبح سؤالا مفتوحا، بينما كان (مثله في ذلك مثل تركيا بالنسبة لأوروبا) محظورا قبل عشرة أعوام. ولا يمكن للإنسان ان يستبعد التفكير في أن العراق وإيران قد تنضمان إلى مجلس التعاون الخليجي في المستقبل البعيد. ومهما يكن، فإن الدولتين يجب دمجهما بطريقة ما ضمن منظمة تشمل أعضاء مجلس التعاون الخليجي إذا نظر إلى الاستقرار الإقليمي كهدف استراتيجي على المدى ا لبعيد.

2) لماذا يكون هناك تعاون أوروبي خليجي ؟
هناك أجوبة اقتصادية واضحة عن السؤال : فالاتحاد الاوروبي هو الشريك التجاري الرئيسي لمجلس التعاون الخليجي . وتتوفر الدول الخليجية العربية على النفط الذي تحتاجه أوروبا. وتحتاج الدول الخليجية إلى السلع الأوروبية المصنعة والخدمات.
غير انه قد لا يكون هناك ضرورة لحوار رسمي بين الكتلتين من أجل التجارة. ويجب على المرء ان ينظر في الحاجة إلى الشراكة بين مجلس التعاون الخليجي والاتحاد الاوروبي في ضوء فشل الحوار الاوروبي العربي الذي أطلق في سبعينيات القرن الماضي وفي ضوء النتائج المخيبة للآمال لعملية برشلونة التي بدأت منذ عشر سنوات بين الاتحاد الاوروبي وجيرانه في جنوب وشرق البحر الابيض المتوسط.
إن من المؤكد ان تنجح النقاشات الجارية من أجل قيام اتفاقية تجارة حرة منذ تسعينيات القرن الماضي بين الاتحاد الاوروبي ومجلس التعاون الخليجي، رغم ان 15 سنة من النقاشات تبدو فترة طويلة. وفي رأيي أن المشكلة ليست في هذا المجال (المجال التجاري) فجوهر الحوار يجب ان يكون سياسيا لا اقتصاديا. ذلك ان الاتحاد الاوروبي ليس مجرد كتلة تجارية، والأمر كذلك بالنسبة لمجلس التعاون الخليجي.
يمثل الاتحاد الاوروبي ومجلس التعاون الخليجي قطبي استقرار في عالم غير مستقر . ولديهما اهتمام استراتيجي مشترك لتعميق الحوار بينهما.
إن العولمة لا تؤثر على الاقتصاد فقط، ولكنها تؤثر في الأفكار. فخلال العقد الماضي شهدنا عملية دمقرطة في دول الخليج التي ظل فيه الحديث عن الديمقراطية محظورا حتى أوائل التسعينات من القرن الماضي. وفي بعض الأوقات كان مجرد فكرة إجراء انتخابات برلمانية في الخليج توصم بأنها فكرة مستوردة غريبة على التقاليد والقيم الخليجية. لكن ذلك لم يعد موجوداً اليوم. وهذا التطور الجديد خلق إحساساً بوجود قيم مشتركة بين المواطنين في مجلس التعاون الخليجي والاتحاد الاوروبي، مما سهل تقاربا سياسيا على مستوى المؤسسات. غير أنه لا ينبغي التقليل من أهمية الخلافات الحقيقية الموجودة كالموقف من عقوبة الإعدام، على سبيل المثال. ولكن إذا كان هناك حوار فالأفضل ان يبدأ بتحديد الخلافات القائمة والاعتراف بها. فالتعاون لا يعني الوصول إلى اتفاق يتجاهل الخلافات الموجودة من أجل إعلان بيان مشترك سرعان ما يتم نسيانه. في الوقت نفسه فإنه لا ينبغي التقليل من احتمال الوصول إلى اتفق جوهري على المستوى السياسي بين مجلس التعاون الخليجي والاتحاد الاوروبي.
وانطلاقاً من خلفية اوروبية، يجب علي ان أبين انه منذ حرب العراق 2003 يوجد شعور على نطاق واسع في أوروبا، أكثر من أي وقت آخر، بأن الخليج اصبح بحيرة امريكية. فلم يصل الوجود الامريكي في المنطقة في الأزمنة السابقة إلى ما وصل إليه اليوم من قوة وشمولية في جميع الميادين، بينما نتحدث عن الدفاع والتجارة والثقافة. وإن المرء ليساوره انطباع بان دول مجلس التعاون الخليجي ترتبط باتفاقيات فرعية للدفاع والأمن مع الولايات المتحدة الامريكية، وهو أمر بطبيعة الحال مفهوم. ومع ذلك فإن الولايات المتحدة لا تحبذ تزايد الوجود الاوروبي في الجزيرة العربية التي تعتبرها، فيما يبدو، منطقة خاصة بها هي.

3) الاهتمام الاستراتيجي المشترك بين مجلس التعاون الخليجي والاتحاد الاوروبي :
هل يكمن الحل بالنسبة لمجلس التعاون الخليجي في ان تكون الولايات المتحدة شريكه الاستراتيجي ويكون الاتحاد الاوروبي شريكه التجاري ؟ ان ذلك تبسيط كبير للأمور، فالاتحاد الاوروبي لا يستطيع – ولا يريد – ان يتنافس مع الولايات المتحدة في مجال القوة العسكرية. ولكن القوة العسكرية وحدها (المثال الأمريكي) برهنت على ان لها حدودها في العراق. ونتيجة لهذا الفشل يتم إنعاش مقاربة (القوة الناعمة) وأسلوب التعددية.
إن الاتحاد الاوروبي يملك قدرا كبيرا من المعرفة والخبرة في مجال القوة الناعمة. فهو يتحدث مع كل أحد، بغير استثناء. والمثال على ذلك هو الدور الذي يعلبه الثالوث الاوروبي في الاتصال مع إيران بشأن طموحها النووي، وهو ما يلقى الآن تأييداً من إدارة بوش ! فهذا ينهض مثالا طبيعيا للحوار الاوروبي الخليجي. ويمكن للإنسان كذلك ان يتصور إنشاء منظمة تهدف إلى تطوير الأمن الإقليمي على غرار منظمة الأمن والتعاون في أوروبا. من هنا وبالرغم من ذلك كله، فإنه حتى وإن كان الاتحاد الاوروبي أقل نفوذا من الولايات المتحدة، فإنه لابد ان يحسب حساب لإسهامه في الامن الإقليمي، وذلك ما يتسنى تحقيقه فقط من خلال حوار شامل ومنظم بين الاتحاد الاوروبي ومجلس التعاون الخليجي.

رابط المقال ::: http://www.alamuae.com/khalifa/showtopics-271.html
صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان
http://www.alamuae.com/khalifa