الإمارات وروسيا
حرصت دولة الإمارات العربية المتحدة على أن تحتفظ بعلاقات صداقة وتعاون مع مختلف
الدول في العالم بما يعزز الروابط الإنسانية والسلمية بين أعضاء المجموعة الدولية.
وضمن هذا المنظور الذي انطلقت من أسس المسار السياسي والدبلوماسي لدولة الإمارات
تندرج العلاقات روسيا. وقد قررت دولة الإمارات عام 1971 إقامة علاقات دبلوماسية مع
الإتحاد السوفييتي السابق وصلت لمستوى السفراء عام 1985 وتطورت هذه العلاقات في
الثمانينات لتشمل كافة المجالات على أسس مبادئ التعايس السلمي والاحترام والمساواة
والمنفعة المتبادلة واحترام سيادة كل دولة ودعما للاستقرار والسلم في المنطقة لما
فيه صالح العالم أجمع.
وقد عبّر السمو الشيخ خليفة بن زايد عن رؤية دولة الإمارات العربية المتحدة للسياسة
الخارجية والعلاقات مع الاتحاد السوفياتي السابق، بقوله: أننا دولة الإمارات نتحرك
في علاقاتنا الدولية ضمن مبادئ التعاون والانفتاح على الجميع وبوحي سياسة عدم
الانحياز والاحترام المتبادل وعدم التدخل في شؤون الآخرين، ومن هنا فإن إقامة
علاقات دبلوماسية مع الاتحاد السوفيتي وباقي الدول الأعضاء في الكتلة الشرقية هو في
الواقع التزام بتلك المبادئ التي تحكم سياستنا الخارجية وهو في الوقت نفسه انسجام
مع مصالحنا الوطنية وإدراك عميق لأهمية الدور الذي يقوم به الإتحاد السوفيتي كدولة
عظمى، لقد كنا حريصين على أن يتم تبادل العلاقات الدبلوماسية مع الاتحاد السوفيتي
بعد أن تتوافر الشروط السياسية والموضوعية لإقامة علاقات مستقرة وفعالة، ونحن نتطلع
الآن إلى أن تكون العلاقات الدبلوماسية مقدمة للتعاون في جميع المجالات الاقتصادية
والمالية والتجارية بل والعسكرية، ولعلكم لاحظتم أننا بدأنا في الإمارات خطوات
التعاون المالي مع الاتحاد السوفيتي من خلال الاتفاقات التي وقعتها بعض المؤسسات
المصرفية المحلية مع مؤسسات مصرفية سوفيتية ونأمل أن يتبع التعاون المالي خطوات في
المجالات الأخرى.
ورغم انكفاء روسيا الاتحادية على معالجة مشكلاتها الداخلية في أعقاب تفكك الاتحاد
السوفيتي، فإنها سعت إلى بناء سياسة نشيطة مع دول الخليج العربية وفي مقدمتها دولة
الإمارات، منطلقة من أن بعدها الحضاري والاقتصادي وتمتعها بالعضوية الدائمة في مجلس
الأمن مايزال يضفي عليها صفة دولة عظمى لها حضورها الدولي المؤثر وتلعب دورا مهما
وملحوظا في تحقيق الأمن والاستقرار العالي.
وفي إطار ذلك استقبل صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان في 14 سبتمبر 1991
المبعوث الروسي السيد اندريه بريماكوف، حيث سلم سموه رسالة من الرئيس الروسي بوليس
يلتسين تتعلق بعلاقة الصداقة بين البلدين وسبل تطويرها لما فيه المصلحة المشتركة
وعبر المبعوث الروسي عن اهتمام بلاده بتطوير التعاون مع دولة الإمارات في مختلف
المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية.
وتوالت زيارات المسؤولين الروس إلى دولة الإمارات ومنها زيارة بيرافن وزير العلاقات
الاقتصادية الخارجية الروسي في يونيو، 1992 وزيارة اندريه كوكيش نائي وزير الدفاع
الروسي في 3مارس1993، حيث صرح بان السياسة الخارجية الإماراتية تحظى باحترام وتقدير
القيادة الروسية، وزيارة السيد اليكساندر شوخين نائب رئيس الوزراء رئيس لجنة الدفاع
الحربية في روسيا الاتحادية في نوفمبر 1993.
ومما يدعم لحمة العلاقات والانفتاح على وجهات النظر هو تقارب رؤية البلدين للقضايا
الإقليمية والدولية ورهانات العالم سياسيا واقتصاديا، حيث تؤكد الإمارات وروسيا على
ضرورة استقرار وأمن منطقة الخليج وإبعادها عن أسلحة الدمار الشامل لتجنيبها الكوارث
ولتعيش بسلام في إطار علاقات دولية اقتصادية متميزة، وتتفقان على أهمية إحلال
السلام العادل والشامل بمنطقة الشرق الأوسط وإعطاء الشعب الفلسطيني حقوقه المشروعة
بإقامة دولته المستقلة على ترابه، ومما يعزز دور روسيا كونها احد راعيي مؤتمر
السلام في الشرق الأوسط ومشاركتها الفعالة في اللجنة الرباعية إلى جانب الأمم
المتحدة والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.
ومتابعة للتفاصيل ووضع الأسس لمعالم التعاطي بين البلدين، استقبل صاحب السمو الشيخ
خليفة بن زايد آل نهيان في عام 22نوفمبر 1994 فيكتور تشيرنو ميردين رئيس وزراء
روسيا الاتحادية بأبوظبي، في إطار تأكيد أهمية العلاقات بين البلدين وحرص الدولة
الروسية على تطوير مجالات التعاون الاقتصادي والاستثماري مع دولة الإمارات، وتناولت
المباحثات تطورات الاوضاع في منطقة الخليج العربي والشرق الأوسط والقضايا الدولية
ذات الاهتمام المشترك.
وقال رئيس الوزراء الروسي أن زيارته تأتي تأكيدا على أهمية العلاقات بين البلدين
وانطلاقاً من تطلع القيادة الروسية إلى إقامة علاقات أوثق مع دول المنطقة بشكل عام
ودولة الإمارات بشكل خاص.
ومن جانبه أكد صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان تطابق وجهات النظر بين
أبوظبي وموسكو حول ضرورة إزالة آثار الحرب المدمرة وإنهاء النزاعات القائمة تحقيقاً
للأمن والاستقرار والسلام في منطقة الخليج والعالم بأسره.
وخرجت العلاقات الاقتصادية بين دولة الإمارات وروسيا معززة ومعضدة خاصة بعد
الانفتاح الاقتصادي الروسي والتغير الجذري في القوانين الروسية التي تنظم عمليات
الاستثمار الأجنبي وانتقال رؤوس الأموال بإنشاء اللجنة المشتركة التي انبثقت عن
اتفاقية التعاون الاقتصادي والتجاري والفني بين البلدين الموقعة في يناير عام 1990.
وهو ما سمح بتوسيع مجالات التعاون لتشمل محاور متنوعة مع إبرام مذكرات للتعاون بين
غرف التجارة في دولة الإمارات وروسيا الاتحادية تقضي بتبادل المعلومات المتعلقة
بالاقتصاد والتجارة الخارجية والقوانين التجارية والإجراءات الجمركية والمشاركة
الروسية الدورية في المعارض والأسواق التجارية في دولة الإمارات، ومما ساهم في
تعزيز التعاون التجاري والاقتصادي وتنمية المبادلات التجارية وتتمتع الإمارات
بتقديم التسهيلات الكبيرة التي توفرها القوانين المعمول بها وساعدت على استقطاب
الشركات والمؤسسات من مختلف أنحاء العالم، وتمتلك شبكة واسعة من العلاقات التجارية
والاقتصادية والصناعية مع عدد كبير من دول العالم مما يجعل التعاون بين الإمارات
وروسيا مثمراً وإيجابياً، كما تقدر الإمارات الإمكانيات الاقتصادية لروسيا وتمتعها
بالثروات الطبيعية والمعدنية والزراعية الكبيرة وهو ما فتح الباب أمام الاستفادة من
الخبرات الروسية في مجال التكنولوجيا المتقدمة وخاصة في مجالات النفط والغاز
والتنقيب عن المياه الجوفية حيث فازت شركة النفط الروسية وريثة وزارة النفط زمن
الاتحاد السوفيتي بعقد في أكتوبر عام 2000 لإنشاء مصفاة تكرير النفط في إمارة
الفجيرة بطاقة إنتاجية تبلغ مليوني طن سنوياً.
واتسعت علاقات الإمارات و روسيا لتشمل التعاون في مجال الدفاع، فقد قام وفد عسكري
روسي برئاسة وزير الدفاع بافل غرانتشوف لدولة الإمارات في يناير 1993 وتعد الأولى
من نوعها حيث وقعت الإمارات وروسيا على بروتوكول حول التنسيق والتفاهم بين البلدين
وفي مايو عام 2000 عكف خبراء عسكريون روس على تطوير وتحسين دروع المركبات الروسية
التي يستخدمها جيش دولة الإمارات.
وفي المجال الثقافي جاءت زيارة معالي ايفجيني سيدروف وزير الثقافة الروسي للإمارات
في 27 مارس 1996 حيث وقع على هامش الزيارات بروتكول اتفاقية التعاون الثقافي بين
البلدين وأشاد الوزير الروسي بالإنجازات الثقافية الكبيرة التي حققتها دولة
الإمارات، وأكد أهمية العامل الثقافي في تطوير العلاقات بين الدول الصديقة مشيرا
إلى أن الشواهد الثقافية تبقى ثابتة على مدى العصور فيما تشهد السياسات تغيرات
متلاحقة.