جانب من الحضور في ندوة خليفة القائد

وفي محاولة لفهم الركن الآخر المتمثل في حياة وإسهامات الشيخ زايد بن سلطان آل
نهيان (رحمه الله)، فإنه يجدر الحديث عن بعض المبادئ الأساسية، فسجلات التاريخ
والتطورات الحالية تؤكد ان صاحب السمو كان رجل سلام ورؤية.
وقد تميزت حياته بعقيدته الدينية الراسخة التي تقوم، ليس على الخوف، ولكن على محبة
الله. فمن خلال فهمه أن (الثروة ليس الاموال، ولكنها الإنسان)، وأن مصادر الدولة
يجب ان تستخدم كلها لمصلحة الشعب، وأن هذه المصادر يجب ان توجه لبناء الفرد، فإنه
بذلك يضرب مثلا حيا.
ويتجلى هذا بوضوح في إدراكه ان الديمقراطية الحقيقية تقوم على المشاركة الحقيقية،
وعلى التشاور والاجماع، وعلى الاستماع المتبادل، وان كل وطن يجب ان يختط لنفسه
منهجاً خاصا للتنمية، اعتمادا على تقاليده، بدلا من مجرد محاكاة نماذج الآخرين.
وبقيادته شهدت البلاد تجربة اتحادية ناجحة جدا، وبذلك وضع نموذج يمكننا ان نتعلم
منه الكثير.
إن حبه للإنسانية والبيئة واهتمامه بالاستخدام الآمن للمصادر الطبيعية يتجسدان في
كثير من الانجازات المحسوسة، بدءا بإعادة بناء وتوسيع (الافلاج) (وهي قنوات مائية
قديمة تسمح بري الاراضي الزراعية وتضمن استخدام المياه بشكل متوازن)، إلى رعاية
الانواع المهددة بخطر الانقراض، إلى دعم تنمية التكنولوجيا الملائمة، إلى زراعة
مئات الملايين من الاشجار، والحقيقة ان أول زيارة لي للإمارات العربية المتحدة كانت
بدعوة منه لإيصال رسالة الأمين العام للامم المتحدة كوفي عنان حول دور الاعمال
و(مبادرة التضامن الكوني) لمؤتمر (البيئة والتنمية المستدامة).
لقد تعلمنا من خلال عمله وإسهاماته وسعيه المستمر إلى تحقيق بدائل للتنمية انه
يمكننا اعتماداً على المبادئ الصلبة والاحترام (المتبادل)، وبالاخلاص والعمل الدؤوب
والخلاق، فإنه يصبح من السهل الوصول إلى حلول ناجحة وناجعة ترضي الجميع.
إن رؤيته تتجاوز الامارات العربية المتحدة إلى خلق عالم أفضل، من خلال جهوده
المتواصلة من اجل السلام ومساعدة المحتاجين.
فمن الواضح ان دور الصناعة والتنمية الاقتصادية يتأتى في خدمة البشرية جمعاء وليس
العكس. وفي عام 1999 أوضح الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان ذلك التحدي بقوله :
(لنوحد سلطة السوق مع سلطة المبادئ الدولية. دعنا نوفق بين إبداع الاعمال التجارية
وحاجات ومتطلبات اجيال المستقبل).
وقد كانت هذه دعوة للأعمال التجارية، كما انها في الحقيقة تحد لجميع حاملي الأسهم
والمساهمين في كل أنحاء العالم. وهو تحد تجاوبت معه دولة الإمارات العربية المتحدة
ومجتمع الاعمال بها. فباستخدام الخبرة والتدريب، ضاعفت الامارات العربية المتحدة
نتائج التنمية المطلوبة وسهلت إلى حد كبير الوصول إلى الحاجات الضرورية. وقد ظهر
ذلك في مجال الاستكشاف، مع وجود قدر كبير من الابداع، واتضح أيضا في طرق نقل
التقنية وفي بسط الاستثمارات المنتجة وفي مساعدة الدول للوصول إلى المياه والغذاء
والرعاية الصحية والتعليم والكساء والمأوى وذلك بالمساهمة الفاعلة في تخفيف حدة
الفقر. إن دولة الإمارات العربية المتحدة لا تساعد فقط في جهود العالم لتحقيق أهداف
التنمية في الألفية وإنما في بناء عالم متساوٍ للجميع. فبمساعدة دول العالم للوصول
للحاجات الضرورية، يستطيع كل فرد ان يأخذ طريقه إلى الحرية والكرامة التي خصه الله
بها.
وقد كانت جهود دولة الإمارات العربية المتحدة وتعاونها مع كل أصحاب النوايا الطيبة
لتحقيق السلام الدائم في الشرق الاوسط واضحة للعيان وبالغة الاهمية.
إن إيجاد الحلول المثلى إنما يتأتى بالابداع والخيال لتطوير الاساليب والمنهاج
المختلفة لخلق حقائق جديدة لهو التحدي الأكبر، وهذا ما يجعل الامارات العربية
المتحدة في مكانة فريدة ومتميزة للنهوض بهذا الدور وقيادته وتفعيله.
ان جسور السلام والمحبة والتعاون والاحترام هي مبادئ ذات أهمية عظيمة اذ انها لا
تمثل فقط ربط ماضي الامارات العربية المتحدة بحاضرها، وإنما تمثل ايضا فرصة لملء
الهوة بين الفقر والغنى، بين النزاع المسلح والسلام الدائم. إنها جسور بنيت على أسس
راسخة وركائز بديعة. إنها جسور أبدعت تحت عين الخالق الذي لا ينام وبهدي وتوجيه من
سمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، وتجلت فيها معاني الإخلاص والحكمة والعناية
والالتزام.
وكما ذكر سموه (إن الانسان هو الثروة الحقيقية، قبل النفط وبعده) ويتجلى ذلك في
الاستثمار الهائل في مجال التعليم وتدريب الكوادر البشرية لتأكيد تطوير الفعالية
والكفاءة. وقد اتيحت لي فرصة زيارة المدارس والجامعات في أرجاء الامارات وتلمس نبض
التزام المعلمين والطلبة والاساتذة.
إنه لمن المشجع ان ترى الاعداد المتزايدة من الطلاب من مختلف الجنسيات، واتمنى ان
تتزايد هذه الاعداد باطراد، ليس فقط لتوفير الفرص للعقول الشابة الذكية من الدول
الاقل حظوة من عالمنا لكي تتقدم وتتطور، وإنما ايضا لمد المزيد من جسور التفاهم
والتعاون بين الشباب قادة مستقبل العالم. كما أنه من المشجع الالتقاء بطلبة وباحثين
من الإمارات يجتهدون لتطوير أنفسهم ولاكتساب المعرفة في مؤسسات مرموقة في مختلف
القارات. وإضافة إلى ذلك فإن الاهمية التي أولتها الدولة للمعلم والتي تنسجم مع هدي
القرآن الكريم ومع تقاليد الأمة الاسلامية التي تستوجب التوقير والتبجيل للمعلم
وبفضل حكمة الاجيال التي تجلت في فكر سمو قائد الدولة، حيث قال : (إن بناء الإنسان
يختلف تماماً عن كل عمليات البناء الأخرى إذ أنه الركيزة الاساسية للتنمية
الاقتصادية والاجتماعية الشاملة وهو الذي تعتمد عليه مسؤولية دفع مسيرة البلاد
للأمام).
واليوم وبشكل خاص، وعلى المدى البعيد، ستؤتى الاستثمارات أكلها اقتصادياً واجتماعياً
وبيئياً لدولة الإمارات العربية المتحدة ولبقية العالم.
ويمكننا أن نلحظ امتداد الجسر في تطوير الزراعة وفي السعي الدؤوب لتحقيق الامن
الغذائي والتنويع الاقتصادي.
ان التنمية في مجال الزراعة لا يمكن ان تتحقق بدون الاستثمار في رأس المال البشري
والمعرفي وبدون مراعاة فاعلة ومستمرة للبيئة. ومرة أخرى، فإن هذا مجال ظلت دولة
الإمارات العربية المتحدة تتميز فيه على مستوى العالم، فقد أصبحت مركزا للتنمية
وتقاسم التقنيات والخبرات، ومنطلقا لدعم الدول المحتاجة في سعيها لضمان الامن
الغذائي العالمي الفعال والمستدام ولمساعدة مواطني تلك الدول للوصول إلى الحاجات
الضرورية.
كما ان احد الاوجه الرئيسة في هذا الجسر يمكن ملاحظته في التنمية التجارية
والصناعية التي تشهدها البلاد. إن مقولة : (النفط صناعة انتقالية) هي تعبير يختصر
الكثير من العبارات، ويهدف إلى عدد من المسائل منها : زيادة الناتج القومي الإجمالي
وتطوير التصنيع الزراعي، وتحسين استخدام موارد المياه، والاكتفاء الذاتي من السلع
والخدمات، وتنشيط وإحياء الصناعات اليدوية وتطوير الاستثمارات في مجال استغلال
وتصنيع الموارد المعدنية.
وخلاصة القول ان مجمل النقاش حول التنمية الصناعية يبدأ بإدراك ان تدريب الكوادر
البشرية الوطنية هو أولوية قصوى.