الاتحاد في فكر صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس
الدولة

في حياة كل شعب أيام مضيئة يشع نورها بين صفحات تاريخه ويفوح عبيرها أبداً ليملأ
نفوسهم فخراً واعتزازا بما صنع الآباء والأجداد فيمنحهم العزيمة والقوة لبناء
حاضرهم ومستقبل الأجيال اللاحقة من بعدهم. وإذا كان تاريخ الإمارات قديمه وحديثه
يزخر بمناسبات العز والفخار التي لا تنسى أبدا، فان يوم الثاني من ديسمبر سنة 1971
هو علامة بارزة في المسيرة التاريخية لشعب الإمارات، لأنه اليوم الذي تضافـرت فيـه
الجهـود وسـار الجميـع على خطـى التوجـه
الوحدوي بإعلان قيام اتحاد الإمارات العربية المتحدة، الذي كان ثمرة نوعية لجهد
نوعي بذلته القيادة الرشيدة وصانته بالرعاية والجهد الذي امتلأ إخلاصاً وروحاً
فكانت نتائجه مواسم نجاحات متدفقة ومتألقة في واقع دولة الإمارات وطناً وحياة، وكما
قال صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان : (سوف يبقى الثاني من ديسمبر 1971
على مر الزمان الحدث الأعظم قيمة في تاريخ الإمارات، والأكثر تأثيرا في مستقبلها،
لا ينضب معينه أو يخف صداه)، فمنه أشرقت شمس الاتحاد، ومعه تحقق الحلم الكبير
والأمنية العظيمة التي طالما تمناها شعب الإمارات.
ومنذ إعلان البيان التاريخي لقيام الاتحاد أخذ الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب
الله ثراه على عاتقه مسؤوليات بناء القواعد الصلبة التي ارتفع فوقها صرح الدولة
الاتحادية، وانطلق في عمل متواصل تحفه آمال عريضة وطموحات كبيرة في سباق مع الزمن
لوضع الخطط وتنفيذ المشاريع، فتحولت البلاد إلى ورشة كبرى للإعمار والتنمية، تزرع
الأسس المتينة لنهضة شاملة في أرجائها معالم دولة حديثة، وتقوم في جنباتها معالم
حضارة تنهل من ماضيها وتراثها العريق أصالتها وصلابتها وترسم للحاضر إطلالته
المشرقة، وقد بلور المغفور له الشيخ زايد هذه المعاني بقوله \" (لقد أدركنا منذ
البداية ان الاتحاد هو السبيل لقوتنا وتقدمنا وهو الوسيلة لإسعاد المواطنين وتوفير
الحياة الكريمة لهم وللأجيال القادمة، كما أدركنا ان ذلك لا يمكن ان يتم إلا في ظل
قيام دولة اتحادية وطيدة الأركان ثابتة الدعائم تعي الماضي بكل عبره وتعيش الحاضر
بكل مكتسباته وإشراقاته وتنطلق نحو مستقبل يواكب ركب الحضارة الإنسانية).
وهنا تكمن عظمة الإنجاز الذي تحقق على يدي المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن
سلطان آل نهيان طيب الله ثراه رائد الوحدة الذي استوعب تاريخ المنطقة واستمد من
تراث الأجداد العريق الإرادة والعزيمة، والتقت إرادته الوحدوية في لحظة تاريخية
مشهودة مع إخوانه الرواد مؤسسي الاتحاد واتفقوا وعزموا على قيام دولة فتية كرد
تاريخي على التجزئة في ملحمة تؤكد عبقرية القيادة يغمرها إيمان عميق بوحدة الأرض
والشعب وإدراك ثاقب بأهمية التآزر والتعاضد لبناء الوطن، وتواصلت هذه الجهود مع
تولي صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة قيادة المسيرة في الثالث
من نوفمبر 2004. يقول سموه عن الاتحاد : (أصبح الحلم حقيقة، وما كان ليتم لو لم يكن
وراءه رجال عظماء ذوو همة عالية وطموح قائد مظفر وسياسي بارع يمتلك قلبا قويا مشبعا
بالإيمان بما فطر عليه من صلابة وجسارة وحنكة وما ورثه عن الأسلاف من حب للوطن،
قائد عرف كيف يوحد ولا يفرق، يصون ولا يبدد، يبني ويعلي البنيان حتى قام الاتحاد
العظيم الذي أعطى الأرض المجزأة القدرة على التكامل وجعل منها كيانا وحدويا قل ما
حدث له مثيل في التاريخ الحديث والمعاصر، ورغم ما كان يحيط بالمسيرة من صعاب داخلية
ودولية فقد استطاع الربان الماهر ان يتعامل مع الاحداث ببصيرة نافذة تكاتف معه
إخوانه الأوفياء أصحاب السمو أعضاء المجلس الاعلى للاتحاد الذين عرفوا آمال وطموحات
شعبهم وأسهموا في قيام المسيرة وساروا معه نحو هدف نبيل وعظيم، ألا وهو توحيد شعب
وترسيخ مبادئ وقيم أصيلة، فقد كان مفهوم الأسرة الواحدة واضحا في أذهانهم قبل
الاتحاد).

السيد عبد الرحيم أيت علا والدكتورة جوخة بنت شخبوط الريامي
والدكتور هاينز هوفمان والدكتور جاد محمد طه محمود والدكتورة داليا أبو سمرة
والأستاذ أوليفيي دي لاج والسيد صلاح الدين السويفي
والنعمة الحقيقية التي أدركت أبناء دولة الإمارات هي تلك القيادات النادرة في
رؤيتها للوطن والمواطن، الدافقة المشاعر تجاه كل حبة رمل تشكل أرضها، وتجاه كل شجرة
نخيل ترتفع في سمائها، وهي بكل اعتزاز ثمرة الإرادة القوية التي استطاعت في فترة
قصيرة من الزمن أن تترك بصماتها في كل موقع وكل ميادين الحياة، والتي أعطت بلا حدود
ومضت تتجاوز العقبات وتواجه التحديات وتشيد وطناً واثقاً معتزاً بإنجازه فخوراً بكل
أبنائه، وصاغتها عزيمة وإرادة رجال أوفياء وإيمان قيادة حكيمة، استطاعت حشد الطاقات،
وبحكمتها الثاقبة ورأيها السديد تجاوزت العقبات التي صادفت المسيرة طوال السنوات
الماضية، وقد أكد صاحب السمو الشيخ خليفة ذلك بقوله : (لقد جاء قيام الاتحاد بعد
جهاد طويل ولم يكن موجودا من أجهزة الحكم الاتحادي غداة قيام الدولة سوى القرار
والنيات الطيبة وعزائم الرجال وإيمانهم بضرورة العمل والتضحية .. وكان على هؤلاء
الرجال ان يبدءوا عملهم من نقطة الصفر .. وان يضعوا اللبنة الأولى في كل المجالات
..)، كما قال سموه : (فهذا الاتحاد الذي نعيشه اليوم واقعا حضاريا وسياسيا
واجتماعيا واقتصاديا ما كان هبة أو منحة وما كان مناله سهلا يسيرا لقد جاء ثمرة غرس
طيب لآباء مؤسسين حملوا الفكرة في القلوب أملا وتدبروها جهدا ورعاية حتى صارت واقعا
حيا معاشا أسهموا بتفان في ترسيخ دعائم هذه الدولة وارسوا نظاما يستند إلى حكم
القانون وسيادته وأنشأوا منظومة حكومية اتحادية قادرة على التطور ومواكبة لمتطلبات
العصر ومقتضياته). وحسب هذه القيادة أنها بلغت بهذا الجهد الذي امتلأ إخلاصا وروحا
مبلغا ملأ الوجدان، يقول سموه : (لقد ترسخت دعائم اتحادنا الشامخ وأصبحت دولة
الإمارات العربية المتحدة علامة بارزة على تقدم الدول والأمم بما انتهجته من سياسات
حكيمة وحققته من منجزات عظيمة وما تنعم به من أمن واستقرار وازدهار وطمأنينة).
ولا غرو من ان مسيرة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة – حفظه
الله – في تدعيم الاتحاد، ومعين سموه الدافق ورؤيته الثاقبة مثلت بحق نبراسا في
عملية التنمية، وقد أكد سموه قائلا : (الاتحاد جعل الوطن حقيقة واحدة وأصبحت له
أبعاد سياسية وزالت الحدود وتماسكت الأيدي فصارت أقدر على البناء ومضت المسيرة ...
)، فسموه شارك بكل جهده وفكره في مرحلة بناء الدولة ووضع أسسها المتينة ملاصقا
للمغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان – رحمه الله وطيب ثراه – وإخوانه أصحاب
السمو حكام الإمارات، وعاش معها أفراحها وأحزانها وساهم بكل أحاسيسه في قضاياها
وألزم نفسه بالمشاركة الإيجابية في تطويرها كأروع إنجاز وطني شارك في صنعه القائد
والمواطن خطوة خطوة بل لبنة لبنة، متحملا هذه المسؤولية بروح وإقدام وعزيمة الرواد
الأفذاذ الذين يؤثرون إنكار الذات، يقول سموه : (كان والدي المعلم الذي أتتلمذ على
يديه كل يوم، وأترسم خطاه، وأسير على دربه، ونستلهم منه الرشد والقيم الأصيلة، نؤمن
بمبدأ الشورى، ونتذرع بالصبر والحلم والتأني في كل أمورنا). وقال في موضع آخر : (لقد
علمنا القائد قيما عليا وغرس في نفوسنا مبادئ سامية تؤسس لبناء أجيال واعية ومستقبل
مشرق للوطن والمواطن).
إن ما يقدمه سموه من رؤية كاملة في البناء وناضجة في التصور وعميقة في التوجه، إنما
تنبع من شخصية عايشت جميع مراحل بناء الوطن والإنسان بكل دقائقه ولحظاته، والتي لا
تزال رؤاه تضيئها بنور الحكمة وقوة البصيرة. يقول : (إن الاتحاد كان سبيلنا إلى
تحقيق أمانينا وأنه سيظل الغاية التي نسعى إلى تعزيزها وتأكيدها والدفاع عنها
والتضحية في سبيلها، فالاتحاد هو قدرنا ومصيرنا وهو مصدر قوتنا وملاذ أجيالنا وهو
سبيلنا نحو حاضر سعيد ومستقبل مشرق ونحو طموح لا حدود له نعمل بشكل دائم ومستمر على
تطوير دولتنا وتوفير الحياة الكريمة لأبناء هذا الوطن وللاجيال المقبلة).
والحقيقة والواقع أكبر الادلة على صدق هذه الرؤية المكفولة بامتداد هائل في عمقها
واتزانها وطموحها وصدق تعلقها بالارض ورغبتها في صناعة المستقبل الافضل، فقد كرس
صاحب السمو الشيخ خليفة كل وقته وجهده لخدمة مواطنيه وتوظيف الثروات لبناء تقدمهم
وازدهارهم، خاصة وأن دولة الإمارات غدت مفخرة بين دول العالم بفعل ما حققته من
معدلات التنمية الشاملة، وأيضا بما تنعم به من استقرار وأمن وانفتاح، يقول سموه : (ونحن
نعتبر ما تحقق منذ أن ارتفع على الإمارات في الثاني من ديسمبر 1971 من إنجازات
وتطور وتقدم حضاري اكتملت به مقومات الدول العصرية، مفخرة إنسانية يحترمها ويقدرها
الجميع، خصوصا بعد ان أكدت دولة الإمارات وجودها كتجربة اتحادية رائدة).
لقد قدم سموه منظورا شاملا لغنى القيادة وصناعة الحاضر والمستقبل. وهو المنظور الذي
اعتمد فلسفة الإخلاص للوطن، وأعتبر ان المستقبل لا يبنى من فراغ، بل يؤسس على دروس
الماضي وعبره، وفي هذا يقول : (لقد مضت مسيرة الاتحاد في ظل الالتحام الصلب بين
القيادة والشعب تستوحي نهج الآباء والأجداد في إصرار موصول نابع مع آمال في مواجهة
الحاضر والتحضير للمستقبل والحفاظ على الماضي التليد حتى غدت هذه الدولة منارة
للعدل ووطناً مزدهرا ترفرف عليه رايات العزة). وسموه في كل ذلك إنما يضيف لبنة
جديدة إلى صرح الذاكرة الوطنية الجماعية لأبناء الوطن الواحد تنصهر في بوتقة واحدة
بقوله :(ان شعب الامارات العربية المتحدة استطاع بتلاحمه مع قيادته ان يجسد امانيه
وينسج بصبر واقتدار كيانا اتحاديا صلبا تتزايد دعائمه رسوخا وقوة يوما بعد يوم ).
ويضيف في موضع آخر : (اصبح الاتحاد هو الصلة الحقيقية التي تربط أبناء الإمارات
بعضهم إلى بعض كبنيان واحد مرصوص لا انفصام له). ويوضح أيضا : (وتأكد لجميع
المواطنين ان هذا الاتحاد الغالي إنما هو ليس قدرهم ومصيرهم فقط بل هو المستقبل
والرخاء والأمن والأمان والرفاهية والطمأنينة والعزة والكرامة ليس لهذا الجيل فقط
بل للأجيال القادمة).
وقد أكد صاحب السمو الشيخ خليفة دائما انه ليس هناك أفضل من شرف النضال من أجل
التنمية إذ ينصهر بشرف الكفاح من أجل عزة الوطن والشعب، كما ان التاريخ لا يسجل في
لوحة المجد سوى أسماء الذين يعطون الوطن بعض ما أعطاهم ولان العطاء فعل ووفاء لا
ينضب معينه ولا تجف جداوله، فالأعمال عند صاحب السمو رئيس الدولة تبقى دائما أعلى
صوتا من الأقوال. يقول : (إن قيام الاتحاد لم يكن مجرد اتفاق أو صيغة قانونية أو
سياسية بل كان ترجمة أمنية لآمال ظلت تجيش به صدور أبناء هذا الشعب طوال السنين
والأعوام من أجل قيام اتحاد يوفر عوامل القوة والاستقرار ويقضي على عوامل التجزئة
ويتيح للإنسان فوق هذه الأرض حياة أفضل).
لقد أدرك صاحب السمو رئيس الدولة ببصيرته الثاقبة منذ انطلاقة المسيرة الاتحادية ان
تنمية الدولة يجب ان تكون شاملة وكاملة لكل عناصر النهوض، وان الصرح الحضاري الذي
يعمل على رعايته بتفان مع إخوانه اصحاب السمو حكام الإمارات لا بد أن يرتكز على
دعائم من القوة لكي يزداد رسوخا وشموخا ويكون السياج القوي الذي يحمي المسيرة،
فسنوات التوحيد التي عاشتها الدولة حتى الآن أضحت بمثابة المصابيح التي تنير الطريق
وتحقق من خلالها الكثير، ويقول سموه : (وبالعزم والإصرار والإرادة القوية كانت
محصلة العمل الوطني بكل المقاييس اكثر من رائعة في كل المجالات، فقد تحمل الجميع
مسئولياتهم لإحداث وثبة حضارية وإنجازات عديدة في التعمير والتعليم والصحة والزراعة
والصناعة وتحول البناء إلى صرح شامخ قوي يعلو مع الأيام فوق أسس صلبة راسخة).
ان المتتبع للتجربة الاتحادية لدولة الإمارات لا يجد عناء في تلمس جوانبها المضيئة
على هذه الأرض الطيبة ابتداء من وضع الثوابت والأسس وتحديد الاهداف مرورا بكل
تفاصيل الجهد والعمل وانتهاء بتحقيق الغايات والوصول إلى النجاحات التي تشهد عليها
النقلة الاجتماعية والاقتصادية والحضارية التي طرأت على مختلف مجالات الحياة. وتجد
هذه المعاني في مقولة صاحب السمو الشيخ خليفة: (منذ اللحظة الاولى لميلاد الاتحاد
بدأت مرحلة مشرقة نابضة بالعراق والكفاح والعمل الوطني المثمر وأخذت الإمارات تتبوأ
المكانة التي تستحقها على خريطة الدنيا، بالاقتصاد المتطور، والاستغلال الأمثل
للموارد، والأوضاع السياسية والأمنية المستقرة، التي انعكست بشكل إيجابي وممتاز على
حياة كل مواطن ومقيم على أرض وأسهمت بشكل كبير في خلق مستوى عال من الرفاهية
والتقدم).
وإذا كانت المساحة تضيق لتسجيل النجاحات التي حققتها دولة الإمارات العربية المتحدة
فإننا نذكر بكل اعتزاز ان عمر تجربة بناء دولة الإمارات وان كان قصير بجميع
المقاييس العادية إلا أنه بنوع وحجم وواقع الانجاز عمر يلغي جميع المقاييس العادية
في التاريخ الإنساني، هذه هي النظرة التي أكد عليها صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد
عندما أشار إلى ان عمر السنة هو عمر عادي بالنسبة لباقي الناس، إلا انه بالنسبة
لدولة الإمارات هو عمر بالسنوات، وعامنا في هذا البلد هو بمثابة أعوام عديدة في بلد
آخر، وتجلت هذه المعاني بقوله : (ولم تكن تلك السنوات إلا مسافة زمنية قصيرة لا
تقاس عادة بعمر الشعوب ولا بعمر الدول ولكنها بالنسبة للإمارات أصبحت مقياسا عمليا
للتقدم والازدهار، فقد استطاعت الإمارات الفتية ان تختصر الزمن وهيأت للصدور ما
تعتز به وما تفخر به، وحققت ما عجزت عن تحقيقه كثير من دول العالم ليس في مجال
البناء والعمران والنهضة الاقتصادية فحسب وإنما وهو الأهم في المبادئ التي ترسخت
طيلة هذه السنوات). كما هو ايضا إثراء لتاريخ الدولة ورسم لملامح ثقافة الأجيال
الحاضرة والمقبلة من أبناء هذا الوطن العزيز، كما يقول صاحب السمو الشيخ خليفة : (كان
الشعار الذي التف حوله الجميع منذ اليوم الاول لقيام الاتحاد هو ضرورة قهر المستحيل
واختصار الزمن لتعويض ما فاتنا وتوفير الرفاهية والاستقرار لكل مواطن).
والاتحاد عند سموه لم يكن شعارا أو إطارا سياسيا عاما بل كان منهج حياة وهدفا لبناء
دولة قوية توفر الحياة الحرة الكريمة لأبنائها. وفي هذا يقول سموه : (هذا الصرح
أثبت ان الوحدة منهج وهدف لا مرحلة انتقال وقتي، بل هي مصير مشترك وإصرار موحد على
خوض معركة بناء الدولة النموذج، يداً بيد وأملاً بأمل)، بل ارتبط منذ البداية
بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية الشاملة على مستوى الدولة، مما أدى إلى ربط
المواطن بالاتحاد مصيرا ومصلحة وحياة، يمنحه الهوية والمكانة المرموقة، وبقدر ما
خطا اتحاد الإمارات خطوات واسعة أكسبته العديد من المزايا ومكونات الحياة الحديثة
ومقومات التقدم العصري بقدر ما كانت متوافقة مع بيئته المحلية وهويته المميزة
ومقوماته الأصيلة. يقول صاحب السمو الشيخ خليفة موضحا هذه المعاني : (لم يعد هذا
الاتحاد مجرد شعار أو إطار سياسي عام، بل مرتبط بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية
الشاملة، الأمر الذي ادى إلى ربط مواطن الدولة به قدرا ومصيرا، كما ان هذا الاتحاد
منح مواطن الامارات الهوية والمكانة المرموقة على الصعيدين العربي والدولي، مما
جعله يشعر بالاعتزاز والفخر بهذا الانتماء). ولعل الازدهار والتطور الذي حققته
المسيرة الاتحادية في البلاد على الصعيدين الداخلي والخارجي يعتبر من أبرز المقومات
التي ادت إلى رسوخ هذه التجربة وأعطتها خصوصيتها كما قال صاحب السمو الشيخ خليفة :
(فالاتحاد مسيرة بدأت ونمت ولا تزال بحمد الله تحقق كل يوم إنجازاً جديداً في كل
لحظة لبنة أخرى في بناء الوطن).
إن الأمر كما قال سموه لا يحتاج إلى التدليل على الإيجابيات الضخمة التي حققتها
مسيرة الاتحاد كل صعيد تنمية القوة البناءة، فالإنجازات خلال السنوات الماضية
تجاوزت كل قياس واستحق أن يقال عنها إعجازاً: (إنجازات دولة الاتحاد خلال السنوات
الماضية كبيرة جدا، لقد تغير وجه الحياة على أرضنا تماما .. تلك هي الحقيقة التي لا
ينكرها أحد)، فقد كانت سنوات الاتحاد سنين عمل وعطاء وضعت الوطن على الطريق القويم
للحياة العصرية كما قال سموه (إن طريق الاتحاد، هو طريق العطاء، وقد اجتزنا بعون
الله اختباره الاول بنجاح كبير، ووضعنا أقدامنا برسوخ على طريق التقدم، وسنقطع بإذن
الله وبثبات كل خطواته القادمة واحدة بعد الأخرى بوعي وإدراك).
ويؤكد صاحب السمو الشيخ خليفة أن الاتحاد هو مرحلة نماء دون توقف، وإنه من المحتم
في المرحلة القادمة العمل على ترسيخ دعائمه وتوطيد أركانه بالمزيد من التلاحم
وتعميق الاعتماد على القدرات الذاتية ومواصلة تنويع مصادر الدخل القومي واستمرار
بناء الإنسان الذي يجب تعطي له الأولوية في الاهتمام والرعاية باعتباره أساس وهدف
التنمية الشاملة، ويقول صاحب السمو رئيس الدولة :( ومنذ اليوم الأول لقيام الدولة
وإنسان الامارات هو المشروع الحضاري الأكبر الذي اعتمدت عليه نهضة الإمارات)، ويضيف
في موضع آخر : (تركز استراتيجيتنا على تدعيم وتجسيد كيان اتحاد الامارات العربية
المتحدة، وذلك بتحقيق التكامل الاقتصادي والاندماج الكامل في كافة المجالات
الاقتصادية والاجتماعية والإرادية).
إن إنسان الإمارات كما قال سموه هو المشروع الحضاري الأكبر الذي اعتمدت عليه نهضة
البلاد، وقد احتل مكانا ساميا في فكر سموه الذي اغدق العطاء ولم يبخل بجهد ومال
لبناء شخصية ابن الإمارات المتسلح بالعلم والتطور التقني والفكري، وقدم المثل
والقدوة بالإيمان والإرادة من أجل رعايته وتأمين مستقبله، وضمان أمن النشء المقبل
وتحقيق الرفاهية له، يقول سموه : (إن أبناء هذا الوطن كانوا عند حسن الظن بهم فقد
أثبتت التجربة ان إنسان الاتحاد هو القيمة الأسمى والأمثل في هذه المسيرة الرائعة
التي تمخضت عن صقل وإظهار هذه الشخصية التي أعطت وتعطي كل ما لديها من جهد وطاقة
ومقدرة وصولا بالاتحاد الى هذا المركز المتميز في تفاعل خصب وخلاق بين القيادة
والشعب).
لقد اختط سموه نهجا واضحا في إرساء العدالة الاجتماعية بين أبناء الإمارات وتمثل
ذلك في حواراته المستمرة مع أبناء شعبه وحرصه على الالتقاء بشكل مباشر مع المواطنين
خلال جولاته وزياراته الميدانية المنتظمة ليتفقد أحوالهم واحتياجاتهم ويطمئن على
توفير الحياة الكريمة لهم انطلاقا من فلسفة شاملة يؤمن بها وهي أن خير هذه الارض
يجب ان يشمل الجميع، وهو ما أكد عليه بقوله : (والحق ان العطاء من القيادة ..
والتلاحم من القاعدة كان وسيظل نموذجا فريدا في تجربة البناء والتنمية بكل أبعادها
الإنسانية والحضارية فقد مر شعبنا بتجربة فاصلة وبرزت أمامه التحديات الواحدة تلو
الأخرى فاستجاب بالصبر والمثابرة والعمل المتواصل وكان الشعار الذي رفعه الجميع هو
قهر المستحيل وتأصيل القيم الاتحادية وتعميق جذورها وجمع إرادتها وإعلائها فوق
الإرادات وبناء دولة حديثة).
تلك هي المسؤوليات الوطنية الاولى التي تبقى تضيء الدرب وتجسد التطلعات السامية
لواقع مسكون بالعزيمة المخلصة وبالإيمان الذي لا يتزعزع مشفوعا بنظرة ناقدة ونافذة،
يقول سموه : (وأقول بكل فخر ان ما تحقق يفوق كل تصور وهو بكل المقاييس عمل ضخم
وتجربة فريدة فرضت وجودها. وفي كل مرحلة من مراحل العمل الوطني فإننا نعيد تقييم
إنجازات كل مرحلة حتى نتلافى اوجه القصور، وإصلاح مسار عملنا والاستفادة من الدروس
للانطلاق بخطى أوسع ووفق خطط اكثر سلامة للمراحل المقبلة بغية الوصول الى أهدافنا
وتحقيق أماني وآمال شعبنا). وهو يؤكد انه علينا ان ننظر الى الامام بثقة وإصرار
لبذل المزيد من الجهد حتى يرتفع البناء، ولن يتأتى ذلك إلا بأن يعرف كل منا واجبه
فيؤديه مهما كلفنا ذلك من مشقة لان تعزيز البنيان الاتحادي ليس مسؤولية القيادة
وحدها لكنه مسؤولية كل إنسان في هذا الوطن والتاريخ لا يسجل في لوحة المجد سوى
أسماء الذين يعطون الوطن بعض ما أعطاهم ولأن العطاء فعل ووفاء لا ينضب معينه ولا
تجف جدواله.
إن ملحمة بناء دولة الإمارات العربية المتحدة تؤكد عبقرية القيادة التي أخذت على
عاتقها مواجهة التحديات وقهر الصعاب لبناء كيان قوي يتحدث عنه العالم ويشهد له
ويشيد بتجربته التي مزجت الاصالة والحداثة والتسامح والوحدة الاجتماعية والعدالة
والشورى، كما قال صاحب السمو الشيخ خليفة : (كان الثاني من ديسمبر 1971 انعطافا
هاما في تاريخ الإمارات العربية المتحدة، ومنطلقا لتحرك هادف تمارس الدولة الحديثة
من خلاله مسؤولياتها سواء على الصعيد الداخلي او على الصعيدين العربي والدولي. ولقد
عرفت دولة الإمارات العربية المتحدة الطريق الصحيح إزاء هذه المسئوليات والنهوض
بتبعاتها، وحسبها انها بلغت بمواقفها المبدئية والثابتة في تأييد قضايا الحق والعدل
والسلام مبلغا ملأ وجدان العالم وكسبت تأييد الأشقاء والأصدقاء معا).
لقد كان نجاح المسيرة الاتحادية حافزا للتفكير بقيام الوحدة الخليجية في المنطقة،
فوضعت الدولة تجربتها الاتحادية كنموذج حي متطلعة حينها الى تحقيق الاتحاد الأكبر
بين الأشقاء دول منطقة الخليج العربية، فجاء التجاوب والتعاضد لتحقيق آمال وطموحات
الشعوب بقيام مجلس التعاون. وقد عمل صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد رئيس الدولة
بتفان وإخلاص مع إخوانه قادرة دول الخليج العربية في إطار مجلس التعاون انطلاقا من
الإيمان المطلق بالوحدة. كما قال سموه مشددا على علو مكانة الإنجاز الوحدوي الخليجي
: ( إن مجلس التعاون لدول الخليج العربية، هو تجسيد بارز حي لارتباط شعوب الخليج
وتلاحم مصيرها، وهو صرح اختاره قادة الدول الخليجية الست الذين يشعرون بنبض شعوبهم
إحساسا عفويا ويدركون تماما اتجاه تطلعاتها). كما رأى ان قيام هذا المجلس والتوقيع
على وثائقه في مؤتمر قمة ابوظبي سنة 1981 : ( يعتبر مرحلة جديدة من مراحل العمل
الخليجي الموحد والتلاحم الاخوي والمصيري من أجل ترسيخ أمن واستقرار الجناح الشرقي
للوحدة العربية).
ولصاحب السمو الشيخ خليفة رؤية عميقة لمنطقة الخليج العربي بوصفها منطقة استراتيجية
يرتبط أمنها واستقرارها بأمن العالم واستقراره، وباعتبارها كذلك جزء لا يتجزأ من
الوطن العربي، ومن هذا المنظور فقد أكد : (ان قيام المجلس كان بحد ذاته كسبا كبيرا
لدول المنطقة، والوطن العربي بشكل خاص، وللعالم كله بشكل عام، لأنه جاء محققا لآمال
وتطلعات شعوبنا، وتعبيرا عن رغبتنا في البعد عن التوتر والصراع الدولي).
ويعد العمل الخليجي المشترك في نظر صاحب السمو الشيخ خليفة أمرا حيويا لبلوغ
الاهداف والمصالح المنصوص عليها في ميثاق المجلس وحتى يصبح بمثابة دائرة قوية فعالة
ونموذجا لما يجب ان يكون عليه مستوى التعاون بين الاشقاء العرب، وفي هذا يقول :
(سنواصل على الصعيد الإقليمي العمل مع إخواننا في مجلس التعاون لدول الخليج العربية
على تعزيز العمل الخليجي المشترك وزيادة فعاليته في استكمال بناء صروح التكامل
السياسي والاقتصادي والأمني والاجتماعي).
ويدرك سموه أهمية ان يتم التنسيق الاقتصادي بين دول مجلس التعاون بالتوازي مع
التنسيق السياسي والتنسيق العسكري، فالاقتصاد بمثابة العمود الفقري لأي تعاون مشترك
وهو الذي يقود الى الوحدة السياسية بين الدول. حيث يقول : (أن من الامور والحقائق
الأساسية في عالم اليوم ان التنسيق والتكامل السياسي والعسكري يظل ناقصا وهشا ما لم
يستند الى التكامل الاقتصادي الذي يعتبر الاساس في اية عملية تكاملية تطمع الى
البقاء والاستمرار).
لقد قدمت التجربة الوحدوية في دولة الإمارات كما قال صاحب السمو الشيخ خليفة إشراقة
الأمل في تاريخ الامة العربية المعاصرة ومثلت نموذجا عربيا يحتذى به لقهر التجزئة
والتقسيم وترسيخ العلاقة المتينة بين الوحدة والتقدم حيث يقول : (إننا نرجو ان يؤدي
المثل الذي قدمه اتحادنا في الاتجاه نحو قهر التجزئة والتقسيم، الى وحدة شاملة بين
جميع الاشقاء على امتداد الوطن العربي).
ويؤكد سموه بان قيام الاتحاد يعتبر علامة مضيئة لأمتنا العربية على امتداد رقعتها،
بقوله ان التجربة الوحدوية في دولة الإمارات تعد نموذجا رائعا وتجسيدا ناجحا لحلم
الوحدة الذي يعيشه كل إنسان عربي، كما انها إحدى تجارب الوحدة العربية الناجحة بعد
ان تتابعت خطوات دولة الإمارات واسعة واثقة على كل الاصعدة مؤكدة ومرسخة أركان
الاتحاد الذي ارتفع صرحه محققا لشعب الإمارات عوامل التقدم والتطور والازدهار في
شتى المجالات، ويقول صاحب السمو الشيخ خليفة مشيدا بالتجربة الاتحادية : (إذا كان
لنا من فخر فحسبنا ان نتطرق الى المزايا القومية العديدة التي طرحتها تجربة قيام
دولة الإمارات العربية المتحدة كبرهان ساطع على ان الوحدة والتآزر هما مصدر كل قوة
ودفع، إن هذه التجربة تدعونا الى ان نقف معها وقفة المستفيد من الدروس وتدعو الى
الاستفادة منها ايضا على مستوى الوطن العربي).
كما أكد سموه ان دولة الإمارات تسعى للحفاظ على وحدة الصف وتقريب وجهات النظر بين
الاخوة، واستبعاد كل ما من شأنه التأثير على التضامن العربي، حيث يقول سموه : ( ولم
تنس دولة الإمارات في غمرة البناء الوطني وإرساء قواعد الأمن الداخلي وتطوير
قدراتها العسكرية تسليحا وتنظيما وتدريبا وضمن الأسرة الخليجية العربية التزامها
القومي فكانت سياستها النابعة من إيمان راسخ بوحدة الهدف والمصير للأمة العربية
والشعوب الاسلامية فبذلت جهودها بغية تدعيم التضامن العربي، ولم تتوقف عن الدعوة
لنبذ الخلافات العربية واعتماد اسلوب التشاور والحوار وتغليب المصلحة القومية وخاصة
في تلك المرحلة الصعبة من تاريخ أمتنا).
وظلت القضية الفلسطينية في مقدمة اهتمامات دولة الإمارات العربية المتحدة التي عمت
نضال الشعب الفلسطيني في جميع مراحله في مواجهة ممارسات قوات الاحتلال الإسرائيلي
حتى يتمكن من استعادة حقوقه الوطنية وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.
وقد بذل صاحب السمو الشيخ خليفة جهودا مشهودة في هذا المجال، وقال مؤخرا : (إننا
نتطلع الى ان يكون الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة خطوة تتلوها خطوات للانسحاب من
كافة الاراضي الفلسطينية والعربية المحتلة)، وأضاف : (ان مبادرتنا بناء مدينة في
رفح على أنقاض إحدى المستعمرات الإسرائيلية مساهمة منا في تخفيف المعاناة عن
إخواننا أبناء الشعب الفلسطيني الى جانب المشاريع العديدة التي قمنا بها في الاراضي
الفلسطينية).
وكانت نظرة صاحب السمو الشيخ خليفة لآليات العمل العربي المشترك على مستوى التحديات
التي تواجه الامة، وفي مقدمتها دعم الجامعة العربية ومؤسساتها وتفعيل دورها في خدمة
قضايا الامة العربية بوصفها بيت العرب الكبير والإطار الشامل للعمل العربي المشترك
تعمل كمظلة عربية تزداد أهميتها في عصر التكتلات القوية التي تتكون في العالم
اليوم.
وأخذ التضامن الإسلامي حيزا كبيرا من جهود صاحب السمو الشيخ خليفة، حيث اعتبره
واجبا يفرضه الانتماء الى الامة الإسلامية والإيمان بالقيم الانسانية النبيلة التي
يدعو إليها الدين الحنيف، وهو ما يمثله قوله : ( توجهنا الى أشقائنا في العالم
الإسلامي بروح الاسلام الحنيف لنبني معهم علاقات سلمية مع دول العالم لنقول معا ان
الامة التي يوجهها الاسلام لا يمكن ان تتوجه للهدم أبدا). وقد شاركت دولة الإمارات
بفعالية وحضور بارز في تقديم كافة أشكال الدعم السياسي والاقتصادي والانساني
للمسلمين المحتاجين في كل مكان من العالم الإسلامي كما كان الحال في افغانستان
وكوسوفا والبوسنة والهرسك.
ويعتبر صاحب السمو الشيخ خليفة شخصية عربية وإسلامية هامة نظرا للدور الكبير الذي
يقوم به لدعم العمل الإسلامي في مختلف المجالات، فهو يسهم ماديا ومعنويا في إنشاء
ودعم المراكز التعليمية الإسلامية ويقدم المساعدات الفعالة لكل راغب في العلم
والمعرفة. ويقول في ذلك : ( ومدّت دولة الإمارات يدها بالمودة لدول العالم الإسلامي
ليس من خلال عضويتها الفاعلة والمؤثرة في نطاق المؤتمر الإسلامي فحسب بل ومن خلال
علاقاتها الثنائية الداعية لتعميق أواصر الإخاء وتوثيق عرى الصداقة مع كل الدول
الإسلامية على إطلاقها وتساهم معها في أوجه التنمية الاقتصادية وتدعم هيئاتها
لمنظماتها).
لقد أصبحت لدولة الإمارات العربية المتحدة مكانة مرموقة وغدت وهي تسابق الزمن
لتواكب ركب الحضارة والتطور نموذجا يحتذى في سياستها وإنجازاتها وتوجهاتها العربية
والإسلامية وعلاقاتها الدولية، وما المكانة المرموقة التي تحتلها دولة الإمارات على
الصعيد العالمي إلا أصدق دليل على نجاح المسيرة الاتحادية في بلوغ أهدافها وتحقيق
المأمول منها، فإذا كان اتحاد الإمارات كما قال صاحب السمو الشيخ خليفة يقف عند
حدود سياسة مادية معينة فان مداه من الناحية المعنوية أوسع من تلك الحدود المادية
بكثير، ليعم خيره لا الإمارات فحسب بل العالمين العربي والإسلامي كونه نموذجا
للتكاتف والتآزر من أجل الوصول الى الاهداف الأسمى، ويقول سموه : (لم تعد دولة
الإمارات مجرد بقعة جغرافية تنحصر منجزاتها داخل هذه البقعة ولكن تتعداها كمعنى
لهذا الاتحاد وكتأثير لحجم هذا الإنجاز وكأبعاد تاريخية لها وزنها وثقلها بين كل
شعوب العالم).
وعمل صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان على تأكيد مكانة دولة الإمارات
العربية المتحدة على الصعيد الدولي وتعزيز المسيرة التي قطعتها في صياغة العلاقات
الدولية. وهو يؤكد بحق أن دولة الإمارات استطاعت (أن تفرض احترامها الدولي لسياستها
الخارجية التي تستند في المقام الاول على مناصرة الشعوب والاحترام المتبادل
والتعاون من أجل الحق والعدل والسلام). ويشدد على ان (المسيرة لم تقف عند حدودها بل
كان لها بعدها الإقليمي والعربي والدولي). ولا خلاف في ان هذا البعد هو الذي رسم
صورة مشرفة لدولة الإمارات في المجتمع الدولي من خلال مواقفها الإنسانية ووقوفها
إلى جانب الشرعية الدولية، ومناصرة قضايا الحق والعدل والسلام والإنصاف في العلاقات
الدولية ومحتكمة إلى مبدأ الشراكة الإيجابية، فمنبهاً إلى ضرورة هذا النهج يقول
سموه (تتسع دائرة اهتمام دولة الإمارات إلى الآفاق الرحبة لتشمل العالم كله تطبيقا
لسياستها الأصيلة للانفتاح على المجتمع الدولي الذي تشابكت مصالحه وتضاربت أهدافه
إذ لم يعد في وسع دولة ما ان تغلق الابواب على نفسها).
إن المتابع لدور الإمارات على صعيد التعاون الدولي يمكنه بكل يسر أن يرى ترجمة على
أرض الواقع لكافة المبادئ والضوابط التي آثرت قيادتها الرشيدة ان تصل بها إلى درجة
الالتزام القاطع في شأن علاقتها الخارجية، والأدلة على ذلك جد متعددة، ويكفينا أن
نسوق منها الآتي للتأكيد على هذا الالتزام :
أولاً : دعم جهود الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والإقليمية الأخرى: فمنذ انضمام
الامارات إلى هيئة الأمم المتحدة في التاسع من ديسمبر عام 1971 عملت على دعم
أنشطتها انطلاقا من إيمانها بمبادئ ميثاقها والقوانين والأعراف الدولية وقناعتها
بأن المنظمة الدولية تمثل الضمير الإنساني في مواجهة المشاكل العالمية وحفظ السلم
والأمن الدوليين وتحقيق التنمية المستديمة. كما حرصت الإمارات على سداد كامل
التزاماتها المالية في ميزانية الأمم المتحدة وميزانية قوات حفظ السلام الدولية في
موعدها المحدد، لتفعيل دور المنظمة الدولية في نشر الأمن والسلام الدوليين ومدّ يدّ
العون والمساعدة لكافة دول العالم.
وتعد دولة الإمارات في مقدمة الدول التي دافعت عن قضايا الحق والعدل، ودعت لتكاتف
أعضاء الأمم المتحدة في إعطاء المنظمة الأممية دورها الفاعل لتمكينها من أداء
رسالتها وتطبيق قراراتها والعمل على توفير مبادئ الحرية والمساواة في العلاقات بين
اعضاء المجتمع الدولي.
وقال (إن دولة الإمارات العربية المتحدة قيادة وحكومة وشعبا تؤكد التزامها الكامل
بالقرارات والقوانين الصادرة عن المنظمة الدولية، مشيدا بالدور الذي تلعبه لخلق
توازن وحالة انسجام وتقريب وجهات النظر حتى يسود السلام والأمن بين شعوب العالم.
وحث سموه على ضرورة تطبيق قرارات وقوانين المنظمة الدولية دون تمييز داعياً إلى عدم
اتخاذ قرارات مسبقة بشأن النزاعات الإقليمية والدولية بين الدول، وإعطاء الثقة
الكاملة لمنظمة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي للنظر أولاً في مثل هذه القضايا.
ثانياً : تقوية وإقرار القواعد التنظيمية والقانونية الدولية : وفي هذا المجال وقعت
دولة الإمارات العربية المتحدة العديد من الاتفاقيات الثنائية والعربية والإقليمية
والدولية شاملة الجوانب الاقتصادية والتجارية والنقل والمواصلات ومكافحة المواد
المخدرة والعمل والعمال وحماية الملكية الصناعية وحماية البيئة والمحافظة عليها
إضافة إلى الاتفاقيات القانونية والقضائية، ومن ذلك التصديق على وثائق المؤتمر
الحادي والعشرين للاتحاد البريدي العالمي، والتعديلات الواردة على اتفاقية الهيئة
الدولة للأقمار الصناعية للاتصالات السلكية واللاسلكية، واتفاق التشغيل الخاص بها،
والاتفاق على التعديلات الواردة على دستور الاتحاد الدولي للاتصالات واتفاقية جنيف،
والتصديق على النص العربي لمعاهدة الطيران المدني، واتفاقية الهيئة العربية للطيران
المدني، واتفاقية مونتريال بشأن توحيد بعض قواعد النقل الجوي، والانضمام إلى
الاتفاقيات المتعلقة بحقوق المؤلف، والانضمام إلى اتفاقية الوايبو بشأن الأداء
والتسجيل الصوتي، والتصديق على اتفاقية حدود المسؤولية عن المطالبات البحرية،
والانضمام إلى معاهدة وارسو لتوحيد بعض قواعد النقل الجوي، والانضمام إلى اتفاقية
باريس لحماية الملكية الصناعية، واتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الاتجار غير
المشروع في المخدرات والمؤثرات العقلية، والانضمام إلى معاهدة الحظر الشامل للتجارب
النووية، هذا إلى جانب عدد من اتفاقيات الامم المتحدة لمكافحة الإرهاب وغيرها من
المقررات الدولية في سائر مجالات العمل الدولي متعدد الأطراف.
إن دولة الإمارات وكما سبق البيان تنظر باحترام إلى القواعد التنظيمية والقانونية
الدولية، وتسعى جادة إلى تقوية درجة الالتزام بها بالدعوة إلى ذلك من خلال
مشاركاتها في المحافل الدولية والإقليمية لإدراكها بأن من شأن هذا الالتزام أن يحسم
العديد من المشكلات ويتخطى الكثير من العقبات، وترسيخاً لهذا المعيار الجوهري يقول
صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد : (في المجال الخارجي اختطت الدولة لنفسها سياسة
خارجية متوازنة وفاعلة تتميز باحترام المواثيق والقوانين الدولية وضرورة الالتزام
بميثاق الأمم المتحدة ومبادئ القانون الدولي وأحكامه في حل النزاعات الدولية،
وتستند على مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للغير وعلى حسن الجوار واحترام
سيادة الدول ووحدة أراضيها وعدم اللجوء لاستخدام القوة أو التهديد بها لتحقيق مكاسب
أو متغيرات إقليمية).
ثالثاً : تنمية العلاقات الدبلوماسية الدولية : وقد جسد صاحب السمو الشيخ خليفة
قناعته بأهمية تنمية العلاقات الدولية في سياسة الإمارات من خلال زياراته المتعددة
إلى عدد غير قليل من دول العالم من أجل بحث السبل الكفيلة بدعم وتطوير التعاون
وإرساء علاقات تتسم بالجدية والودية يكون أساسها التقريب بين الشعوب وبحث طموحاتها
المشتركة في التنمية والأمن والاستقرار. وفضلا عن اهتمامه بتوثيق العلاقات مع الدول
العربية والاسلامية والتي حظيت بمكانة مميزة في فكره، فقد حرص ايضا على تمتين
العلاقات وتنميتها مع الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية حيث قام بزيارة
العديد منها والالتقاء مع كبار مسؤوليها ومناقشة الكثير من القضايا ذات الاهتمام
المشترك. كما استقبل والتقى على ارض الإمارات بعدد كبير من ملوك ورؤساء الدول
الشقيقة والصديقة وكبار المسؤولين في إطار تنمية وتطوير العلاقات بين الإمارات
ودولهم.
ولعل أهم ما يقطع بثبات الإمارات على مبادئها الرامية إلى إعلاء دور الدبلوماسية
الدولية هو نهجها الساعي دوما إلى حسم الخلافات الدولية بالوسائل السلمية، حيث
اتبعت ولا تزال نهجا سلميا ودبلوماسية مرنة لإنهاء احتلال جزرها الثلاث طنب الكبرى
وطنب الصغرى وأبوموسى بالوسائل السلمية عن طريق المفاوضات الجادة والمباشرة أو
إحالة النزاع إلى محكمة العدل الدولية.
وفي هذا الشأن جدد صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة في كلمته
في الاول من ديسمبر عام 2004م بمناسبة العيد الوطني الثالث والثلاثين الدعوة لحل
القضية عن طريق اللقاءات والحوار المباشر ضمن جدول أعمال واضح أو وفقا لمبادئ
القانون الدولي وقواعده بما في ذلك القبول بإحالة القضية إلى محكمة العدل الدولية
إذا تطلب الأمر ذلك. وقال ( نحن نعتقد ان افضل علاج للمشكلات القائمة بين الدول هو
ما قام على بناء علاقات الاحترام المتبادل وحسن الجوار والمصالح المشتركة مما يفتح
آفاقاً رحبة للتعاون المثمر بين الدول في المنطقة الواحدة من جهة وبين دول العالم
كافة من جهة أخرى).
رابعاً : تقديم القروض والمساعدات الإنسانية : كما وقفت دولة الإمارات إلى جانب
العديد من دول العالم في حالات الأزمات الاقتصادية التي تتعرض لها أو الكوارث
الطارئة، إضافة إلى مبادراتها المتلاحقة بتقديم العون والمساعدات العاجلة في حالات
الكوارث الطبيعية والظروف الإنسانية للتخفيف من وقعها ومحنها على شعوب الدول
الشقيقة والصديقة.
وتعاطياً من دولة الإمارات العربية المتحدة مع ما تعانيه البلدان النامية من مشكلات
اقتصادية واجتماعية، وإسهاماً منها في تعزيز قدراتها على تخفيف حدة هذه المشكلات
ومعالجة تأثيراتها السلبية، فإن صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد لم يبخل بأي جهد في
سبيل توفير العون وتقديم المساعدة للدول النامية لتنفيذ برامجها وخططها الرامية إلى
تحقيق التنمية الاقتصادية. إذ يقول ان دائرة اهتمامات دولة الإمارات تتسع إلى
الآفاق الرحبة لتشمل العالم كله تطبيقا لسياستها الاصيلة في الانفتاح على المجتمع
الدولي الذي تشابكت مصالحه وتضاربت أهدافه، وتخصيص المساعدات للبلاد النامية لتأمين
حياة أفضل لشعوبها وإنجاز المشروعات والاستثمارات. وتأكيدا لدور الإمارات في دعم
المشروعات التنموية في البلدان النامية الإسلامية وغيرها يقول سموه (إن لدولة
الإمارات دور رائد ومواقف ثابتة في دعم القضايا الاسلامية وعمليات التنمية في دول
العالم الاسلامي وكثير من الدول النامية).
وترتكز جهود ومواقف صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد الداعمة للبلدان النامية على
قناعته الواعية بأهمية التعاون الدولي في المجال الاقتصادي بين هذه البلدان في
مجالات رسم سياساتها وعلاقاتها الاقتصادية تجاه الدول والتجمعات الإقليمية الاخرى
والمنظمات عملا على إيجاد ظروف أفضل باعتباره خيارها الاستراتيجي الذي يجمع لحمتها،
ويقوي كلمتها، ويعينها على التصدي لتحديات العصر ومتغيراته، خاصة وأن التعاون
الدولي اصبح ضرورة ملحة في مواجهة النظام العالمي الجديد والتكتلات الاقتصادية
الإقليمية والدولية وانفتاح الاسواق وشيوع عصر العولمة الذي لا مكان فيه للكيانات
الهزيلة المبعثرة. فهو الذي يقول ( لقد حان الوقت لكي ندرك حقائق هذا العصر. ان
عالم اليوم، لا يقيم وزنا ولا يلتفت إلى قضية إلا بقدر القوة الضاغطة لأصحابها).
وتؤكد مشاركة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد في قمة الجنوب الثانية لمجموعة 77
والصين في الدوحة خلال يومي الخامس عشر والسادس عشر من يونيو 2005م على إحساسه
البالغ بخطورة ما تعانيه الدول النامية من تحديات ورغبته القوية في دعم جهودها
التنموية، وتذكيرا بهذه الخطورة وإسهاما برؤيته في وضع الحلول لها قال سموه ( تحتم
هذه التحديات علينا وضع وتطوير استراتيجيات جديدة وتعزيز التعاون والتنسيق بيننا
على جميع الأصعدة من أجل تحقيق التنمية المستدامة والتوصل لرؤى مشتركة ومواقف
جماعية لحماية مصالحنا المشتركة في العالم والسعي إلى إصلاح موازين العلاقات
السياسية والاقتصادية الدولية لتقوم على أساس المساواة وتكافؤ الفرص بين الدول
الغنية والنامية).