مكتبة قصص وروايات شبكة ألم الإمارات (http://www.alamuae.com/story/index.php)
-   القصص الطويلة (http://www.alamuae.com/story/forumdisplay.php?f=1)
-   -   // عَـــــبـــرات الحــنــيــن // ... الكاتبه ::: زهور اللافندر (http://www.alamuae.com/story/showthread.php?t=427)


، و بعد أن أُغلق الباب المعدني أسندت ظهرها للحائط في انتظار وصوله حتى توقف ، شعرت لحظتها بغثيان يشتعل في نفسها .. تاه عقلها للحظة و خرج هو ليدلف مجموعة من الرجال .. اقشعر جسدها و تصلبت قدماها و هي تهم بالصراخ و .. شعرت به يقبض على ذراعها بلطف و يخرجها من المصعد ، أُغلق الباب خلفها فرفعت بصرها الباكي إليه .. تهمّ بشكره .. لكنه أشاح بوجهه و هو يترك يدها ويسير جهة اليمين حيث الممر الراقي الهادئ .. سارت خلفه .. و بمجرد أن و صلا إلى باب الحجرة أدخل البطاقة ، فظهر الضوء الأخضر على الجهاز و فُتح الباب ، دفعه و وقف خلفه حتى دلفت ثم أغلقه ، حث الخطى إلى الداخل ، ألقى نظرة شاملة على المكان البارد الشاعري ، أشار بيده و قال : هناك حجرتك .. روحي ارتاحي و أنا فـ الحجره الثانيه ، دقايق على ما يجي الفطور .

توجهت إلى حيث أشار دون أن تزيل غطاءها عن وجهها ، فتحت الباب ثم أوصدته خلفها وقلبها بخفق بخوف غريب .

زفر و هو يلقي بجسده على الأريكة و يغمض عينيه كان يتمنى أن يضع رأسه على السرير لينعم بنوم مريح و لكنه تذكر تركي ، نهض من مكانه و توجه إلى حجرته ليأخذ راحته في الحديث و النقاش .


@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@


جده


إحدى الفلل الراقية التي يملكها تركي


30 : 7 صباحًا


أغلق الملف أمامه و هو يتحدث في سماعة الهاتف : ياسر .. لو ما أعرفك ما كان خليتها عندك .. انتا رجال و النعم فيك .. و أنا فهّمتك الموضوع كله .. يعني فـ يدك الآن تتخذ القرار .

لم يحر ياسر جوابًا ، الطلاق هو الحل الأسلم له ، خاصةً و أن عائلته لا تعلم شيئًا عن الموضوع ، و لكنه أيضًا لا يستطيع اتخاذه دون أن يتحدث إلى عمه أبو فيصل ، غمم قائلاً : عطني إلى باكر .. و إن شاء الله برد عليك.

هز تركي رأسه متفهمًا ثم قال : أستناك .. بس رجاءً .. ليّا كم طلب عندك .

هتف ياسر على الفور : آمر .

أجابه تركي بشبح ابتسامة ظهرت على وجهه المرهق : ما يآمر عليك ظالم .. أنا فـ مقام أخوها يا ياسر .. و أعتبرها زي جوري تمامًا .. فـ .. إذا طلبت منك تكلمني أرجوك تسمحلها .

و قبل أن ينطق ياسر، أردف هو قائلاً : و ثاني شي .. إلى الوقت اللي بتتخذ فيه قرارك أتــمـنـى إنك تراعيها قدر الإمكان .. هذي فقدت الأم و السند في الدنيا يا ولد عمي .. و ربي اختارك من بين الكل عشان تفوز بهذا الأجـــــــــــر .

ثارت في قلبه مشاعر عدة ، و ملامح وجهه تدل على صدمة خفيفة .. حديث لم يفكر به أبدًا .. أهي شهامته تلك التي استيقظت بصورة أقوى ؟؟ أم شجاعته .. أم حنان قلبه و رقة مشاعره .. أم ماذا بالضبط ؟؟ ..

زفر ثم غمم باختصار : أبشر .

تعال رنين هاتف تركي الثابت على المكتب ، التقطت عيناه الرقم من الكاشف فقال على الفور : تسلم و ما قصرت .. أنتظر اتصالك .. في حفظ الله .

أنهى المكالمة و رفع سماعة الهاتف الآخر و قال : إيوه يا أبو محمد ..

أخذ يستمع إلى حديث للحظة ثم تراجع في مقعده و هو يقول بلا اقتناع : عبد العزيز .. معقوله إلى الآن ما أحد لقاهم .. وين طسوا يعني .. همّا كلهم اثنين ؟؟.

أتاه صوت عبد العزيز : البحث إلين دحين جاري عنهم .. و أول ما يوصلني أي بلاغ راح أكلمك .

زفر تركي و هو يقول : خير .. أنتظر اتصالك ، في حفظ الله .

أنهى المكالمة و التفت إلى هاتفه المحمول ، أمسك به و أخذ يقرأ رسائل وسن مجددًا ، تلك التي لم تدخر حرفًا أو كلمة حتى تشعره بوحــــشــــيـــته في تعامله مع رهف و إهماله لها بهذا الشكل .

رن الهاتف الثابت مجددًا ، فرفع السماعة على الفور هاتفًا : ألو .. إيوه يا يوسف .. هاه ... طيب .. الحمد لله .. تمام .. و قلتلها إن الراتب عشره آلاف فـ الشهر .. تمام .. اليوم إن شاء الله .. إيوه لازم اليوم تمشي على المستشفى .. أنا راح أكلم الدكتور أمجد الآن .. تسلم و ما قصرت .. في حفظ الله .

أغلق السماعة و هو يزفر و يمسح بكفيه على وجهه في إرهاق شديد ، لم يذق طعم النوم منذ فترة ، و كيف ينعم به و هذا الكم من المصائب يلاحقه ؟؟؟... أسند رأسه إلى الخلف و أسبل عينيه ليستكين جسده المتعب ، كاد أن يغــفو .. لكن صورتها ومـــــــــــضـــت في عقله ، فتح عينيه و تطلّع إلى السقف للحظة قبل أن يعتدل في جلسته و يمسك بهاتفه ليبحث عن رقم الطبيب .. أمـــــــــــجد .


@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@


جده


المستشفى


أمام حجرة رهف


00 : 10 صباحًا


شهقت بصدمة و صاحت : نــــــعم ؟؟!!!!!!!!!! .. دكتورة ايه ؟؟ .

حك أمجد رأسه بعصبية و هو يؤنب نفسه على صعوده إلى هنا بنفسه ، أشاح بوجهه هاتفًا : قلتلك راح تجي دكتوره نفسيه متخصصه و تطلعها من المستشفى .

ضربت على فخذها بحنق و هي تتمنى أن تحرقه بشرارات عينيها المغطاتين بطبقة سوداء و صاحت : و لــــيـــش حـــــــــضــــــــــــرتـــــــــــه مــــــــــــا يــــــــــــشـــرّف و يــــــــــطـــلّـــعــها .. و لاّ كـــــــمــان مــــــــــــشــــغــــول ؟؟!!!!!!!!!!!!.

صاح أمجد في حنق بعد أن فاض به الكيل : دكــــــــتــــوره وســـــــــــن رجـــــــــاءً إلـــــيــــن هــــــــنا و يـــــــكــــفــي .. لا تــــــــحـــطــيــن راســـــــــك فـ راس نـــــــــــاس أكــــــــبــــر مــــــــنــــــك .. هــــذي زوجــــــــتــه و لــــه مــــــــطـــلـــق الــحــريــه فــ تــعــامــلــه مــعــاهـــا .. إنـــتـــي شــغــلـك هــنــا دكــتــوره تـــشـــخـّــص الـــمـــرض و تـــحـــدد عــــــلاج و بــــــــس .

ضحكت في سخرية شديدة و هي تهتف بحنق : آسفه إذا كانت نظرتك للطب قاصره بهذا الشكل يا دكتور أمجد .. لأن الطب زي ما هوا علم كمان معامله .. إنتا ما تعالج آلات هنا .. إنتي تعالج ناس لهم أحاسيس و مشاعر .. و يا كثير الأمراض اللي أصلها نفــــــــسي .

همّ بالانفجار في وجهها مجددًا إلا أن

: لو سمحتوا ...

التفت الاثنان إلى مصدر الصوت و إذا بامرأة متشحة بالسواد تقف أمامهما و في يدها ذات القفاز الأسود ورقة بيضاء ، قالت بتهذيب : دي غرفة المريضه رهف حسن ناصر الـ *****.

أومأ أمجد برأسه على الفور و هو يعتدل في وقفته قائلاً : إيوه .. دكتوره فدوى الـ*****؟؟.

أجابته المرأة بالإيجاب و هي تسأل : الدكتور أمجد الـ ***** ؟؟؟ .

نقلت وسن بصرها بينهما و أمجد يمد يده إليها : هذي الورقه من الأستاذ تركي ؟؟.

مدت المرأة يدها بالورقة و هي تقول : أيوه .. و الأستاز يوسف يستناك تحت .

اطلّع أمجد على الورقة و هو يحرك المنظار الطبي فوق أنفه قبل أن يقول و هو يفتح لها باب الحجرة : تفضلي يا دكتوره فدوى ، و أنا نازل للأستاذ يوسف .

و غادر المكان و هو يحرك قميصه و ملامحه دلالةً على اختناقه من صراخ وسن .

تعلقت عينا وسن بتلك المرأة التي تقدمت نحو الحجرة و هي تسألها بتهذيب : ممكن أتفضل يا دكتوره ؟؟ .

فغرت وسن فاها قبل أن تشير إلى الحجرة و هي تهتف : طبعًا .

دلفت فدوى إلى الداخل و لحقتها وسن و هي تغلق الباب ، رفعت رهف الجالسة على الأريكة بصرها بحيرة إلى القادمتين ، وسن الصامتة و الأخرى التي خلعت قفازيها ثم أزالت غطاءها عن وجهها لتظهر تلك البشرة البيضاء و تلك الملامح الجميلة التي لم تذهبها التجاعيد التي حفرت حول العينين الخضراوين ، ابتسمت برقة و هي تهتف : ازيك يا رهوفه ؟؟؟.

شعرت رهف براحةٍ ما تملأ قلبها لمرأى تلك المرأة ، و كأن قلبها قد تقبلها على الفور دون أية حواجز ، اقتربت فدوى من الأريكة و هي تمد يدها لتسلم على رهف قائلةً : أنا الدكتوره فدوى الـ***** .. قايه هنا بطلب خاص من الأستاز تركي .

خفق قلبه رهف لهذا الاسم ، و اندفعت تلك الملامح الوسيمة إلى قلبها قبل عقلها ليرسل سيالات تقطر شوقًا و لهفة : تركي ؟؟!!!!!!!!!!.

اتسعت ابتسامة فدوى و هي تشد على يد رهف التي صافحتها : أيوه يا حببتي .. عشان آخدك و نروح ع البيت .

ارتجفت شفتاها و هي تنظر إلى فدوى غير مصدقة ، تذهب إلى البيت ؟؟!!!.. إذًا ستقابل زوجها أخيرًا ؟؟ .

تدخلت وسن في هذه اللحظة و هي تزيل غطاءها عن وجهها و وتوجه سؤالها لفدوى قائلةً : دكتوره فدوى .. انتي قابلتي الأستاذ تركي ؟؟.

هزت فدوى رأسها نفيًا و هي تجلس إلى جوار رهف و قالت: لا .. كلمته بس بالتليفون و كلفني أكلم رهف عن حالتها .

خفق قلب وسن بحقد غريب على هذا المدعو تركي ، و لم تستطع منع لسانها من الانطلاق : من المعروف إن الزوج يكون موجود فـ هذا الوقت بالذات .

التفتت إليها رهف و عيناها ترسمان قلقًا غريبًا و استغلت فدوى هذه اللحظة لترمق وسن بنظرة صارمة ، بللت رهف شفتيها و هي تلتفت إلى فدوى و تسألها هامسة : ليه ما جا بنفسه يا دكتوره فدوى ؟؟؟ ليه ما يبغى يكلمني ؟؟ .

أشاحت فدوى بوجهها و هي تمسك بعباءة رهف الموضوعة جانبًا : مضغوط قدًا يا حببتي و البارحه حصل حريق قامد في الأصر بتاعه .

ارتعدت أطراف رهف و همست بخوف : حريق ؟؟؟!.

ابتسمت فدوى و هي تمسح على شعرها : ما تخافيش هوا طيب و بخير .

ثم أردفت بحنان : حببتي .. الأطباء امبارح شخّصوا حالتك تشخيص نهائي و عشان كدا سمحوا بخروقك من المستشفى .

رمشت عينا رهف في توتر ، فقبضت فدوى على كفها بحنان و هي تقول : ما تخافيش ..كتيرين قدًا أصيبوا بنفس الشي و الحمد لله تحسنوا وبئو كويسين أوي ، يعني موضوعك بسيط و الحمد لله .

تراجعت وسن إلى الخلف و هي تتابع باهتمام هذا الحزم العجيب الممتزج بالحنان في كلمات فدوى ، و رهف تنظر إليها بترقب و هي تردف : بالأول كانوا شاكين إنه سبب نسيانك لكل شي هوا ما بعد الارتقاق ( ما بعد الارتجاج ) و دا شي وارد لما الواحد بينخبط على راسه و ترقعله الزاكره بعد كام يوم .. و امبارح تأكدوا إن مركز الذاكره عندك تأسر بالإصابه و بكدا راح تكوني محتاقه شوية وأت عشان ترقعلك زاكرتك مرة تانيه .

.. و تــــــــــســاقـــطـــت دمــــــوعـــــهـــا ....

دموع لم تدر لِمَ .. ، أهو صدمة بالخبر الذي لم تفكر فيه لانشغالها بتركي ؟؟ أم هو فاجعة انكشاف الأمر المجهول أمامها بعد أن كان في الظلام ؟؟.

أطرقت برأسها و هي تكتب شهقات حزن وخوف ، فوضعت فدوى يديها على جانبي رأسها و همست : الله يا رهوفه .. ليه الدموع ديه يا ألبي .. محنا ألنا مشكله بسيطه و إن شاء الله راح تنحل .

هزت رهف رأسها نفيًا و همست بتوجع : أنـ .. أنا خايفه .. خايفه .

نظرت فدوى إليها للحظة ، ثم ضمتها إلى صدرها بحنان و هي تهمس : كلنا بقنبك ..ما تخافيش يا روحي .

شهقت رهف بعنف و هي تنخرط في بكاء مرير ، شعور غريب اكتنفها عندما وجدت نفسها بين ذراعي هذه الحنون ، شعور افتقدته منذ متى ؟؟ .. لا تدري .. و لكن جل ما تعرفه أنها كانت في حاجة شديدة إليه .

أشاحت وسن بوجهها تمنع دموعها و فدوى تمسح على ظهر رهف و هي تهمس في أذنها : رهوفه حببتي .. ربنا بيئول ( وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ) ، سدئيني اللي صار لك ده مع بساطته في خير كبير و حكمه كبيره احنا ما نعرفهاش .. بس ربنا عارفها .

اخترقت الكلمات عقلها الخامل ، فتحت عينيها لشدة الألم و أمامها تتراءى صورةٌ غريبة ، تفجرت دوامة في ثنايا عقلها و صاحت بتوجع : هـــديـــــــــــــييييييييييييل .

ارتدت فدوى إلى الخلف في حدة و التفتت إليها وسن بحدة مماثلة ، وضعت رهف يدها السليمة على رأسها و هي تلهث بإعياء ، التفتت فدوى إلى وسن و بادلتها نظرة ما كأنها تسألها عن اسمها ، هزت وسن رأسها نفيًا فعادت فدوى تنظر إلى رهف و هي تهمس : افتكرتي حاقه ؟؟.

بكت رهف في حرقة و هي تضع يدها على عينيها : ما أدريييييييي .. ما أدرييييييييييي .. حسيت بشي هـ

خنقتها غصة مريرة فربتت فدوى على ظهرها على الفور و هي تهتف : الحمد لله .. الحمد لله .. دا شي طيب قدًا .. ما تخافيش .

تأوهت رهف و رأسها يتهاوى بإرهاق على كتف فدوى : يا الله .

انقبض قلب فدوى و هي تربت عليها بحنان الأم و التفتت إلى وسن هامسة : كاسة ميه من فضلك .

تحركت وسن على الفور و أخرجت زجاجة الماء من الثلاجة قبل أن تسكب بعضًا منها في الكأس الأبيض الورقي و قدمتها إلى فدوى التي أخذتها و هي تربت على رهف بيدها الأخرى و تهمس : يلا يا حببتي .. اشربي شوية ميه .

هزت رهف رأسها نفيًا و قلبها يخفق بذعر و هي تحاول أن تجد رابطًا للاسم الذي صرخت به و عقلها يغرق في ظلام عجيب ، رفعت فدوى رأسها في هذه اللحظة و هتفت : رهـــــــــف .

فتحت رهف عينيها المرهقتين الغارقتين في ضباب الضياع و الحيرة ، اغتصبت فدوى ابتسامة حنون و هي تقول : يلا .. اشربي شوية ميه عشان نلبسك العبايه و نروح علي بيتك القميل .

ازدردت رهف لعابها و فدوى تقرب كأس الماء من شفتيها : سمي يا حببتي .

همست رهف بـ بسم الله و ارتشفت رشفة بسيطة ثم أشارت إلى فدوى أن يكفي ، أعطت فدوى كوب الماء لوسن و الممرضة تدخل للحجرة و هي تدفع الكرسي المتحرك أمامها ، أمسكت فدوى بالعباءة إلى جوارها و قالت : نلبسك العبايه بئه .

الأمر لم يرق لوسن التي أخذت تراقب فدوى و هي تساعد رهف بكل حنان و .. رهف التي ارتسم الشحوب و الإعياء على وجهها ، تطلّعت إلى فدوى مجددًا و سألتها : عفوًا دكتوره .. كيف تعرفتي على الأستاذ تركي ؟؟ .

ابتسمت فدوى و هي تعاون رهف على النهوض و الممرضة تقرب منهما الكرسي المتحرك : الأستاز يوسف الـ***** ابن قارنا ( جارنا ) زميله .. و عن طريئه اتصل فيني الأستاز تركي .

جلست رهف بمعاونتها على الكرسي المتحرك ، ثم أخذت بكل رقة تلف الطرحة على رأسها و أتبعتها بغطاء الوجه ، و بعد أن انتهت تراجعت إلى الخلف ، رفعت رهف الغطاء عن وجهها و نظرت إلى وسن الصامتة و الكلمات حائرة في عقلها و روحها .. لا تدري أي شيء تقدمه لتلك الرائعة التي وقفت إلى جانبها في وحدتها وضيقها و خففت عنها بعد الله ، ابتسمت و لمعة الدموع في عينيها و قالت : جزاكِ الله خير يا دكتوره وسن .. ما راح أنسى مساعدتك ليّا أبدًا .

تأملت وسن وجهها المحمر بلمعة البكاء ثم اقتربت منها و ضمتها برفق وهي تقول بحنان : و لا أنا .. ما راح أنساك يا قلبي .. راح توحشني كثييير .

ثم تراجعت إلى الخلف و هي تبتسم قائلةً : انتبهي لنفسك و لا تقطعيني .. أنا راح أعطي رقمي للدكتوره فدوى عشان تكلميني عليه .. اتفقنا ؟؟.

أومأت رهف برأسها على الفور و هي ترسل لها ابتسامة أخيرة مع غمازتيها الشقيتين و الممرضة تدفع الكرسي أمامها .

.

.

.

.



خرجتا مع الباب الرئيسي برفقة الممرضة ، فتح لهما السائق الذي يرتدي حلة سوداء أنيقة الباب و تعاونت فدوى و الممرضة على وضع رهف داخل السيارة ، جلست فدوى إلى جوارها و أغلقت الباب ، ثم حرك السائق السيارة .


.


.

.


و من هناك .. و على مقربة ، رآها رغم السواد الذي يغطيها و الذي لم يُظهر منها شيئًا ، رآها و هي تنهض من فوق الكرسي و تجلس في السيارة بمعاونة شخصين بعد أن كانت لديها القدرة على فعل ذلك لوحدها ، قبض على عجلة القيادة بأصابعه و هو يهمس : ليش أعلقكِ فيني يا بنت حسن و كلها أيام و أرجعكِ لأهلك .. ؟؟ .

و وضع نظارته الشمسية على عينيه و هو يردف بذات الهمس : خليهم بس يقبضون على الثنين الباقين و بعدها أرجعكِ لأهلك و أنا مرتاح .

و انطلق بسيارته بعد أن هدأ شيء في نفـــــــسه .


@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@


جده


البحر


إحدى الكبائن


في نفس اللحظات


أغلقت سماعة الهاتف بعد أن نقل إليها أحد عملائها خبر سجن أيمن ، جلست بقوة على الأريكة و نفثت دخان سيجارتها بحنق و هي تحرك رجلها بعصبية ، تناولت كأس الماء البارد من على الطاولة رشفت منه رشفة ثم اعتصرت الكأس بين يديها في غضب وهي تزمجر قبل أن تصرخ بعصبية شديدة و هي تلقيه على الحائط ليتحطم إلى قطع صغيرة ، زفر الجالس أمامها و قال : روحي .. هدي من عصبيتك .

صرخت بشكل هستيري : اش تبغاني أسوي.. و هذاك الـ##### .. واقفلي زي الشوكه في البلعوم ..عساه بالـــــــــــــــــمــــــــــــوت .. كل ما أسوي شي يقلبه فوق راســـــــــــــــي .

وضع إحدى رجليه على الأخرى و قال ببساطة : انتي الغلطانه .

شهقت بعنف و هي تشير إلى نفسها : أنا .. أنا يا فوزي تقلي كذا .

عقد يديه أمام صدره و قال : قلتلك من البدايه استفيدي من جوري بطريقه غير مباشره .. و الظاهر إنك فهمتي كلامي غلط .. رحتي كفخّـتيها و رميتيها عند ولد أختك الأهبل المسجون .. و بعد هذا كله .. تبغين تآخذين الملايين .

صاحت في غيظ وهي تهب من مكانها : قـــــــــــــفـــــــــــــــــل فـــــــــــــمــك.

نهض من مكانه بدوره ، ثم اقترب منها لتلقي بنفسها بين ذراعيه ، فابتسم و هو يقول : حبيبتي .. مو قصدي أزعلك .. بس الـ##### محد يقدر يآخذ منه شي بالقوه .

ابتعدت عنه و نظرت إلى عينيه و هي تهمس بدلال : يعني .. اش تبغاني أسوي .. منتا شايفه كيف مقوم الدنيا تدور عليا ؟؟ .

ضحك بخفة ثم قال : نسيتي إن وجدي موجود و يقدر يطلعك من أي مكان زي الشعره من العجين .

ضحكت و قالت : تصدق انك شيطان .

اتسعت ابتسامته و هو يقول : من يومي شيطان.

لفت يديها حول رقبته و هي تقول بدلال : حبيبي ..متى راح نرتاح و نتزوج ؟؟ ..

مسح على شعرها و هو يقول : قريب يا عمري .. قريب .. ..المهم دحين لازم نروح لفيلا الصيد.. و بالمره تفكري على راحتك في الخطوه الصح اللي راح تسوينها .

أومأت برأسها و هي تتراجع إلى الخلف هاتفة : أوكــــــــي .. بس ثواني أجهز أغراضي و راجعه .

و ركضت إلى الدور الثاني و هي تهمس بحقد عجيب : والله ما أسيّبك فـ حالك يا ولد الوليد .


@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@


تبوك


الفندق


15 : 10 صباحًا


من بين الظلام و البرودة ، مد يده للرف الصغير بجوار السرير و التقط الهاتف المزعج ثم رفع ذراعه عن عينيه لينظر إلى الشاشة، هبّ جالسًا و هو يهتف بارتباك : كــــــــيف نســـــيته ؟؟!!!!!!!!!!! .

ضرب جبينه بحنق ثم تنحنح و ضغط على السماعة الخضراء قائلاً : هلا بالغالي .

صمّ أذنه صراخ عمه : عساااااك بالـ##### .. ويـــــــــــــــييينك انـــــــــــــــت .. لــــــــــيـــش مقفل جوالــــــــــــك ؟؟؟؟؟ .

أغلق ياسر عينيه من قوة الصوت و هتف : آه .. و الله خلص الشحن و ما لقيت شاحن إلا قبل ساعه .

زفر أبو فيصل و صاح : أنـــــــــا مــــــــــا قلتلك انــــــــقــلـع للضابط عثمان .. مــــــــــن البارحه ينـــتـــظـــرك .. لـــــــــــــيـــــــــــــه مــــــــــــــا رحــت ؟؟ .

مسح ياسر وجهه بكفيه و غمم : عمي .. أنا كلمت تركي .

صرخ عمه : تـــــــــــــركـــي ؟؟!!! .

أسند ياسر ظهره إلى حاجز السرير و قال بهدوء : الحين أقلك كل شي .


@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@



جده


30 : 10 صباحًا


حي راقٍ ، هادئ ، تشير مبانيه إلى الحالة المادية الممتازة لأصحابه .. و من بينها و تحت أشعة الشمس الساطعة ، توقفت السيارة الفاخرة أمام تلك الفيلا التي رصفت جدرانها بأحجار خضراء أنيقة تدل على ذوق راقي ، يزداد جمالاً مع تلك الديكوارت المختلفة التي زينت جوانب الفيلا و أسوارها المرتفعة بأسلوب متميز حديث .

فّتح الباب الكبير لتتحرك السيارة بنعومة على الأرض الرخامية السميكة و منه إلى ممر عريض طويل يصل إلى باب واسع فخم ، أوقف السائق السيارة ثم نزل منها على الفور ليفتح الباب الذي نزلت منه الطبيبة فدوى و هي تنظر إلى إحدى الخادمات التي تقرب كرسيا متحركًا منها ، تعاونت هي و فدوى على وضع رهف عليه و من ثم حركت الخادمة الكرسي إلى الممر المرتفع المخصص لسير العربات .

أغلقت خادمة أخرى الباب خلفهم و رفعت فدوى الغطاء عن وجهها و رهف كذلك و عيناها تجولان في انبهار على الأرائك الفاخرة و التحف الفخمة التي تملأ المكان من حولها بألوان متناسقة متميزة ، ربتت فدوى على كتفها و قالت مبتسمة : أنا سبئتك و شُفت المكان عشان أعرّفك عليه.

حدقت فيها رهف بحيرة خائفة عندما لم تذكر شيئًا مما حولها ، و سألتها : أنا كنت عايشه هنا من قبل ؟؟ .

هزت فدوى رأسها نفيًا و قالت : لا .. كنتي فـ الأصر .. بس حاليًا تحت الترميم و دي الفيلا حاقه مؤقته بس .

زفرت رهف في راحة ثم رسمت على شفتيها ابتسامة باهتة و قالت لفدوى : دايمًا راح أجلس على هذا الكرسي .. ما أقدر أمسك عكاز زي اللي شفتهم فـ المستشفى .


ضحكت فدوى و قالت : أكيد بتئدري .. و اللي طلبتيه أهّوه .

التفتت رهف لترى إحدى الخادمتين بثوبها المرتب تحمل عكازين طبيين و تتقدم منهما ، مالت فدوى على رهف و قالت : يلا يا بطله .. منها تدربي عليه و منها تمشي براحتك و تتفرقي على الفيلا .

اتسعت ابتسامة رهف و هي تشعر بفضول عجيب لاكتشاف هذا المكان الجديد ، و راحة خفيفة في أنها لن تصارع نفسها و تعتصر عقلها المرهق لتتذكر شيئًا مما حولها .


@@@@@@@@@@@@@@@



جده


فيلا عمّــــار


في نفس اللحظات


لا تدري أي نوم هذا الذي طغى عليها ؟؟؟!!؟


نهضت من فوق السرير و هي تفرك عينيها ، رفعت خصلات شعرها عن وجهها و هي تنظر إلى الحجرة الواسعة الجميلة بتدريجات لون السكر المطعم باللون الذهبي .

نهضت من مكانها و ذهبت لتغسل وجهها بالماء الدافئ ، خرجت و هي تجففه بمنشفة صغيرة ، علقت المنشفة على المشجب و اصطدمت عيناها بصورته الموضوعة على المنضدة ، أطرقت برأسها و هي تتذكر آخر عهدها به عندما أيقظها لصلاة الفجر و أدركت أنها في منزله ، نظرت إلى وجهها الشاحب في المرآة و من ثم نقلت بصرها إلى الثياب التي ترتديها ، التفتت إلى خزانة الملابس و سارت نحوها ، ثم ما لبثت أن توقفت و هي تبتسم لنفسها بسخرية : يا الله يا مرام .. قد ايش خيالك راح بعيد .

مدت يديها إليه تحاول أن تثبت لنفسها مقدار غباءها ، فتحته .. و شــــــــــــــــهــقـت ... كل ملابسها التي ظنت أنها في القصر .. أمـــــــــــــــــامـــهــا .

تراجعت و كفها على فاها و ترقرقت الدموع في عينيها و هي تهتف بأنفاس مخطوفة : يا الله عليك يا عـــــــــمّـــــــــــــــار !!!!!!!!!! .

طُرق الباب فدارت على عقبيها لتنظر إليه ، أطل وجه عمّار من خلفه و الابتسامة الجذابة تعلو شفتيه : صباح الخير .

ارتبكت لرؤيته فأطرقت برأسها بخجل و هي تفرك يديها : صـ .. صباح النور .

اتسعت ابتسامته و قال : يلا يا دلوعتي .. الفطور جاهز .

وضعت خصلة من شعرها خلف أذنها و تمتمت: آه .. امم .. أبدل ملابسي و أجي .

هز رأسه موافقًا و قال : حــــااااضر .. أستناكِ .. لا تتأخرين .

همّ بالخروج و لكنها هتفت باسمه : عـــــــــــمّار .

التفت إليها بتساؤل و قال بلا تفكير : قلبه .

تخضب وجهها بحمرة الخجل و هي تتمتم : آه .. في أحد في البيت ؟؟.

ابتسم أخرى و هو يقول برقة : لا يا روحي .. هذي الفيلا الجديده ليّا أنا و انتي و بس .

أشاحت بوجهها عنه و هي تومئ برأسها ، تطلّع إليها بحنان قبل أن يخرج و يغلق الباب خلفه ، غطت مرام وجهها بكفيها و صاحت بحرج : يا غـــــــــــــبــــــــــية !!!!!!!!!!!


.


.


و على مائدة الإفطار التي سادها الصمت ، انتهت من شرب الحليب ..

: ميمي .

رفعت بصرها إليه في تساؤل ، وضع علبة الدواء على الطاولة فاستكان جسدها و هي تنظر إليها بانكسار ، تحدث بهدوء : قلبي .. هذي لازم تآخذينها بانتظام .. عشان نوبات المرض تخف عنك .

أسندت ظهرها إلى المقعد وقالت بخفوت : ما تنفع .. من أول و أنا أستعملها .

هز رأسه نفيًا : بالعكس .. مفعولها طيب .. بس انتي تآخذينها مره و خمسه لا .. ما يسير كذا .. لازم تبلعينها بانتظام .

وضعت كفها على شفتيها و هي تشيح بوجهها تمنع نفسها من البكاء الذي يسيطر عليها في كل مرة .. مد يده و سحب كفها لم تلتفت إليه بل سمحت له باحتضان كفيها بين أصابعه و هو يقول : تدرين إنه حالتك سهله ؟؟؟.

نظرت إليه من جانب عينها ، فابتسم شارحًا: انتي يجيكِ على شكل نوبات فـ فترات متقطعة .. في بعضهم يشتد عليهم و يضطرون يجلسون في المستشفى لمدة طويله ..حتى التعايش معاهم يصير صعب .

أسبلت عينيها و هي تحمد الله في سرها ، ... قّبل يديها فرفعت رأسها بحدة و فُضحت دموعها .. مسحها بأصابعه و هتف مداعبًا : خــــــــــــلااااص .. كفايه دموع .. كم خزان عند انتي ؟؟ .

ابتسمت بخجل و قلبها يلهج بالشكر .. للــــــــــــخـــــــــــــــــــالـــــــــــــق الــــــــــــعــــظــــيـــم .


@@@@@@@@@@@@@@@



جده


فيلا تركي


00 : 11 صباحًا


بفستانها المنزلي ذا اللون الوردي الناعم ، استلقت على الأريكة البنفسجية بجوار النافذة و احتضنت دميتها و أخذت تتابع العصافير التي تلعب على أغصان الشجرة ، تتابعها .. بحالمية ، لطالما كانت العصافير رمزًا للسعادة بالنسبة لها .. يكفي أنها حرة و تطير .. ماذا تريد أكثر ؟!! .

أخذت هاتفها المحمول ، الشوق يقتلها إلى خالتها مرام رفيقتها في كل حين ، أخبرها تركي بأنها رحلت مع عمّار و كم آلمها هذا الأمر ، ضغطت على قائمة الرسائل و أرسلت

~

يعني لو ما سألت عليك .. تهّدني ؟؟

يا خي اسأل رفيقك مات و لاّ حي ..

ما أجبرك تشتاق لي وتودني ..

بس كلم شوفني محتاج شي ..

حتى العدو اللي سبق و ضرني ..

بين حزه و حزه .. يشيك عليّ ..

~

أغروقت عيناها بالدموع و هي تعيد قراءة ( العدو اللي سبق و ضرني ) ، خنقتها الدموع ..


■■■■


ما ني ناقصه زيادة مشاكل مع أخوها بعد ما أخلص من شغلي .. سوي اللي تبغاه ..أما دحين .. لااا


■■■■


بكت في مرارة ، جرح عميق في أعماق قلبها .. لن يندمل ، اعتصرت دميتها بين ذراعيها و صاحت: لـــــــــــــييييييييييش يـــــــــــــــــــا مــــــــــــامــاااااااا ؟؟.


.


.




في الدور الأول


جلس تركي إلى طاولة الطعام أمام أحمد الذي سأله باهتمام : و كلمته ؟؟ .

أجابه تركي و هو يسكب لنفسه كوبًا من الحليب : ايوه .. اليوم .

بلع أحمد اللقمة ثم قال : و دحين .. اش راح تسوي ؟؟ .

هز تركي كتفيه مجيبًا: الموضوع كله يعتمد على ياسر ..هل يبغاها تكمل معاه أو لا .

و تراجع في مقعده و هو يرتشف من كوب الحليب مردفًا : على كل حال اذا رفض راح أخليه يجيبها هنا .. و أعطيها فله تسكن فيها مع كل اللي تحتاجه .. ما راح أقصر معاها من هذي الناحيه .

نظر إليه أحمد بترقب و قال : كيف وثقت فيه و خليت الأمانه عنده ؟؟ .

وضع تركي الحليب على الطاولة و قال و هو يمسك بالخبز : ياسر رجال معدنه ذهب .. أنا أعرفه تمام بحكم شغلي معاه لفتره .. و غير كذا هوا قريب من عزام اللي كلمتك عنه أكثر من أي شخص ثاني و أخباره الطيبه دايمًا توصلني .. عشان كذا متطمن .. و .. كلمتها .. عشان أطمنها إني سندها بعد الله و فـ مقام أخوها .

أومأ أحمد برأسه في تفهم و في نفسه تكبر ابتسامة احترام لأن تركي لم يعمم حقده على أبناء عمومته ، غمم : و ليه ما تعلمها عن البراء ؟؟ .

رفع تركي بصره عن الطعام ليواجه نظراته : لوين بتوصل ؟؟ .

أجابه أحمد : و لا لمكان .. لكن بما إنها عمته هيا أحق برعايته .

هز تركي رأسه نفيًا و غمم : لو كانت راح تتقبل الموضوع بهذي السهوله كان أمها الله يرحمها علمتها ..

انتا تعرف إنه كان أخوها الوحيد يعني أكيد راح يكون الخبر صعب عليها .

مسح أحمد فمه بالمنديل و غمم : الله يرحمه .

أومأ تركي برأسه و انشغل بتناول طعامه في صمت و شيء ما يضوي في عقله إلى جوار مــــــذكــــرات شقيقته السابقة


■■■■


1416 هـ


: جــــــــــــــوري رجّعي يد الجهاز .

هتفت بعصبية و هي تهز رأسها في اعتراض و الدموع على وجنتيها : ممّمّمّمّمــافي .. ما راح أرجعها .

ألقى تركي بأحد لعبها جانبًا و هو يصيح : أقــــلك دحين .. ما ني ناقص دلعك أنا .

ضربت برجلها على الأرض و هي تبكي : ما راح أرجعها .

هب من مكانه واقفًا فوقف أحمد على الفور و هو يربت على كتفه : خلاص يا تركي .. أنا أتفاهم معاها .

عقد تركي يديه أمام صدره بضيق من هذا المشهد الذي يتكرر أمامه دائًما ، اقترب أحمد منها و جلس على ركبتيه أمامها و هو يقول بابتسامة : جُرجر .. ليش معصبه كذا و زعلانه ؟؟ .

بكت بحرارة و هي تهتف : عشانكم تلعبون مع بعض و ما تخلوني ألعب معاكم .

أخرج من جيبه حلوى ملونة و مدها له و هو يقول : خلاص و لا يهمك .. دوره ليا و دوره لك انتي .. و نخلي تركي المطفوق يمسك يد لحاله زي الجني .

انفجرت بالضحك و هي تمسك بالحلوى ، و انحنى أحمد ضاحكًا قبل أن تلامس رأسه الوسادة التي ألقاها تركي : ســــــــــــــــــــــمـــــــــــــــــــعـــتــ ـك .


■■■■


نهض من مكانه و توجه إلى المغاسل و نهض بعده أحمد و هو يسأله باهتمام : كيفها جوري بعد الإبره ؟؟ .

غسل تركي يديه مغممًا : بخير .. لسّاعها مصدومة و من فتره لفتره تبكي .. لكن .. الحمد لله إنها سليمه .

أخذ يجفف يديه و هو يقول : أبو حميد .

نظر أحمد إلى المرآة هاتفًا: هلا .

أعاد تركي المنشفة إلى مكانها قائلاً: أبغاك اليوم في موضوع بعد العِشا .. إذا ما عليك أمر .

جفف أحمد يديه و قال مبتسمًا : و أنا كمان أبغاك في موضوع بعد العِشا .. إذا ما عليك أمر .

رفع تركي أحد حاجبيه و قلده أحمد ، عقد تركي يديه أمام صدره و قال باختصار : انقلع .

قلده أحمد أيضًا و هو يقول ببساطة : انتا انقلع .

ثم شمّر عن ساعديه مردفًا : الميدان يا حميدان .

: تركيييييييييييييييييي .

التفت الاثنان إلى مصدر الصوت و ابتسم تركي في مرح و هو يتلقى البراء بين ذراعيه و هتف : هـــــــــلاااااا بـ برّو .. هــــــــــــلا والله .

احتضنه بشوق شديد و فرحة أشد ، و أحمد ينظر إليه بــــــــــدهـــــــشــــــة !!!!!!!!.. ما هذا الأسلوب الغريب ؟؟.. ما هذه الابتسامة الواسعة ؟؟ .. ما هذا الصوت المرح ؟؟ .. ما هذه السعادة التي لمعت في عينيه فجأةً ؟؟.. ما هذا النور الذي أشرق في وجهه بغتةً ؟؟ ..كأنه .. تركي القديم ، تركي .. قبل سنوات مضت.

............: شايف هذا المبلّم .. هذا الدكتور أحمد .

ابتسم أحمد بلطف و هو ينقل ببصره للبراء : أهليييين بروّ .

مد يديه محاولاً حمله و لكن البراء تعلق برقبة تركي في خوف ، قال تركي مازحًا و هو يربت على ظهر البراء : اقلب وجهك .. فجعته فـ عمره .

رد عليه أحمد في كبرياء وهو يشير إلى نفسه : هذي الوسامه كلها و تقول فجعته .. روح البس نظارات بعدين تكلم .

صمت تركي للحظات ..

■■■■

:أنا من أول كبيره ..بس انتا اللي يبغالك نظارات .

■■■■


همس لنفسه : أخَــذت منك كثير .

سمع صياح أحمد: مـــــــــــــــع الــــــــســــــــــلامه .

رفع تركي رأسه فلم ينتبه لمغادرته المكان و رد بأسلوب مماثل : خــــــــــــــــــــــــــــــبــال الـــــــــحـــمــامــة .

و صله ضحك أحمد و صوت الباب الرئيسي و هو يغلق ، نظر إلى البراء بين ذراعيه و سأله بمرح : هاه يا برّو .. كيفك دحين ؟؟ .


@@@@@@@@@@@@@@@@@@


تبوك


الفندق


00 : 1 ظهرًا


دلف إلى داخل الجناح و هو يحمل أكياس الغداء ، كان المكان خاليًا ، جلس على أول مقعد صادفه .

لم تخرج من حجرتها منذ أن قدما إلى هنا ، حتى عندما أتى الإفطار .. رفضت أن تخرج .. لا يدري ماذا يفعل ؟؟؟؟!!!! ، كيف يحاول أكثر ؟؟ ..الأمر ليس بيده ، قلبه لا يتقبلها .. لا يتقبل الحديث معها .

وضع وجهها بين راحتيه و همس لنفسه : من متى كان قلبك أسود يا ياسر ؟؟؟!!.

تنهد في مرارة من مشاعره المتناقضة .

أخبره عمه بضرورة عودتهم للرياض اليوم و عندها و على حسب قوله سيضع النقاط على الحروف ، لم يفهم ياسر المغزى و لكن ما يطمئنه بأن عمه يدرك بأمر رغبته في طلاقها و بأن تركي .. صديق شقيقها ، و بأن والدتها تركتها أمانةً عنده .. كما أخبره بذلك .

** ليتك تآخذها يا تركي و تفكني .. أنا كافيني مشكلة أختي .. **

نهض من مكانه و توجه إلى باب حجرتها ، اقترب منه و سمع صوت بكاءها ، همس بضجر : إنا لله .. هذي ما تسكت ؟؟؟؟!!.

طرق الباب و لم ترد عليه ، طرقه أخرى و هو يقول : يا بنت الناس فكي الباب و تعالي تغدي .

أيضًا .. لم ترد عليه ، أشاح بوجهه في عصبية و جلس على المقعد مجددًا و بدأ بتناول الغداء وحيدًا و هو يحاول أن يفسر سبب نفوره منها ، ربما لأنها فٌرضت عليه فرضَا ؟؟!!!! و لأن صورتها الفاضحة تلك .. لن تمحى من ذاكرته أبدًا ؟؟!!.

لم يسمح لنفسه بالتفكير أكثر ، أنهى طعامه بسرعة ثم عاد إلى باب حجرتها و هتف بصوت مرتفع : الطياره الساعه 7 .. اجهزي .

.

.

.


و في الحجرة


مستلقية على بطنها فوق السرير و الدموع تسير في مجراها ، ضائعة ، متخبطة في دوامة ليس لها قرار .. مع زوج غريب لا تعرف عنه سوى اسمه ، بدون أم و لا أب و لا أخ .. و حيدة في هذا العالم الكبير .

انقبض قلبها برعب ، إلى أين سيصل بها الحال ؟؟ .. أين ستعيش ؟؟ مع من ستبقى ؟؟.

كانت تتمنى أن تعود إلى المنزل الذي تركت فيه والدتها و لكنّ الخوف .. يسيطر على كيانها ، لا تحتمل أن تعود ، لو رأت أدنى قطعة تخص والدتها فستنتهي من شدة الألم و البكاء ، لتبقى بعيدةً عن ذكريات ستفتك بروحها من شدة الحنين و الشوق .. فهو أسلم .

.

تحاملت على نفسها و رفعت جسدها من فوق الوسادة المبتلة و صوت معدتها الخاوية ينساب في أذنها ليزيد من توترها و عصبيتها ، نظرت إلى ملابسها بنطال وردي و قميص بني اللون .

أغمضت عينيها و سؤال يتردد في داخلها :

**تركي .. يا ترى اش علاقتك بياسر ؟؟ .. **

كتمت شهقة قوية بكفها ..

■■■■


: عاد إلا تركي و أبو حميد .. هذولي أخواني يا أمي .


■■■■


بكت بحرقة و هي تهتف : يا حبيبي يا أخويه .. يا حبيبي يا عادل .

حاولت أن تبث إلى نفسها قليلًا من الأمل و هي تفكر ..

**راح أتكلم مع أبو فيصل .. ليش ما أحاول .. و اذا ما فاد .. لازم أوصل لتركي بأي طريقه .. **

توجهت إلى الباب و هي تستند بالجدار ، فتحته فتسللت رائحة الطعام إلى أنفها لتزيد من ثورة معدتها الجائعة .

ابتلعت ريقها و خرجت من الحجرة بخوف ، تلفتت يمنة .. و يسرة .. لا أحد و باب حجرته مغلق ، أكملت طريقها إلى الصالة المصغرة و وجدت أكياس الطعام ، جلست .. سمت الله و بدأت تأكل .. و دموعها .. تذيب لذة كل شيء .


@@@@@@@@@@@@@@


جده


فيلا عــــــــمّــار


00 : 6 مساءً


نزلت من الدور الثاني ، لا زالت متخبطة .. تريد أن تمكث هنا طوال حياتها برفقة زوجها الذي تحب و لكن خوفها من مرضها .. كبير .

ابتسمت و هي تتذكر كلمات ساره العصبية عندما حادثتها بالهاتف

■■■■


هذا ابليس يلعب بمخك .. كل ما حسيتي نفسك بتتراجعين .. تعوذي من الشيطان .


■■■■


استنشقت كمية من الهواء و هي تهمس : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم .

زفرت ما يعتمر في صدرها من القلق .

.... : تفكرين فيني ؟؟ .

ابتسمت بحنان و هي تنظر إليه بادلها الابتسامة وتقدم نحوها : هاه .. نطلع نتمشى دحين ؟؟.

تحدثت برقة : جوري كلمتني قبل شويه .

هتف ضاحكًا : هذيك الصغيره الهبيله .

ابتسمت مرام لضحكه و أجابت : امم .. بعد إذنك .. راح تجي عندي .


فغر فاه لينطق و لكنه أغلقه ، ظنًا منه .. أن مرام هي من تريد ذلك خشية الجلوس بقربه وحيدةً طوال الوقت . لا بأس .. ما زال الطريق طويلاً ، وعليه أن يبذل قصارى لمساعدتها على تخطي الأزمة حتى تعود السعادة إلى حياتهما معًا .

حرك عينيه بقبول قائلاً : الله يحيها .. من دحين بأحجز عشى محترم .

هي ..

كانت تدرك ما يفكر فيه .. ركزت نظرها على يديها المعقودتين و تمتمت بخجل : جوري انخطفت و ما دريت عنها .

تحدث في صدمة مستنكرة : انــــــــــــــخـــطـــفــت ؟؟!!!! ..

نظرت إليه : الحمد لله سليمه ... و دحين هيا في البيت .. بس .. نفسيتها شويه تعبانه .. و انتي تدري تركي مشغول بعمله .. عـ

شهقت عندما أحاطها بذراعيه ، نظرت إليه بخوف رغمًا عنها .. و لم يتألم من نظراتها كالزمان الماضي ، لا .. الآن .. الوضع مختلف .. يدرك خوفها من المرض .. و من نوباته .

تطلّع إلى عينيها الكحيلتين و همس برقة : مو لازم تبررين .

خفق قلبها بعنف و هربت من النظر إلى عينيه إلى النظر للكتابات التي تزين قميصه و وجنتاها تشتعلان من شدة الخجل .

طبع قبلة سريعة على وجنتها جعلتها تنتفض رفعت رأسها بصدمة و رأته يغادر المكان .. ترقرقت الدموع في عينيها ، كم هو متفهم و حنون .. كانت تدرك أنه يعطيها متنفسًا بمغادرته بين فينة و أخرى ، يعطي عقلها الوقت ليتقبل الوضع الجديد ، يعطي قلبها متسعًا .. للشعور بالحب من جديد .. و بكل أريحية .

ندت من شفتيها ضحكة خجولة مخنوقة قبل أن تحث الخطى نحو المطبخ لتعد لقدوم جوري .


@@@@@@@@@@@@@@@@@@


جده


سيارة تركي


00 : 10 مساءً



أوصلها إلى فيلا عــمّار رغم أنه لم يكن مقتنعًا بذهابها إلى مرام ، و لكن عينا جوري الحزينتين أجبرتاه على الموافقة .

توقف أمام المطعم الذي سيقابل فيه أحمد و نزل من سيارته ببنطاله الجينز الأزرق و قميصه الأصفر ، و كعادته ..

رزانته ، هدوئه ، خطواته الواثقة و سامته .. تجذب أعين الناظرين إليه ، تلك الأعين التي يتجاهلها .. بكل برود .

.


وصل إلى مدخل المطعم


.


.


ابتسم أحمد و قال بهدوء : منتا ناوي تلتزم و تربي لحيتك ؟؟ الرسول يقول (جزوا الشوارب وأرخوا اللحى خالفوا المجوس)* ، أكيد عارف إنه إعفائها و إرخائها واجب ، و حلقها و قصها محرم .

مسح تركي على رأسه دون أن ينظر إليه :اللهم صلي و سلم على نبينا محمد .. ادعيلي يا أبو حميد .. و إن شاء الله قريب ألحقك .

أومأ أحمد برأسه : الله يهديك و يصلح بالك .. و انتا و ما أزكيك على الله .. ناقصتك اللحية ، أغاني ما تسمع و محافظ على الصلاة هذا .. حسب ما أذكر .

رفع تركي بصره : الحمد لله .. الله يثبتنا يا أبو حميد .. و دحين بتبدأ و لا لا ؟؟؟.

ضحك أحمد : خلاص لا تنافخ .. أنا راح أبدأ .

اتكأ تركي بمرفقيه على الطاولة : اخلص .

تنحنح أحمد ثم قال : ألف مبروك على الزواج .

.



تبادلا .. نظرةً طويلة .. محملةً بكثير من المعاني .


.


ابتسم تركي بسخرية قائلاً : تصدق .. نسيت إنه صوت العرب من القاهره تسير بنت أختك .

انفجر أحمد بالضحك رغمًا عنه و هو يتخيل شكل ساره .. بشعرها المنفوش و عينيها المتسعتين بغباء .. و فوقها عبارة لامعة ( صوت العرب من القاهرة ) .

عقد تركي يديه أمام صدره بلا رد ، فأردف أحمد : شوف .. مصيرك راح تتكلم .

نظر إليه تركي بنظرة خاوية و قال : تهديد هذا ولا

قاطعه أحمد بابتسامة : لا .. بس لأني أحمد .

تنهد تركي مغممًا : المشكلة إنك أحمد .

ربت أحمد على ذراعه بصمت ونظر تركي إلى يده ثم قال : اش قالتلك ؟؟ .

تراجع أحمد في مقعده و أخذ يتحدث بهدوء : و الله .. هيا كلمتني عن البنت .. و إنها كانت مخطوبه و كيف فاجاها أبوها بحضرة جنابكم الكريم .. و أخذك لها بالقوه من بيتها .. و أخيرًا ..الحكايه اللي صدمتني ..ضـــربــهــا ؟؟!!!!!!!!!!!!!!!!! .

ألقى عليه أحمد نظرات معاتبة مشفقة و هو يردف بصوت خافت : صدقني .. ما قدرت أستوعب .. يعني .. ممكن أتخيل أي أحد ثاني يسوي كذا .. لكن .. انتا يا تركي ؟؟!!!!!!!!!!!!!!.

لم ينبس تركي ببنت شفه بل انشغل بمراقبة البحر بأمواجه المتفرقة في انسجام تام ، كان أحمد يدرك أن تركي يستمع إلى كل كلمة من كلماته ، لذلك أتم حديثه : أنا .. أفهمك أكثر من نفسي و انتا عارف بهذا الشي .. و متأكد .. لا .. أحلف إنك ما سويت اللي سويته إلا لشي كبير انتا مخبيه .

مرت دقيقة صمت ، ينتظر فيها أحمد .. أدنى رد .. و أخيرًا .. نطق تركي بخفوت: معقوله ما قالتلها ذيك الخاله عن أي سبب خلاني أسوي اللي أسويه ؟؟؟ .

هز أحمد رأسه نفيًا : و الله ما تدري عن شي .. .. و اذا ما تعرف همّا يكونون ثلاثي .

أومأ تركي برأسه : استنتجت من قبل ما تقلي .

ثم علق نظره بعيني أحمد قائلاً : آسف .. لكني أحتفظ بكل شي لنفسي .

عض أحمد على شفته و هو يشيح بوجهه ، شعر بغصة تخنقه ، حاول أن يدفعها و تمتم : أتمنى إنك تفهم شي واحد.



تطلّع إليه تركي في ترقب ، كسا الحزم صوت أحمد : أنا ماني واحد من الخونة اللي لعبوا عليك .

زوى تركي ما بين حاجبيه في دهشة ، و أردف أحمد بذات النبرة : أنا واحد شاطرك 14 سنه من عمرك.

و التفت إليه و عيناه ترسلان .. ألف معنى و معنى : إذا .. كنت ناسي .

شعر تركي بمقدار الألم الذي سببه فهمّ بالحديث : أحـ

قاطعه أحمد ببرود : خذ وقتك .. لكن كون واثق ..متى ما بغيتني راح أكون جنبك .. أنا .. حاس بألمك يا تركي .

اضطربت عضلات وجه تركي و لم يكن من الصعب على أحمد أن يلاحظ ذلك و هو يستطرد : حاس بالدوامه اللي جوتك.. مو انتا اللي يضر انسان بدون سبب .

شعر تركي بالاختناق ، شيء ما يكبت على أنفاسه .. شيء ما .. يجبر قلبه على الخفقان و مشاعره على الهيجان .

قبض على كفه ، لا بد من تغيير الموضوع .. لابد .. ، تنحنح قبل أن يقول : يقولون .. اخطب لبنتك قبل ولدك .

حرك أحمد بصره في حيرة و تابع تركي و هو ينظر إلى عينيه : و أنا .. شاريك لأختي جوري .


.



.


.


حملق فيه بصدمة و الكلمات تتكرر في رأسه ، قال تركي باسمًا : حضرتك كنت مسويلها مرشد طلابي طول ما هيا فـ الابتدائي إذا كنت فاكر .

لم يتمكن أحمد من النطق ، كان يحس بخجل غريب .. لم يفكر للحظة في جوري بتلك الطريقة .. كانت في نظره طفلة بريئة تريد من يستمع إليها .. يحادثها ، يحل مشاكلها الطفولية .. و الآن .. بعد كل هذه السنين ..تعود إلى حياته و لكن .. بشكل مختلف .

مسح على رأسه يريد أن ينفض شيئًا من الخدر الذي سيطر على أعضاءه و قال مغيرًا دفة الموضوع : تتذكر لما رمت دراجتك في المسبح ؟؟؟.

ابتسم تركي بمرح حتى بدت أسنانه البيضاء : لا تذكرني الله يخليك .. هذاك اليوم من أسوء أيام حياتي .

قال أحمد ضاحكًا : يالمفتري .. ضربتها ضرب ذاك اليوم .

هز تركي كتفيه : اش أسوي .. دراجه جديده دوبي مشتريها .. ترميها في المسبح و العذر .. " أبغى أغسلها "!! و انتا تعرف كيف كان الوالد الله يرحمه شديد عليا من ناحية الشرا و إني لازم أحافظ على كل شي .

ضحك أحمد أخرى و هو يستعيد تلك الذكريات الجميلة : كم كان عمرها ؟؟ .

.... : خمسه سنين .

ثم نظر إلى ساعته : يلا يا أبو حميد .. تأخرت على شغلي .. أشوفك على خير .

و نهض من مكانه و لكن أحمد استوقفه دون أن ينظر إليه : ليش فتحت معايا هذا الموضوع ؟؟ .

و ضع تركي يديه على الطاولة و هو يحاول أن يصوغ الكلمات التي سيلقيها : انتا عارف بالضبط اش السبب .. هذي أختي .. وحيدتي .. شايف كيف ساميه جالسه تلعب على الحبلين .. عشان كذا أبغى أخليها مع انسان راعي ديــــــــــــن و أخــــــــــــلاق .. إنسان أئتمنه على حياتي .. أدري إنك بتروح بريطانيا الشهر الجاي و هذا اللي شجعني أكلمك في هذا الوقت ، هناك .. هيا بتكون بعيده عن يد ذيك الخبيثه .. و بالمره .. أنا أتصرف معاها و بالي مرتاح .

أطرق أحمد برأسه مفكرًا : انتا كلمت جوري ؟؟ .

رفع تركي يديه و قال : خليني أجيبها لك من الآخر ، رفع أحمد بصره فقال تركي بحزم : و الله .. محد راح يآخذها غيرك .

لم يحرك أحمد ساكنًا و تركي يتابع حديثه و هو ينظر إليه : إلا اذا كنت انتا رافض .. فهذا شي ثاني .

همّ أحمد بالحديث و لكن تركي استوقفه مقاطعًا : خذ راحتك وفكر .. هذا قرار مصيري..أنتظر ردك .

و غادر .. مودعًا له .

هبط الوجوم على وجه أحمد و الأفكار المختلفة تمخر عباب عقله ..

الـــــــــــــــــــزواج ؟؟ .

كان يؤجله .. لا لعائق ما .. بل .. لعدم رغبته في الارتباط في الوقت الحالي و الآن .. شقيقة أعز أصدقائه تظهر .. مما يجبره على إعادة التفكير ..

و لكن .. لماذا يفكر ؟؟!!.

يكفي أنها شقيقة تركي ، يكفي أنها شقيقة أخيه الغالي _كما يسميه_ يكفي أنها شقيقة من بذل لأجله الكثير الكثير ، و الآن .. حان وقت رد كل تلك الجمائل .

رفع رأسه عندما سمع صوت النادل يناديه و هتف : أوه .. نسيت .

ثم هتف مناديًا و هو يلتفت للخلف : تركي .

و تذكر .. أنه رحل منذ دقائق ، نظر إلى النادل مجدداً و هو يرتب أطباق العشاء على الطاولة فهز رأسه في أسف متمتمًا : و خليتني أتعشى لحالي .

.

تناول طعامه على مهل و من ثم تفاجأ .. عندما علم أن تركي قد دفع الحساب قبل أن يغادر ، زفر هو يقول : الله يهديك يا تــركي .


@@@@@@@@@@@@@@@@
الرياض


فيلا الجازي


في نفس اللحظات


جلست على أول مقعد صادفها ثم أطرقت برأسها و عباءتها على كتفيها و التفت ياسر الذي يجلس على مقربة إلى عمه متسائلاً : الوالد ؟؟ .

اعتدل أبو فيصل في جلسته التي احتلت صدر المجلس ، وضع يديه على ركبتيه و قال بهدوء : سمعيني يا بنيتي .

لم تحرك تساهير ساكنًا و إنما اكتفت بالاستماع لبقية حديثه : أبوك الله يرحمه .. كان يشتغل عندي .

اتسعت عيناها في صدمة و رفعت رأسها بحدة و هي تهتف : ايـــــــــــــــش ؟؟؟؟!!!!!!! .

علت وجهه نظرة كسيرة و هو يقص الخبر : قبل أربع سنوات .. أبوي الله يرحمه كلّفني برئاسة فرع جده

.. كان عندنا مجموعه من المندوبين .. ييبعون البضايع للزباين و يعطونهم ايصالات الدفع .. و بعد فتره بسيطه يتابع وراهم المعقب .. يتأكد من البضايع اللي انباعت .. المبالغ الموجوده .. و البضايع المباعه لأجل بتواريخها .

زفر أبو فيصل ثم أكمل : و بعد فتره .. اضطريت أخلي واحد ينوب عني ..لأن الضغط كان كبير على فروع المدن الثانيه و كان لازم أشيّك عليها كلها .. المهم .. كان النايب ولد واحد من زملائي .

تراجع في مقعده و بصره معلق بالسقف : مرت ثلاثه شهور .. جاني بعدها اتصال من النايب .. يعلمني ان عمليه سرقه حصلت فـ الشركه .. و انهم يعرفون الجاني .. و يبوني أنا أقوم باللازم .. نزلت لجده بسرعه .. و .. عطوني ملف أبوك .

قبضت تساهير على يدي المقعد بتوتر ، أغلق أبو فيصل عينيه مردفًا: المصيبه كانت في البضايع المباعه لأجل .. و هم يعقّبون وراه .. لقوا ان الزباين دافعين المبلغ و معهم إيصالات دفع المبلغ .. و كلها كانت بتوقيع أبوك و اسمه.

همست بترقب خائف : و المعنى ؟؟ .

نظر أبو فيصل إلى عينيها المذعورتين و قال بخفوت : و لا مبلغ وصل للشركه .. المعنى .. ان أبوك سرق كل المبالغ .

صرخت باكية وهي تنهض من مكانها : كـــــذاااااااب .. انتا كـــــــــــــذاااب .. بويه مستحيل يسوي شي زي كذا.. مـــــــــــــســـــــــــتحييييل .

صرخ ياسر عليها بشدة و هو يجرها مع ذراعها : احــــــــــتـــرمـــي حـــالــك و اجــــلـــســي إلـــيــن يـــكـــمــل كــــلامـــه .

أجبرها على الجلوس و دموعها تغرق وجهها ، تغير لون وجهه و هو يكمل القصة : لعب الشطيان فـ عقلي .. و ما حاولت أتأكد من الموضوع لأن النايب شخص أثق فيه .. غير ذا .. كثيرين اللي شهدوا عليه .. ناديت أبوك و واجهته بالموضوع و الإيصالات .. و .. أنكر بعصبيه .. و قام يحلف إنها مزوره و من ذا الكلام .. طبعًا .. أصريت على اتهامي و اتصلت بالشرطه قدامه و هو يحاول فيني أتأكد و أراجع لكني صديت عنه إلين جات الشرطه و

أشاح بوجهه مغممًا : طاح على الأرض .

أخذ صدر تساهير يعلو و يهبط من فرط البكاء ، و أبو فيصل يكمل : نقلوه للمستشفى .. و علموني بعدها إنه .. أعطى عمره.

بكت في مرارة .. الآن عرفت سبب تلك النوبة المفاجئة التي تعرض لها والدها و التي أدت إلى وفاته ، شبك أبو فيصل أصابعه مستطردًا: عرفت ان عنده عائله .. و ولد .. كان بامكاني إني أطالب بالفلوس .. لكن .. قررت أصفح .. و .. بعد ما انتهت مدة عملي .. يعني بعد سنتين .. خرجت من الشركه راجع للرياض .. بس تذكرت اني نسيت شي في المكتب .. و بعد ما رجعت .. سمعت صوت ضحك النايب و أصحابه في المكتب .. شي خلاني أوقف و أسمع ..


■ ■ ■ ■


ذو الحجة


1427 هـ


ضحك فؤاد في انتصار : أخييييرًا انقلع الشايب .. و رجعتلنا الحرية .

شاركه صديقه الضحك : ايييوه .. و ألوف ثانيه راح تنحط في الجيب .

قال الثالث : و الله انكم سلاحف .. واحد بس تنصبون عليه فـ سنتين .. المفروض كل أربعه شهور واحد .

أشار إليه فؤاد بإصبعه مفسرًا : مو عشان المبلغ يكبر .

غرق الثاني في الضحك : أما هذاك العجوز المخبول سالم الـ ***** .

ابتسم فؤاد بفخر : أنا اللي اخترته الأهبل .. شفت كيف كان اللعب عليه سهل .

تحدث الثاني : هيّا لا تنسى تكلم طوني على المهمه الجديده .. خليه يبدا التزوير من دحين .


■ ■ ■ ■


ارتجفت شفتاها ، صدمة .. خلف صدمة .. خلف صدمة ، نظر ياسر إلى عمه غير مصدق ما يسمع ، كان وجه أبو فيصل ممتقعًا و هو يردف بصوت مخنوق : ما صدقت اللي سمعته .. طلعت كل قهري و حقدي عليهم .. و الحين كلهم في السجن .

رفع بصره إلى تساهير .. كانت منهارةً تمامًا ، فقال بحزن كسير : يا بنتي .. من ذاك اليوم و النوم جافاني .. حتى صحتي كل ما لها تضعف ..دورت عليكم فـ جده .. قالولي نقلتم .. طيب وين .. ما يدرون .. قربت الثلاث سنوات .. و أنا أدعي فـ كل سجود إن ربي يساعدني أكفر عن ذنبي و جريمتي .

تهدج صوته و دمعت عيناه ، و ضع سبابته و إبهامه على عينيه ، يمنع دموعه من الانسياب .

أطرق ياسر برأسه لم ير عمه في هذه الحالة إلا .. يوم وفاة جده أبو خالد و عمه الوليد و قد كانت حاله أسوء .

احمر وجهها من هول المفاجأة و نزف قلبها من وقع الألم ، ابتلع أبو فيصل ريقه و هو يكمل بصوت كسير : ما تتصورين اش كثر كانت فرحتي لما دريت باسمك و انك بنته .. ذاك اليوم .. كان من أسعد أيام عمري .. ربي الرحيم .. استجاب لدعائي .

قاوم دموعه الموجعة و أردف : و الحين يا بنيتي .. أبي .. أبي أعطيك كل ما تبين ..بس أشري .. و تلاقين كل شي عندك .

بكت في حرقة و هي تغطي وجهها بين كفيها ، تذكرت أمها .. عادل .. والدها ، تذكرتهم كلهم في تلك اللحظة .. مشاعرها غير مستقرة ، نبضات قلبها مضطربة ، أنفاسها ملتهبة .

همّ ياسر بالخروج لكن أبو فيصل منعه بإشارة من يده فجلس مرغمًا و هو يشيح ببصره عن دموعها التي تحطم في داخله الكثير .

تحدث أبو فيصل بحنان أبوي : يا بنتي ..اعتبري نفسك في بيتك و بين أهلك .. انتي الحين فـ أمان .. هذي الفلة .. فلة الجازي كلها بخدمها وحشمها لك .. بكتبها باسمك .

لم تحتمل أكثر ، هبت من مكانها و هربت خارج المجلس و صوت شهقاتها يصدح في المكان .

.


استرخى أبو فيصل في مقعده .. و ملامح وجهه تدل على الإرهاق الشديد همس ياسر بقلق و هو يجلس إلى جواره : أبو فيصل ؟؟!! .

قبض أبو فيصل على يده وهو يغمض عينيه و همس : ياسر .

ربت ياسر على ذراع عمه و هتف: آمرني يالغالي .

تمتم أبو فيصل : يا ولدي .. طلبتك و لا تردني .

أجابه ياسر على الفور : جاك يا عمي .

فتح أبو فيصل عينيه المغمضتين و قال بضعف : خلها على ذمتك .

هوى قلب ياسر بين ضلوعه و لم ينبس ببنت شفه ، أردف أبو فيصل بخفوت : أدري انك ما تبيها .. بس .. أنا أبيها قدام عيني .. لجل قلبي يرتاح .

و دار بعينيه إلى ياسر : و اذا على أهلك و أعمامك و موقفك قدامهم .. لا تعلم أحد .. الموضوع سر بيني وبينك إلين يفرجها ربك .

لم تغب عن عينيه عضلات وجه ياسر المتوترة فقبض على كفه و همس بضعف : طلبتك يا ولدي .

ضغط ياسر على أعصابه و هو يذكر نفسه بصحة عمه و ضرورة تقدميها على كل شيء ، قبل رأس عمه باحترام و قال بحزم : انت تآمر يبه .

ابتسم أبو فيصل بإعياء و الدموع تلمع في عينيه و همس : الله يرضى عنك دنيا و آخره .. و يريّح قلبك مثل ما ريّحت قلبي .

ثم غمم و هو يعتدل في جلسته : يلا .. قومني .

ساعده ياسر على النهوض و أوصله إلى السيارة حيث ينتظره السائق و قبل أن يغلق الباب ، قال له عمه : أنا وصيتهم عليها زين .. لا تشيل هم .

أومأ ياسر برأسه ثم أغلق الباب ، تحركت السيارة في طريقها .. أما هو فرفع بصره إلى السماء و قال بصوت مهموم : يـــــــــــــا رب .. إني أحتسب الأجر عندك .


@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@



** الأربــــــــــــــــــــــــعـــــــــــــــــــا ء **


جده


فيلا عــمّار


10 : 12 صباحًا


أمسكت مرام بطرحة جوري و غطاء وجهها و هتفت بسعادة : و الله و نسّتيني يا قلبي .

ابتسمت جوري و هي ترتدي عباءتها : و انتي أكثر يا خالتو .


ضمتها مرام بحنان قائلةً : انتبهي لنفسك و للبراء .. و متى ما بغيتي تعالي .. لا تستحين .

ضمتها جوري بقوة و هي تقاوم دموعها هامسةً : حاضر .

تعالى صوت هاتفها فهتفت وهي تتراجع للخلف : أوبس .. هذا تركي .

ارتدت باقي حجابها على عجل ثم لوحت لخالتها و هي تخرج مع الباب : يلا .. مع السلامه .

و دعتها مرام و أغلقت الباب خلفها ثم صعدت إلى الأعلى و هي تفكر في أحاديث جوري المتفرقة ..

البراء .. يصبح ابن صديقه ..؟؟!!!! .

و ساميه .. تُظهر كل ذلك التمرد فجأة ؟؟!!.

وضعت يدها على رأسها كأنها تريد أن تُهدأ من ثورة دماغها ، نظرت إلى باب حجرته .. وقادتها قدماها إلى هناك رغمًا عنها ، فتحت الباب بهدوء و ابتسمت .. كان يغط في نوم عميق ..أغلقت الباب ثم توجهت إلى حجرتها ، دلفت إلى الداخل و .. رفعت حاجبيها بــــــــدهــــــــــــــشــــة لوهلة قبل أن تستكين ملامحها مجددًا ، اقتربت من السرير و رفعت باقة الورد الحمراء الكبيرة من عليه ، استنشقت عبيرها بعمق قبل أن تضمها إلى صدرها و قلبها .. و عقلها .. مع ذاك النائم .


@@@@@@@@@@@@@@@


الرياض


فيلا أبو نواف


في نفس اللحظات


نظرت إلى نفسها في المرآة بسعادة ، حركت خصلات شعرها العسلي المدرج الذي يصل إلى كتفيها و هتفت لنفسها : تجنننننن الصبغه عليك يا روروووو .. تآخذ العقل .

أمسكت باللامع البرتقالي الفاتح و مررته على شفتيها ، ثم تراجعت إلى الخلف هاتفة : و الحين أحلى و أحلى

.

رفعت الفرشاة و مررت القليل من أحمر الخدود على وجنتيها و الأنف الطويل الذي تتميز به عائلتها ، أعادت الفرشاة إلى مكانها و ضحكت بمرح و هي تتأمل جسدها – الرويان - : بس لو أخس حبتين !!!! .

هزت كتفيها و دارت بعينيها السوداوين الصغيرتين إلى اللوحة الموضوعة على السرير و هتفت و هي تسير نحوها : الحين جا دور حجرة الجلوس .. لازم نزينها بعد .

.


.


.


في جهة أخرى

عاد إلى الدور الثاني بعد أن ملأ معدته ببعض الطعام ، التفكير يشغله لأبعد مدى حتى أن النوم عاداه ، زفر بحرارة كأنه يخرج ما يعتمر في نفسه من الضيق ثم انعطف إلى باب جناحه و لكنه انتفض من شدة الضجيج المنبعث من جناح ربـــــى ، ركض كالسهم إلى جناحها و فتح الباب بدون أن يطرقه صائحًا : و اشــــبـــــــــــك ؟؟.

مسحت على ظهرها بألم و هي تهتف بتوجع : أحووووووووووو .

ترك مقبض الباب و هي يعتدل في وقفته قائلاً : هبله انتي تطيحين من فوق الكرسي ؟؟ .

صاحت بغيض و هي تركل الكرسي برجلها : الــغبيييي .. هو اللي طاح .. موب أنا اللي طيحته .

هز رأسه في أسف و غمم و هو يتقدم للداخل : انتي الغبيه اللي تطلعين عليه .. كان ناديتي وحده من الخدامات تجي تعلقلك اللي تبين .

مد يده لها و عاونها على النهوض ، أمسكت ظهرها بتوجع و غممت : والله تعوّر الطيحه .

همّ بالمغادرة و لكن لفتته اللوحة الملقاة على الأرض و التي كانت تهم بتعليقها ، دقق النظر فيها للحظة ، ألوان زاهية جذابة .. خليط من أزهار ملونة وسط غابة خضراء .. نهر أزرق جاري .. سماء صافية إلا من سحب خفيفة ، رفع حاجبيه في إعجاب قائلاً : فظيعه اللوحه .. شكلها بالألوان الزيتيه .. مو ؟؟ .

لم تحر جوابًا ، فالتفت إليها عاقدًا يديه أما صدره : لـ

بتر عبارته عندما انفجرت بالضحك ، رفع أحد حاجبيه و قال ببرود : واشبك يالمطفوقه ؟؟ .. هسترة آخر الليل ؟؟ .

هزت رأسها نفيًا و قالت : أبد الله يسلمك .. بس الظاهر الإعجاب بأعمال حرمكم المصون بدأ من الآن .

رفع حاجبيه في دهشة ثم عاد ينظر للوحة الرائعة و هتف : عــــروب ؟؟!!!!!!!!!!!.

أومأت برأسها و هي تنتحي لترفعها عن الأرض : ايه .. هذي من أعمال عروب .

تعلقت عيناه باللوحة للحظة و الأفكار تعبث برأسه ، رفع بصره لشقيقته قائلاً : غريبه مهتمه بلوحاتها و هي اللي ما ترد على اتصالاتك ؟؟.

دقق النظر في وجهها ينشد ردة فعلها ، فابتسمت بخبث و قالت : أعوذ بالله منك .. ودك تشّب الفتنه و توك ما ملّكت عليها .

بهت من إجابتها و اشتعل الحرج في نفسه ، دارت على عقبيها لتضع اللوحة على المنضدة ، و هي تردف : أزعل و آخذ فـ خاطري من الناس كلهم إلا عروب .. هذي أختي اللي ما جابتها أمي .. ما أظن فيه قلب مثل قلبها الأبيض .. و لا أظن فـ يوم إني بلاقي إنسانه فـ طيبتها و رقتها .

هبط السكون على الحجرة للحظة و لكن .. لم يمهله عقله الكثير للاطمئنان بعباراتها لأن صورة فارس تجسدت أمام عينيه ، غمم بعد برهة بنبرة غريبة : كانت تكلمك عن فارس شي ؟؟.

التفتت إليه في حدة و الدموع تلمع في عينيها و صاحت : لااااااااا ..

زوى ما بين حاجبيه و هي تردف بانفعال : إلا عــــــــــروب .. هذي أختي اللي عشت معها سنين .. هذي فـ طهرها و برائتها ما شفت .. حتى لو صار موقف الحقير الوقح الـ##### قدام عيني .. مستحيل أقول إنها المسؤوله .. مـــستحييييييييييل .

و تفجرت دموعها و هي تلّوح بيدها : عروب فـ حياتها ما خبّت عني شي .. أنا و هي واحد .. لكن من يوم ما انفسخت خطوبتها من ولد عمك الـحيوا* تغــيرت .. و بعدها طاح على راسها الحقير الثاني .

و غطت وجهها بكفيها و هي تنهار جالسةً على الأريكة هاتفة : عــزام .. أدري إن أبوي أجبرك .. لكن .. لا تبدأ حياتك معها و انت شاك فيها .. أرجوك .. أرجوك يا عزام .

أخذ يتطلّع إليها في صدمة .. ، كيف عرفت أن والده أجبره ؟؟؟!!!!!!.. أيُعقل أنها استمعت إلى حديثه و نواف أم ..

قاطعت أفكاره عيناها الباكيتان اللتان تطلّعتا إليها في رجاء كسير : كنت متأكده انك شاك فيها من ذاك اليوم ، و مستحيل تفكر تخطبها بعدها .. لكن يوم تم الموضوع فهمت إن أبوي اللي أجبرك .

شهقت بحرقة تتم حديثها : عروب ضعيفه و مكسورة الخاطر يا خوي .. صدقني اللي صايرلها كبير .. محتاجه أحد يساعدها بس مو قادره تــــــــــــنــطــق .

خفق قلبه و هو يشيح بوجهه ، يكفيه ما سمعه .. يكفيه .. يريد أن يغادر فقط .. لا يريد أن يعذبه ضميره أكثر .. .. و على الجانب الآخر .. لا يريد أن يسقط فريسةً للوساوس الشرسة أكثر ..

همّت بقول المزيد ، لكنه سبقها و غمم بوجهه الممتقع : يكفي يا ربى .. أنا سمعت اللي أحتاجه .

و اندفع خارج الجناح بصمت ... و أطـــــــــــــــلــــقـــت هــــــــــــي لــــــــــــــــدمــــــــوعـــهــا الـــعـنـان .


@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@

___________________________________________

*فتوى الشيخ ابن باز في وجوب إعفاء اللحية و تحريم حلقها أو تقصيرها
http://www.binbaz.org.sa/mat/1700
**حديث في فصل سابق عن الدعاء بين الآذان و الإقامة
http://www.binbaz.org.sa/mat/17407
الترمذي : الصلاة (212) , وأبو داود : الصلاة (521) , وأحمد (3/155).
-------------------------------------------------------------------------------------------------



الفصل الــــــتـــــــــــــاسع

~~~~~~~~~

~ على أبواب المجهول ~


******************

أخْلق بِذي الصْبْرِ أنْ يَحْظى بِحَاجَتِهِ .. و مُدْمِنُ القَرْعٍ للأبْوابِ أنْ يَِلجا

*************************

جده


المستشفى


30 : 9 صباحًا

طرق الباب .. و فور أن أتاه الرد فتحه و الابتسامة على شفتيه : الســــــلام علـــيكم .

ارتسمت ابتسامة عريضة على شفتي المريض رغم الإعياء البادي على محياه ، و قال بخفوت : و عليكم السلام و رحمة الله و بركاته .

اقترب القادم من السرير و ربت على كتف المريض قائلاً : هاه .. كيف بطلنا دحين ؟؟.

أجابه بابتسامته : الحمد لله .

ربت الرجل بيده الأخرى على رجله المغطاة باللحاف و قال بصدق : لولا الله ثم انتا لكنت ميت الآن يا عمر .

هز عمر رأسه نفيًا و قال بخفوت : ما قمت إلا بالواجب يا أبو الوليد .

ابتسم تركي عندما سمع هذه الكنية لأول مرة ، أتم عمر حديثه قائلاً : هذا و لا شي قدام جمايلك عليا و على أهلي .

شد تركي بقبضته على رجل عمر و قال بحزم : تستاهل كل خير يا أبو عمير ، أنا اللي ما سويت إلا الواجب .. و اللي زيك يأمر باللي يبغى .. مو يشور .

همّ عمر بالحديث و لكن دخول الطبيب قاطعه ، هتف و هو يتقدم للداخل : هاه .. كيف الشجعان اليوم ؟؟ .

عدل تركي من وقفته و جعل ظهره مواجهًا للجدار و عمر يقول للطبيب : الحمد لله .

اقترب منه الطبيب و قال و هو يضع الملف جانبًا : ممكن بس أطّمن على الجرح ؟؟.

لم يبد عمر أي معارضة و الطبيب يخرج القفازين من جيبه و يرتديهما ثم يرفع زي عمر المخصص للمرضى ، وقعت عينا تركي على قطعة بيضاء متوسطة الحجم تغطي مكان الإصابة يثبتها عدد من الضمادات و الأشرطة اللاصقة ، مد الطبيب يده و أمسكه بالقطعة قبل أن يرفعها برفق و هو يحل عددًا من الأشرطة ، تفحص الجرح للحظة ثم أعاد القطعة إلى مكانها و كذلك الزي و اعتدل في وقفته و هو ينزع قفازيه و يقول باسمًا : لا .. ما شاء الله في تحسن كبير .

ظهر الارتياح على وجه تركي الذي رفع بصره إلى الطبيب و قال متسائلاً : هاه يا دكتور .. متى راح يسيّب البطل هذا السرير ؟؟ .

أخذ الطبيب يخط على الملف الذي يحمله و هو يقول : الحقيقه احنا نبغى نتطمن عليه من كل النواحي .. يعني قول أسبوع كمان و نقلك مع السلامه.

وضحك في مرح و هو يربت على عمر الذي ابتسم ، أغلق الطبيب الملف و توجه إلى الباب و هو يهتف : أشوفك بخير .

التفت تركي إلى عمر و قال : يلا .. شد حيلك عشان تنبسط بالإجازه .

رفع عمر حاجبيه في دهشة و قال : إجازة ؟؟!! .. لا .. إن شاء الله ما ني مطول .. كم يوم و أرجع للشركه .

ضربه تركي بخفه على قدمه و قال : انتا تتحلم .. تطلع من المستشفى و تنبسط بشهرين إجازه .

و أردف باسمًا : و أكثر من كذا ما أقدر أستغنى عن وجودك في الشركه .

همّ عمر بالاعتراض و لكن تركي أوقفه بإشارة من يده : انتهى الموضوع ، ما في نقاش و

التفت إلى الباب عندما سمع صوتًا و قال : تـــــفضل .

فُتح الباب و ظهرت من خلفه شجرة بنية اللون مزينة بخيوط لامعة مختلفة و أضواء ملونة ، قطب عمر حاجبيه و هو يهمس : اش هذا ؟؟ .

ظهر من خلف الشجرة رجل أجنبي و قال و هو يحملها : مستر تركي ؟؟؟.

أشار إليه تركي بالدخول : تفضل يا فيّاض .

دلف الرجل و الابتسامة الواسعة مشرقة على وجهه و قال و هو يحمل الشجرة المتوسطة الحجم : وين في هطي ؟؟.

أشار تركي إلى جانب سرير عمر الفاغر فاه : هناك .

تحرك الرجل و عمر يتابعه ببصره ، وضع الشجرة إلى جوار سريره من الجهة المقابلة للنافذة ثم رفع يده بتحيةٍ عسكرية إلى تركي ، الذي حياه برأسه .. فغادر الرجل المكان .

حدّق عمر في الشجرة التي تخللتها ألوان الشوكولا المختلفة و أغصانها المتفرعة التي تتدلى منها حلوى الشوكولا بمنظر لذيذ يجعلك تتضور جوعًا .

ابتسم تركي و هو يربت على كتفه : أعرفك تموت فيها و لازم في كرتون منها على المكتب و لا ما تعرف تشتغل .. و جبتها لك عشان لا تفتقدها .

التفت عمر إليه و قال و هو يضع يده على صدره : والله لو مو الخوف من الألم كان لقيتني أرقص من الضحك .. من يوم ما دخلت المتوسط ما في أحد جابلي هديه .

كتم تركي ضحكته و اكتفى بالابتسامة قائلاً : يلا .. ألف الحمد لله على السلامه يا بطل .. و أنا لازم أمشي دحين .

قبض عمر على يده و قال بامتنان : جزاك الله خير يا أبو الوليد .. و الله جيّتك ليا بالدنيا كلها .

قال تركي بهدوء : ما سويت شي يا عمر .. انتا اللي ضحيت بنفسك عشاني .. و قد ما راح أسوي ما بيوفي قدرك .

و رفع يده مودعًا و هو يسير للباب : في حفظ الله .

: في أمان الله .

.

.

خرج من الحجرة و هو يشعر براحة تسكن قلبه ، التفت إلى يساره فرأى الطبيب يتحدث إلى أحد الممرضين .. توجه إليه تركي و انتظره حتى أنهى كلامه و غادر الممرض ثم قال : دكتور بدر .

التفت إليه الطبيب هاتفًا : هلا يا أستاذ تركي .

سأله تركي باهتمام : مو الأسبوع قليل ؟؟ .

هز الطبيب رأسه نفيًا و قال شارحًا : شوف يا أستاذ تركي .. من فضل الله إن الطلقه مرت من فوق الرئه اليمين و ما مسّت الرئه .. و بكذا ما في خوف إن شاء الله .. هوا بس محتاج مراقبة بسيطة عشان نتطمن على الأجزاء اللي اتضررت من الطلقه .

أومأ تركي برأسه في تفهم ثم مد يده مصافحًا الطبيب: شكرًا يا دكتور بدر .

صافحه الطبيب في حرارة : في أي وقت يا أستاذ تركي .


@@@@@@@@@@@@@@@


الرياض


الشركة


مكتب أبو ياسر


00 : 10 صباحًا


: شبعت لعب مع عمك أبو فيصل ؟؟ .

ابتسم ياسر بحرج و هو يستمع إلى عتاب والده و قال : يبه و الله موب لعب .

وقع والده على إحدى الأوراق بعصبية و هو يهتف: موب لعب اللي يخليك تنط كم مره لتبوك فـ فتره قصيره ؟؟؟؟؟ .. كان كملت الدوره أصرفلك .

ابتسم ياسر و هو يقول : عمي كنسلها .. و كلفني بأشياء ثانيه .

نظر إليه والده بحنق و هتف : ايه .. عمك أبو فيصل تنفذ كلامه بالحرف الواحد .

كتم ياسر ضحكته و هو يهتف : يبه كلامك على العين و الراس .. و عمي ما كنسل الدوره إلا لمعرفته الواسعه بفرع تبوك .. هو المسؤول عنه .

لم يرد عليه والده ، التزم ياسر الصمت للحظات ثم تنحنح قبل أن يقول : آه .. و اش بتسوي فـ موضوع عروب ؟؟.

قال والده دون أن يرفع بصره عن الأوراق : أنتظر رد عزام .. قلتلك .. إذا وافق ما يهمني رايها .

غمم ياسر بحذر : الإجبار عمره ما كان حل .

سادت لحظة صمت خشي ياسر خلالها أن ينفجر والده في وجهه، لكنه كسر خوفه و قال بهدوء : عزام رجال واعي و إن شاء الله اذا عطاني موافقته بملّكلهم على الورق و أسويلهم عشا بسيط و بكذا يآخذون فتره مع بعض قبل الزواج ، و بترتاح نفسية أختك .. هي الحين مرعوبه لأن الموضوع جا فجأه .

تراجع ياسر في مقعده هاتفًا: قولتك ؟؟ .

: ايه .. و

قاطعه طرق الباب فرفع صوته قائلاً : تــــــــــــــــــفـــضــل يا حمدان .

كان يظن أنه السكرتير و لكن فُتح الباب و طالعهما وجه عزام المبتسم ، اعتدل ياسر في جلسته على الفور و تعلق بصر والده بعزام في ترقب ، أغلق عزام الباب و في يده الملف الأصفر و قال : السلام عليكم .

رد كلاهما السلام ، اقترب عزام و جلس على المقعد المقابل لياسر قائلاً : صبّحك الله بالخير يا وجه الخير .

رد عليه ياسر على عجل : صبّحك الله بالنور يا وجه السرور .

ابتسم عزام و التفت إلى عمه الصامت ، مد إليه الملف قائلاً : يالغالي ..

أرهف كلاهما سمعه لحديث عزام : تملكلي الشهر الجاي .

اختلج قلب ياسر بين ضلوعه و بالمثل والده الذي لم يحرك ساكنًا و اكتفى بالنظر إلى عزام من فوق النظارة ، نقل عزام بصره بينهما بابتسامته الواسعة و قال ضاحكًا : أفاااا .. وين المباركه .. تراني بعرس.

ابتلع ياسر ريقه ثم قال بتوتر : ممكن تقف ؟؟.

رفع عزام أحد حاجبيه في دهشة : كيف ؟؟.

نهض ياسر من مكانه على الفور : بسرعه الله يخليك .

نهض عزام و هو يقول بقلق : واشـ

انقطعت كلماته عندما ضمه ياسر إلى صدره ، همس عزام بخفوت : ياسر ؟؟!!!!

تحدث ياسر بصوت متحشرج : ألف مبروك يا صقيقي .

ضحك عزام و هم يبتعدان عن بعضهما : الله يبارك فيك .

شد ياسر على ذراع عزام بامتنان و تبادلا نظرةً عميقة

: يا ولد انت واياه .

التفت كلاهما إلى أبو ياسر الذي خلع نظارته و قالا : سم .

أشار إليهما بيده التي تمسك بالنظارة : انقلعوا و كملوا مسرحيتكم برا .

ضحك عزام في مرح و اكتفى ياسر بابتسامة بسيطة ، سارا إلى جوار بعضهما نحو الباب

: عـــــــــــــــــــزام .

التفتا إليه و هتف عزام : سم يا عمي .

شبك عمه أصابعه فوق المكتب قائلاً : حدد يوم فـ الشهر الجاي وعلمني .

أومأ برأسه و القلق يدب في قلب ياسر الذي أخفى شعوره و هو يبتسم لعزام قائلاً : مبروك يالمعرس .

جرّه عزام مع ذراعه هاتفًا : تعال تعال يا الثور .. شغلي معك طويل .

و أغلقا الباب خلفهما ، تنفس أبو ياسر الصعداء و هو يشعر بماء زلال ينساب على قلبه المشتعل .. همس براحة : اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك و عظيم سلطانك .

@@@@@@@@@@@@@@@@

جده


فيلا عــــــــــمّار


00 : 11 صباحًا

في المطبخ الواسع ذا الطابع الفرنسي الفاخر، وقفت تعد الغداء و هي ترتدي مريلة الطهي ذات اللون الليموني الفاتح و وجهها يشرق بسعادة لا متناهية

: إنا لله .. دحين هذي بس شغلتك ؟؟؟ .

ضحكت في مرح دون أن تلتفت إليه و قالت وهي تحرك الملعقة في القدر : و الله من زمان عن الطبخ ..

و حشنييييييي .

اقترب منها و وقف خلفها تمامًا يراقب عملها ، اندفع الدم إلى وجنتيها عندما شعرت بقربه و سرت رعدة خفيفة في أطرافها ، همس برقة : بس هوا اللي وحشك ؟؟ .

أغمضت عينيها بخجل شديد و لم تنبس ببنت شفه ، ابتسم بحنان عندما شعر بارتباكها .. لا زالت تخجل من وجوده رغم أنه لم يمضي على فراقهما الكثير و لكن المرض .. أثر عليها كثيرًا .

مد يديه و أمسك بكفيها شهقت فأدارها بحركة خفيفة لتواجهه ، تطلّعت إليه للحظة في صدمة قبل أن تهتف بشكل طفولي : عـــمّاااااااار!!!!! .

اتسعت ابتسامته و هو يحتضن كفها في يده ثم يجذبها إلى خارج المطبخ : يـــــا عــــيــــــونــــــه .

زادت من سرعتها حتى أصبحت إلى جواره و هتفت برجاء : خـــلـــيــني أكــمــل شغــلـــــي .

أجابها و هما يمتطيان الدرج : بــــــــــــعــــــدييين .. دحين أبغى أوريكِ شي .

زوت ما بين حاجبيها و هتفت بتساؤل : شي ؟؟ .


لم يرد عليها بل اكتفى بذات الابتسامة ، خفضت عينيها و انشغلت حواسها بالتفكير في هذا الـ ( الشيء ) و عن ماهيته و لم تشعر إلا .... و هي في حجرته .

هبط الوجوم على وجهها و انقبض قلبها بخوف مبهم ، ترك كفها و جلس على سريره العريض ذا الأعمدة الخشبية المزخرفة و أمسك بألبوم كبير أحمر اللون إلى جواره ، رفع بصره إليها و هتف : تعالي شوفي .

تطلّعت إلى الألبوم للحظة ثم رفعت بصرها إلى وجهه فواجهتها ابتسامته الرقيقة أشاحت ببصرها عنه و قلبها يوشك أن يذوب من شدة الخوف و الحرج ، استنشقت شيئًا من الهواء و هي تفرك يديها ثم اقتربت ببطء و جلست بعيدة عنه بمسافة بسيطة ، فتح الألبوم لتطالعهما صورة طفل رضيع في مهده ، هتفت بلا تفكير و هي تميل برأسها لتلقي نظرة أقرب : يــــــــــااااااااااااي .. مين هذا القمر ؟؟ .

: ولد أبرار .

رفعت رأسها إليه غير مصدقة و همست : أبـ .. أبرار تزوجت ؟!!!!!!!!!

أومأ برأسه و هو يقلب الصفحة : ايوه .. قبل سنة .. و جننتني إلا أوريك نبّولي .

ضمت يدها إلى قلبها ، و عيناها تسرحان في وجه الصغير .. أيُعقل ؟؟!!! .. تزوجت تلك المرحة أبرار .. شقيقة عمّار الصغرى ، صديقتها المقربة التي فضلت الابتعاد عنها بعد أن تركت عمّار لتقطع كل صلتها بأسرته .. لا زالت تذكرها بضحكتها الطفولية الشقية .. و الآن تزوجت و أصبحت أمًا ؟؟!!!!!!!!!!.

ابتسمت بحنان و همست : نبيل ؟؟.

و مدت إصبعها تتحسس الصورة برقة و هي تسأله : و وينها دحين ؟؟.

كانت عيناه معلقتان بملامحها الجميلة الشاردة ، أجابها بخفوت : في الرياض .. زوجها يشتغل هناك .

لم تنبس ببنت شفه و هي تتراجع إلى الخلف ، و إذ به يغلق الألبوم ، هتفت و هي تلتفت إليه : اشبك ؟؟.

تطلّع إلى عينيها الكحيلتين فامتقع وجهها و همّت بخفض رأسها و لكنه منعها بيده التي أمسكت ذقنها برفق ، قال هامسًا : ميمي .. طالعي فيني .

ترددت نبضات قلبها في أذنيها و تعرّقت يداها و المكان باتساعه يضيق عليها ، حتى همساته تخنقها : ميمي .

** .. مرام يالهبله لا تفجعين الرجال .. طالعي فيه دحين **

تنفست الصعداء قبل أن تجمع طاقتها و ترفع عينيها إليه ، ابتسم و قال هامسًا: اش رايك نصّيف فـ ألمانيا ؟؟ .

زوت ما بين حاجبيها و تمتمت: ألمانيا ؟؟؟!!! .

تركها و هو يومأ برأسه قائلاً : ايوه.. نتمشى هناك و بالمره .. نمُر على الدكتور لامبرت.

رسمت عيناها خوفًا غريبًا عندما أدركت مقصده ، و لم يسمح لها بالتفكير أكثر بل ضم يديها على الفور و هو يقول مشجعًا : طول الفتره اللي فاتت و أنا أدور على دكتور ممتاز .. و أخيرًا لقيته .. فاهم و متمكن من عمله .. خلينا نجرب .

همست بارتباك باكي : عمّار أنـ

قاطعها بلطف : ميمي .. توكلي على الله ، .. ثُمَ .. لا تنسين إني جنبك .

و ضم يديها أكثر فسقطت دمعة صريعة من عينها ، ضــــــمـــهـــا إلـــــــــى صـــــدره فبكت بألم و هي متشبثة به ، مسح على شعرها بحنان دافق و هو يهمس : مرضك مو صعب و بإذن الله قريب راح تنسينه .

شهقت و هي تقول : و الله خايفه .. خايفه .

ربت عليها قائلاً: حبيبي .. خلي أملك في الله كبير .

همست من بين دموعها الساخنة : و نعم بالله .

تركها تفرغ دموعها للحظات، تفرغ خوفها بين ذراعيه اللذين يحتويانها بحنان ، ثم رسم على شفتيه ابتسامة واسعة و هو يتراجع للخلف قائلاً : هاه .. نمشي بكره ؟؟.

مسحت دموعها بأصابعها و هي تومئ برأسها موافقةً ، ضحك في فرحة حقيقة و السعادة تتفجر في قلبه : يا حــــــــــــــــبــي للـــــــــــــــبـكّــايـــييين .

ابتسمت بخجل و هي تشيح بوجهها المحمر و تباشير الأمل ، تلوح لها من البعيد .


@@@@@@@@@@@@@@

جده


فيلا تركي


00 : 2 ظهرًا


جلس على الأريكة ذات القماش المخملي الذي طبعت عليه نقوش مميزة : هاه .. اش نظرتك ؟؟ .

وضع أحمد يده على ذقنه و هو يعيد قراءة التقارير : تقدم المرض بطيء و الحمد لله و .. راح أحضر العمليه .

أمسك تركي بصورة البراء الموضوعة على الطاولة و أخذ يتأملها و هو يغمم: أنا مخوفني عليه الكيماوي .. ما أدري كيف بيتحمله و هوا فـ هذا السن ؟؟.

تراجع أحمد في مقعده و قال : لا تخاف .. هذي أبسط درجة للمرض و كثيرين اللي تعافوا منه .. و بعدين هما راح يمشونه بالكيماوي على جدول معين بعد العملية عشان يتطمنون إنهم قضوا على كل الخلايا السرطانية .

أومأ تركي برأسه و اكتفى بالصمت الذي يحتوي قلقه الكبير ، ومضت في عقل أحمد فكرة فترك الأوراق و سأله : ما فكرت توديه لشيخ يقرا عليه ؟؟ .

رفع تركي رأسه و هتف متعجبًا : شـــــيــــخ ؟؟!!!! .

أومأ أحمد برأسه : حسب خبرتي و حسب ما أسمع .. أغلب هذي الأمراض تكون من العين .

دقق تركي النظر في أحمد و قال بحذر : متأكد ؟؟.

هز أحمد كتفيه مجيبًا : أولاً .. بغض النظر إذا كانت عين أو لا .. ( وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَاراً ) .. و ثاني شي .. جرب و ما راح تخسـر و لـ

و بتر عبارته و هو يتذكر شيئًا : و لاّ أقلك

سأله تركي باهتمام : ايش ؟؟ .

وضع أحمد يديه المعقودتين تحت ذقنه و قال: أنا أعرف شيخ ممتاز .. كثيرين بفضل الله تعافوا بعد قرايته .. بس .. هوا حاليًا فـ بريطانيا .

رفع تركي أحد حاجبيه في تساؤل فابتسم أحمد مبررًا: ما شاء الله عليه .. جامع بين علوم الدين و علوم ثانيه .. تخصصه حاسب و دحين يكمل الدكتوراه هناك .. و بما إني راح أسافر قريب إن شاء الله .. اش رايك أوديه أنا .. ؟؟ و أتابع معاه العلاج الكيماوي في المستشفيات اللي هناك .

صمت تركي للحظة.... يصعب عليه أن يفارق البراء ، ابنه الذي لم ينجبه .. قطعة من قلبه لا يستطيع أن يفارقها و من الصعب كذلك أن يغادر الوطن في هذا الوقت الحرج الذي تشتعل فيه حربه مع ساميه و ينتظر فيها القبض على من تبقى ، و لكن صحة البراء فوق كل شي .. و هو مستعد لبذل الغالي و النفيس ليعود صحيحًا كما كان ، اكتفى بقوله : أشوف .

غير أحمد دفة الموضوع و هو يرتب الأوراق المبعثرة : و متى راح ينتهي ترميم القصر ؟؟ .

نهض تركي من مكانه و توجه إلى طاولة الضيافة الطويلة : قالولي شهرين على الأقل و هذا مع الضغط .

أخذ يسكب كوبين من عصير البرتقال ، و أحمد يحك ذراعه في توتر ..كان يشعر بارتباك شديد فكيف سيفتح الموضوع ؟؟ .

قلّب الأفكار في رأسه قليلاً و تركي يقدم له كوب العصير ، سأله و هو يأخذ الكوب: و البراء .. نايم ؟؟ .

ابتسم تركي و أجابه و هو يعود للجلوس : لا .. مع جيجي يسلّون بعض .

ابتسم أحمد .. أتته من الله .. قال برقة متعمدة : ربي يسعدها .

رفع تركي بصره بحدة فحرك أحمد حاجبيه : حررررر .. خطيبتي و أنا حررر .. عندك مانع ؟؟.

أمسك تركي بعلبة المنديل و ألقاها على وجه أحمد هاتفًا بمرح : يا قليل الدسم .

انفجر أحمد بالضحك و هو يدفع العلبة بيده ، و ارتسمت ابتسامة سعادة واضحة على شفتي تركي وهو يضع كوب العصير على الطاولة أمامه و يقول :

يعني راح ترجع لوظيفتك القديمه .. الوحش حمّودي .

قهقه أحمد .. فهذا هو اللقب الذي كان تنعته به جوري ، حافظ تركي على ابتسامته و هو يشبك أصابعه كأنه يستعد لمحاضرة طويلة : كانت تحكيلك كل شي .. و انتا ما شاء الله عليك بالك كان وسيع معاها تتقبل نقها و زنها و شكاويها اللي ما تخلص .

و استطرد و هو يتذكر تلك الجورية الرقيقة : مليت جانب في حياتها ما كان أحد يهتم فيه لا أنا و لا الوالد الله يرحمه ولا

بتر عبارته ثم أردف و هو يشيح بوجهه : المهم .. أنا ما انتبهت لهذي المشكله الا بعد ما غطت عنك .. سارت البنت كئيبه لا تضحك و لا تتكلم .. زي الأزمه النفسيه .. ما كنت شايل هم الموضوع .. كيفها .. سن مراهقه و بترجع تتعدل .. لكن الصفعه جاتني .. لما وصلت ..

و رفع رأسه محاولاً التذكر ثم غمم : ثاني متوسط .

صمت و أحمد يتابع حديثه و ذكرياته مع تلك الطفلة البريئة تتقاذف إلى ذهنه ، استطرد تركي بحزن خفي : كنت في غرفتي أقرا .. ما دريت إلا و هيا تدق الباب .. فتحتلها و تفاجأت بمنظرها .. كانت .. مصروعة من البكا .. أول مره أشوفها بهذي الحاله .. جلست أهدي فيها .. أسألها .. اشبك .. علميني .. أحد مضايقك ...

و زفر أخرى و هو يلتفت إلى أحمد : تعرف اش قالتلي ؟؟؟؟.

لم يرد عليه أحمد بل اكتفى بالنظر إلى عيني تركي الذي قال : أنا .. أبغى أكلم أحمد .

ظهرت الدهشة على وجه أحمد ، و استطرد تركي و عقله يسبح في متاهات الذكريات : كأنها صفعتني على وجهي .. أحمد مره وحده ؟؟؟!!!!!!!!.. اللي أثر فيني .. إني جاف معاها شويه .. تجي و تقلي إنها تبغى تكلم صاحبي !!!.

صمت للحظة وبصره شارد بالأرض ، ثم أردف : حسيت فـ هذيك اللحظه قد ايش أنا مقصر فـ حقها .. قد ايش مقصر معاها فـ كل شي ، هدّيتها .. إلين رضيت بالأمر الواقع و إنها لازم تنساك لأنها صارت بنوته كبيره .

ابتسم بحنان و هو يقول : صرت قريب منها .. ما أقول لا .. و يمكن هذي نقطة التحول اللي جمعتنا .. لكن .. مستحيل أصير زيك يا دكتور أحمد .. و مهما حاولت .. ما راح أكون فـ مهارتك .

نظر إلى وجه أحمد .. يريد أن يستشف شيئًا من وقع الحديث و أردف : هيا ما تتكلم ولا تفتح فمها .. لكني أحس فيها .. رغم كل شي .

صرف أحمد بصره إلى جهةٍ أخرى و مشاعر مختلفة تتداخل في عقله و قلبه .. تلك الرقيقة الجميلة .. التي تركها بعد أن عاش معها طفولتها المرحة .. كلمات كان يحادثها بها ينشد التخفيف عنها ، تشجيعها ، بث الطمأنينة إلى روحها المرهقة .. كلماتٌ نسيها هو .. لكنها كما يبدو رسمت أجمل ذكرى في عقلها و قلبها البريء .. يااااه يا جوري؟؟!!! .. صارعت المر مع تلك الشرسة التي يخجل المرء أن يطلق عليها كلمة أم . طوال البارحة و هو يفكر كيف استطاعت تلك الطفلة الرقيقة أن تتحمل مر الخبر ووقعه الأليم الموجع .. و الآن .. تركي يكشف له أشياء لم تخطر على باله قط .

ابتسم تركي عندما رآه شاردًا ثم أطرق برأسه و هو يقول : بعد إذنك يا أبو حميد .. عندي طلب بسيط قبل ما نتفق على الموعد .

انتفض أحمد و هو يلتفت إليه هاتفًا : آمر .

أخرج تركي هاتفه الذي يرن ثم أحاله إلى الصمت بعد أن رأى الرقم و وجهه بصره و حديثه إلى رفيقه : طبعًا الوقت ما بيساعدنا نسوي ملكه و زواج .. خصوصًا إنه سفرك قريب ، المهم .. أنا ما أدري هذيك الشيطانه اش ممكن تسوي لو وصلها خبر ، لأني شاك إنها ناشره عيونها هنا أو هناك .. فـ .. أتمنى يكون الزواج عائلي و مصغر .. عشان أطمّن عليكم و أضمن إن شاء الله إنه ما يسير شي .

أومأ أحمد برأسه في تفهم و قال : أبشر يا أبو رحم .


.


.


و بعد أن غادر أحمد ، توجه إلى غرفة الألعاب الخاصة بالبراء ، كانت أصوات ضحكهما تملأ المكان .. و تنشر الحياة في الأركان الصامتة .

دلف إليها ورفع حاجبيه ليجدها تركض حول بيت الكرات و البراء يلحق بها أين ما ذهبت ، صاحت في مرح شديد و هي تضحك : برّووووووو.. خـــــلااااااص .. تـــــــــعـــبــت .

عقد تركي يديه أمام صدره هو يتأملهما في سعادة ، لم يكن يتصور أن موافقة أحمد ستريحه بهذا الشكل .. أخيرًا .. سيطمئن على مستقبل شقيقته الوحيدة ولن يتبق إلا هم البراء و عمته

....: تركـــــــــــــــيييييي .

انتشله صوتها من غمرة أفكاره ، اختبأت خلفه هاتفة : امسكه الدب .

انحنى تركي و حمله بين ذراعيه فأطلق صيحة مرحة ، هتف تركي بعدها : انتي الدبه اللي تعّبتيه .. شوفي كيف يلهث .

شهقت جوري و هي تلهث أيضًا : أنـ ـ ـ ـ ـ ـااااااااااا ؟؟!! .

ابتسم تركي و هو يمسح على شعر البراء بحنان : تعالي معايا .. أبغاكِ شويه .

جمعت خصلات شعرها المتناثرة و هتف بأنفاسها المخطوفة : اش فيه ؟؟ .

توجه تركي إلى الخارج و هتف : تعالي و انتي ساااكته .

ركضت خلفه و هي تصيح بصوت طفولي : توتووووو .. و الله من جد ما فيني أجري وراك .

سار إلى جناحه دون أن يلتفت إليها ، فزمجرت بحنق و هي تلحق به : ما أقوووول إلا الله يعين زوجتك عليك يا فريزر .

ارتسمت على شفتيه ابتسامة باهتة و هو يفتح باب جناحه و يتوجه إلى برّادة الماء متوسطة الطول ، أمسك بكوب على شكل دب كرتوني على الرف إلى جوارها ثم قرب الكوب من مخرج الماء البارد و ضغط على المفتاح ليصب الماء في الكوب و من ثم نقله إلى مخرج الماء الدافئ وفعل المثل ، رفعه إلى شفتي البراء و هو يقول : بسم الله .

أخذ البراء يتجرع الماء بشراهة ، و جوري تقترب من البرادة : طيب عبّر أختك المسكينه .

أخذت كوبًا آخر ، و بعد أن ارتوت جلست أمام تركي الذي يربت على ظهر البراء المستكين في حجره ، هتفت : هاه ؟؟ .. اش عندك يا عمّ ؟؟ .

تطلّع إليها للحظة ، ثم قال بهدوء و بلا مقدمات : جاكِ عريس .

انتفض قلبها بين ضلوعها و نظرت إليه بصدمة حقيقة و لم تنطلق من بين شفتيها .. كلمة ..

قال بذات الأسلوب متعمدًا تجاهل ردة فعلها : و وافقت و زواجك قريب .

تطلّعت إلى عينيه و الخبر يكتسح روحها بنيران محرقة ، غصة كبير غرست أنيابها في حلقها و دموع محرقة تجمعت في عينيها ، كتم مشاعر تأثره في صدره و هو مستمع باللعب عليها .

ابتلعت غصتها بصعوبة و اغتصبت رنة مرحة لا تعكس امتقاع وجهها : كذاب .. بس تبغى تحرق دمي و مو عارف كيف .

و نهضت و هي تصفي صوتها من الدموع : إذا جاتك أخبار صاحيه علمني .

و أشاحت بوجهها مغادرة المكان ، لكنها شهقت عندما أمسك بذراعها ، التفتت إليه في حدة ليصدمها منظره الصارم و كلماته الجافة : من متى كذبت عليك ؟؟؟!!.

حارت و هي ضائعة في عينيه و الدموع تتساقط أنهارًا على وجنتيها ، هزت رأسها بانهيار هامسة بصوت متحشرج : مستحيل أتخيل إنك تسوي شي زي كذا .. مستحيل أخويا حبيبي اللي رباني و حن عليا طول حياتي أكثر من ماما يسوي شي زي كذا .

خفق قلبه بتأثر شديد فلانت ملامحه و هو يضم طفلته إلى صدره و يغلق عينيه اللتين تفضحان شعوره ، انخرطت في بكاء حار و هي تشعر بحنانه الذي ظنته تلاشى من تلك النظرات و تلك الكلمات ، حنان خشيت أنه كان خدعة كحنان والدتها الزائف الذي لم تعرف منه إلا القليل .

ربت على ظهرها و هو يفتح عينيه و يهمس بمرح : هاه .. تبغين الدكتور أحمد يبهذلني عشنّي بكيّت خطيبته ؟؟ .

تصلب جسدها بين ذراعيه و اختنقت دموعها مع سيل الشهقات و الأنين ، ابتسم .. و لم يشأ أن يحرجها أكثر بعد أن أطاعت أمره بالابتعاد عنه ، و لم تحاول محادثته أو مقابلته .. بل أخفت كل ذلك في قلبها البريء و نثرت مشاعرها على الورق .

أبعدها عنه برفق و أدراها ليقابل وجهها الباب و أردف بذات النبرات المرحة : يلا يا خطيبة حمّودي الوحش .. روحي غرفتك و على المغرب بتجيكِ مس نرمين عشان تبدأين تجهزين معاها .. لأن خطيبك مسافر بريطانيا قريب و بتروحين معاه .

ركضت إلى الخارج دون أن تنطق ، ركضت و كل شيء يتداخل في عقلها

■ ■ ■ ■ ■

: خطيبة حمّودي الوحش

: تبغين الدكتور أحمد يبهذلني عشنّي بكيّت خطيبته

■ ■ ■ ■ ■


تفجرت دموع جديدة من عينيها و تحررت صرخة باكية مكتومة انبعثت من بين شفتيها و هي تلقي بجسدها على سريرها


■ ■ ■ ■


1417 هـ


على العشب الأخضر في حديقة القصر الغناء ، تحت أشعة الشمس الباردة ، تطاير شعرها الأسود خلفها مع نسمات الهواء العليلة و هي تضحك في مرح : حمّوديييييييي يالــوحششششش .

لحقها ركضًا و هو يهتف : انتي اللي جبتيه لنفسك .. ما في أحد يضربني و يشرد .

ركضت مبتعدة عنه و وجهها يشرق بسعادة عميقة و وجنتاها تتلونان بالأحمر الدافئ ، لهثت و هي تقول : خلااااااااص و الله تعبـــــــــــت .

ابتسم و توقف عن الركض فتوقفت هي بدورها و التفتت إليه قائلةً بتوجس : ليييييش تضحك ؟؟؟.

اتسعت ابتسامته و هو يقول : مين قال اني أضحك ؟؟ .

وضعت يديها على خاصرتها و أنفاسها متسارعة من الركض: شوف أسنانك بااااينه .. بعدييييييين .. ليش حاط يدينك ورى ظهرك ؟؟؟؟؟؟؟؟!!! .

ضحك في مرح و رفع إحدى يديه أمام وجهه و

: آآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآه

صرخت و هي تغطي وجهها بيديها : لااااااااااا .. إلا مسدس المويـــــــــــــــييييييييه يالوحشششششششششش .


■ ■ ■ ■


احتضنت وسادتها بين يديها .. من يصدق ؟؟ أحمـــد ؟؟!!! صديق طفولتها ؟؟!!! رغم أن الفارق بينهما يوازي العشر سنوات ؟؟!!!! أحمد ؟؟!!!!! من كانت تشكي له و تبكي عنده ليخفف عنها بكلماته الهادئة الحنونة .

صحبتها ذكرياته في كل حين و لم تفارقها للحظة .. ترك بصمةً في حياتها جعلتها تذكره بأطيب الأخلاق و أسماها .. في كل شيء كان تتذكر أحمد و نصائح أحمد و ماذا كان يقول أحمد ..

أحمد ..

أحمد ..

أحمد ..

و لكن كل ذلك كان في قلبها الصغير فقط ، تخفيه في قلبها الحالم الذي ينبض بكل الرقة و البراءة و الآن و فجأة !!!.. يتحقق حلمها !!!!!!.

ستقابل أحمد من جديد و ستستمع إلى كلماته من جديد لا .. بل ستعيش معه تحت سقف واحد ، ستصبح نصفه الآخر .

أغمضت عينيها بقوة تحاول أن تسيطر على خفقات قلبها المتسارعة ، و حيدة .. تستقبل هذا الخبر ، لا أم تفرح لها و لا أب يربت عليها و لا شقيقة تشاكسها .

شهقت و تفجرت دموعها غزيرة : لا .. لا .. فيه .. فيه أخويا حبيبي ..تركي حبيبي .. و فيه البراء .. و مّرومه ..و فـيه .. أحمـ

انفجرت تبكي مرةً أخرى و هي عاجزة عن التصديق بأن الحلم .. تحقق أخيرًا .


@@@@@@@@@@@@@






جده


فيلا أبو أحمد


00 : 7 مساءً


والده و والدته و شقيقته ( مروج ) والدة ساره و ساره نفسها ، نقل بصره بينهم .. كانوا منشغلين بأحاديث مختلفة ، حمحم حتى يجذب انتباههم فالتفت إليه الكل ، سأله والده المسن : هاه يا دكتور اش عندك ؟؟ .

ابتسم أحمد و هو يعتدل في جلسته : كل خير يا أبو عبد الله .. أنا .. نويت أتزوج .

صرخت ساره في فرحة و قفزت عليه لتضمه : واااااااااااااااااااااه .

زغردت والدتها بفرحة أكبر فضحك أحمد بصوت مخنوق وهو يحاول أن يدفع ابنة شقيقته : سويــــــــــــــــييييييييره ... انــــــــــــقــــــــــــلـــعـييي .. خـــنـقــــتــــيـــــنـــيي .

ابتعدت عنه و أخذت ترقص بحركات جنونية و هي تصيح بلحن قديم : عـــــــــــــــريــســنـــا يـــا بدر بـادي طــــــــــــابــت لــيــالــيــك الـــســرور .. عـــريــســنــا يــا بــدر بـــادي زانــت لــيــالــيـك الحضووووووور .

دمعت عينا والديه و لم ينطقا بشيء و تعالى صوت ضحكةً رجولية في المكان : و أخــــــــــييييييييييييرًا .. آخر العنقود بيتزوج !!!!!!!!!.

التفتت أحمد إلى شقيقه الأكبر أبو عبد الله و هتف بسعادة : شفت كيف ؟؟ .

: مـــــــــــــــــــــين ؟!!!!!!!!!!!!!!

التفت أحمد للقادم الجاحظة عيناه بفرحة طاغية ، و الذي هتف من أعماق قلبه : خالي عبقرينو بيتـــــــــــــــــــــــزوج ؟!!!!!!!!!.

و قفز هو الآخر في فرحة غامرة وسط ضحك البقية ، ضمه إلى صدره و هو يصيح: أخــــــــــــــــيرًا.

انفجر أحمد بالضحك و هو يدفعه : هااااااااااااااانييييي .. خليني أخلص كلامي بعدين اخنقوني زي ما تبغون .

ابتعد عنه هاني و أخذ يقفز في مكانه و يهتف مداعبًا : أخيييييييييرًا بتفرنقع إلى الجحر الذهبي و أنا بلحقك .

جره أبو عبد الله مع قميصه و هو يهتف : يا ولد اهجد و خلي خالك يكمل كلامه .

سألته ساره بخبث : حاط ف بالك وحده ولا

قاطعها أحمد على الفور : لا ارتاحي و لا تتعبين عمرك .. اخترتها و ما أبغى غيرها .


هتف هاني و والدته : يـــــــــــــــــا عـــــــــــــــــــــيـــنـــييييي .

سأله والده باهتمام : مين البنت يا ولدي ؟؟ .

ابتسم أحمد مجيبًا : أخت تركي بن الوليد .

شهقت ساره في صدمة عنيفة فالتفت الجميع إليها ، تمتمت بعينيها الجاحظتين : جــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ــ ــوووري!!!!!!!!!!!!!!!

أومأ أحمد برأسه ..

: وااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااا اااااااه

غطى الجميع أذانهم و هتفوا بانزعاج مستنكر : ســـــويـييييييييييييره !!!!!!

فكت ربطة شعرها ثم نفشته بقوة و هي ترقص و تصيح : و مــــــــبـــــــاركٍ عــــــــرس الاثـــــنــيـن .. لــيــلـة خــمــيـ

و أخذت تقفز إلى خارج الحجرة و هي تغني بفرحة هستيرية : و برووووووووووح أكلم خالة العرووووووووووسه .

هز هاني رأسه في أسف ، و أبو أحمد يقول باسمًا: كلمت أخوها يا أحمد ؟؟.

التفت إلى والده قائلاً : ايوه .. و أعطاني موافقته .. باقي نتقدم رسمي .. بسسس .. عندي طلب و أتمنى ما ترفضونه .

اعتدل والده في جلسته و قال : قول اللي عندك يا ولدي .

رتب أحمد الكلمات التي سيقولها ، يدرك جيدًا أنهم لن يتقبلوا الموضوع بسهولة ، تحدث بهدوء : آه .. أبغى زواج عائلي مصغر .

صاحت أم هاني في استنكار : ايـــييييييييييش.. الدكتور أحمد بجاهه و منصبه .. يتزوج زواج عائلي ؟؟!!!!!!!!!!!! .

نظر أحمد إلى وجهها و غمم : أم هاني .. أنا شايف اني مرتاح بهذا القرار .

همّت بالحديث و لكن سؤال أبو عبد الله قاطعها : تتوقع أخوها راح يوافق ؟؟.

ابتسم أحمد قائلاً: أكيد .

اقتربت منه أم هاني بترقب و قالت باهتمام : اش اللي يخليك واثق ؟؟. تركي بن الوليد بكبره بيزوج أخته زواج عائلي ؟؟ .. على مين تكذب يا أبو حميد ؟؟.

زفر أحمد و هو يقول بسخرية : على نفسي .

رفعت حاجبيها بتساؤل فتابع بجدية : لا تعقدين الموضوع يا أم هاني .. الرجال موافق و خلاص .

لم تجادله بل اكتفت بالنظر إلى والديها الصامتين ، نهض أحمد من مكانه و قبّل رأسيهما قائلاً : يا نور عيوني انتو الثنين .. عشان خاطري بس .. و الله اني مرتاح كذا و ما أبغى زواج كبير .

لم يظهر الاقتناع على وجهيهما ، شعر بالأسى يتسلل إلى قلبه و لكن كلمات شقيقه أنقذته : أبويه .. أحمد رجال و يدري بمصلحته .. ما أشوف فيها شي لو طلب زواج بسيط .

التفت أحمد إلى شقيقه في امتنان فتحدثت والدته بنبرة حزينة : ايوه.. بس يا ولدي .. نفسي أفرح به .

ضمها أحمد إلى صدره و هو يبتسم : و مين قال إنك ما بتفرحين فيني يا قلبي .. سويره المطفوقه ما بتقصر هي و أمها و بيزبطون الموضوع تمام .. و بعدين لسااا .. با قيليك تزوجين عبدالله و أخوانه .. و عيالي إن شاء الله .

دمعت عيناها و هي تهمس : إذا كنت حيه .

مسح أحمد دموعها و هو يقول بحنان : الله يعطيك طولة العمر يا عمري انتي .

شعر بضرب خفيف على كتفه فالتفت إلى الوراء ليجد ساره واقفة ، تحرك يدها بلا .. و عيناها ترسمان ابتسامة خبيثة ، سألها و هو يرفع أحد حاجبيه : يمه منك يا منفوشه .. اش تبغين ؟؟ .

ابتسمت ابتسامة صفراء و هي تتمتم : خزّن الكلمات الحلوه للعروسه .. ما فيني أشحن دماغك قبل الزوا آآآآآآآآآه

صرخت عندما جر خصلة من شعرها الطويل و هو يهتف : وجــــــــــهـــــك مغـســــووووووول بسفن عفن .

صاحت في ألم : خالوووووووووووووووووووووووووو ؟؟؟؟!!!!!!!.

أيده هاني شامتًا و هو يصفق بيديه : ايوه .. إيوه .. كمان يا خالي .. كمان .. خليها قــــرعــه.

حررت خصلة شعرها من يده و هي تصيح بحنق : يالمجرررررررررررم .. و الله لعلم جوري .

و مدت لسانها قاصدةً إغاظته فأشاح ببصره بلا مبالاة مما جعلها تقفز غضبًا إلى خارج الحجرة : آآآآآآه.

التفت إلى والديه و قال : هاه .. نقول تم ؟؟؟.

ابتسم والداه ليبثا الراحة في نفسه و نطقا معًا : تم .


.


.



و بعد أن خرج من الصالة ، امتطى السلالم إلى الدور الثاني حيث حجرته ، زوى مابين حاجبيه عندما رأى ساره تقف قرب الباب هتف متسائلاً : سويره ؟؟!!!.

عقدت يديها أمام صدرها و هي تتطلّع إليه بقلق ، اقترب منها و هو يقول : اشبك ؟؟ .. دوبك كنتِ تناقزين زي الأرنب .

زفرت و هي تقول بلا مقدمات: اش قلك على رهف ؟؟.

تغيرت ملامح وجهه و هي يشيح ببصره إلى الجهة اليسرى قائلاً : ناقشته قد ما أقدر و ما أخذت منه شي يفيدك .

همّت بالانفجار في وجهه إلا أنه استوقفها بقوله : أنا أعرف تركي .. مستحيل يسوي اللي سواه اللي لشي كبير .. هذا أولاً .. ثانيًا .. تأكدي إنه البنت دحين بخير و لا تسأليني كيف عرفت .

حدقت في بصدمة .... هو نفسه عاجز عن تفسير ذلك الشعور القوي الذي ينتابه .. شعور بأن رهف بخير و أن تركي يرعاها ، لا يدري مالسبب ؟؟ أهو ندم التمسه في تعابير تركي أو كلماته .. أم هو شيء آخر .. لا يدري ؟؟!!! .. و لكنه شعور قوي بشأن رفيق دربه .. شعور لم يخطأ يومًا .

هزت رأسها في تفهم و هي تقول بخفوت: نشوف يا خالي .. على كل حال ربي ما يسيّب الظالم .

عقد جبينه و هي تمر من جانبه و تردف بذات النبرة الغريبة : و صدقني لا أهلها و لا مرام بيسكتون كثير .

صمت للحظة و هو يتابعها ببصره حتى اختفت ، ثم همس : و تركي أكيد بيعطيهم الإجابات قبل ما يتكلمون .


@@@@@@@@@@@@@@@@



الرياض


فيلا أبو ياسر


00 : 8 مساءً


سقطت فرشاة الرسم من يدها و تناثر اللون الذي تحمله على أرضية الحجرة ، رمشت عيناها بصدمة قاتلة و ارتعدت شفتاها الجافتان ، ضاقت عيناه بحزن دفين و هو ينظر إلى شعرها الأسود الحريري المقابل لوجهه .. ثم زفر و هو يشيح ببصره قائلاً : عروب يا قلبي .. هذا شي كان لازم تتوقعينه في أي لحظه .

انحدرت دموعها على وجنتيها تعزي قلبها الجريح ، تعزيها بمصيبة جديدة وقعت على رأسها .. بعد الأخ و الأب و الطبيب .. حتى رجال التحقيق الذين لا زالت تراهم في كوابيسها .. يسقط غطاء طهرها الآن أمام ابن عمها ..؟؟!!! .. رباه !!!! .
قبضت على أصابعها و الدنيا تسود في وجهها .. زواج ؟؟!!!!!!.. قطعت التفكير به تمامًا .. خنقته بدموعها و شهقاتها .. طعنته بسكين الحادث المرير .. غسلته بدماء جراحها لتطمس معالمه من عقلها و كيانها .. و الآن .. الآن يعود .. لا .. بل و بعد أن فُضح أمرها أمام المتقدم .. و هذا يعني الموافقة الكلية من قبل والدها .. هذا يعني .. لا أمل بالرفض .. و لا أمل بقول لا .. فمن سيستمع لها ؟؟ من ؟؟ ... هي عبء الآن و عالّة عليهم .. و الحل فقط أن يوجد من يقبل بها .. يستر عليها .. حتى لا يقتلها الحديث السقيم و لا تحرقها النظرات المؤنبة .. لِمَ ؟؟؟.. لجرم لم ترتكبه .. لفعل شنيع لم تسعى إليه .. بل انتزع منها براءتها و رقتها عنوة في عقر دارها و تحت جنح الظلام .
أتجثو على ركبتيها و تبكي بصمت ؟؟؟!! أم تركن إلى الصراخ و العويل ؟؟ ماذا تفعل و كل ما في داخلها ينهار .. يذوب احتراقًا تحت وطأة الخبر .. رباه؟؟!! .. أي ألم ذاك الذي لا ينتهي ؟؟ .. بل أي دموع تلك ستغسل ما في القلب من حامضٍ ملأ الجراح فزادها تهيجًا و اشتعالاً ؟؟.

: عروب ؟؟!!!

أحست بوجوده قربها .. لم تتمكن من النطق ، لسانها ملتصق بسقف حلقها من شدة الألم و الحزن .. أخذت تهتز من فرط البكاء و أصابعها تقبض على قميصها بكل ما أوتيت من قوة .

كان يشعر بشهقاتها تمزق قلبه .. أخته الصغرى الغالية على قلبه تعيش هذا الموقف و لا يدري ماذا يفعل ، ربت على كتفها بعطف و قال: استهدي بالله يا عروب .. استهدي بالله ..ما ابتلاك إلا لحكمه .. هو أعلم بمصلحتك من نفسك .. هو أرحم بك من أمك و أبوك .

مست الكلمات وترًا حساسًا في قلبها .. فتعالى صوت بكاءها و نحيبها و تحرك لسانها ببطء:يا حبيبي يا ربي.

شهقت بعنف و هي تركض إلى سريرها لتدفن وجهها وسط تلك الوسادة التي احتملت دموعها ليالي و أيامًا .. تواسيها بصمت و تكتم ما تعطيها في عمقها بإخلاص ، اعتصرت الوسادة بين أصابعها حتى اصفرت و لم يمهلها الكثير حد الاختناق ، بل جلس على طرف الفراش و جذبها مع ذراعها ليرفعها عن الوسادة مغممًا : قومي .. ذبحتي نفسك بالبكا .

ضمها إلى صدره و جعلها تفرغ الباقي من دموعها على ثوبه و هو يقول بحنان أبوي : انتي واثقه من نفسك انك ما سويتي شي غلط .. ليش تبكين ؟؟.

صاحت بمرارة وجسدها يقشعر من قربه ، انتفضت رغمًا عنها و انتزعت نفسها من بين ذراعيه و هي تصيح بدموعها المتفجرة : يــــــــااااااسر .. يــــــــعـــنـي واش تــبـيـنـي أســـــــوي ؟؟؟.. بــتـــزوجونـــي بـــالــغــصـب .. واش أســــــوييييي .. عــــــــلــــــمنييييييييي ..أحـــــــــس نــــــــفــســي بــمـــــووووت .

غمم مهدئاً : من قال بنزوجك بالغصب .. ؟؟ .. عمي أبو نواف خطب و علمتك بالموضوع .. و بس .

نظرت إلى وجهه بأمل و همست بعد برهة : يـــعـنـي .. بــقــدر أرفــض ؟؟ .

صمت للحظة .. و كلمات والده تتردد في أذنه ..

■ ■ ■ ■


: قلتلك .. إذا وافق ما يهمني رايها .

~

: ما بتحصّل رجال كفو مثل عزام يصونها و يستر عليها .. .. و مستحيل تجلس بلا زواج .. أنا ما عندي بنات يعنسون .

■ ■ ■ ■


ابتسم بحنان و قال: بالأول جاوبي على سؤالي .. الحين رفضك لعزام لأنه عزام .. أو .. لأن ما ودك تعرسين ؟؟؟ .

شهقت بانكسار هاتفة : كنك ما تدري .. شلون تبيني أتزوج .. علمني .. وشلوووون ؟؟؟؟!!!!!!!.

غطت وجهها بكفيها و هي تبكي فمسح على شعرها بحزن و قال: عروب.. ورقه الإثبات عندك و عزام رجال و النعم فيه .. و إن وافقتي فالزواج بعد سنه .. ليش خايفه ؟؟؟؟! .

اشتد بكاءها و صرخت في قهر و هي تشعر بالاشمئزاز من مواساته: انــــــــت مـــــوب فــــــاهـــم شــــــي .. مـــوب فـــاهــم شــــــــيييييي .

وضع يديه على جانبي رأسها و قال بحزم : امبلى .. فاهم .. و الله فاهم .. بس يا عروب أبوي مستحيل يخليك تجلسين كذا .. فلا تضيعين عزام من يدك .. لا تضيعينه .. أنا أضمنه لك و الله أضمنه .. عزام أحطه على يميني .. صدقيني ما بتلاقين أحسن منه .

انتفضت في لوعة و ابتعدت عنه و هي تصرخ :لاااااااااا .

أغمض عينيه في ضجر و قال : عــــــروووووووب .

صاحت من أعماق قلبها : يـــــااااسر .. خــــلاااص .. خــــــلــنـي بـــــروحــي .. و اللي يـــخــلـــييييييك.

نظر إليها بألم و غمم : بس عـ

قاطعته من بين دموعها : أدري .. أدري انه رجال طيب .. بس .. أنـ .. أنا ما أقدر .. ما أقدر .. و الله ما أقدر .

سألها بنفاد صبر : ليييش ؟؟ .

عضت على شفتها بحنق و من ثم هتفت بحرقة : أكــرهـــــــــه .

قطب حاجبيه في استنكار فأردفت باكية : أكرهه .. ما أطيقه .. ما أبي أشوفه .. أحس بنار تكويني كل ما تذكرت شي يخصه .. و مو بس هو .. لا .. أي رجال .. أي رجال .

و ألقت بنفسها على سريرها و هي تصرخ : اطلع براا .. اطلع براااااااااا .

هز رأسه في أسى و هو ينهض من مكانه .... و خرج من حجرتها بصمت .


@@@@@@@@@@@@@



جده


فيلا تركي


00 : 10 مساءً


دلف إلى الصالة الرئيسة في الدور الثاني : هاه .. كيف العروسه ؟؟ .

ترك البراء كل ما في يده من الألعاب و ركض باتجاه تركي كعادته أما هي فقد تخضبت وجنتاها بحمرة الخجل و أشغلت نفسها بتصفح المجلة بين يديها ، جلس إلى جوارها و البراء في حجره و سألها: ساعدتكِ مس نرمين ؟؟ .

أومأت برأسها : ايوه .. الحمد لله .. اهتمت بكل شي .

تأملها بحنان ، الفرحة تطغى على جنبات قلبه ..أخته الوحيدة و أعز أصدقائه سيجتمعان قريبًا .. برباط مقدس ، نظرت إليه من طرف عينها ثم صاحت في خجل و هي تغطي وجهها بالمجلة : تـــــــــــوتووووووووووو .. لا تطالع فيني كذااااا .

ابتسم بمرح أما البراء فنزل إلى الأرض و أكمل لعبه بين الدمى ، سألها تركي و هو يسحب المجلة من بين يديها : زعلانه ؟؟.

زوت ما بين حاجبيها و هي تلتفت إليه قائلةً : زعلانه؟؟!!! من ايش ؟؟.

تصفح المجلة و هو يغمم : لأن الزواج عائلي .

أمسكت بكفه فرفع بصره إليها ، تمتمت برقة : أبدًا .. يكفيني إنك جنبي .. و فرحان عشاني .. أنا كذا أحس إنه زواجي راح يكون أحلى زواج في العالم كله .

ابتسم و هو يمسح على شعرها قائلاً : الله يوفقك يا بنتي .

ترقرقت الدموع في عينيها و لكنها ضحكت في مرح تمنع نفسها من البكاء : خلااااص يا باباااا .. راح تبكّيني .

أشاح بوجهه إلى اليتيم و قال : ما راح أوصيكِ على البراء .

هزت رأسها نفيًا و هي تلتفت إلى البراء : ترى أزعل .. هذا أخويه الثاني ولا أقلك .. هذا ولدي .

و ضحكت في مرح ، اتسعت ابتسامته و رفع هاتفه الذي يرن ، ضغط على السماعة الخضراء : ألـــو ......... مـــــــــيـــن ؟؟.

زوى ما بين حاجبيه و اسمها يتردد في عقله

** مـــــــــــــــــــــــرام ؟؟؟؟!!!!!!!!!!!!!!!!!!! **

كان يهم بالرفض .. لكنه تذكر جوري و أنها تحتاج إلى من تقف إلى جانبها في هذا الوقت بالذات ، رد على الحارس : ايوه .. دخلها .

أغلق هاتفه ثم نهض من مكانه ، هتفت به جوري : لحظه .

التفت إليها : نعم ؟؟.

أشارت إلى المقعد بجانبها : اجلس .. أبغى آخذ رأيك .

جلس و هو يهتف متسائلاً : رأيي ؟؟ .

فتحت المجلة و أشارت إلى فستان زفاف رائع الجمال : شوف .. أنا اخترت هذا .. بس هيا قالتلي في منه لونين .. الأبيض .. و السكري .. اش رايك ؟؟ .

ابتسم و هو يتأمل الفستان : و الله يا قلبي .. أنا مالي فـ هذي الشغلات .. بس ..

نظرت إليه بتساؤل : بسسس ايييييش ؟؟ .

قال برقة : حلات العروسه بالأبيض .

عضت إصبعها السبابة في حيرة و غممت : و الله ؟؟ .

أومأ برأسه ..

: مــــــــــــــــــرحـــــــــــــــبــااااااا.

التفت بحدة إلى مصدر الصوت و صرخت جوري بفرحة عارمة: خالتوووووووووووو !!!!!!!!!!!!!!!!!! .

ركضت جوري نحوها و ضمتها بحب هاتفة : مو معقــــــــوووووووووووول؟؟!!! .

ضمتها مرام بحنان دافق و هي تهتف : إلا معقووووووول .. أجّلت سفرتي عشانك ..كم مره راح أشوفك عروسه ؟؟؟؟ .

لمحت ثوبًا مر بجانبها ، أدركت أنه تركي فلم تلتفت إليه ..سألتها جوري في فرحة و هي تبتعد عنها : راح تجلسين عندي ؟؟ .

أومأت مرام برأسها و هي تقرص وجنتها : اييييوه يا عسل .. هاه .. حدد اليوم ؟؟ .

ابتسمت جوري بخجل : مو الأحد هذا .. لا .. الجاي .

همّت مرام بالصراخ فالوقت قصير جدًا .. و لكنها لم تشأ أن تثير الخوف في نفس جوري ، لذلك قالت: أوكييييييي .. يعني قدامنا شغل كثيييير .

قادتها جوري إلى مكان الجلوس و هي تهتف : لاااا .. خلاص .. خلصت كل شي .

رفعت مرام حاجبيها بدهشة : كيف ؟؟!!!!!!!!!!!!!!!!!.

جلستا فأردفت جوري : توتو جابلي خبيرة أزياء .. أخذت مقاساتي و راح تجيبلي كل شي .. من إلى .

سألتها مرام و هي تمسح على شعرها : طيب .. شفتي كيف موديلاتها ألوانها ؟؟.

أومأت جوري برأسها : تجننن .. مررررره حلوه .. و هذي المجله من شغلها .

أعطتها المجلة و هي تستطرد : و كمان .. أختها خبيرة مكياج .. اتكفّلتبه مع العطور .

ابتسمت مرام برقة و هي ترفع رأسها عن المجلة : خلاااص ... يعني باقيلنا حضرة جنابك الكرييييم .

نكست جوري رأسها في خجل فضحكت مرام في فرحة : هااااااه .. بدينا ف حركات العرااايس .

رمتها جوري بالوسادة الحمراء الصغيرة و هي تهتف بخجل : خالتوووووووووووووووووو

غطت مرام وجهها بكفيها و هي غارقة في الضحك ، هزت جوري رأسها ثم تلفتت حولها و هتفت بحزن : خساااااااره .. تركي شال البراء .

لوت مرام شفتيها مغممة : و أنا مع الرجه ما انتبهتله .

اقتربت جوري منها هاتفة: ما عليه .. بعدين تشوفينه .. دحين قوليلي اش راح نسوي ؟؟ .

ابتسمت مرام و قالت: اسمعيني يا ستي

.

.



و في الجانب الآخر و بعد دقائق


على الشرفة حيث الليل الساكن يطغى بهيبته على المكان ، قال في هدوء : و دحين هيا فين ؟؟.

أتاه صوت ياسر من الطرف الآخر : فيلا الجازي .

اتكأ تركي بمرفقه على السور : و آخر كلامك ؟؟ .

زفر ياسر : أمانتك فـ عهدتي الحين يا ولد عمي .. لا تشيل هم .

أومأ تركي برأسه و هو يقول : لا تنسى اللي وصيتك .

غمم ياسر : أبشر .. تآمرني على شي ؟؟.

اعتدل تركي في وقفته : سلامتها ..

: لا تشيل هم .

تنفس الصعداء و هو يقول : تسلم يا أبو مشاري.

: فـ أمان الله .

أغلق تركي سماعة الهاتف و عاد إلى الداخل .


@@@@@@@@@@@@@@@@@@@



الرياض


00 : 11 مساءً


خرج من إحدى مكاتب العقار و هو يتحدث بالهاتف : ايه .. قلتلك السبت الجاي.. أول يوووووم في الشهر الجديد .. خلاص ..... كلمت أبوي ........ نواااااااااااااااااااااااااافووووووووووه .. كل قزاز .

و أغلق الهاتف و هو يزفر بضيق ، كانت سيارته في الجهة الأخرى من الشارع ، تلفت يمنة و يسرة .. الشارع خالي إلا من عدد قليل من السيارات .. سما بالله و نزل إلى الشارع ..... و صل إلى منتصفه و

اندفعت من جهة اليمين سيارة مسرعة اتسعت عيناه و انطلقت قدماه كالريح إلى الجهة الأخرى وصيحات الناس المستنكرة ممتزجةً بصرير إطارات السيارة تخترق روحه ، مالت السيارة نحوه أكثر فقفز فوق الرصيف و من ثم إلى المنطقة العشبية و الدماء تندفع في عروقه بجنون ، التفت بحدة إلى الوراء و إذ بالسيارة تنحرف هربًا إلى الطريق العام ، لم يتمكن من التقاط الرقم بل قبض على كفه و قلبه يخفق بانفعال : حسبي الله و نعم الوكيل .


.


.


صرخ مالك بقهر و هو ينطلق بالسيارة : الــمـلـــــــــــــعـــوو* .. شفت كيف نط ؟؟؟؟؟.

رفع رامي حاجبيه بغيظ و هتف : انت الغبي .. يعني بالله تبيه يتأملك .. أكيد بيتحرك .

ضرب مالك على المقود بعصبية : شكله صويحي .

عقد رامي يديه أمام صدره و هتف بحنق : أكيد حبيبي .. هذا من قبيلة الـ***** .

عض مالك على شفته السفلى و هو يزمجر قائلاً : و أنا مالك الـ****** .. و الله ما بخليه الين أقطعله يد أو رجل .


@@@@@@@@@@@@@@@@@


** الــــــــــــــــخمــــــــــــــيس **


الرياض


فيلا الجازي


00 : 2 صباحًا


انساب صوتها الرقيق في أنحاء الحجرة و هي تتلو أعظم كتاب : ( وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ )

خنقتها الدموع لوقع الكلمات على نفسها ، ابتلعت ريقها و سمحت لكمية كبيرة من الأكسجين بالولوج إلى رئتيها .

انتهت من القراءة ثم أغلقت المصحف و وضعته في المكان المخصص له .. جلست على الكرسي أمام المرآة و أخذت تسرح شعرها البني ..

■ ■ ■ ■


:اعتبري نفسك في بيتك و بين أهلك .. انتي الحين فـ أمان .. هذي الفلة .. فلة الجازي كلها بخدمها وحشمها لك .. بكتبها باسمك .


■ ■ ■ ■


ارتخت يدها التي تمسك بالمشط و عقلها يتحدث

**على الأقل .. هِنا لكِ محرم.. **

ابتسمت بسخرية ..

**أية محرم يا تساهير ؟؟؟؟.. **

تنهدت ..

** طيب .. و لو رفضت .. أروح لتركي بأي صفه ؟؟ هوا أكيد ما بيقصر معايا .. بس .. شكلي بيكون غلط .. لو سويتها .. أحس نفسي .. قليلة أدب **

نهضت من مكانها و جلست على السرير و هي تغرق في تفكيرها أكثر ..

**كيف أرمي نفسي على الرجال ؟؟ خلاص أجلس هنا طالما إنه أبو فيصل راح يعطني المسكن **

استلقت على ظهرها و عيناها معلقتان بالسقف

**أصلاً .. معاد ليا أحد .. ما في أحد راح يسأل عني .. يعني اش المشكله لو جلست هنا ؟؟**

ابتسمت و هي تقول : نسيت شلتي الحلوه .. أكيد شايله همي دحين .

ضمت اللحاف إلى جسدها و هي تردف : لازم أدور على تليفون .

تأملت سقف الحجرة المزخرف بألوان زاهية جميلة و الأصوات تتداخل في عقلها

■ ■ ■ ■


1427 هـ

: يووووووووه من هذا البيت الكئيب .. نفسي أهده و أبنيه مره ثانيه .

: ليش يا بنتي .. الحمد لله إن لك مكان تسكنين فيه.. غيرك مو لاقي .

: ايوه يا قلبي ما اختلفنا .. بس .. نفسي أعدله شويه .

: الله يرزقك بالزوج الصالح اللي يعيشك في أحسن البيوت و أحلاها .


■ ■ ■ ■


ابتسمت بحزن و همست : الله يرحمك يا أمي .

و رفعت اللحاف عن جسدها و هي تنهض من فوق السرير .


@@@@@@@@@@@@@@@@@@


جده


فيلا تركي


15 : 2 صباحًا


وضعت رأسها على الوسادة الباردة و غطت نفسها باللحاف ، كانت مرهقةً جدًا .. قضت وقتًا حافلاً مع جوري ، ضمت اللحاف البارد إلى جسدها أكثر و .. تصاعد رنين هاتفها المحمول ، قطبت حاجبيها في ضيق و هتفت بإرهاق : لااااااااا .. مو وقته .

أتاها صوت جوري النائم : خالتووووووووووو .. قفلي جوالك .

تأففت مرام و هي تمسك بالهاتف و تنظر إلى الرقم .. غريب ؟؟!!!..

01

من الرياض !!!!!!!!!..

■ ■ ■ ■


: و وينها دحين ؟؟.

: في الرياض .. زوجها يشتغل هناك .


■ ■ ■ ■


همست : أبرار ؟؟!!! .

تسلل القلق إلى قلبها و اندفع كل تفكيرها إلى عمّار ، وضعت السماعة على أذنها : ألو

: السلام عليكم .

هبت جالسة وهتفت بدهشة عارمة : تــــــساهــــــــــــــــــيــر ؟؟؟؟!!!!!!.

: ايييوه تساهير يا ميمي .

اتكأت مرام على حاجز السرير : و عليكم السلام و رحمة الله و بركاته .. وين أراضيكِ يالمختفيه ؟؟؟ .

زفرت تساهير و أجابتها : على كوكب الأرض .

لم تبتسم مرام لدعابتها بل سألتها في قلق : اشبه صوتك و اش اللي وداكِ الرياض ؟؟ .

تجاهلت تساهير سؤاليها و قالت : وحشتوني .. دقيت على رهف مقفل و ساره نفس الشي .. ما دريت انكم دجاج .

سرت مرارة رهيبة في جوف مرام عندما تذكرت رهف ، قاومت دموعها قدر الإمكان و هي تسألها بخفوت : كيف أيامك ؟؟.

: و الله يا قلبي .. قصتي .. قصيصه .

رفعت مرام حاجبيها و هتفت : اش صار ؟؟ .


.


.


.


.


و بعد دقائـــــــــــق عديـــــــدة


قبضت على هاتفها المحمول بتوتر و همست : و بــعـــديـــن ؟؟ .

: و بس .. دحين أنا فـ الفلا .

نهضت مرام من فوق سريرها بعد أن اختلست النظر لجوري النائمة و خرجت من الحجرة و هي تهمس : انتي علمتيني بالقصه كلها .. بس ما عرفت أسمائهم .

زفرت تساهير : شوفي أعرف اسمه الأول و لقبه .. بس أبوه ما أدري عنه .

انتفضت أطراف مرام و اسم الشركة يتردد في رأسها : اش اسمه ؟؟ .

: ياسر الـ *****

أغمضت مرام عينيها و ألم عجيب ينبض في قلبها و أصابعها ، تمتمت بحذر : ايوه .. و اللي قابلتوه في المستشفى .. صاحب أخوك ؟؟.

: تركي بن الوليد الـ*****

شهقت مرام و وضعت كفها على شفتيها ، وصلها صوت تساهير الخائف : ميمي .. اشفيييييييييييييييييييه ؟؟ .

ابتلعت مرام ريقها و همست : عرفته .

لم تتلق مرام أي رد ، احتبست دموعها و هي تسير بخطوات سريعة ، جلست على أول مقعد صادفها في الخارج و هي تلهث : رورو ؟؟ .

و لم تنبس تساهير ببنت شفه ، تحشرج صوت مرام المرتعد : رورو الله يخليكِ ردي عليا .

تحررت شهقات تساهير الباكية ، أغمضت مرام عينيها هامسة : يالدبه .. دحين ليش تبكين ؟؟ .

هتفت تساهير بصوت كسير : ما أدري .. ما أدريييييييي .

خفق قلب مرام بين ضلوعها و فتحت عينيها عندما تذكرت أمرًا : لحظه .. اش اسم عمه ؟؟ عم ز

قاطعتها تساهير على الفور : أبو فيصل .

هوى قلب مرام بين ضلوعها و همست : و الفله اللي انتي فيها .. سمّاها شي ؟؟ .

هتفت تساهير بصوتها المهزوز : إيـ ـ ـ ـ ــ ــوه .. الـ ـ ـ ــ ــ ـ ـجــ ـازي.

هبت مرام من مكانها و جسدها ينتفض من فرط الإنفعال : الــــــــــــــــــــجـــــــــــــــــــازي؟؟؟!! ! .

أجهشت تساهير ببكاء عميق : ميمي .. تعرفينه .. الله يخليكِ علمينيييييييييي .

نبض عرق في رقبتها من شدة الصدمة و حارت الكلمات في عقلها قبل أن تنطق بإجابتها بصوت هادئ : ايوه .. أنا خالة أبو فيصل .

صرخت تساهير بصدمة : كـــــــــــــــــــــــــيف ؟؟؟!!!!!!!!! .

وضعت مرام يدها على جبينها و وجنتيها مبللتين بالدموع ، همست مجددًا و الصدمة تخدر جسدها : خالة أبو فيصل يا تساهير .

ازداد بكاء تساهير عن ذي قبل .. و ندت من بين شفتي مرام شهقة باكية خفيفة قبل أن تهمس : لا تخافين .. لا تخافين .. راح أجي بنفسي .

هتفت تساهير في فرح باكي : و الله ؟؟ .

أجابتها بخفوت: إن شاء الله ..هدّي نفسك دحين .. و خليني أروح أجهز نفسي .

هتفت تساهير بلهفة عارمة : طيب .. أستناك ِ.

ابتسمت مرام بضعف و هي تهمس : يلا .. مع السلامه .

أغلقت هاتفها و هي تنهض و تتجه إلى حجرتها مجددًا ، دلفت بهدوء و كل جسدها من رأسها إلى أخمص قدميها يرتعد من هول المفاجأة !!!!!!!!!!!.

بدلت ثيابها سريعًا و هي تُسبّح :

.. سبحان من كتب كل ذلك و قدره ..

..سبحان من عرّف تركي بعادل ..

.. سبحان من جمع تساهير بياسر ..

..سبحانه..

جمعت أغراضها القليلة ثم كتبت رسالة سريعة لجوري وألصقتها على المرآة ، ركضت إلى خارج الحجرة و رفعت الهاتف إلى أذنها هاتفة: ألو .. عــمّار .


@@@@@@@@@@@@@@@@@@@



الرياض

فيلا الجازي

00 : 10 صباحًا

في حجرتها ، تنظر مع النافذة و رجلها تطرق الأرض بتوتر ، فرقعت أصابعها و هي تتذكر ليلة البارحة ، ســــــــجـــــدت شكرًا لله ، سبحانه من لا يرد يدي عبده صفرًا ، سبحانه مجيب دعوة المضطرين .

التفت إلى الباب في حدة عندما سمعت طرقًا: مييين ؟؟.

: مدام .. في هرمه يبغو انتي .

شهقت في فرحة : مـــــــــــــرااااااام .

ركضت و فتحت الباب و من ثم اندفعت نزولاً إلى الدور الأول ، وجدت خادمة الاستقبال واقفة أمام الباب ، حسب تعليمات أبو فيصل لن يفتحوا الباب إلا بأمر تساهير ، هتفت بلهفة و هي تلهث: اش اسمها ؟؟ .

: مارام .

تجمعت الدموع في عينيها و هي تهتف : افتحولها .. بسرعه ..

أومأت الخادمة برأسها و حدثت الحارس مع الجهاز و ما هي إلا لحظات حتى فّتح الباب و طلّت من خلفه تلك المرأة التي أزالت الغطاء عن وجهها ليظهر جمالها الذي لم تنسه تساهير ، تلك التي تسمرت قدماها و هي غير مصدقة لما أمامها ، و ضعت مرام طرحتها على كتفيها لينساب شعرها الأسود بأريحية ، ترقرقت الدموع في عينيها و هي ترى صدمة تساهير .. صديقتها الغالية التي لم ترها منذ قرابة الثلاث سنوات ، فتحت ذراعيها و همست بفرحة مخنوقة : رورو .

ركضت تساهير و ضمتها إلى صدرها بقوة و هي تصيح بشوق كبير : مــــــيــمـــــــــــــيـــي !!!!!!!!!!!!!!!!!!.

انخرطت في بكاء مرير فاحتوتها مرام بحنان و هي الأخرى تبكي ، ضمتها تساهير أكثر كأنها تخشى أن يكون حلمًا .. وهمًا .. سرابًا .. ، من يصدق ؟؟؟ .. مرام صديقتها أمامها الآن ؟؟!!!!!!!!!! .. هنا في الرياض !!!!!.
انتحبت في حرقة و ذكريات الجامعة و أيامها برفقة عائلتها تندفع إلى عقلها ، ذلك الزمن القريب الذي تحن إلى دقائقه و ثوانيه بحلاوتها و مرارتها ، ابتعدت مرام عنها و هي تهتف بمرح : خلاص يا خبلونه .. خليتيني أبكي معاكِ .

تحسست تساهير وجه مرام برهبة ، تثبت لنفسها أكثر بأنها حقيقة و ليست صورةً يرسمها قلبها في سماء الخيال ، خفق قلب مرام في ألم و هتفت : رورو .. و الله أنا مرام والله .

لوت تساهير شفتيها كأنها تستعد للبكاء مجددًا ، كممت مرام شفتيها و هتفت : خـــلااااااص .. ستووووب .

ابتسمت تساهير برقة و بادلتها مرام الابتسامة و هي تهمس : تدرين إنه أبو فيصل يعزك بشكل ما تتصورينه ؟؟.

قطبت تساهير حاجبيها بحيرة و هي تقول : ليش تقولين كذا ؟؟ .

جالت مرام ببصرها في الفيلا التي لم ترها منذ مدة طويلة و قالت : تعرفين مين الجازي ؟؟ .

هزت تساهير رأسها نفيًا ، فعادت مرام تنظر إليها قائلةً : هذي .. زوجة أبو فيصل الأولى .. كان يموت على التراب اللي تمشي عليه و لأنها عقيم أجبره أبو خالد يتزوج عليها.. لكنه ظل رافض إلين توفت الله يرحمها و بعدها بسنوات .. تزوج أم فيصل.

سألتها تساهير بلهفة : طيب؟؟

أردفت مرام قائلةً : قبل ما تتوفى .. كان مسوي لها هذي الفله مفاجئه .. لكنها ماتت قبل ما تشوفها ..عشان كذا سماها الجازي .

خفضت تساهير عينيها و ما يقال أمامها الآن دليل أكبر على طيبة قلب ذلك الرجل و أصالة معدنه ، و مرام تردف بنبرة متعاطفة : كان ما يخلي أحد يعتّبها .. و دايمًا كنت أسمعه يتكلم عنها فلة الجازي .. الجازي .. الكل عرف قد ايش هيا غاليه عليه و دحين .. أعطاكِ اياها .

أشاحت تساهير بوجهها حتى لا تفضح دموعها الجديدة ، فابتسمت مرام و هي تربت على كتفها : عشان تعرفين انه بالفعل يبغى يكفر عن ذنبه .

فركت تساهير يديها بتوتر و همست: ميمي أنـ

قاطعتها مرام : أدري اش اللي تبغينه .. بس .. بدخّل عمّار المجلس .. تراه واقف برا .

سألتها تساهير بدهشة : مــيـن ؟؟ .

ضحكت مرام في مرح : قدامنا قصص كثييييره نحكيها لبعض .. هذا يا ستي .. زوجي .

فغرت تساهير فاها في صدمة فدفعتها مرام إلى الداخل برفق و هي تهتف: أقووووووول لا تنتحين .. أوصّله للمجلس و ألحقكِ .


@@@@@@@@@@@@@

جده

فيلا تركي

في نفس اللحظات

شدت شعرها بكلتا يديها في غيظ : يوووووووووه يا خالتووووو .. و قتك دحين تسافرييييييييييين .

أخذت تسير في الحجرة ذهابًا و إيابًا ، كانت تشعر بارتباك شديد .. الأمر برمته جديد عليها ، صعب أن تعد نفسها لحفلة زفافها و حيدةً ، غطت وجهها بكفيها و هي تهدد نفسها : لا .. لا يا خبله .. لا تبكين .. يا ويلك .. لاااااااا تبكييييييييييييين .. يووووم و بترجع .

و أخذت تنفخ مُدَافَعَةً لدموعها التي تحرق عينيها ، رن هاتفها المحمول فصاحت في فرحة و هي تقفز إليه .. كانت تظنها خالتها و لكنها عقدت حاجبيها هامسة: رقم غريييييييب .

تأففت في حنق لأن تعليمات تركي الصارمة منذ أن اشترى لها أول جهاز تأمرها بأن لا ترد على أي رقم غريب و لكنّ شدة حاجتها إلى محادثة خالتها جعلت كونها المتصلة فكرة ملحة ، و رغم غرابة الرقم حسمت أمرها و رفعت الهاتف إلى أذنها : ألو .

: جوري حياتي .

تجمدت الدماء في عروقها ..

أتاها الصوت الباكي : جوري حبيبي .. أنا ماما يا قلبي .. الحقيني يا جوري أنا تعبانه ، تعبانه مره .

جفّ حلقها من هول الصدمة و اختنق صوتها من شدة الذعر ..

■ ■ ■ ■


: ما ني ناقصه زيادة مشاكل مع أخوها .. بعد ما أخلص من شغلي معاه .. خذها بالعافيه ..أما دحين .. لااا ...


: أبـــــــــــــوكِ ماااات .. مااااااات .. و التراب فييييييييييه .. عارفه يعنيايه و التراب فيه


: أنـــــــا أســوي اللي أبغاه .. وانـــــــتـــي مــــــــالـــــــــــكالـــــــحــــــــق تــفـــتــحــيــن فـــمــك .. ولا تـــعــتــرضــيــن عـلـــىشــــــــييييي ..فـــــــــــااااااااهمه .


: قــــــــــفلــي فـــمــك الله يـــــــــآخــذ روحــــــك .. انــتـــــــــيأصـــلاً مــا مــنـك فـــايــده زي التراب على جزمتي.


■ ■ ■ ■


: جيجي .. حبيبي لازم أشوفك .. الله يسعـ

شهقت عندما سحب أحدهم الهاتف من يدها دارت على عقبيها و هتفت في حدة : تـــركي ؟؟!!!!!!!!!

ألقى الهاتف على الأرض بعنف ليتحطم إلى قطع متفرقة ، وضعت يديها على وجنتيها في خوف شديد و هو يرفع بصره إليها بعتاب صارم : أنا ما قلتلك لا تردين على الأرقام الغريبه ؟؟؟.

أغروقت عيناها بالدموع هي عاجزة عن شرح الإجابة ، أردف بصرامة أشد : أنا الغلطان اللي طلعتلك بدل فاقد عن شريحتك القديمه .

ثم استطرد في حزم : اليوم بتجيكِ الشريحه الجديده .

انسابت الدموع من عينيها في صمت فتنفس الصعداء و قال : ما كنت محتاج لذكاء كثير عشان أعرف إنها هيا اللي داقه عليك .

ثم أشار إليها قائلاً: طالعي فـ وجهك و شوفي كيف مقلوب .

التفتت بلا تفكير إلى المرآة .. و هالها منظر وجهها الممتقع و عيناها الغائرتان ..كأنها شاهدت مجزرة شرسة مضجّرة بالدماء ، اهتز جسدها من فرط البكاء : قالتلي إنها تعبانه و

: جــــــــــــــــوري !!.


غطت وجهها بكفيها و انفجرت تبكي ، زفر في حنق ..الخطأ منه هذه المرة .. لم يكن عليه أن يحضر لها بدلاً فاقدًا للشريحة القديمة التي فقدتها ، قال في صرامة : أعتقد إنك شفتي بعيونك شرّها و حقدها و

همّ بقول المزيد ..و لكنه في قرارة نفسه يدرك أنها والدتها .. و مهما اشتدت المأساة تبقى والدتها .

غممّ في هدوء : جيجي .. ما اتفقنا ننسى الموضوع ؟؟.

مسحت دموعها بأصابعها و براء يدلف إلى الحجرة و الفضول يلمع في عينيه ، ابتسمت له و هي تحاول تناسي ألمها و تناسي اللحظة المريرة التي مضت .. حملته فورًا بين يديها قبل أن يصل إلى تركي و هتفت لتغير دفة الموضوع : ليش شلته أمس ؟؟؟.. كنت أبغى خاله تشوفه .

تجاهل حديثها و أشار إليها بيده : تعالي افطري معايا .. و بعدين أبغاك تختارين شكل الديكور .

زوت ما بين حاجبيها و همست متسائلة : ديكور ؟؟!!.

ضربها بخفة قائلاً : ديكورات الحفله .. عشان الشركه تجي تسويها السبت .

نظرت إليه في صمت للحظات كأنها تستوعب ما يقول : قصدك هنا فـ الفله ؟؟.

حرك عينيه بغيظ و هو يتأفف ثم جرها مع يدها مغممًا : انتي شكلك فاطره فول .. امشي بسرعه .

سارت إلى جواره هاتفة : طــــــــــــيــب .. بشووويييييش .

خفف من سرعته ، فسألته : عارف إنه خالتو سافرت الرياض ؟؟.

هز رأسه نفيًا : لا .. بس قالولي إنها طلعت في الليل مع زوجها .

هزت كتفيها في حيرة : خالتو عليها طلعات ما أدري من فين .. نفسي أعرف بس اش هذا الموضوع الضروري اللي تقصده .

التفت إليها وهو يجلس إلى طاولة الطعام : قالتلك موضوع ضروري ؟؟ .

و ضعت البراء في المكان المخصص له ثم جلست على مقعدها مجيبةً : كتبتلي في الرساله.

هز رأسه بتفهم و عقله يحاول تحليل الموضوع ..

**هذي كيف تسيّب جوري و تنط للرياض فـ هذا الوقت ؟؟!! **

و زفر و هو يُطعم البراء من صحنه

** أصلاً وجودها من عدمه ما يهمني .. هيا بس جوري اللي تحتاجها .. **

أمسك بقطعة من الخبز و هو يتذكر شيئًا ما

** ممكن راحت عشان زواج ياسر ؟؟..**


@@@@@@@@@@@@@

جده

فيلا عريقة .. تطل على مزرعة واسعة

10 : 10 صباحًا

صرخت في غيظ و هي تدور في الحجرة كنمرة جريحة : الله يلعـ** الله يآخذه الحقيييييييييييييير الـ######### .

هز فوزي رأسه في أسف دون أن يتلفظ بكلمة ، وصل إلى المكان صوت ضحك ساخر ، التفتت ساميه إلى مصدرها بحدة و هي تصرخ : وجـــــــــــــدي .. هذا مو وقتك .

دلف إلى المكان بقامته الطويلة و جسده الممتلئ و شعره الغزير الذي كساه الشيب ، حرك كتفيه بلا مبالاة : لا تحطين حرّتك فيني .. اش أسويلك إذا خططك دايمًا تفشل .

ضربت الأريكة بقدمها في عصبية مفرطة و صرخت بوجهها المحتقن : الــــــــــــــــحــيـــــوا** قفلت السماعه فـ وجهي .. لاااااا .. و الــــســـبــّه مــنــه .. ســـــــــمــعــتـهـا و هــيــا تــــــــنـــاديـــــــــه .. الله يـــــــــــقــلــب الـــــــــــــــدنـــيــا عــــــــــــــلـى راســــــــــــــها و راســـــــــــــــــه.

جلس وجدي إلى جوار فوزي في أريحية و قال بصوته الثقيل : سوسو حياتي .. بعصبيتك هذاي راح تعجّزين بسرعه .

فركت يديها في عصبية متجاهلة حديثة : قولولي اش أسوي .. كيف أسحبها ناحيتي كييييييييف ؟؟؟.

نهض وجدي من مكانه و هو يتأفف و توجه إلى المدفأة الكبيرة في صدر الحجرة ، تحسس السلاح الأسود المعلق فوقها بطريقة فنية و قال بنبرة غريبة : و الله من أول علمتك ع الطريقه السهله و انتي رفضتي .

زمجرت بحنق هاتفة : جربتها من قبل و ما نفعت .

توجه وجدي إلى النافذة الضخمة التي تبتلع معظم الحائط و أخذ يتأمل مزرعته الواسعة من خلفها و هو يقول : سوسو .. أقترح إنك تآخذين سلاح صيد من عندي و تروحين تفرغين قهرك فـ كم أرنب بدل ما تصدّعين روسنا بصريخك .

و أشار إلى المزرعة مشجعًا : يلا .. خذي راحتك المزرعه مزرعتك .

صرخت في غيظ و هي تندفع خارج الحجرة ، تبعها فوزي ببصره حتى اختفت ثم همس : إذا عصّبت تسير شيطان .

قال وجدي ضاحكًا : و انتا اش مخليك تحب هذا الشيطان ؟؟ .

تجاهل فوزري سؤاله و هو يتّجه إلى السلاح الأسود : هاه .. ما قررت تبيعه ؟؟ .

هز وجدي رأسه نفيًا : نو نو .. هذا أفضل أسلحتي و مشتريه بذاك الكلام عشان أشبع غروري .. و تبغاني أبيعه ؟؟؟!!.

سأله فوزري في اهتمام وهو يتأمل السلاح بحذر : كم فيه ؟؟ .

أخذ وجدي ينفث دخانسيجارته و هو يغمم : مو كثير .. بس عشره رصاصات و دحين بطّلك من الأسئله الزايده و انقلع ورا شيطانتك لا تكسر لي شي في البيت .

لوا فوزري شفتيه بضجر و تحرك إلى خارج الحجرة .


@@@@@@@@@@@@@@@

الرياض

فيلا الجازي

40 : 10 صباحًا

تراجعت في مقعدها و الدماء تثور في عقلها الذي يعيد تصنيف كلمات مرام و يربطها بكل ما ما مر بها .

~

تعرفت إلى رهف في المرحلة الثانوية و عندما انتقلتا إلى الجامعة كان اللقاء الأول بمرام و ساره و هناك تكونت الصداقة الوثيقة التي جمعت بينهن ، ساره كانت أقرب المقربات إلى مرام بحكم الفترة الطويلة التي قضتاها برفقة بعضهما البعض و لذلك كانت هي الوحيدة التي تعرف عن قصة مرام و زواجها .

و الآن .. مرام كذلك تكون أخت أم خالد من الأب فقط و هذا ما يُفسر فارق السن الكبير بينهما .

~


: تساهير .

رفعت رأسها فأمسكت مرام بكفها قائلةً : قلتلك أنا أكلم ياسر .

هزت تساهير رأسها نفيًا و همست بصوت حزين : لا تجبرينه يا مرام .. من حقه يرفض وجودي فـ حياته .. أنا ما ألومه أبدًا .

شدت مرام على يد تساهير و هتفت معترضة: لاااااا .. مو من حقه .. طالما إنك بريئة مو من حقه .

لم تشأ تساهير أن تتعمق في الموضوع الذي يرهقها أكثر ، لذلك غيرت دفته هاتفةً : في شي واحد نسيتيه .

رفعت مرام حاجبيها هاتفة : اش هوا ؟؟ .

اعتدلت تساهير في جلستها قائلةً : تركي .. اش علاقته بياسر ؟؟.

امتقع وجه مرام ، هذه هي النقطة التي كانت تخشى الولوج فيها و لكن سواء كان ذلك اليوم أو غدًا ..لا بد أن تجد تساهير الإجابة .

أخذت ترسم على يد تساهير بإصبعها في تردد ثم قالت : ولد عمه .

رفعت تساهير أحد حاجبيها وقالت في استنكار : ايش ؟؟؟ كيف ولد عمه و اللقب مختلف ؟؟.

تنفست مرام الصعداء قبل أن تقول : يا قلبي .. هذي قصه قديمه و طويله .

احتضنت تساهير الوسادة في ترقب : قوليلي .. أبغى أسمع .

رمقتها مرام بنظرةٍ خبيثة : بشرط .

تراجعت تساهير إلى الخلف : آمري .

ابتسمت مرام بمكر : تقابلين ياسر و تـ

: لااااااااااااااااااااااااااا

هبت من مكانها و لحقت بتساهير التي تركت الحجرة هاتفةً: اســـــــــــتـــنــــــــــي .

هزت تساهير رأسها نفيًا و هي تدلف إلى حجرة نومها هاتفةّ : قلتلك لا لا لا .. يعني لا .

و جلست على سريرها و هي تهتف بضيق : ميمي الله يوفقك قفلي على الموضوع .

رفعت مرام أحد حاجبيها و هي تجلس على المقعد المقابل و قالت : و الله منتي صاحيه .. ياسر رجال وألف مين يتمناه .. و انتي زوجته و حلاله و ما تبغين تصلحين اللي بينكم ؟؟ .

ابتسم تساهير بمرارة و هي تشيح بوجهها و تعبث بخيوط اللحاف قائلةً : انتي قلتي .. رجال .. و اللي تناسبه بنت ناس كامله و مو ناقصها شي و

اختنقت الكلمات في حلقها فأردفت بصوت متحشرج : وبس .

تأملتها مرام للحظة بتوجس .... منذ البداية و هي تفر من الحديث عن ياسر بإصرار عجيب ، قالت بخفوت : انتي واركِ شي يالدب .

تصلبت يد تساهير و هي تدافع دموعها التي تجمعت في عينيها ، نهضت مرام من مكانها و جلست أمامها هامسةً : تساهير حبيبي .. علميني باللي فيكِ .

ترددت لحظة و هي تحاول أن تحافظ على صلابتها .... و لكن الــمــشــهــد الــقــديم حطم دفاعاتها ، انهارت و هي تغطي وجهها بكفيها وتنفجر بالبكاء ، اتسعت عينا مرام بصدمة و ضمتها إلى صدرها و هي تهتف : أفاااااااااااااااا عليكِ ؟؟!!!.. ليه هذا كله .. ليه كابته فـ نفسك كذا ؟؟!!!!!!!!!!.

شهقت تساهير بعنف و هي تهتف : طـ .. طلال .. ما أدري اش سوا يا مرام .. ما أدري .. صحيت ولقيته واقف قدامي و أنا بهذاك اللبس .. الحقييييييييييييييير اللي ما يخاف الله .

انتفض قلب مرام بين ضلوعها و هي تتراجع إلى الخلف و تنظر إلى وجهها بصدمة هاتفةً : كـــيــــــف ؟؟!!!!!!!!!!.

أشاحت تساهير بوجهها و الحرج و الألم يفتتان قلبها ، مسحت دموعها بأصابعها المرتعدة و هي تهمس من بين شهقاتها : عــ ـشــ ـان كــ ـذا المفروض ياسر يكون بعيد .. ياسر تناسبه بنت طاهره .. مو وحده مـ

قاطعتها مرام بحدة : لااااااا.

و وضعت يديها على جانبي رأس تساهير لتجبرها على النظر إلى عينيها ، همست تساهير بصوت متحشرج : مرام .. الله يخليكِ .. هذي الحقيقه ، قفلي على الموضوع .. خلاص .

تطلّعت مرام إلى عينيها و همست بجدية دفعتها أعصابها المشدودة : جاوبي على اللي أقوله .

زوت تساهير مابين حاجبيها لتنساب دموعها و مرام تميل على أذنها و تهمس ، أرهفت تساهير سمعها لذلك الحديث قبل أن تتسع عيناها و يحمر وجهها بحرج شديد و هي تصيح باستنكار : لاااااااااااااااااااااا

تراجعت مرام إلى الخلف و نظرت إليها هاتفةُ ببراءة : والله ؟؟!!!.

غطت تساهير وجهها المحترق بكفيها و هي تقول بخفوت : إيوه الله يآخذ شيطانك .

انفجرت مرام بضحك شديد و هي تضربها على كتفها : و شيطانك يا مجنونه .. فجعتيني فـ عمري !!! .

و نهضت من مكانها هاتفةً : لا تشيلين هم يالمجنونه .. يا دار ما جاكِ شر .

اهتزت شفتا تساهير و هي ترفع كفيها عن وجهها و تهمس بانفعال مخنوق : والله ؟!!!!.

ضحكت مرام بسعادة هاتفة : إيوووووووووووووووه .. اسألي الدكتوره مرام .. ناسيه إني خبيره من أيام الجامعه .

و غمزت بعينها فأطرقت تساهير بوجهها في خجل شديد و هي تهمس : لسانك مفلوت من يومه يا لعصلااا .

قهقهت مرام و هي تجرها مع يدها هاتفة : قومي يلا و خلينا نتمشى في الحديقه شويه بعد فـــــــــــــجـــــعـــتــك المحترمه .

نهضت تساهير من مكانها و سارت إلى جوارها و الذهول الممزوج بالراحة متفجر في ملامحها و قلبها .... انتهى خوفها و انتهت كوابيسها .... ستنام قريرة العين بعد تلك الليالي السوداء .

: و غير جوري .. ساره ملّكت .

شهقت تساهير في فرحة و هي تهتف بصوت لم يتحرر من قيود الدموع : من جد ؟؟!!!.


@@@@@@@@@@@@@

الرياض


الشركة


00 : 1 ظهرًا


خرج من مكتب عزام متوجهًا إلى مكتبه و في يده مجموعة من الملفات ..

: يـــــاســر !!

التفت إلى مصدر الصوت و هتف : نــــادر .. أخذت الأوراق اللي تبيهم من المكتب !!

لوح نادر بيده في انزعاج : ايه ايه .. بس جوالك أزعجني .. منذو مبطي و هو ينافخ .

ابتسم ياسر و هو يتابع سيره : نسيـــــــــــته و اش أسوي ؟؟.

دلف إلى داخل مكتبه و أغلق الباب ، جلس على مقعده الجلدي الأسود و أمسك بهاتفه : الله .. 12 مكالمه مره وحده .

قطب حاجبيه عندما رأى اسم المتصل : خالتي مرام ؟؟!!!!!!!!!!!!! اللهم اجعله خير .

همّ بالاتصال إلا أن رسالةً و صلته ، فتحها على الفور ..


--------- من أم المرام --------

ياسر .. كيفك يا قلبي ؟؟ .. من يوم ما تخلص من الشركه مرّني .. أنا فـ فلا الجازي و تراني كلمت عمك أبو فيصل .. يعني سيدا على الفلا ..
______________________


اشتدت ملامحه و ضرب سطح مكتبه في قهر و هو يهتف : ليـــــــــــش يا عمي .. ليش تدخل خالتي .. ليــــــــــــش ؟؟؟.

تعالى لهيب أنفاسه و الغضب يتصاعد في عروقه : يعني لازم تربطوني فيها .. ما ني متقبلها .. يا نااااااااااس .. ليش ما يفهمووون .

ألقى بهاتفه على الأريكة و هو يزمجر في حنق ، غطى وجهه بكفيه و هو يهمس : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم .. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم .

@@@@@@@@@@@@@

الرياض

فيلا الجازي


00 : 4 عصرًا


أراح رأسها على صدره و همس قائلاً : يلا .. خلصي موضوع صحبتكِ و ياسر .. و جوري .. عشان نسافر .

تمتمت : يعني عادي تنتظر شويه ؟؟.

طبع قبلةً على رأسها و هو يجيبها : عاديّين يا روحي .

أغمضت عينيها و هي تستكين على صدره و.. انتفضت عندما رن جرس الفيلا.. ، ضحك قائلاً : يالخوااافه .

ضربته بخفة هاتفةً : ماني خوافه .. بس كنت بنام.

نهضت من مكانها و عدلت من وضع لباسها و هي تسأله : كيف شكلي ؟؟

و غمزت بعينها و هي تردف : أنفع مصلحه اجتماعية ..مو ؟؟ .

ابتسم بمرح و هو يهتف مشجعًا : قمـــــــــــــــــــــــر .

بادلته الابتسامة و خرجت لاستقبال ياسر ..



.


فتحت الباب الخارجي بهدوء ، كان وجهه مخيفًا لشدة الوجوم الطاغي عليه .. ، هتفت و هي تضع يدها على قلبها : بسم الله الرحمن الرحيم .. خيييير .. هذا شكل تستقبل فيه خالتك ؟؟؟.

سلم عليها دون أن ينطق بكلمه وقبل أن يعتدل في وقفته أمسكته مع تلابيبه بحدة و هي تهتف : امسح هذا البرود اللي على وجهك .. و الله لو منتا عزيز و غالي .. كان وريتك العين الحمـــــــــــرا .

صك على أسنانه بغيظ : ليش .. لجل الـ

قاطعته بعصبية و هي تتركه : ما أبغاك تطيح من عيني .. عشان كذا .. لا تــــــــــــــــمــسـها بـــــــــــــــــكـــــــــلـــــمـه ..و لعلمك قبل كل شي .. مو أبو فيصل اللي كلمني .. لااااا

تطلّع إليها بصدمة فأردفت قائلةً بصرامة : تساهير .. اللي تسير صديقتي من أيام الجامعه يا أستاذ ياسر .

ظهرت المفاجأة على وجهه فابتسمت بانتصار هاتفةً : شفت كيف .. ربي ما يضيّع أحد .

ثم أشارت بيدها للداخل و قالت آمرة : امشي للدور الثاني لو سمحت و لا تسوي إزعاج لأنها نايمه .

عدل من وضع شماغه و هو يحدجها بنظرات حادة ثم أكمل طريقه إلى حيث تشير .


.


.


.


بعد فــترة


عقدت يديها أمام صدرها : و أرجع و أقلك .. البنت أطهر منها مافيه .. ما قد شفت عليها شي غلط ، يكفي إنها كانت بارّه بأمها .. و أعتقد إنك شفت هذا الشي بنفسك .

خلع شماغه من فوق رأسه و مسح على شعره بإرهاق و هو يغمم : و أرجع و أعلمك إني بنفذ اللي عمي طلبه.

صاحت في اعتراض : لاااااا .

رفع رأسه إليها فاحمر وجهها غضبًا و هي تردف : يا تعاملها كزوجة .. يا تنهي الموضوع كله .

ضحك في استنكار : خالتي انتي صاحيه ؟؟ .

ضربت مرام الطاولة بقبضتها و هي تهتف بحدة : ايوه صاحيه .. و اذا خايف من أهلك أنا و أبو فيصل بنتكفل بالموضوع ، لكن تخليها كذا زي المعلقه هذا شي أنا ما أرضــــــــــــاه.

مسح على وجهه بكفيه ..

: طلقها

رفع يديه بصدمة و حدق فيها قائلاً : ايش ؟؟.

نهضت مرام من مكانها و هي تقول بحزم : طلقها و خليها تشوف حياتها مع واحد ثاني طالما حضرتك مو مقدر قيمتها .

حرك يده بلا مبالاة مجيبًا : آسف .. لكن رضا عمي يهمني و هو اللي طلب مني أخليها على ذمتي لجل كذا .. انسي .

عضت مرام على شفتها بحنق و هي تقول : أنا أتفاهم مع أبو فيصل .

نهض ياسر من مكانه مغممًا : براحتك .. سوي اللي تبينه .

و التقط شماغه و طاقيته و هو يستطرد : و رجاءً سكّري على الموضوع لاني ما بتكلم فيه مره ثانيه .

و خرج من الحجرة على عجل و كلماتهم و صورتها .. تلهب عقله ، لا ينكر أنه بدأ بتقبل الفكرة و لكن

: آآه

تراجع إلى الخلف عندما اصطدم بشيءٍ ما رفع بصره ..

## و اصــــــــــــطــــــــــــــدم بـــــــــهــــــا ##

عينان عسليتان تائهتان ، شفتان توتيتان ، أنف أنيق ، و شعر بني ذو تموجات ناعمة ، كفاها مضمومان أمام صدرها في خوف و لمعة من الدموع تتوهج في عينيها ، انعقد لسانه ..إنها هي .. هي ذاتها .. لكن لماذا تبدو الآن أجمل .. أجمل .. بمئات المرات ؟؟ .

غرقت في بحر عينيه الواسعتين فتراجعت إلى الخلف أكثر ، ارتبك كيانه من خوفها و شعر بتيار مبهم يسري في قلبه ، أشاح بوجهه على الفور و مر من جوارها على عجل هاتفًا : آسف .

وغادر المكان برمته ، زمت شفتيها بألم و الرعدة تستبد بجسدها صاحت بقهر : مــــــــــــــــــــرااام .

خرجت مرام من الحجرة و ركضت إلى حيث تقف و هي تهتف بهلع : اشــــــــــبـــــــك ؟؟!!!.

تساقطت الدموع من عيني تساهير و هي تهتف بألم : ليش كلمتيه .. ليييييييش ؟؟؟؟؟.

و أردفت بعصبية : ما أبغاك تغصبينه .. خليييه .. لاتجبرينه عليا لا تجبريييينه .. إذا هوا مو راضي خلااااااااص .

و ركضت إلى حجرتها و هي تبكي ، اضطربت ملامح مرام كما اضطربت أعصابها ، طرقت الأرض برجلها و هزت رأسها بقهر ، أولاً ياسر و تفكيره الغريب .. من أجل عمه فقط .. و الآن هذه المسكينة التي لا تريد المحاولة ، تنفست الصعداء ثم لحقتها بصمت .. علّها تهدئ من روعها .


@@@@@@@@@@@@@


** الــــــــــــــــــــسبـــــــــــــــــــــت **


جده


المستشفى


00: 10 صباحًا



أمسك بيده الصغيرة و هو يبتسم في وجهه الذي يرسم معالم الخوف و القلق و هو يتلفت حوله و يمد يده بانزعاج لذلك الشيء الأخضر الذي يغطي رأسه ، قال بحنان : لا تخاف يا حبيبي يا برّو .. بس شويه تجلس هنا و بعدين أطلعك و نروح الملاهي .. اتفقنا ؟؟ .

ترقرقت الدموع في عيني البراء و هو ينظر إليه بخوف : دحــين رووووح البيت .

اعتصر الألم قلبه و هو يحتضن كفه الصغيرة بحنان أكبر و يهتف : من عيوني .. بس تنام شويه عند الدكتور و لما تصحى نجلس شويه كمان وبعدين نروح للملاهي و البحر و كل مكان برّو يحبه.

هتف البراء بصوت خائف متلهف : بحر ؟؟!!! .. ملاهي ؟؟!!.

ابتسم تركي و هو يومأ برأسه : والله بحر و ملاهي و كل مكان تحبه .

تقدم أحمد منهما و قال لتركي : يلا نمشي .

أومأ تركي برأسه و الممرض يدفع السرير أمامه لحجرة العمليات و البراء يتلفت حوله في خوف شديد و أحمد و تركي يحاولان إلهائه بشتى الوسائل ، و عندما و صل السرير للحجرة المنشودة ، ربت أحمد على كتف تركي و قال : لا تشيل هم .. أنا معاه .

أومأ تركي برأسه ثم انحنى على رأس البراء و طبع قبلة حانية على جبينه حملت خوفه و قلقه على الصغير ، اتسعت ابتسامة أحمد و هو ينظر إلى البراء و يهتف : شوف يا بروّ .. طالع فوووووق .. شوف اش مرسوم على السقف .

رفع البراء بصره المبلل بدموع الخوف فأشار أحمد للمرض في الخفاء ليدفع السرير للداخل و يُغلق الباب خلفهم .

انقبض قلب تركي و هو ينظر للباب .. و عقد ذراعيه أمام صدره و هو يتراجع للخلف و يهمس : يا ربي .. يا ربي اشفيه و عافيه .. يا ربي سهّل عليه العمليه يا رب .

أخذ يدور في الممر ذهابًا و إيابًا و القلق الشديد يعصف بروحه .

@@@@@@@@@@@@@

جده


البيت الأخضر


في نفس اللحظات


وضعت ملعقتها على الطبق و هي تقول : الحمد لله .

نهضت من مكانها و هي تمسك بعكازيها : تسلم يدك دكتوره فدوى .

ابتسمت فدوى و هتفت : بالعافيه يا روحي .

منحتها رهف ابتسامة باهتة قبل أن تتوجه إلى المغاسل و تغسل يديها و شفتيها ، رفعت وجهها و نظرت إلى المرآة .. شــــعــرت بــــــــــقـــلـــبــهــا يـــهـــوى و بجسدها يضعف ، شهقت و سقط أحد العكازين من يدها ، تمسكت بحوض المغسلة .. يداها ترتعشان و عيناها تلمعان ، همست بصوت مخنوق : يا ربييي .. اش هذا الشعور ..؟؟..ليش أحس نفسي .. مو أنا ؟؟؟ ليش أحس نفسي .. غريبه ؟؟.
أخذ الضياع يلفها و دوامة الحيرة تسحبها إلى ذلك الــــــــــــعــمـــق الأســـــــود المخيف ، شعرت بنفسها تهوى و تهوى و تهوى و

: رهوفه ؟؟.

انتفضت في ذعر و التفتت إلى فدوى التي فهمت تلك النظرة ، نظرة غريبة متألمة ، قالت بابتسامة لطيفة : يلا .. درس التفسير راح يبدا.

أومأت رهف برأسها في ارتباك و هي تشيح ببصرها بعيدًا ، أغلقت صنبور المياه و فدوى تنحني و ترفع لها العكاز و تعاونها على وضعه بالشكل الصحيح ، شكرتها رهف باقتضاب و توجهت إلى حجرتها ، أغلقت الباب و استندت عليه ، تسارعت أنفاسها و انسابت على خدها دمعة حارة ،همست بانكسار : يا ربي .. ساعدني يا ربي .. ساعدني .

كتمت دموعها و هي ترفع يدها إلى نحرها لتشد خيط ذلك العقد الذي تخفيه و الذي طلبت من فدوى أن تحضره لها ، قطعة زجاجية مزخرفة مستطيلة الشكل احتضنت في داخلها تلك الصورة، خفق قلبها بعنف و ارتعدت أطرافها خوفًا و رهبة ، تساقطت دموعها .. فسالت على وجهه ، مدت إصبعها و شهقاتها تخونها أخذت تتحسس ملامحه بيد مرتعدة و هي تهمس : مين انتا يا تركي .. مين ؟؟ .
بدأت المخاوف تتسلل إلى قلبها ، أغمضت عينيها و هي تقبض على العقد و تعيده إلى الخفاء ، مسحت دموعها و خرجت من حجرتها .

.


حملت فدوى كتاب تفسير القرآن العظيم و سارت نحو حجرة الجلوس ، و ضعت لرهف جدول تقضي به وقتها يوم لحفظ شيء من القرآن و آخر لتفسيره ، يوم للطبخ و آخر لممارسة هوايات أخرى ... و هكذا .

كانت مصرة أن تشغل وقت تلك المسكينة علّها تنسى موضوع ذاكرتها المفقودة قليلاً ، تنهدت في حرارة و هي تتذكر ذلك اليوم الذي حدثها فيه يوسف ابن جارهم عن رهف ليخبرها بحالتها و كيف أنها وحيدة ليس لها إلا زوجها و هو رجل أعمال منشغل جدًا و لا يمكنه أن يبقى إلى جوارها في هذه الفترة الحرجة لذلك يريد طبيبة متخصصة تقوم بهذا الأمر و يكفل لها ذلك مرتبًا عاليًا لم تهتم بالمرتب بقدر ما جذبتها قصة رهف و معاناتها ، و لأن فدوى أرملة ليس لها إلا ابن وحيد يدرس الطب في إيرلندا فقد تركت عيادتها الخاصة لتتفرغ كليًا لرعاية رهف ، و لكنها لم توافق إلا بعد أن حادثت تركي شخصيًا و شددت عليه بضرورة تواجده في أقرب فرصة في حياة تلك التي لم تره .. و طمأنها ببضع كلمات .. لم تكن مقتنعة أبدًا .. و لكنها سارت على مضض علّها تقدم شيئًا لتلك الضائعة .
المشكلة أنها لا تعرف شيئًا عن ماضيها فكيف تساعدها على استرجاع ذكرياتها .. كيف ؟؟ .

: دكتوره فدوى .

ابتسمت لرهف التي دلفت إلى الحجرة : تفضلي يا روحي .

تقدمت رهف و جلست على الأريكة المجاورة و هي تضع عكازيها جانبًا ، فتحت فدوى الكتاب و رفعت بطاقة ملونة مختبئة في وسطه ، رفعتها و هي تقول لرهف : عارفه هديتك ايه النهار ده ؟؟.

هزت رهف رأسها نفيًا و هي تنظر للبطاقة بفضول ، ابتسمت فدوى و هي تنهض و تجلس إلى جوارها ، مالت رهف برأسها للبطاقة تنظر للكلمات التي تقرأها فدوى : قال صلى الله عليه و سلم (من قال : سبحان الله العظيم و بحمده ، غرست له بها نخلة في الجنة )* .

رفعت رهف حاجبيها و هي تهمس : سبحان الله العظيم و بحمده .

أومأت فدوى برأسها و هي تمد لها بالبطاقة : دي أول هديه ليكي و كل يوم إن شاء الله بهديه قديده .

ابتسمت رهف و هي تتأمل البطاقة الملونة بألوان زاهية و قالت : تجنن هدياكِ يا دكتوره فدوى .

ربتت فدوى عليها و هي تبتسم : و أريب إن شاء الله حروّح و أشتريلك كتب من المكتبه تتسلي فيهم .

هتفت رهف بلهفة : من جـــــــد ؟؟!!!!!!!!!.

أجابتها فدوى بابتسامتها الواسعة : أيوه .. و دلوأتي خلينا نبدا الدرس .


@@@@@@@@@@@@@@@@




جده


المستشفى


00 : 5 عصرًا


صرخ من شدة الألم و هو يحرك يديه في عصبيه و الدموع تتفجر من عينيه و تغرق وجهه ، شعر تركي بقبضة تعتصر قلبه و هو يربت عليه و يهتف بحنان : يا حبيبي انتا .. يا قلبي .. معليش .. بس شويه و يروح الأحّي .

شهق البراء و هو ينظر إليه بعينيه الزرقاوين المرهقتين و صرخ : بطني أورنييييييييي .

عض تركي على شفته و هو يدني منه أكثر و يمسح على مكان الألم بحنان دافق : معليش معليش .. شويه بس و يروح .. الدكتور حطلك الدوا .

و التفت إلى الطبيب الواقف خلفه و قال : صح يا دكتور ؟؟ .

أومأ الطبيب برأسه و هو يقترب من المغذي و البراء يراقبه و بكاءه يعلو و يخبو ، تظاهر الطبيب بالعبث بالمغذي و تركي ينظر إلى البراء و يبتسم قائلاً : شفت .. دحين يروح الأحي بعييييييييد .

نقل بصره إلى تركي و هتف : ملاهي ؟؟!.

مسح تركي دموعه بأصابعه و هو يبتسم ؛ علّه يخفي قلقه و ألمه الشديدين و قال : أبشر .. بس نجلس شويه عند الدكتور و بعدين نروح الملاهي .

دلف أحمد في هذه اللحظة إلى الحجرة و هو يهتف : بــــــــرااااااااااااااااااااااء .

التفت إليه الجميع و هو يتقدم إلى الداخل و في يده لعبة ضخمة ، اتسعت ابتسامة تركي و هو يهتف : شوووووف .. هذي لعبة البراء الــــــــــــــجـــــديــــــــــــــــده .

تطلّع البراء إليها بفضول امتص جزءًا من بكائه و أحمد يضع اللعبة على الطاولة : يلا .. نفتح الكرتون و نشوف اش السياره الخطيره اللي جوا .

تابعه البراء ببصره و هو يُخرج سيارة متوسطة الحجم صارخة الألوان بشكل ملفت ، وضعها أحمد على الأرض و هو يهتف للسيارة : يلا .. اجلسي هنا و دحين البراء يسوقك .

و مد بجهاز التحكم لتركي الذي أخذه و قرّبه من البراء هاتفًا : شووف كيف .

و حرك أحد الأذرع الصغيرة فسارت السيارة و أضوائها تشتعل بشكل مبهر رافقت صرير إطاراتها الممتع المألوف ، رفع البراء حاجبيه بفضول و هتف : ســـيـــــــــــاره !!!!!!!!!.

ضحك تركي و هو يساعده على الإمساك بالجهاز : إيوه ســــــــــيـاره .. يلا .. دحين دورك .

حرك البراء الذراع الصغيرة بمساعدة تركي فتحركت السيارة ، ندت من بين شفتيه ضحكة سعادة بريئة أشرق لها وجهه و هو ينظر إلى تركي ثم يعود إلى السيارة و يحركها مجددًا .

تنفس تركي الصعداء و هو يعتدل في مقعده المجاور للسرير ، تحدث الطبيب بصوت مرتفع : مبروك على نجاح العمليه يا أستاذ تركي .

التفت تركي إليه و هو يشكره بابتسامة هادئة : جزاك الله خير يا دكتور .

وضع الطبيب يديه في جيب معطفه الأبيض قائلاً : إن شاء الله يومين كذا أو ثلاثه و نكتبلك خروج يا برّو .

لم يلحظه البراء و هو غارق حتى أذنيه في تلك اللعبة الجديدة ، ربت تركي عليه برفق ، و الطبيب يغادر المكان : سلام عليكم .

ردا عليه السلام و أحمد يجلس على المقعد المقابل لتركي من الجهة الأخرى للسرير و هو يقول : خلاص روح نام .. الممرضه تجلس عنده .. وجهك مره تعبان .

هز تركي رأسه نفيًا و قال: ما راح أطلع إلا معاه .

زفر أحمد و هو يضع يديه خلفه رأسه و يتراجع في مقعده وبصره معلق بالسقف : أقلك روح ارتاح .. ناسي إنه زواجي بعد أسبوع ؟!!!! .

رفع تركي بصره إليه و قال : دحين اش دخل زواجك ؟؟؟.

تطلّع أحمد إليه و قال ببساطة : أخو خطيبتي .. و لازم تكون واقف بعقلك و صحتك .. مو نايم و نعسان .. فايق أشيلك أنا إذا طحت ؟؟ .

هز تركي رأسه هذه المرة : قصدك انتا يا لعريس اللي زام تروح تريّح جسمك .. و بعدين من طول الوقت اللي عندك جالس هنا بدل ما تقوم تشوف تجهيزاتك .

ضحك أحمد و هو ينهض من مكانه قائلاً : أبو التقطـــــيع .. طيب و لا يهمك .. دحين ألقط وجهي .

و تظاهر بالانحناء لالتقاط قطع من الأرض و تثبيتها في وجهه ، رماه تركي بكأس الماء الورقي : أطلع بسرعه .

قهقه أحمد و هو يسير للخارج : أبــــــــشر .

أغلق أحمد الباب خلفه و عاد تركي للبراء و هو يهتف : هاه يا بطل .. كيف سيارتك ؟؟ .


.


.


.


وصل إلى الدور الأرضي وهو يهمس لنفسه بابتسامة واسعة : من جد ما في وقت .

: أبو حمــــــــــــــــــييييييييييييييييييييييد.

اتسعت عيناه و همّ بالالتفات إلى الخلف إلا أن شخصًا ما أمسك بكتفيه و هو يهتف بمرح : ما قدرت أصبر .. قلت أجي و آخذك من هنا .

ضحك أحمد و هو يضربه على ظهره : يالمصروووووع .

رد له البدين الضربة و هو يهتف : لازم أكون مصروع يا ثلج .. أسبوع باقي عن زواجك وقاعد تتمرقع في المستشفى كأنه بعد سنه .

انفجر أحمد بالضحك و هو يسير للباب الخارجي و قال : هاه .. من وين نبدأ مشاويرنا يا دكتور طارق ؟؟؟؟.

اتسعت ابتسامة طارق و هو يتحسس بطنه و قال : هذي ما يبغالها سؤال الله يسلمك .. المطعم طبعًا .. أعبي كرشي و بعدين نتحرك و نشوف مشاويرك .

هز أحمد رأسه و هو يمتطي السلالم القصيرة و الابتسامة تعلو شفتيه .


@@@@@@@@@@@@@@@@@@



الرياض


فيلا أبو ياسر


00 : 9 مساءً



تقلب على سريره في عصبية رغم برودة الحجرة و الظلام الذي يصبغها ، مسح على شعره بحنق و عقله يشتعل نيرانًا


■ ■ ■ ■

: يا تعاملها كزوجة .. يا تنهي الموضوع كله .

: تخليها كذا زي المعلقه هذا شي أنا ما أرضــــــــــــاه.

: البنت أطهر منها مافيه .. ما قد شفت عليها شي غلط ، يكفي إنها كانت بارّه بأمها .. و أعتقد إنك شفت هذا الشي بنفسك .

■ ■ ■ ■


زمجر بعصبية شديدة و هو ينقلب على جانبه الأيمن


■ ■ ■ ■

: يا ولدي .. طلبتك و لا تردني

: خلها على ذمتك

■ ■ ■ ■


خفق قلبه بعنف شديد و كلمات أخرى تقصم ظهره


■ ■ ■ ■

: هذي البنت من أشرف ما خلقربي

: هذي فقدت الأم و السند في الدنيا يا ولد عمي .. و ربي اختارك من بين الكل عشان تفوزبهذا الأجـــــــــــر .

■ ■ ■ ■


اعتدل جالسًا في حركة عصبية و أخذ يضرب جبينه بكفه و هو يهتف بغيظ : اطلعي من راسي .. اطلعي اطلعي .

تأفف و هو يضع وجهه بين كفيه و يزفر في إرهاق .. ، عبثت في كيانه و شتت تفكيره تلك الفتاة .. مالذي يفعله و هي التي تأبى أن تفارق تفكيره و تتركه و شأنه ؟؟؟، المشكلة أنه قبل بها كأمانة و هذا ما يصّعب الأمر عليه أكثر لأن ذلك يُلزمه بمراعاتها و الإحسان إليها .

نهض من مكانه و أشعل الضوء ثم التقط ثوبه من الخزانة و بدل ملابسه قبل أن يخرج من الجناح.


@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@


جده


فيلا أبو أحمد


30 : 9 مساءً


ضحكت و هي تهتف في سماعة الهاتف : الله يسلمكِ .. الله يبارك فيكِ يا عيوني .. والله وراه سفر قريب عشان كذا تم الموضوع بسرعه .. إيوه .. إيوه ...... لا .. أخوها أصر إنها تكون فـ الفيلا عنده ........ إيوه ما شاء الله .. شرحه و كبير و تكفي قبيله .

ضحكت مجددًا و هي تردف : إن شاء الله .. ما أوصيكِ .. انتي و البنات و حريم عيالك الله يخليهم لك .. إن شاء الله يوصل يا حبيبتي .. يا هلا .. مع السلامه .

و أغلقت سماعة الهاتف ثم رفعتها مجددًا و هي تقول للخادمة : دحين أبغى رقم أم إياد .

أخذت الخادمة تبحث في النوتة الصغيرة و هي تقول : أم إياد أنا في هطي إند هرف الياء .

: جـــــــــــــــدّه!!!

التفتت كلتاهما إلى مصدر الصوت و إذ بساره تقف عند الباب بعباءتها و هي تهتف : دحين إحنا متعّبين عمرنا و مختارين كروت دعوه بذاك الكلام و انتي تعزمين العالم بالتلفون ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟!!.

صاحت جدتها بعصبية و هي تغلق السماعة : و مين قال عالم ؟؟!!!!!!!!!!! .. همّا كلهم أخواتي و قرابتنا اللّزم .

لوحت ساره بيديها هاتفةً : و هذولي كل المعازميم .

ضحكت والدتها و هي تدلف إلى الحجرة : خليها تحس بالفرحه .. عاد هذا زواج أبو حميد.

أشرق وجه الجدة عندما سمعت باسم ابنها و هتفت بفرحة و هي تمسك بالسماعة مجددًا : إيييوه عاد .. هذا الدكتور أحمد الـ****** .. و زواجه بيكون أحلى زواج .

و لوحت للخادمة هاتفةً : يلا يلا .. اضغطي رقم أم إياد .

هزت ساره رأسها في أسف و أمها تشير إلى الخارج : يلا بسرعه .. ورانا ستين شغله .

لفت ساره طرحتها على رأسها و هي تسير مع أمها للخارج و تقول ضاحكةً : مع إني مقهوره إنه كل شي بصربعه .. لكني بموووووووووت من الفرح إن الزواج قريب .. ياااااااااااااااي .. خالي أحمد و جوري .

شاركتها أمها بابتسامة و هي تكمل ارتداء حجابها : على قولتك .. الله يتمم بخير يااااا رب .


@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@



الرياض


فيلا أبو نواف


في نفس اللحظات



وضع كوب الماء على المنضدة و جلس أمام شاشة جهازه ، حرك الفأرة و فتح إحدى الصفحات لتظهر له تلك الرسالة التي قرأها أكثر من عشر مرات :


"" الأخ الفـاضل ع . س :

سلام من الله عليك و رحمته و بركاته

سأفصل رسالتك إلى جزأين على اعتبار أنه لا مجال للتراجع عن هذا الزواج كما ذكرت :

أولاً : كونك سترتبط بفتاة تعرضت للاغتصاب بغض النظر عن كونها قريبتك .

الاغتصاب صدمة نفسية وعصبية ، فالفتاة لا تفقد طهرها و عفتها فحسب ، ولكنها تفقد احترامها لنفسها و إحساسها بالكرامة .

تلك الفتاة الضحية تحمل شعورًا جارفًا بذنب لم تقترفه ويزيد هذا الشعوركلما زاد عمر الفتاة , فضلاً عن أنها تشعر بالقهر وأحياناً بالقذارة والدونية، بالإضافة إلى إحساسها بعدم القيمة .

ما أريدك أن تعرفه أيضًا أنها قد مرت بعدة مراحل عصيبة :



المرحلة الأولى : مرحلة الحدث وتتمثل فيها الصدمة النفسية والعصبية والتي تظهر فيها حالة من البكاء والضبابية والخوف والرعب والعداء للنفس والمجتمع ، والعصبية الواضحة اتجاه كل المحيط بها ، وحالة من الخدران والانعزال عن المجتمع .

المرحلة الثانية: مرحلة الشفاء من عدة أسابيع إلى 4-6 سنوات والتي قد تستمر فيها حالة العصبية والاكتئاب واسترجاع الحدث واضطراب العواطف والأحلام المخيفة واستمرار الانعزال المجتمعي عن المحيط وعدم التركيز والتهيج لأبسط الأمور والخوف من البقاء وحيدة في البيت ، وقد تفقد الرغبة في العمل أو الهوايات السابقة و إمكانية الشجار مع الأسرة ، بالإضافة إلى أنها قد تكره الرجال و ما يرتبط بهم .

أصبحت لديك الآن صورة كاملة عن حالتها .

ثانيًًًا: كون علاقتك مع أختك ممتازة و أنت تدرك يقينًا أنها لن تكذب عليك و كونها صديقة مقربة لمن سترتبط بها فذلك يغير الكثير ؛ لأن علاقتهما استمرت لمدة طويلة و لن يصعب على شقيقتك اكتشاف علاقة ما قد تربطها بالشاب الذي ذكرت .

أخي الفاضل ، أنت مقبل على مرحلة حرجة تتركز أهميتها في كسب ثقة تلك الفتاة و السماح لها بالبوح بكل ما في نفسها دون قيود ، فإن هي شعرت بالأمان و الاطمئنان فثق حينها أنها ستمد جسور التواصل بينكما لتخرج نفسها من الألم الذي تعيشه .

أما إن مضت الأيام و قويت علاقتكما و لم تحدثك بشأن الأمر الذي يشغلك ، فبادرها أنت بالحديث بطريقة غير مباشرة عن ذلك الشخص ، قد تفتح لك قلبها ، أو تتجاهل القصة هنا فقط أظهر لها الموضوع بصورته الكاملة و بأسلوب بعيد كل البعد عن الغضب و العصبية ، لأنك تسعى لحل و نهاية سعيدة فلا بد من الأسلوب الواعي المهذب الذي لا يسبب الأذى للطرفين .

وفقك الله وسدد خطاك

د : ******** ****** ******** ""


أغلق النافذة ثم أغلق جهازه ككل ، أطفأ ضوء حجرته و استلقى على سريره و هو يفكر في ذلك اليوم القريب .


@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@


الرياض


فيلا الجازي


00 : 11 مساءً


ابتسمت للخادمة التي تقف أمام باب حجرتها و سألتها : هلا كودي ؟؟.

أشارت الخادمة إلى الأسفل قائلةً : بابا ياسر يبغو انتي تهت .

هوى قلبها بيت ضلوعها و هي تهتف بصدمة : مين ؟؟!!!!!!!!.

كررت الخادمة الاسم و هي تضغط على حرف الراء : بابا ياسرررر .

وضعت أصابعها على شفتيها بصدمة و هي حائرة فيما تقول قبل أن تهز رأسها و هي تهتف بارتباك : طـ .. طيب .. شويه و نازله .

أغلقت الباب و استندت عليه و قلبها يخفق بانفعال ، وضعت كفها على وجنتها و هي تهتف بحيرة : هذا اش يبغى جاي دحين ؟؟؟.

ورفعت رأسها إلى الساعة المعلقة على الحائط و هي تردف باستنكار : و الساعه 11 ؟؟!!!!!!!!!!.

شبكت أصابعها المرتعدة و هي تهتف : ليتك ما رحتي يا مرام .. يوووووووووه .

اندفعت بتوتر إلى خزانة ثيابها و التقطت زيًا أنيقًا بسيطًا متمثل في تنورة سوداء تصل إلى منتصف ساقيها و قميص أنيق مقلم بخيوط عريضة متداخلة من الأسود و الرمادي ، ارتدته على عجل ثم رتبت شعرها بسرعة ، نظرت إلى أدوات التجميل التي تملأ الرفوف أسفل المرآة بشكل عصري مميز ، صرفت بصرها عنها إلى المرآة و هي تهمس لنفسها : ليش ؟؟ .. على ايه تتجملين قدامه و هوا يالله يبلعك ؟؟.. و بعدين .. انتي ناسيه إن أمك دوبها توفت ؟؟.

منعت دموعها و هي تسرع إلى خارج الحجرة ، أغلقت الباب خلفها و امتطت الدرجات ببطء إلى الدور الأول ، توقفت عند آخر درجة و رأته في الجلسة الأنيقة على الجهة اليمنى ، أطرقت برأسها و هي تتجه إلى المكان ، و حالما وصلت .. ألقت السلام بخفوت ، تعلقت عيناه بها و هو يرد السلام .. كأنه يطمئن عليها من دموعها التي أنهكتها ، صرف بصره و هو يشير بيده إلى المقعد المجاور: تفضلي .. أبي أكلمك .

جلست حيث أشار .. و التزمت الصمت و هي تظن أن وجوده يتعلق بتركي ، فركت يديها و خفقات قلبها تأبى الهدوء ..

: أنا آسف على جيتي فـ هذا الوقت المتأخر .. بس لأني بكون منشغل في الأيام الجايه فظّلت إني أكلمك الآن .

لم تنبس ببنت شفه و هي تنكمش في مقعدها خوفًا من القادم ، لم يشعر بنفسه و بصره يجول في ملامحها اللطيفة التي تأبى أن تفارق عقله ، تحركت في مكانها بتوتر يخترقها حد النخاع ، فحمحم و هو يعتدل في جلسته و يرفع الكيس إلى جواره و يقدمه لها : تفضلي .. هذا جوال بشريحته .. في حال احتجتيه لجل تكلمين مرام أو عمي أبو فيصل اللي أضفت أرقامهم ... و .. رقمي .

رمشت عيناها مرارًا و هي تحلل ما تسمع ؟؟ .. هاتف جوال ؟؟ .. ومنه هو ؟؟؟ .. و لكن لماذا ؟؟ .

: تساهير

خفق قلبها بشدة و كأن نبضاته تتراقص بين ضلوعها من شدة المفاجأة و الرهبة ، انتبهت إلى يده التي تحمل الكيس و تمده إليها ، مدت يدها و أخذته بهدوء شديد و هي تهمس بـ : شكرًا .

نهض من مكانه على الفور قائلاً : سامحيني مره ثانيه على الجيه المفاجأه ...... في أمان الله .

نهضت من مكانها و هي تنظر إلى ظهره العريض المقابل لها و هو يسير نحو الباب الرئيسي ، قبضت على الكيس و رمشاها يتلامسان في صمت كسير ، و في قلبها يتفجر شعورٌ فَــقْـد مؤلم حد الوجع ، سمعت صوت الباب و هو يُغلق ....انتحرت الصرخات في صدرها ، و تبعثرت الآهات في جوفها ، تساقط الندى العذب على خديها و كيانها يقف حائرًا على أبواب المجهول الذي خلّفه رحيله في المكان ، زمت شفتيها و أجبرت أقدامها المتخاذلة على السير مجددًا .... علّ ذلك السرير الدافئ يحتضن مشاعرها و أحاسيسها .. المُنْهكة ! .


@@@@@@@@@@@@@@@@@


بـــــــــــــعد أســــــــــــــــبوع



.


.




** الــــــــــــــــــــسبـــــــــــــــــــــت **


.



## مـــــــــــــــــــــــلـــــــــــــــــــكـــة عـــــــــــــــــــــــــــــــزام ##


~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~



الرياض


فيلا أبو ياسر


30 : 2 ظهرًا


مسحت دموعها و هي تعض على شفتها بألم

....... : عرووب !! .

انتفضت في لوعة و التفت إلى الخلف لترى شقيقتها ، همست : عـ .. عبير ؟؟ .

تطلّعت إليها عبير بنظرةٍ حزينة ثم تقدمت منها و هي تهتف : حبيبتي يلا الغدا .

شهقت عروب في ألم و انفجرت بالبكاء ، انقبض قلب عبير و هي تركض إليها و تحتويها بين ذراعيها ، هتف بهمس باكي : حبيبتي ؟؟!! .

صاحت عروب و هي متشبثة بأختها : ما ابييييييه .. ما أببـيييييه ..ما أبي أتزوج يا عبيييير .. ما أبيييي .

تساقطت الدموع من عيني عبير و هي تستمع إلى نحيب أختها :حبيبتي .. خلاص .. أبوي عطى كلمته .

ابتعدت عن صدر أختها و صرخت : لااااااااااا ..لييييييييييش تغصبوني ليييش ..ليش تبون تزوجوني بالغصب .. لييييش ؟؟.

وضعت عبير كفيها على جانبي رأس أختها و تمتمت و هي تنظر إلي عينيها : عروب .. انتي اللي رفضتي بكل عصبيه في البدايه .. لجل كذا أبوي قام وعجّل بموضوع الملكه .

انتفضت عروب بقهر و هي تصيح : لاااااا ..يعني توني خالصه من خطبه .. ليش ما راعو نفسيتي .. يعني لازم أوافق على عزام واش فيها لو رفضته ؟؟؟.. في غيره بيتقدم ..بس انا الحين نفسيتي تعبااااانه و الله تعبانه يا عبيييير .

أغمضت عبير عينيها و هزت رأسها في أسى ، تنهدت في حرارة ثم تمتمت و هي تمسح على شعرها بحنان : يا قلبي .. اذا مو لجلي ..لجل أمي المسكينه اللي تنتظرك تحت و قلقانه عليك .

و ضعت عروب وجهها بين كفيها و هي تأن بألم ، و صورة أمها الحنون .. تومض في مخيلتها .

نهضت عبير من مكانها و هي تنظر إلى ساعتها بقلق ، ثم رفعت بصرها إلى شقيقتها التي تبكي و هتفت بمرح : أقوووووووول عاد .. يلا عن الدلع .. العصر بتجيك الكوفيره و تضبطك .. و بعد ما تجلسين مع المزيون بيروح كل هالنكد .

اشتدت أعصاب عروب أكثر و عبير تردف ضاحكة : اسأليني أنا .

و اقتربت منها تربت على ظهرها هاتفة : يلا يا قلبي .. خلاص عاد فـــــكيها .. هي كلها كم ساعه و بس .

شعرت بروحها تهيج من شدة انغماسها في نيران التوتر المحرقة ، غاص وجهها المبلل بين كفيها أكثر و هي تنتحب هامسة : انزين .. انتي انزلي و شوي و ألحقك .

زفرت عبير بحزن و هي تهمس : مثل ما تبين .

و سارت نحو الباب و هي تلقي عليها نظرة مشفقة أخيرة ، استكانت عروب في مكانها للحظة ثم رفعت كفيها عن وجهها و بصرها الباكي شاردًٌ في الفراغ ، ازدردت لعابها ثم همست بصوت متحشرج : نهايتك بتطلقني يا عزام .

و أردفت بصوتها الباكي : نهايتك بتطلقني يا ولد عمي .

و نهضت من مكانها و ثقل الألم المعشش في روحها .. ينهك كاهلها .


@@@@@@@@@@@@@@@


جده


الشركة


مكتب تركي


في نفس اللحظات


نقل الهاتف إلى أذنه اليمنى : الله يتمملك بخير يالغالي .

زمجر عزام بحنق : الحين يالثور أنا مكلمك من الأسبوع اللي فات و ما تحركت من مكانك ؟؟!!!.

زفر تركي : قلتلك الموضوع مو محتاج نقاش .. وجودي مو مرغوب فيه و انتا داري بهذا الشي .. و بعدين أنا ما أرضى أجلس هناك بينهم.

هتف عزام بغيظ : انت مطفوق .

لاح شبح ابتسامة على شفتي تركي : مطفوق فـ عينك .. انقلع دحين و جهّز نفسك .

ضحك عزام : أبشر .. و انقلع انت و شف تجهيزات باكر إن شاء الله .. و وصل سلامي للعروس و العريس .

: يوصل إن شاء الله .. مع السلامه .

و ضع هاتفه جانبًا ثم أكمل عمله ..


■ ■ ■ ■


1426 هـ

رمقه بنظرةٍ صارمة و هو يقف عند باب المكتب بوجهه الذي هبط عليه الوجوم ، تحدث ببرود : اش تبغى ؟؟!.

دلف إلى الداخل و هو يغلق الباب خلفه : ما توقعتك جبان وتخاف تواجه .

هب من مقعده و هو يصيح بغضب : مــــــــــــالــجـــبـــان إلا انــــــــــت و أبـــــوك و أعـــــــــــمــامــك اللـــي يـــــــــذبـــحــون الـــنــــــــــاس مـــــــــــن تـــــــــــــحــت لــــــــــــتـحت .

صاح الآخر بغضب شديد : احــــــــــــتــرم حـــــــــــالـــك يــا تـــــــــــــركــــــي و لا تطول أهلك .

قبض تركي على سطح المكتب بعصبية : اطـــــــــلـــــع بــــــــــــــرا بــــكـــــرامــــتـــك أحــــســـن يــــا عـــــزام .

تقدم عزام من المكتب و وضع يديه عليه متجاهلاً صيحة تركي ، تطلّع إلى عينيه في صمت قبل أن يقول بجدية : و اش اللي صار بالضبط ؟؟.

بادله تركي تلك النظرات الصامتة المهيبة ، ثم قال بخفوت : لا تسوي نفسك غبي يا ولد العم ، شرّكم وصلني و كشفته و انتهى الموضوع .

هز عزام رأسه نفيًا ببطء و قال بذات النبرة الخافتة : موب انت اللي تقول عني هالكلام يا ولد عمي .. و انت تدري بمعزتك فـ الخافق .

لم تتغير نظرة تركي و عزام يردف بحزم شديد : أضر نفسي و لا أفكر أضرك يا تركي ، و إن كانك كشفت خافي عليك فهو خافي علي أنا بعد .

تطلّع إليه تركي للحظة قبل أن يقول بنبرة قوية : و الثلاثه الكلاب اللي قبضت عليهم قبل فتره ؟؟.

جلس عزام على المقعد و هو يقول : و ربي في سماه إني ما أدري عن اللي تقول يا ولد العم .. اجلس و عملني باللي متعبك و مضيق صدرك و أنا أوعدك دام فـ صدري نفس إني بكون لك السند و الذراع اليمين .

■ ■ ■ ■


ابتسم و هو يقول : الله يوفقك يا عزام انتا و عروب .. و يجمع بينكم على خير .

أتاه طرق على الباب ، قال دون أن يرفع عينيه عن الأوراق : تفضل يا رامز .

دلف إلى داخل المكتب شاب أسمر ، متوسط الطول ، متوسط الجسد .. قال : السلام عليكم .

رفع تركي بصره إليه و قال : و عليكم السلام و رحمة الله و بركاته .. تفضل حياك .

و أشار إلى المقعد أمام المكتب ، تقدم الشاب و الذي كان يبدو عليه الارتباك الواضح .. إنها المرة الأولى التي يدلف فيها إلى مكتب رئيس الشركة الشديد الصارم .. أو يحادثه بشكل شخصي .

توقف أمام المقعد و هو يشعر بالحرج الشديد و برودة المكان تجمد أطرافه ، ابتسم تركي مُرحبًا و أشار إلى المقعد مجددًا: تفضل يا رجال .

شكره رامز بتحية من رأسه ثم جلس و عيناه معلقتان بالأرض ، ابتدأ تركي الحديث قائلاً : الأستاذ يزيد قلي إنك تبغى تآخذ إجازه لمدة 3 شهور .. رغم إنك آخذ إجازه قريب و لسا ..

و نظر إلى الورقة في يده : ما مر عليها أسبوعين .. و بما إنك رجال مجتهد فـ شغلك بشهادة رؤسائك حوّلك يزيد عليا عشان أفهم السبب .

صمت رامز للحظة قبل أن يقول بصوت حزين : الوالد الله يحفظه مريض بمرض نادر و أنا الوحيد اللي باقيله هنا و .. الدكتور طلب مني إني أسافر معاه ضروري لأمريكا في غضون أسبوع واحد ونتابع العلاج هناك .

نظر تركي إلى التقارير الطبية في يده و التي تثبت ما يقول الشاب ، سأله : و متى راح تسافر ؟؟ .

رفع رامز بصره بدهشة و كأن ذلك يعني أن تركي وافق على منحه الإجازة ، أجابه على الفور : على الأقل بعد يومين .

أومأ تركي برأسه و ختم على الورقة بالموافقة على الفور و هو يقول : تم .

تهللت أسارير وجه رامز و هتف بفرحة عارمة : الله يبارك فيك و يبارك فـ مالك و حلالك يا أستاذ تركي .

لاح شبح ابتسامة على شفتي تركي ، كان على علم بشدة بر هذا الشاب بوالده من كثرة الأخبار التي تصله عنه ، و كان مدركًا كذلك للوضع المادي البسيط له في بداية حياته المهنية .. لذلك قال : الله يسلمك .. بس بعد إذنك راح يطلع معاك يوسف الـ*****.

زوى رامز ما بين حاجبيه في قلق و لم ينبس ببنت شفه ، فابتسم تركي و قال مبررًا : له خبرة واسعة بهذي الأمور و هوا اللي راح يدلك على أفضل المستشفيات هناك .. و بيكون مسؤول عن كل التكاليف .

اتسعت عينا رامز بصدمة حقيقية ، فأردف تركي بهدوء : أهني فيك برك بأبوك يا رامز .. و هذا عربون شكر مني أنا شخصيًا .

ارتجف لسانه في حلقه من هول المفاجأة ، لم يكن يحلم .. فقط يحلم بهذا السخاء و الكرم ، كان موضوع السفر يرهق كاهله .. و قد قرر أن يستدين لعلاج والده المريض ، لا زال يذكر دعواته له قبل أن يخرج من المنزل هذا الصباح فقط من أجل الحصول على الإجازة ، و الآن .. يحصل على الإجازة و ضمانة العلاج في أفضل المستشفيات و بدون أن يدفع شيئًا كذلك .

نهض من مكانه و دار حول المكتب و الصدمة ممزوجة بالفرح العظيم في وجهه ، ابتسم تركي و هو ينهض بدوره مادًا يده ظنًا منه أن يرغب بمصافحته .. و لم يشعر إلا و هو بين ذراعي الشاب المسكين الذي لم يتمكن من كبت دموع الفرح : الله يفرج عنك يا أستاذ تركي .. الله يبارك فيك و يبارك فـ حلالك .

ربت تركي على ظهره مجيبًا : اشكر ربك يا رامز .. هذا كله من فضله .

ابتعد عنه رامز و هو يقول : الحمد لله .. الحمد لله .

ثم تراجع على الفور إلى الخلف و تركي يمد له بالأوراق : تفضل .

أخذها بيديه المرتعدتين و هتف بكلمات شكر مختلفة قبل أن يخرج من المكتب .

جلس تركي على مقعده و هو يهمس : يا ربي القبول .


@@@@@@@@@@@@@


جده


فيلا تركي


00 : 6 مساءً



ألقت بالمجلة جانبًا و هي تسترخي في مقعدها ، جالت ببصرها في المكان المرفه و عقلها يدور ** يا ترى .. ممكن رهف تكون في هذي الفيلا و أنا ما أدري ؟؟ ... لا لا .. مستحيل يجازف و يخليها في المكان اللي أنا فيه.. **

شعرت بقلبها ينقبض و هي تعتدل في جلستها ** طيب .. وين ممكن تكون ؟؟ .. أنا مستحيل أجلس ساكته كذا .. لازم أسوي شي .. بس ... أخاف يطردني و جوري تحتاجني كثير الآن .. يعني .. لازم أستنى إلين ينتهي الزواج .. و ثاني يوم على طول راح أبهذله إلين يعطيني عقاد نافع ..**

و ظهر الإصرار على ملامحها و هي تهمس : و أشوف اش نهايتها معاك يا تركي .

رأت الخادمة تتقدم إليها و هي تحمل بين يديها كوب من عصير الفراولة ، شكرتها مرام و هي تأخذ الكوب و قالت لها : آه .. انتي اسمك ألين .. صح ؟؟.

أومأت الخادمة برأسها في احترام ، فابتسمت مرام و هي تسألها بخفوت : آه .. انتي في شوف بنت يجي هنا شعرها قصير بني .

و أخذت تشير إلى رأسها شارحةً : حلوه .. و فـ وجهها كذا

و ضغطت على إحدى وجنتيها كأنها تشرح لها معنى غمّازه ، هزت الخادمة رأسها نفيًا و الحيرة واضحة في ملامحها ، فلوت مرام شفتها بضيق و هي تتراجع في مقعدها و تقول : طيب شكرًا يا ألين .

حيّتها الخادمة برأسها قبل أن تعود أدراجها ، دلفت جوري إلى المكان و هي تتأفف ، ضحكت مرام و هتفت : مسرع طفشتي ؟؟!!!.

نظرت جوري إلى يديها و هي تهتف باشمئزاز : قــــرف يا خالتووو .. ماني متعوده على الحِنا .

هزت مرام رأسها بأسف و هي تجيبها : عشنّك خبله .. المفروض كل عيد تسوين حنا .

جلست بجوار خالتها و مدت ساقيها بضجر تنظر إلى النقش المتقن البديع الذي يصل إلى أسفل ركبتيها ، هتفت بضيق : شوفي إلين وين سوتلي .

ضربتها مرام على رأسها بخفة هاتفة : هذا اللي يتسوى للعرايس .

ثم نظرت إلى ساعتها و قالت: يلا .. البسي عبايتك و خلينا نمشي .. الرجال شويه و يوصلون .

سارت جوري باتجاه حجرتها و التقطت عباءتها ، و قبل أن تخرج تأملت فستان زفافها المعلق ، ضمت عباءتها و هي تبتسم بحزن ..

** آآآه يا ماما .. ليتك حبيتيني .. و عشتي معايا هذي الأيام .. **

أوجعت الدموع عينيها ..

: جــــــــــــــــــــــــيجـــي .

صاحت و هي تضع طرحتها على رأسها : جـــــــــــــااااااااااايه .


@@@@@@@@@@@@@@


الرياض


فيلا أبو ياسر


00 : 9 مساءً


اشتعلت أنوار الفرح في تلك الفيلا ، و فاحت رائحة العود في جنباتها مختلطةً بعبق القهوة العربية ، اجتمع الإخوة و عدد قليل من الأقارب في مجلس الرجال الكبير الذي خرج منه ذلك الشاب الأنيق و هو يحمل الدفتر في يده ، وصل إلى مدخل الصالة الرئيسية و صاح : ياولـــــــــــــــــــــد .

هتفت أمه في فرحة عارمة : اقلط يا وليدي اقلط .

دلف إلى الداخل و الابتسامة تعلو محياه : يلا يالغاليه .. برقى للعروسه .

سارت خلفه والدته و هي تزغرد ، وصل إلى جناح شقيقته في الدور الثاني و استقبلته عبير ، بفستانها التفاحي الحريري الذي تتركز في جزء من قطعته السفلية بقعة مزجت اللونين الوردي و البنفسجي و تمتد من ذلك الخليط خيوط رفيعة تصل إلى صدرية الفستان الذي زينه شك فاخر ، تركت شعرها الأسود حرًا يمتد إلى نصف ظهرها ، أما حليها فقد ارتدت أقراطاً طويلة من الألماس .. تنسجم مع ألوان الفستان .. و خاتماً و سواراً كذلك .

رسمت ابتسامة سعادة على شفتيها المزدانتين بأحمر شفاه وردي و هتفت: حيا الله أخو العروسه .

ابتسم ياسر بدوره و هو يهتف : حيا الله أختها .. وين قمرنا ؟؟.

أشارت عبير إلى الداخل فدلف ياسر إلى داخل الحجرة و اصطدم بصره بها ..

فهاجت مـــــــــــكــامـــن الــــــذكــــــــــــــــــرى ..

■ ■ ■ ■


: عــــــــرووووب , عــــــــــــــــــــــــــــــــــــروبــــــــــ !!!!!!!! قـــــــــــــوميييييييييييييييييييييييي .. عــــــــــــــــــــــــــروووووووووووووووبــــــ .


:ي.. ياسر؟ ..


: واش اللي سار ؟؟ تكلمي , تكلــــــــــــــمــــــــي ؟؟ مين ؟؟مــــــــــــــــــــــيييييييييييييييين ؟؟.


■ ■ ■ ■


: هيييييييييي يالربع .

أغمض عينيه للحظة و الابتسامة معلقة على شفتيه : معك يا حرم نواف .. بس الجمال اللي قدامي خضني .

هتفت والدته ضاحكةً : عقبالك يا نظر عيني .. عقبالك .

خفق قلبه وصورة تساهير تندفع إلى عقله ، أشاح ببصره إلى عروب بوقفتها الخجولة ، كم كان منظرها رائعًا


بفستانها الأحمر المكون من قطعتين ، تنورة واسعة من قماش – الشيفون- الناعم يعلوها طبقة أخرى من – الأورجنزا - الذي تزينه لمعة فاخرة ، صدره مطرز بخرز و لآلئ ناعمة ، و مطعم بكريستالات رقيقة تصل إلى الخصر بطريقة مائلة نحو اليمين و على كتفها الأيسر ثبت وشاح صغير بطريقة فنية رائعة.

شعرها الأسود تُرك حرًا بينما ارتفعت مقدمته التي طُعمت حدودها بقطع بسيطة من ذات الكريستالات اللامعة , أما مكياجها فقد كان فاتناً ، أبرز جمال ملامحها بدقة متناهية ، و منحها لمسة طفولية رقيقة .

تقدم منها و هتف : يلا يا عروستنا وقعي .

ارتجفت شفتاها و أغروقت عيناها بالدموع .. ماذا تقول ؟؟ .. لا شيء .. ، لن يقبل أحد اعتراضها .. لأنهم لا يفهمون معنى تلك المشاعر التي تجيش في صدرها و ترهق أعصابها .. لا يقدّرون ألمها و خوفها ، ليست حادثة بسيطة تلك التي مرت بها ، لكنهم لن يشعروا .. لأنهم ليسوا الضحية .

.

شعر ياسر بها فوقف أمامها خشية أن ترى والدتهما تلك الدموع ، همس بحزم : عروب .. لا تشوف أمي دموعك .

و مد لها القلم ، كبتت شهقاتها قدر الإمكان و قلبها المثخن بالجراح على وشك الانفجار ، أمسكت بالقلم بأصابعها المرتعدة ، رفع ياسر لها الدفتر قائلاً : سمي .. و و قعي .

زمّت عروب شفتيها و تعلقت عيناها بتوقيع عزام ، ارتدت روحها بعنف ، اشتعل صدرها ، تزلزلت مشاعرها ، اهتز القلم في يدها ..

و

: عـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــرو وووب !!!!!!!!!

سقط الدفتر من يد ياسر و هو يمسك بها قبل أن تقع ، شهقت والدتها في رعب : بنتيييييي .. واشبك .

ساعدها ياسر على الجلوس و هو يقول : دلع العروس يمه .. أكيد ما حطت بثمها شي من الصبح .

شل الاختناق حركتها و هزت الدموع الصور أمامها ، ضغط ياسر على كفها بقوة و عيناه الصارمتان معلقتان بوجهها ، فهمت إشارته لكن الأمر ليس بيدها ، أيقظتها شهقات والدتها المذعورة و كلمات عبير الحانية لتشعرها أنها ليست بمفردها .

مد إليها ياسر القلم مجددًا ، التقطته .. سمت بالله و ذكرى الحادثة تشرخ روحها ، تنفست الصعداء و الدموع سيول جارفة على وجنتيها و ..

# وقــــــــــــــعـــت #

زغردت عبير بفرحة كبيرة و جلست على ركبتيها أمام عروب تمسح دموعها و تهتف بسعادة عميقة : خلاااااااااااص يا البكّايه .. المثبّت ما بيتحمل كل هالدموع .

حمل ياسر الدفتر و هو يهتف بسعادة جمّة : مبرووووووووووووك يا آخر عنقوده .

: لااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااا اااااااااااا

رفع بصره إلى القادم و هو يضحك ، وضع مروان يديه على جانبي خاصرته و هو يهتف بعصبية: بحذف الهاء المربوطه .. حقوق اللقب محفوظه لي .

خرج ياسر من الحجرة قائلاً : تخارج انت و أختك .


.


.


.


و في مجلس الرجال


انتهى الشيخ من عقد القرآن و تمّت المباركة بين الإخوة و الأبناء ، احتضن ياسر عزام و هو يقول له : لا أوصيك على الغاليه .

ضربه عزام على كتفه مداعبًا: استحي على وجهك .

تراجع ياسر إلى الخلف و فيصل الجالس على الأريكة يهتف من أعمق أعماق قلبه : الـــعــــــــقــبــى عندي يااااااااااااااااااااااااارب .

التفت إليه الجميع بدهشة و نادر يضربه على كتفه و هو يهتف : هذا وانت متزوج يالمطفوق .. كيف حنا العزابيه ؟؟ .

دفع فيصل يده جانبًا و هو يهتف بحنق : انقلع يالخَــبل .. والله لو موب وجع الراس كان أخذت عليها ثانيه و ثالثه و رابعه بعد .

هز أبو فيصل رأسه في أسف و انفجر نواف بالضحك و اقترب منهما و هو يهمس خشية أن يسمعه أحد : و عيد ماضي جدنا ســعـــود .

غص نادر بالشاي الذي يشربه و أخذ يسعل بشدة و فيصل يضربه على ظهره و هو يهتف: شوي شوي يالدبلي الشاي موب طاير .

اتسعت عينا نادر و هو يضع يده على عنقه و يهمس : جدنا سعود .. تقصد أخو جدي متعب .

أومأ نواف برأسه و هو يرفع أحد حاجبيه : ايه .. واشبك تناظر كذا كنك أول مره تدري .

زوى نادر ما بين حاجبيه في ضيق و هو يهمس : آخر العنقود .. و مخزون المعلومات السريه عندي شبه فاضي .. تعالي و قص علي السالفه .

جلس نواف إلى جوارهما و همس : جدك أبو خالد الله يرحمه كان عنده أخو من أبوه اسمه سعود ، سعود هذا تزوج حرمتين .. جاب من الأولى و لد و بنت .. و من الثانيه ولد بس و

: يــــــــلا يا ولــدي يا عــــــــــــزام .. نطلعك لعروسك .

هب نواف من مقعده و الابتسامة مرسومة باتساعها على شفتيه و هو يهتف : يلا يلا .

ضربه نادر بحنق و فيصل يهتف : الحين قالوا عزام ولاّ نواف يالمطفوق .

حرك نواف حاجبيه و هو يهمس بخبث : بشوف خشته قبل ما يدخل و بعد .

و انفجر بالضحك و هو يلحق بهم .

.


كانت الابتسامة تعلو شفتي عزام و إن كان القلق يعتمر في داخل نفسه و هو يسير خلف عمه و والده إلى جواره و نواف خلفهم ، التفت إليه والده و قال : الحين وراك ما جلست مع عيال عمك ؟؟.

ضحك نواف و هو يلوح بيده : الله يسلمك غثتني خششهم و دي أشوف خشة ولدك و هو يدخل .

أشار إليه والده أن ارجع : توكل على الله .

رفع نواف حاجبيه في استنكار و هو يهتف : يبه عاد ما ني كبر مروان أنـ

قاطعه والده و هو يواصل سيره : أقول اركد و رح و اجلس مع عيال عمك .

تأفف نواف بحنق و هو يعود ، أما ياسر فقد همّ باللحاق بهم و لكن وجه أبو فيصل الشاحب أجبره على البقاء ،

توجه إليه هامسًا بقلق: عمي ؟؟.

رفع أبو فيصل بصره : سم .

جلس ياسر إلى جواره هاتفًا بمرح : ما ودك تسلم على عروب ؟؟.

تنهد أبو فيصل و هو يمسح على جبينه و ينظر إلى هاتفه المحمول : امبلى ..بس .. شغلني فارس .

اشتدت أعصاب ياسر عندما ورد ذكره ، سأله باقتضاب : و اشبه ؟؟ رجع من إجازته ؟؟ .

أغلق أبو فيصل هاتفه بغضب : إجازته انتهت من مده و للحين حضرته ما شرّف .. و جوالاته كلها مغلقه.

سأله ياسر بحذر : كلمت ربعه ؟؟.

نهض أبو فيصل من مكانه و هو يقول بحنق : ما يشرفني أكلمهم .. كل واحد أحط من الثاني .

مشى ياسر إلى جواره هاتفًا : تبيني أكلمـ

قاطعه أبو فيصل على الفور : لااا .. طول عمره الكلب ما يعبّر أحد .. لكن أنا أوريه قدره زين .. بعطيه أسبوع و إن مارجع .. لي تصرف ثاني .


.


.



في الطريق إلى عروسه .. كل ما قرأه يتردد في رأسه الذي يضج بالأفكار المختلفة ، و قلبه يخفق قلقًا و رهبةً و

: يــــــا عــــــــــريـــس!!!

رفع رأسه إلى عمه الذي أشار إليه بابتسامة : حياك .

دلف إلى داخل المجلس الواسع ، أرائكه الفاخرة المذهبة الأطراف ، السجادة الحريرية التي تتوسط المكان ، الثريا المرتفعة ، الستائر المخملية الأنيقة و أخيراً .. تلك الحسناء التي تقف بهدوء في صدر المجلس .

توقفت قدماه عن الحركة .. كأنما .. راق له أن يتأملها من هذه المسافة ، ضربه والده بخفة فالتفت إليه ، أشار بعينيه إليها ، تحرك نحو الأمام و والدها يقبل رأسها و هو يهمس بحنان: ألف مبروك يا بنتي .

نكست رأسها بألم باكي ، كانت السعادة طاغية على ملامح أبو ياسر الذي هتف لابن أخيه : اقرب و استلم مكانك يا عزام .

اقترب عزام منها و وقف أمامها و عيناه تتأملان وجهها الجميل بصمت ، هذه التي أشغلت فكره ليالي و أيامًا تقف الآن أمامه .. هذه التي ارتبط مصيره معها منذ دقائق تقف أمامه ، هذه التي يجب أن يقدم لها كل العطف و الحنان و الحب ، التي يجب أن يحتويها بروحه .. تقف أمامه في صمت خجول .

وضع يده على جبينها فتصاعد الرعب في نفسها و سرت القشعريرة في جسدها كله و هي تتذكر .. لمسات ذلك الحقير و قرأ الدعاء " اللهم إني أسألك خيرها وخير ما جبلتها عليه وأعوذ بك من شرها وشر ما جبلتها عليه " أرخى يده و أمسكها مع جانبي كتفيها و قبل جبينها برقة ، ابتلعت ريقها .. تحاول السيطرة على الألم الذي يهاجم معدتها بشراسة و يشعرها بالغثيان و

: ألف مبروك .

حروف هادئة باسمة انبعثت من بين شفتيه و لم تنطق و هي تقبض بكل ما أوتيت من قوة على باقة الورد التي تحملها ، ابتسم و وقف إلى جوارها و هو يقبض على جانبي – مشلحه – الأسود .

قبّل أبو فيصل رأسها و هو يهمس بحنانه الأبوي الذي ارتسم في عينيه و انبعث من بين شفتيه : ألف مبروك يالغاليه .. هالله هالله فـ رجلك يا بنيتي .

تجمعت الدموع في عينيها و هي تطرق برأسها أكثر ، تخشى فرارها

** .. آآآخ يا عمي .. ولدك اللي دمر حياتي يا عمي .. ولدك .. **

و لاحظها الذي يقف إلى جانبها ليتأكد الأمر أكثر ، ابتسم و هو يلتفت إلى عمه الذي يحدثه قائلاً : فـ عيوني يا أبو فيصل .. و أنا أقدر أضيّع قلبي بعد ما لقيته .

تصلب جسدها و أبو فيصل يضحك في مرح و والده يضربه على ذراعه بخفة : استحي يا ولد .

تقدم ياسر الذي التزم الصمت منذ البداية ، توقف أمامها و همس و هو يمسك بكفيها : ألف مبروك يا آخر عنقوده .. عزام رجال و بيحطك فـ عيونه .

سالت دمعة ساخنة على خدها و هو يطبع قبلة على جبينها ، التفت إلى عزام و قال بصوت مختلج : عطيت نواف عين و الحين عطيتك عيني الثانيه يا عزام .. هالله هالله فيها.

أومأ عزام برأسه و هو يربت على كتفه قائلاً بصدق : إن كانت عينك فهي الهوا اللي أتنفسه يا ولد عمي .

ابتسم ياسر و هو ينظر إلى عمه أبو فيصل الذي هتف ضاحكًا : أقول خلونا نلّقط .

اتسعت ابتسامة ياسر و عماه و هم يخرجون خلفه ، كان آخرهم والده الذي منح عزام نظرةٍ مرحة و هو يهتف : ساعه بس و

التفت خلفه عندما سمع صوت أبو فيصل من البعيد، فضحك و هو يعود للنظر إلى عزام : و نص زياده لخاطر عمك أبو فيصل .

ابتسم عزام و عمه يغلق الباب و بعدها .. ساد الصمت .. صـــــمــــت مـــــهـــيــــب ..

أطرق برأسه .. يتذكر الكلمات التي سينطق بها ، التفت إليها و رفع حاجبيه عندما لاحظ أنهما لم يجلسا بعد ، لاحظت نظراته فقبضت على باقة الورد التي تحملها بشدة ، دار بجسده نحوها وهمّ بفتح فمه شهقت بعنف و ابتعدت عنه ، فغر فاه و رفع يده محاولاً الشرح .. شهقت أخرى و هي ترفع الباقة لتغطي وجهها ، زوى ما بين حاجبيه في دهشة ، كان يدرك أنه سيواجه صعوبة و لكن .. ليس بهذه الطريقة ، همس بتساؤل : عروب ؟؟! .

أجهشت ببكاء مرير و وجهها خلف تلك الباقة ، أعاد يده إلى جواره و هو ينظر إلى يديها المرتعدتين من فرط البكاء ، تنفس الصعداء و هو يدرك الآن .. أن لمسها و التربيت عليها آخر ما قد يفكر فيه ، صمت يجمع شتات أفكاره الذي فر ، ثم قال بحنان : لا تخافين .. ما بقربك .. اجلسي و ارتاحي .

لم تبدي أي استجابة و استمرت في بكاءها ، قبض على جانبي – مشلحه - و توجه إلى أبعد أريكة ثم جلس عليها .

حاولت أن تسيطر على أعصابها قدر الإمكان .. مذعورة من نفسها .. لماذا لم تصبر أكثر ؟؟ لماذا انهارت بهذه السهولة ؟؟ ..


■ ■ ■ ■


: عروب.. ورقه الإثبات عندك و عزام رجال و النعم فيه

: لا تضيعين عزام من يدك .. لا تضيعينه .. أنا أضمنه لك و الله أضمنه .. عزام أحطه على يميني .. صدقيني ما بتلاقين أحسن منه


■ ■ ■ ■


استجمعت قواها الكسيرة فتراخت يداها و ظهر وجهها الباكي للنور ، لم ترفع بصرها بل جلست في مكانها على الفور و أخذت أصابعها تداعب أوراق الورد بارتباك و قلبها .. يوشك أن يخرج من مكانه .

.


الآن فقط .. أدرك لب الحقيقة .. و هي أن الطريق طويل أمامه .. ربما قرأ .. و لكن القراءة أمر مختلف عن معايشة الأمر الواقع .

فوض أمره إلى ربه و قال باسمًا : واشلونك ؟؟.

ازدردت لعابها و هي تغمض عينيها ، لا تقوى على الكلام .. تشعر بضعف شديد يكتسح أطرافها ..

: عروب ؟؟ .

فتحت عينيها .. عندما سمعت نبرته القلقة ، تسلل يأس عجيب إلى قلبها .. يأس .. ممزوج بأطنان من الندم .. لماذا وافقت ؟؟ لماذا لم ترفض ؟؟ لماذا لم تعترض بشراسة على هذا الزواج ؟؟.. كانت مشكلة واحدة .. و الآن .. تضاعفت إلى اثنتين .

يمكنها أن تصبر على مصيبتها و تحتمل و لكن الآن .. أصبح في حياتها شخص آخر ينتظر منها الكثير .

ندت من بين شفتيها شهقة مكتومة مزقت على إثرها ورقةً من الورد.

.


لم يغب شيء عن عينيه اللتين ترصدان حركاتها .. نقل بصره إلى يديها الضعيفتين اللتين تعتصران أوراق الورد اعتصارًا ، .... عليه أن يغادر .. الفتاة .. غير مستعدة أبدًا ، يجب أن يترك لها مساحة كافية لتفكر .. و تحسب .. و تخطط .

و قف ببطء حتى لا يثير فزعها و قال بلطف : امسحي دموعك قبل ما أطلع .

فهمت ما يقصده .. يجب أن لا يشاهد أحد تلك الدموع ، و لكن مالذي حصل في مكياجها إثر تلك الدموع الغزيرة ؟؟؟ .

سحبت منديلًا من العلبة الذهبية المزخرفة أمامها و رفعته إلى وجهها

: استعملي ثلاجة القهوة .

لم تفهم ما يعينه ، رفعت أحد حاجبيها ..

: عشان تعكس صورتك .

أدركت مقصده ..لا توجد مرآة في المجلس لذلك عليها أن

: تسمحين ؟؟ .

أجبرت نفسها بالقوة و رفعت رأسها ببطء ، التقطت عيناها يديه اللتين تحملا ثلاجة القهوة فضية اللون ، سار باتجاهها فتسمرت في مكانها من شدة الخوف و هي تعد خطواته و أنفاسها تختنق في حلقها ، ... لم يقترب من الطاولة المزينة التي أمامها بل مد يده من مسافة قائلاً : تفضلي .

وضعها و عاد أدراجه ......

اهتزت شفتاها .. تريد أن تبكي .. تنفجر بكاءً .. لماذا ؟؟ .. لا تدري .. تصرّفه أشعل في داخلها شيئًا ما ، مسحت دمعتها و أخذت الثلاجة بيدها المرتعدة ، نظرت إلى وجهها المحمر .. لم تكن صورتها واضحة تمامًا .. و لكنها .. قامت بالتعديلات المطلوبة .

راقبها ..

جسدها الذي يهتز بين فينة و أخرى إثر شهقة تصدر منها .. و عيناها النجلاوان بكل ما تكتنفانه من الخوف و الألم ، و شعرها الأسود الطويل .. الذي أضفى عليها سحرًا عجيبًا ..

.


جميلة ..مهما أراد أن يكابر ..

جميلة .. بكل ما في الكلمة من معنى ..


.


انتهت و أخفت المنديل المتسخ في باقة الورد ، ابتسم برقة و هو يقول : عروب .. أدري ان نفسيتك الحين موب متقبله أي شي .. لكن .. أبي منك طلب و أتمنى ما ترديني .

أشاحت بوجهها كأنها تحاول الهرب من كلماته ، أردف قائلاً : أبيك تعتبريني .. صديق تشكيله كل ما فيك .

قبضت على كفها بألم و كلماته تنساب في أذنها و تستقر في قلبها الجريح رغمًا عنها ، كلماته التي تواصلت بنبرات صادقة حنونة : من اليوم .. أنا اللي بيحتوي كل همومك و آلامك ..أنا القلب اللي بيحتويك .

تسارعت أنفاسها و أوشكت دموعها على الفرار مجددّا ، ختم حديثه بهمسة معبرة : ومتى ما احتجتي لوجودي .. بتلاقيني جنبك .

اشتدت أعصابها لهذا الحنان و لتلك الرقة التي لم تستسغها ، كانت كالمشرط الذي يمزق كيانها و يصّبره في ذات الوقت .. نزاع غريب أثاره في داخلها .. نزاع موجع مرير .

: انتبهي لنفسك .. في أمان الله .

رفعت بصرها فاصطدم بعينيه الباسمتين ، أشاحت بوجهها على الفور و قلبها يخفق بنبضات كريهة ، صرف بصره عنها و هو يخرج و يغلق الباب خلفه .

تركت الباقة و أخذت تحرك الهواء تجاه وجهها و هي تهمس بصوت باكي : عروب يكفي بكى .. خلاص .. خلاص .. اصبري.. اصبري ..


.


.


رفع رأسه ليجد ياسر واقفًا أمامه و القلق بادٍ على محياه ، القلق الذي يفتك بقلبه على شقيقته بعد أول لقاء ، القلق من انطباع عزام و شعوره بعد أن رآها .

رسم عزام على شفتيه ابتسامة عريضة و هو يهتف في مرح : شف عاد .. الود أجلس .. بس أبوي معطيني التعليمات من البيت .. لو تأخرت زود خمس دقايق كان شفته جرّني مع الثوب لباب بيتكم .

تهللت أسارير ياسر و هو ينفجر بالضحك و جزء من قلقه تبدده نظرات عزام المرحة و ملامحه السعيدة ، اقترب عزام منه و هو يهتف : ايه ايه .. انت اضحك .

و التفت إلى الباب وجمال تلك الحسناء يتراءى أمام عينيه و قال بخفوت : و قلبي أنا يتعذب من الفراااااااااااااق .

ضربه ياسر على كتفه ثم أمسك بذراعه و هو يجره للخارج هاتفًا : و الله إن عمي صادق .. يلا يالثور .

قهقه عزام و هو يدفعه بيده : زين زين .. أشوووووووووفك يوم زواجك يا أبو رحم .. والله لأطلع كل حرتي فيك يا سوير .


.


.


.


أمام باب المطبخ المطل على الحديقة كان منشغلاً بالحديث في هاتفه المحمول مع رجال الشركة المكلفة بالعشاء .

رفعت حاجبيها و هي تقف خلف بالباب و تهتف : نواف .. طاولات الميز للحين ما جات ؟؟!!!!!!! .

أنهى مكالمته و اقترب من الباب و هو يهتف : يا بنت الناس الحين واش اللي مقومك من عند الحريم و الساعه توها بتجي عشر .. عشاكم انتم على وحده ثنتين حارقه رزك من الحين ليه ؟؟ .

عقدت جبينها و هي تهتف : لأن ما في مثلك فـ النسيان سي نواف و ما ودي أتفشل قدام الجماعه .

رفع عينيه و هو يضع يده على قلبه هاتفًا : قال نسيان قال .. كان نسيت حبك اللي ينبض هنا .

هزت رأسها و هي تدافع ابتسامة ترتسم على شفتيها و هتفت بعصبية مصطنعة : والله أكلمك جد .

هتف بصوت هائم : و أنا بعد أتكلـم جد .

ثم أردف برجاء : و الحين ممكن أدخل المطبخ و أبرد قلبي بكاسة ماي من يدينك الحلـ

تغيرت ملامح وجهه و هو يشيح به و يهتف : يا ولــــــــــد .

زوت ما بين حاجبيها و هي تلتفت إلى الخلف و ظهرت الصدمة على وجهها عندما رأت مضاوي تقف بفستانها الأسود الخليع ، أغلقت الباب على الفور و الغيرة تشتعل في نفسها ، هتفت بلا تفكير : مضاوي .. بعد إذنك زوجي يبي يدخل .

رفعت أحد حاجبيها الرفيعين و هي تلوح بيدها : والله أبي ماي .. طلبت الخدم و ما جابولي .. صدق حسن ضيافه .

رفعت عبير حاجبيه و قلبها يخفق بغضب لا مثيل له من هذه الوقاحة ، هتفت بسخرية : اعذرينا آنسه مضاوي إذا ما بلينا عطشك .. الحين أكلم وحده و أخليها تجيبلك .

لوحت بيدها في دلال و هي تجلس على أحد كراسي المطبخ : الحين لو سمحتي .. ضميانه حدي و ما فيني أمشي .

تفجر الحنق في نفس عبير و هتفت بنبرة حادة ؛ متعمدة أن تغيظها : مضاوي قتلك بتجيك الماي لحدك .. الحين اطلعي .. نواف بيدخل .

رفعت حاجبيها و هي تبتسم في داخلها ** .. أثاره وسيم ولد خالي .. خليني أحرق قلبها ..** ، تظاهرت بالنظر إلى أظفارها و هي تضع إحدى رجليها على الأخرى : قتلك موب قايمه وخليه يدخل و اش يعني ؟؟ .

بُهتت عبير من وقاحتها و همّت بالصراخ لكن هتاف نواف من خلف الباب : عبير .. لا تغثين كبدك يا عمري بناس ما تسوى .. أنا ماشي .


التفتت في حدة إلى مضاوي التي ارتفع حاجبها بقهر من كلمات نواف ، سارت عبير باتجاه الباب و هي تهتف لها بابتسامة شامتة : لقطي وجهك الغثيث يا وقحه .

و أشاحت بوجهها و هي تغادر المكان ، تفجر الغل في نفسها و هي تكاد تحرقها بعينيها ، قبضت على أصابعها المزينة بطلاء أسود مخيف و همست بحقد الدنيا كلها : طيب .. إن ما خربت بيتك إنتي و إياه ما كون مضاوي بنت مزنه .

و هبت من مكانها و هي تحرك شعرها القصير ، ثم توجهت إلى الداخل متبخترة بفستانها الذي يكشف كل ظهرها ، وساقيها إلى منتصف فخذيها ، توجهت إلى المرآة في الركن و هي تداعب خصلات شعرها القصيرة و ابتسمت معجبةً بمكياجها - الفوشيا - الصارخ ، همست بحقد : خربت بيت أختك و باقي دروك انتي يا بعير .

و ضحكت و هي تعود لمجلس النساء .


.


.


.


.



** الأحـــــــــــــــــــــــــــــــــــد **


30 : 12 صباحًا



بعد أن زُفت و هدأت الأجواء ، ابتسمت برقة و هي تجلس إلى جوارها و همست بحب : سوري .. بغثك .. بس جمالك صرعني .

ابتسمت بخجل و هي تمسك بيدها و تضمها في حنان هامسة : سامحيني يا ربى .

هزت رأسها نفيًا و هي تقبض على يدها و تهمس مداعبة: ولوووو يا عُرعُر .. حنا ما بينا هالكلام .. و بعدين .. طبيعي من وقت لوقت الواحد يبعد عن الكل و يختلي بنفسه شوي .

تطلّعت إليها عروب في امتنان شديد و الدموع متجمعة في عينيها ، فاتسعت ابتسامة ربى و هي تضمها هامسة : اخص عليك يالدب .. تبكين ليـ

واختنقت كلماتها هي الأخرى بدموع ملأت حلقها و تساقطت من عينيها ، شهقت باكية و هي تهمس : أنا اللي لازم أعتذر لأني ما عرفت و اشلون أساعدك .

ربتت عروب على ظهرها و هي الأخرى تدافع دموعها الغزيرة ، همست بحنان : أفااا عليك يا ربى .. من قال انك قصرتي .. وقفتك جنبي ما بنساها أبد .

ضحكت و هي تتراجع للخلف و تمسح دموعها هامسةً : لا تكبرين راسي عشان لا أحطم عريسك المصون اللي بيآخذ مكاني الحين .

صرفت عروب بصرها إلى الباقة فانفجرت ربى بالضحك و هي تمسح دموعها : خلاااااص .. ما بجيب سيرته بس طالعي فيني و خليني أشبع من شوفتك .

اتسعت ابتسامة عروب و هي تمسح دمعتها و تلتف إليها مجددًا ، هتفت ربى بابتسامة واسعة : خالتي وداد تسلم عليك و تقلك ألف ألف مبروك و تعتذر لأنها ما قدرت تجي .. زوجها عنده استلام .

ابتسمت عروب بخجل و قالت : الله يسلمها و يسلمك .

ثم ربتت على كتفها قائلةً : الحين علمينا بآخر أخبارك .


.


.


.


في نفس اللحظات


دلف إلى المكان الذي غادره الجميع و لم يبق إلا عمه أبو فيصل الذي نهض من مكانه قائلاً : أنا بدخل أغسل وجهي .. انتبه للجوال ..اذا واحد اتصل قله باكر يكلمك .

أومأ ياسر برأسه : أبشر .

راقب الخدم و هو يحملون أباريق الشاي و يعيدون ترتيب المكان ، نظر إلى ساعته .. الوقت متأخر ..، لا يدري هل يطمئن على شقيقته الآن أم يؤجل الأمر للغد ، تنفس الصعداء و

: بابا ياسر .

التفت إلى الخادم الذي أشار بيده إلى الأرض ، نقل بصره إلى حيث يشير و انتبه إلى جوال عمه الذي يهتز ،

انحنى و رفعه عن الأرض فطالعه اسم السكرتير " إبراهيم الـ***** " ، وضع السماعة على أذنه : ألو .

أتاه الصوت المهذب : أبو فيصل ؟؟ .

أجابه بالنفي : لا .. ياسر معك .

: حياك الشيخ .. الوالد موجود ؟؟ .

نظر ياسر إلى مدخل المجلس و غمم : و الله هو مرهق الحين .. تقدر تكلمه باكر .

توتر صوت إبراهيم : الموضوع ما يتحمل التأجيل .

زوى ياسر ما بين حاجبيه و هتف : خير ؟؟.

: اليوم شفت فارس .

انتفض قلب ياسر بين ضلوعه و هتف : فـــــــــــــــــــارس؟؟!!!.

أجابه على الفور : ايه .. كان مع ربعه و هو الحين في ************** .. بلّغ الوالد ضروري .

قبض ياسر على كفه بحنق ، تلك منطقة معروفة في إحدى صحاري الرياض ، غممّ بهدوء : إن شاء الله .. بس في أي جهه بالضبط .

: الجنوبيه .. أنا لحقهتم لهناك و رجعت .

رد عليه ياسر : تسلم يالشيخ .

أنهى المكالمة و وضع الهاتف في مكانه ثم انطلق كالريح إلى سيارته ، استقلها و هو يقول بصرامة : الحين بتعترف يا فارس.

حرك سيارته و الأفكار تعبث برأسه ..، ربما كان من الأفضل أن يترك فارس و شأنه .. فشقيقته قد تزوجت الآن و انتهى القلق .. و لكن كرامته تأبى و كبريائه يرفض .. مهما كان عليه أن يتأكد ، وإن كانت له يد في الموضوع .. عندها سيأخذ بالثأر .. سينتقم .. و بكل قسوة .


@@@@@@@@@@@@@@@@@@

.


__________________________________________________ _______


•الراوي: جابر بن عبدالله المحدث: الألباني - المصدر: صحيح الجامع - الصفحة أو الرقم: 6429 - خلاصة الدرجة: صحيح


-------------------------------------------------------------------------------------------


الـــــــــــفـــصــــل الــــــعــــــاشـــــــــــر


~~~~~~~~~

~ جِــــــــــمَارُ الـــــــــــــدم ~


******************


دَعِ المَقادِير تَجْري فِي أعنّتها .. و لا تَنَامنّ إلا خَالي البَالِ

مَا بَيْن غَمْضَةِ عَيْنٍ و انْتِباهَتِها .. يُغير اللهُ مِنْ حَالٍ إلى حَال


*************************


الرياض


منطقة صحراوية نائية


35 : 12 صباحًا



تحت السماء المظلمة التي تناثرت في أعماقها نجوم لامعة متفرقة ، توسطت تلك الأرض الخالية خيمة صغيرة معدة بعناية ، جلس أمامها ثلاثة شبان على فَرشٍ خاص و أمامهم نار مشتعلة على الحطب و عدد من أباريق الشاي .

انفجر مالك بالضحك : لا .. و سيقانها تقول عمدان شارع .

شاركه رامي في ضحكه وهو يضربه بخفة على رأسه : الله يخسك يالملعو* .

استرخى فارس في مجلسه و هو يرتشف من كوب الشاي ، رفع رامي أحد حاجبيه و سأله : الحين ممكن أعرف اشلون عايش و انت ما تقدر تشم ؟؟ .

رمقه فارس بنظرةٍ جانبية مخيفة و قال : ابلع لسانك يالجبان اللي للحين و انتم ما سويتم اللي وعدتو فيه .

التفت رامي إلى مالك الذي هتف : أقووول يا أبو الشباب ولد عمك ذا صويحي و يبيله ضربه بلفات .

وضحك و هو يتكأ على جانبه الأيمن : خلنا الحين ننبسط و أبشر باللي تبيه بعد كم يوم ، يعني بعد ما أفكر و أخطط .

مط فارس شفتيه و هو يفتح أزرار قميصه و غمم : أقول انت واياه .. انقلعوا الحين و هاتوا العشا .. تراني ميت من الجوع .

نهض مالك البدين هاتفًا : أنا بجيبه لأني مشتهي شي معين.

و التفت إلى رامي آمرًا : و انت انقلع و هات باقي الأغراض من البقاله بسرعه .

ثم غادر إلى سيارته و رامي يقف و هو يوجه حديثه إلى فارس : إلا .. الوالد ما دق عليك ؟؟.

ضحك فارس في سخرية و هتف : أكيد كسّر الدنيا .. بس أنا مقفل كل شي .. أبي أرّووووووووق الحين و إذا فقت فكرت أرجع .

هز رامي كتفيه و هو يسير قائلاً : براحتك .. بس ما أظن بيعديها لك .

سكب فارس لنفسه كوبًا آخر من الشاي و غمم : خله ينفلق عجوز القايله .

تركه رامي و غادر المكان إلى سيارته ، و بقي فارس وحيدًا في تلك المنطقة النائية التي لا يأتي إليها إلا من يعرفها حق المعرفة ، بقي هناك .... و رمال الصحراء تحيط به من كل جانب .


@@@@@@@@@@@@


الرياض


فيلا أبو ياسر


40 : 12 صباحًا


خرج إلى المجلس الكبير و التقط هاتفه المحمول ثم توجه إلى الباب الخارجي ، تأفف في غيض عندما سمع رنين الهاتف .. نظر إلى الرقم و زوى ما بين حاجبيه هامسًا : يا رب سترك .

وضع السماعة على أذنه و هو مستمر في سيره : ألو .

أتاه صوت إبراهيم : السلام عليكم .

امتطى أبو فيصل السلالم الصغيرة و هو يجيبه : و عليكم السلام و رحمة الله .. بشّر يا إبراهيم ؟؟ .

: الحمد لله .. وافقوا على التسويه و

قاطعه أبو فيصل و هو يركب السيارة : لا .. قصدي موضوع فارس .

غمم إبراهيم بحيرة : كلمت ياسر قبل شوي .. ما علمك ؟؟ .

تحدث أبو فيصل في حدة : لا .. واش لقيت ؟؟ .


@@@@@@@@@@@@@@@@@@@


الرياض


المنطقة الصحراوية


00 : 1 صباحًا


وضع يديه خلف رأسه ثم أسنده إلى المسند و هو يغمم : هدى جايه هالأسبوع .

وضحك و هو يردف : الليالي الكئيبه بتزين يا فارس .

مضت ربع ساعة .. و إذ .. بضوء سيارة يلوح في الأفق ، قطب حاجبيه و هو يغمم : مسرع جا الثور ؟؟.

و عندما اقتربت السيارة أكثر ، أدرك أنها لا تمت لصديقيه بصلة ، هب من مكانه و يده تحسس جيبه بحذر ، توقفت السيارة الفضية على مقربة من المكان ، لم يتمكن فارس من رؤية قائدها لأن ضوئها الشديد كان يحجب الرؤية ، و ضع يده فوق عينيه و

اتسعتا في صدمة وهو يهمس : يــــــــــــــــــــــــــــاســـــــــر ؟!!!!!!!!.

خرج ياسر من السيارة بعد أن أطفأ محركها و هتف باقتضاب : حيا الله فارس .

لم يحرك فارس ساكنًا بل قال مستهزئًا : حيا الله حبيب البابا ؟؟.

تجاهل ياسر سخريته و تقدم منه أكثر و هو يقول ببرود : ليش مقفل جوالاتك .. و مخلي عمي يقلب الدنيا لجلك .

رمقه فارس بنظرة صارمة و هو يجيبه : موب شغلك .

قبض ياسر على كفه بحنق و هو يقترب منه أكثر حتى توقف أمامه مباشرة ، لا تفصل بينهما سوى بضعة سنتيمترات اخترقتها رياح الصحراء الباردة بهديرها المخيف .

خفق قلب فارس بخوف عميق ..كان يتوقع بمقدار 94 في المائة أن الموضوع متعلق بعروب و لكنه لم يتوقع أن يعرف ياسر بالأمر بتاتًا.

تطّلع إليه ياسر بصرامة الدنيا كلها و قال ببطء : و اش كان بينك و بين سرياتي ؟؟.

هوى قلب فارس بين ضلوعه .... الآن فقط لم يعد هناك مجال للشك ...... لقد كُشف أمره ......

احتوى خوفه و لم يظهر شيئًا على ملامح وجهه سوى البرود : من ؟؟؟؟.. أول مره أسمع باسمه ؟؟!! .

منع ياسر نفسه من الانفجار و صك على أسنانه و هو يقول : الحقير اللي كنت تقابله من فتره لفتره .

و اقترب منه أكثر و هو يردف بهدوء مخيف : و كنكم تخططون لشي .

ضحك فارس يخفي ارتباكه و هتف : أنا تربطني بذاك السواق ؟؟؟ صدق مجنون .

دار على عقبيه و تصلبت أقدامه عندما قبض ياسر على ذراعه بقسوة، التفت إليه في حدة هاتفًا : نـــــزل يدك .

قبض ياسر على ذراعه بشدة أكبر و أنفاسه الحارة تلفح وجه فارس و هو يغمم : الحين تذكرت إنه السواق ؟؟؟.

امتقع وجه فارس عندما أوقع نفسه في الفخ ، نفض يده بتوتر صائحًا : أقلك ابــــــــــــعــد .

صرخ ياسر وهو يمسك بتلابيبه : قــــــلي .. و اش كان بينك و بينــــــه .. تــــــــــــــــــكـــــــــــلم .

دفعه فارس بشدة و هو يصيح : ابــــــــــــــــعــد انـــــــــــــت و الــــــــــــمــخــرف ولـــــــــد عــــمــك الـــلـــي تـــــــــــتــــبـــــــــلـــون عــــــــــــــــــليّ .

لم يفهم ياسر ما يقصده و لم يبالي .. بل اندفع نحوه و أسقطه أرضًا و هو يصيح بغضب : عــــــــــــــــلـــى ويــــــــــــــن ؟؟!!!!!!!!!!!! .

صرخ فارس في حنق إثر ارتطامه بالأرض الصلبة : ياحــــــــــــــــــــــــــيـــواااااااا*

جثم ياسر على أنفاسه بقوة و هو يصيح بغضب هادر : اعــــــــــــتــرف الــــــــــــــــــــحيــــــن .

ابتسم فارس بسخرية عندما أدرك أن ياسر لن يتراجع أبدًا ، اشتعلت الدماء في عروق ياسر لمرأى تلك الابتسامة الساخرة ، صرخ في عصبية و هو يلكمه على أنفه : تــــــــــــــــكـــلــم .

صرخ فارس بألم شديد : آآآآآآآآآآآآآآآآآآآآه .

تفجرت الدماء الحمراء من أنفه و سالت على شفتيه ، زمجر بعصبية وهو يمسك بحفنة كبيرة من الرمال و يلقيها على وجه ياسر صائحًا: يــــــــــــــــــــــــالـــكـــلـــــ*

ارتد ياسر في عنف و هو يحاول أن يفتح عينيه اللتين تضررتا من الرمال ، وصلته ضحكات فارس الشامتة ، فتح عينيه بصعوبة و هو يزمجر بغضب .... و اتــــــســــــعـت عيناه رغم الألم .....

لوّح فارس بسلاح بإحدى يديه و بيده الأخرى يحاول إيقاف الدماء التي تنزف من أنفه بغزارة ، اتسعت ابتسامته المقيتة و هو يهتف : الظاهر تبي تلحق بأختك ؟؟؟؟.

و انفجر بضحك هستيري وسط صدمة ياسر الكبيرة ، استدرك فارس حديثه شامتًا : قلـــــــي .. كيفها بعد سرياتي اللي تـ

شهق في صدمة عندما اندفع ياسر نحوه و في عينيه غضب الدنيا كلها ، تراجع فارس إلى الخلف ..وخطته بإخافة ياسر بذلك السلاح الفارغ من أي رصاصة تــــنـــهــار .. لأنه من الصعب أن يوقف شخصًا تــــــــــــــــأكـــــــــــــل المرارة كيانه أكلاً ، تعالى صرير إطارات في المكان و لم يأبه ياسر بالأمر بل أمسك بياقة فارس و الــــــــــــــــغــضــب كل الــــــــــــــــــــغــضــب يزلزل أركانه : يـــالـــــــــــــــــــــــــحـــــــــــيــوووو ووااااااااااااااااااااااااا*

و قبل أن يمد يده ليلكمه..

انطلقت تلك الصيحة المدوية : فــــــــــــــــــــــــــــــااااااااااااااااااا اااارس

و اخـــتـــــــــــــــــرق الـــــــــــــــهـــواء خـــــــــــيــط مــــــــــــن الـــــــــــــضــوء بدوي حاد ليرتــــــــــــطــم بــيـــاســر ........

خفق قلب ياسر بعنف و آلام شديدة تندفع إلى جسده و شيء سائل يتسلل على ظهره ، جحظت عيناه في ألم و الدنيا تظلم أمام عينيه ، همس بصعوبة : لا لـ

و انهار على الأرض و سيل من الدماء الحمراء يغرق ثوبه ، رفع فارس بصره و صاح في عمق صدمته : يـــــــــــــــــــــــــــــــــــا الــــــــــــــــــــمــــجــــــــــــــنـون .

خفض رامي سلاح الصيد في ارتباك شديد و هو يهتف : كان بيتقاتل معك و

قاطعه فارس بتوتر أشد وهو يندفع للأمام: بـــــــــســـرعه لم الأغراض وخلنا نمشي قبل ما يجي أحد .

شاركه رامي و الذعر المتفجر في وجهه يسري في جسده النحيل ، حملا الحاجيات بسرعة و وضعا كل شيء في السيارة ، استقلاها .. و هربا بعيدًا عن ذلك الجسد المسجى وحيدًا في وسط الصحراء المظلمة ، ذلك الجسد الذي اصطبغت الرمال قربه بـــــــــــــالدماء ، دارت عينا صاحبه في محجريهما و هو يهمس : لا .. فـ

و اختنقت الكلمات في صدره ..... لــيغرق في الظــــلام .


@@@@@@@@@@@@@@


الرياض


فيلا الجازي


00 : 5 فجرًا


أنهت أذكارها ثم نهضت من مصلاها ، انحنت و أمسكت بالسجادة ، لفتها مع ثوب الصلاة و أعادتهما إلى الخزانة المخصصة ، زفرت و هي تحرك شعرها بكفها و تجلس على سريرها ، مالت عيناها إلى الهاتف المحمول الذي تميز بلونه الوردي المشرق ، اغتصبت ابتسامة و هي تقاوم غصة في صدرها .. أي حنان ذاك الذي يملأ قلبه الكبير ؟؟!!! شعرت به و إن لم ينطق ......

أطرقت برأسها و هي تتذكر كيف وقف إلى جوارها يوم وفاة والدتها .. بل يوم أنقذها من ذلك المعتدي .. يوم أن أخرجها من المصعد .. و قبل أيام قليلة عندما أحضر لها هذا الهاتف .

ز فرت و هي تستلقي و تسبل عينيها و زقزقة العصافير مع الصباح الباكر تنعش حجرتها الصامتة ، لمعت الدموع على رمشيها وذلك الصدى يتردد في عقلها


■ ■ ■ ■


: و الله منتي صاحيه .. ياسر رجال وألف مين يتمناه .. و انتي زوجته و حلاله و ما تبغين تصلحين اللي بينكم ؟؟.


■ ■ ■ ■


وضعت كفها على عينيها و هي تهمس بصوت باكي : أية زوجه يا مرام ؟؟؟ .. أية زوجه ؟؟؟.

شهقت لتنفجر باكية ، انقلبت على جانبها الأيمن و غربة تجتاح مشاعرها النقية .. قسوة تلك التي يصعقها بها تارة .. و فيض من الحنان الخفي يحتويها به تارةً أخرى .. فمن هو يا ترى ؟؟ .. أي مشاعر يكنها لها ؟؟ .. ما موقعها من حياته بالضبط .. أحشرة حقيرة يتمنى أن يدوسها بقدمه اليوم قبل الغد ليفنيها من سجل حياته .. أما ذبابة عابرة ينفضها بيده لتطير بعيدًا و تريحه من أزيزها المزعج ... أم ماذا بالضبط ؟؟؟.

أجهشت ببكاء أشد .. لأنها تعلم يقينًا أنها لو كانت حرة من القيد المقدس الذي يربطها به .. لكانت الآن أسعد .. فلا مجهول يحيط بها و يفزعها بكوابيسه كل ليلة ، و لا أفكار تنخر عظامها صبح مساء و تنحر روحها على منصة الضياع ألف مرة ، و لا صور تربطها به و تبعثر تفكيرها يمنة و يسرة ، لا ذكريات تشتت كيانها في إعصار من المشاعر المختلفة .. مشاعر تلقي بروحها من ارتفاع شاهق لترتطم بعنف بأرض الـــــواقــــــع .

استبد برد الحجرة بجسدها فأمسكت باللحاف و غطت نفسها .. تشعر بدفء حُرمت منه روحها ، أغمضت عينيها و استكانت بذكر الإله .


@@@@@@@@@@@@@@@@


جده


فيلا تركي


30 : 5 فجرًا


ابتسمت و هي تسترق النظر إليها من تحت اللحاف ، تتقلب في انزعاج شديد كأنها عاجزة عن اصطياد ذلك النوم ، كتمت ضحكتها و هي تستمع إلى تأففها ، رفعت أحد حاجبيها و رنين هاتفها يعلو ، هتفت الأخرى بضيق : خالتووووووووووووووو .. و النهايه مع جوالك ؟؟؟؟؟ .

رفعت مرام اللحاف عن جسدها و هتفت مداعبة : و الله إنتي اللي مصره أبات عندك مع إن فيه أكثر من غرفة نوم .

غطت جوري وجهها باللحاف و هي تزفر في غيض من شدة التوتر الذي يعصف بكيانها ، هزت مرام رأسها و الابتسامة مرسومة على شفتيها و أمسكت بهاتفها ، خفق قلبها بعنف و هي ترى اسم المتصلة ، اعتدلت جالسة و هبت من سريرها و هي تهتف لجوري : دقايق و راجعه .

فتحت جوري إحدى عينيها و تبعتها ببصرها حتى اختفت ، ثم همست بصوت مختلج : يا ربيييي .. بموووت من الخوف .


.


.


وضعت خصلة من شعرها خلف أذنها و هي تقول : إيوه يا هديل .

أتاها ذلك الصوت المخنوق : السلام عليكم .

جلست على الفور و الخدر يسري في قدميها من شدة الخفقات التي أشعلت دمائها : و عليكم السلام و رحمة الله و بركاته .

صمتت هديل للحظة ، قبل أن تهتف متسائلة بذلك الصوت الباكي : مرام وينها رهف ؟؟!!!.

امتقع وجه مرام و هي تضع يدها على جبينها و همست : هديل .. والله إلى الآن ما جاني أي خبر عنها .

شهقت هديل و هتفت بحرقة : من زمان و أنا أسألك و كل مره تكررين نفس الإجابة .. كيف يعني .. أخــــتـــي مـــــــــــــــــــاتـــــــــــــت و لاّ حــــــــــــــــيـــة ؟؟؟؟؟.

ارتعدت أطراف مرام وسرت رعشة في جسدها كله ، و دوي الكلمة يتفجر في عقلها كقنبلة غاشمة ، هتفت بحرقة مماثلة و دموعها تتفجر : هديل لا تقولين كذا الله يسعدك .. الله يخليك يا هديل لاااا .

صاحت هديل بقهر : أجل اش تبغيني أقول و أنا فوق الشهرين ما سمعت صوتها .. إذا انتي القريبه منه ما أخذتي منه شي أنا اش أقول ؟؟!!! .. مازن له أسابيع يحاول يوصلّه و مو قادر .. و الله إنه يفكر يسويله مصيبه و أنا اللي أمنعه و أقله اصــبر .

ارتعدت شفتا مرام و قلبها يضج بخفقات مجنونة .. مـــــــــــــصــــيـــبــة .. مـــــــــــــصــــيـــبـــة لـــتـــركـــي ؟؟!!!!!! ... ربـــــــــــــــاه ؟؟!!! .. أي شيء هذا الذي استيقظ في أعماقها بعد ســــبـــات .. سبـــــــــــــات طـــويــل ..

شي انتعش في أعماقها بعد كلمة هديل و عاد لنشاطه بعد ســـــــــنـــــوات ....

مــــصـــيــبـة ؟؟!!!! .. ألا يكفيه ما تخفيه في صدرها ؟؟؟.. ما أغلقت عليه و دفنته في عمق الظلام .. ألا يكفيه ما سمعت ؟؟؟.. ألا يكفيه أمر خُفي عنه ؟؟؟.. أمر قـــــــــــاتــل .. ما أشد مراراته .. ما أقسى وقعه .. هي نفسها لم تحتمله .. خُلع قلبها من شدة هوله .. فكيف به و هو يتعلق بحياته .. كــــيــــف ؟؟؟!!!.

أجهشت في بكاء مرير و هي تهتف : معليش يا هديل .. اصبري عليا الله يخليكِ .. اصبري و قولي لمازن يستنى .. راح أحاول .. أحاول و أردلك .. إن شاء الله إنها بخير .. إن شاء الله .

همست هديل بصوت متحشرج : راح أصبر يا مرام .. راح أصبر و مو أكثر من أسبوع .. و بعدها ما أقدر أرد مازن أكثر .

ارتجف قلب مرام و هي تهتف : الله يخليكِ قوليله يستنى قد ما يقدر .. و أنا أوعدك بكره إن شاء الله أكلمه .

همست هديل : طيب .. أنتظر اتصالك .

مسحت مرام دموعها المتدفقة و همست : توصين على شي ؟؟ .

أجابتها بخفوت : لا .. في أمان الله .

سحبت المنديل من العلبة أمامها و هي تهمس : مع السلامه .

أنهت المكالمة و وضعت الهاتف على الطاولة أمامها ، مسحت أنفها بالمنديل .. ثم أسندت جبينها إلى ذراعيها و خصلات شعرها السوداء تنسدل على وجهها .. لتخفي ملامحًا تشرّبت من الحزن أقساه ، و من المر لوعته ... قلبها ينصهر عذابًا و صورة تركي بتلك الابتسامة التي تذكرها تتوهج في عقلها ، شهقت بعنف و رأسها ينهار بسيول جارفة من دموع محرقة ، رفعت ساقيها و دفنت وجهها بينهما و هي تهمس : يا ربي .. يا ربي كيف أعلمه كيف ؟؟!! .. كيف أعلمه بالحقيقه .. كيف ؟؟؟ .. يا الله .. ما أقدر .. ما أقدر ..صعب .. صعب .. صعب .

لفت ذراعيها على ساقيها و احتضنت نفسها و هي تطلق لدموعها العنان .


@@@@@@@@@@@@@@@@


الرياض


شقة في أحد أحياء الرياض


00 : 7 صباحًا


هب من مكانه و ركض إلى دورة المياه ليفرغ ما في جوفه ، لوا مالك شفتيه باشمئزاز و هو يشيح ببصره إلى فارس المستلقي على الأريكة ، تجرع من زجاجة الخمر التي يمسكها ثم هتف : الحين انت و هو ولد عمك ما صابتك هالفجعه اللي تخليك تفر للحمام كل دقيقه .

غمم فارس بحنق و ذراعه على جبينه : خله يستاهل .. هو اللي أطلق و يتحمل النتيجه .

ثم اعتدل في جلسته و رمق باب دورة المياه بنظرة حادة و هو يهمس : و إذا جات الشرطه بيتحملها لوحده .

زوى مالك مابين حاجبيه و تطلّع إليه و هو ينهض من مكانه و يصيح بقهر : الحين لو وصل للعجوز أي خبر و ربي ما بشم ريحة الفلوس مره ثانيه .. عساه بالـــــــــــسم .

و دلف إلى إحدى الحجرات و هو يغلق الباب خلفه بعنف ، التفت مالك إلى الباب الذي خرج منه رامي و يده على معدته و هو يتأوه في إعياء شديد ، ألقى بجسده المنهك على الأريكة و أسبل عينيه ، ارتشف مالك رشفةً أخرى و بصره شارد في المستلقي ، همس بعد برهة : و يبيني أطيّر ولد عمه الثاني ؟؟!!! .

و التفت إلى حيث اختفى و تمتم : الظاهر تحسبني غبي يا فويرس .. مو أنا مالك اللي يرمي نفسه بين أسنانك .

و هب من مكانه و هو ينفض بنطاله مغممًا بحنق : ما يكفي إني تورطت بسبتكم و الحين مضطر أختفي معكم فـ هالمقبره .

ثم توجه إلى حجرة أخرى و أغلق الباب و رامي يركض من خلفه إلى دورة المياه .


@@@@@@@@@@@@@@@


الرياض


المستشفى


00 : 1 ظهرًا


أصوات مختلطة ، هدير مزعج ، صرخات مفزعة ، أناس ، أطفال يـبكون و

" ياسر "

توترت عضلات وجهه و سواد يطغى على المكان من حوله ، شعر بنفسه يغرق و يغرق و

" ياسر تسمعني ؟؟"

اشتعلت أضواء شديدة في وجهه ، حاول أن يفتح عينيه بصعوبة و هو يهمس : مين ؟؟ .

" افتح عيونك و طالعني "

فتح عينيه بضعف شديد ، لم تستقر حدقته على منظر معين ، إلى أن اتضحت الصورة فطالعه وجه مبتسم : الحمد لله على سلامتك .

زوى ما بين حاجبيه و هو يتأمل الرجل بمعطفه الأبيض ، همس بإعياء : أنا وين ؟؟ .

ربت الطبيب عليه قائلاً : لا تخاف .. انت في المستشفى .

همس بقلق : مستشفى ؟؟؟ كـ

اندفعت الذكريات إلى عقله في شراسة فشهق في ذعر : فـــــــــــــــارس !!! .

فغر الطبيب فاه و تبادل نظرة مع الطبيب الآخر قبل أن يقول : انتظر .. الشرطه بتجي بعد شوي .

خرج الطبيبان من الحجرة ووضع ياسر يده على رأسه و هو يغمم : يا الله يـ

: يــــــــــــــــــــاســــــــــــــــر!!!!!!!!!!

همس بصدمة و هو يفتح عينيه : أبوي ؟؟!!! .

اقترب منه في فرحة شديدة و ضمه هو يهتف : الحمد لله على سلامتك يا ولدي .. الحمد لله .

ثم استطرد في توتر و هو يبتعد عنه : علمني و اش اللي صار .. من الكلـ* اللي سوى فيك كذا ؟؟.

امتقع وجه ياسر و لكن أنقذه الطبيب الذي دلف بقوله : لا تجهده الحين .. اذا جت الشرطه يقص الحكايه مره وحده .

أشاح ياسر بوجهه للحظة ، و إذ بدوار شديد يعصف برأسه ، همس بضعف : ليش أحس بدوخه ؟؟.

أجابه الطبيب مطمئنًا : جسمك الآن تحت تأثير المخدر .. شوي و يرجعلك نشاطك .

التفت إلى الباب الذي يطرقه شخص ما و قال : لحظه .

و خرج ليقابل الرجلين .


.


.


هتف الشرطي في غضب : و اشلون ما علمتوه للحين ؟؟ .

حرك الطبيب يده مبررًا : قلتلك صعب نعلمه الآن .. طبيعي بينهار .. كيف بتستجوبونه وقتها ؟؟ .

عقد الشرطي الآخر يديه أمام صدره و هو يقول في صرامة : ضروري يكون عنده خبر بإصابته .. ممكن يتنازل عن المجرم اذا ظن نفسه سليم .

هز الطبيب رأسه نفيًا و غمم : ما أتوقع .

تبادل الشرطيان نظرةً صامتة قبل أن يقول الأول : تم .. بس خل أبوه يطلع .. نبي نستجوبه لوحده .


.

.


.


جلس أحدهما على المقعد المجاور للسرير و هو يوجه حديثه لياسر : ممكن تحكيلنا عن اللي صار ؟؟ .

تنحنح ياسر قبل أن يقول بخفوت : رحت أدور على ولد عمي اللي مختفي من فتره طويله .. و

احتقن وجهه للحظة كأنه يجد صعوبة في استخراج الكلمات ، استحثه الشرطي : و .. ايش ؟؟ .. كمل ؟؟ .

غمم ياسر : كنت واقف معه و .. و .. سمعت صوت واحد يناديه و ما اهتميت و مـ .. ما دريت إلا بشي يضرب فـ ظهري .. و .. ظلمت الدنيا فـ عيوني .

لم ترق قصته للشرطي الذي سأله بشك : ثم ؟؟ .

أغمض ياسر عينيه في إرهاق و هو يغمم : لقيت نفسي فـ المستشفى .

مال الشرطي بجسده إلى الأمام و هو يقول بحذر : ياسر .. حنا قبضنا على عمك أبو فيصل .

انخلع قلب ياسر و هو يفتح عينيه و يهتف بحدة : كــــــيــف ؟؟!!.

أردف الشرطي قائلاً : هو اللي بلغنا بالحادث .. و يوم جينا و حققنا في الموضوع لقينا انه المتهم الوحيد و

قاطعه ياسر بعصبية : لاااا .. عمي موب المسؤول .

ابتسم الشرطي في خبث و قال: و اشلون عرفت انه موب المسؤول و قصتك تقول إنك ما شفت الجاني ؟؟ .

هتف مجيبًا بغضب : لأني سمعت صوت اللي نادى ولد عمي و اللي أشك إنه أطلق علي .

سأله الشرطي على الفور : و ميزت الصوت ؟؟!!.

هز رأسه نفيًا و هو يجيبه بصدق : لا .

أومأ الشرطي برأسه و هو يكتب بعض الملاحظات في الدفتر الصغير الذي يحمله : و اش اسم ولد عمك اللي كنت تدور عليه ؟؟.

شعر ياسر بقبضة باردة تعتصر قلبه ، و شي غاب عن عقله يـــــكــــــــــــوي أحــــــــــاســــيـــســه

■ ■ ■ ■


1410 هـ


ضحك في مرح شديد و هو يتطلّع إلى وجهه الذي رسم معالم الدهشة ، طرق على المكتب بيده و هتف ضاحكًا : حياك حياك أبو فيصل .. اقلط اقلط يا رجال .

تحرك نحوه و الابتسامة تشرق على وجهه و هو يهتف : تتنطز علي يا سوير ؟؟!!.

هب ياسر من فوق المقعد و هم بالركض لولا أن أمسك به عمه من الخلف و رفعه إلى الأعلى ليطلق صيحات مرحة : خلااااااص يا عمي .. توبه والله توبه .. والله والله معاد أجلس على كرسي المكتب .

ضحك أبو فيصل و هو يدغدغه : توبه ؟؟!!! .. هذي كم مره سمعتها منك يالملسون ؟؟!!.

انفجر ياسر بضحك شديد و الدموع تتفجر من عينيه : خلااااص واللي يعافيك .

و ضعه أبو فيصل على الأريكة المجاورة و هو يقول : آخر مره تجلس هنا وتلعب بالأغراض .. لا تغث نفسك بهالشغلات الحين .. توك صغير .

هز ياسر رأسه نفيًا و هو يبتسم : لاااااااا .. أبي أروح معك الشركه باكر يعني باكر .

داعب أبو فيصل شعره بحنان و هو يقول : أبشر يا حضرة المدير .

ثم أردف بحنان أكبر : كل يوم أشكر ربي على إنك رضعت مع فارس .

وضع ياسر يديه على خاصرته و هو يهتف باستعلاء : ايه .. بس أنا أحسن من فويرس .

زفر أبو فيصل و جلس على المقعد المقابل ، ثم ابتسم مغممًا : ليت عيالي كلهم مثلك يا ولدي يا ياسر .


■ ■ ■ ■


: أخ ياســــــــــــــــــر .

رمشت عيناه بارتباك و هو حائر في ما يقول .. قد يضع فارس في مشكلة كبيرة .. كيف سيتقبل عمه هذا الخبر ؟؟؟؟.. أبو فيـــصل .. والده .. عمه الذي يحب ... كيف ؟؟!!!!!!!!!! كيف يجازيه على ما مضى بتوريط ابنه ؟؟!!!! .. ولكنها أخته أيضًا .. شــرفه .. عرضه ذاك الذي انتهك و بأبشع صورة .. ماذا يفعل ؟؟ ... ماذا ؟؟!!!!!!!!! .. صحيح أنه ليس الجاني و

: أخ ياسر عجّل إذا سمحت .

تنحنح قبل أن يقول بخفوت : فارس .

دقق الشرطي النظر إليه و سأله : و اسم أبوه ؟؟.

اختنقت الكلمات في صدر ياسر و قلبه يشتعل بدماء من نار .. ، همس قائلاً : خالد .

قلب الشرطي في الدفتر الذي يحمله ثم قال و هو يتوقف عند صفحة معينة : قبل فترة بسيطة كانت لك قضيه مع شخص هجم على فيلا عمك .. صحيح ؟؟ .

تطلّع إليه ياسر و هو يجيب باختصار : إيه .

رفع الشرطي بصره متسائلاً : هل لك أي أعداء تشك فيهم ؟؟!!.

أشاح ببصره إلى السقف : لا .. مالي أعداء و الحمد لله .

مط الشرطي شفتيه و هو يقول : و .. ولد عمك فارس كم له مختفي عنكم ؟؟ .

قبض على أصابعه بحنق و هو يغمم : فوق الشهرين .

حرك الشرطي القلم في يده قائلاً بحذر : كونه مختفي هالفتره كلها .. و خلاك بعد إصابتك و هرب .. هذا دليل قوي على إن له يد فـ الموضوع .

لم ينبس ياسر ببنت شفه و لم يبدي أية ردة فعل .. بل كتم غضبه الهادر في أعمق أعماق قلبه ، سأله الشرطي و هو يعتدل في جلسته : فيه شي ثاني تبي تضيفه ؟؟.

أجابه ياسر بالنفي فأغلق الدفتر الذي يحمله و هو ينهض : شكرًا على تعاونك

رمقه ياسر بنظرة حادة مشوبة بشي من القلق و هتف : طلعوا عمي من الحجز .. والله بريء.

أومأ الشرطي برأسه و قال : لا تشيل هم .

و خرج من الحجرة قبل أن يلحقه زميله ، رآهما أبو ياسر و هما يغادران المكان فهتف بأحدهما : لحظه .. واش اللي صار ؟؟!!.

لوح أحد الشرطيين بيده و هو يلتفت إليه : ما شاف الجاني .. لكن بنتحرى عن ولد عمه و بنوصله إن شاء الله .

رفع أبو ياسر حاجبيه باستنكار و هتف بصدمة : و لد عمه ؟؟!!!!!!!!!!!!!!.

توقف الشرطي و واجهه و هو يقول : هذا اعترافه .. يقول إنه كان يكلم ولد عمه اللي اسمه فارس و سمع صوت شخص يناديه و جاته الطلقه قبل ما يعرف المنادي .

صعق أبو ياسر و هو يحدق فيهما بنظرات ذاهلة ، حيّاه الشرطي برأسه و هو يلحق برفيقه الذي سبقه ، همّ أبو ياسر بالدخول للحجرة بوجهه الممتقع و مشيته المتثاقلة و لكن الطبيب منعه بيده : لحظه يا أبو ياسر .. ولدك توه اللي فاق و نفسيته أكيد تعبانه بعد الحادث .. أجّل النقاش معه لوقت ثاني و خلني الحين أفحصه عشان أشخّص حالته تشخيص نهائي ، و أنا بخبرك بالوقت المناسب اللي تكلمه فيه .. صحته و راحته الحين أهم .

قبض أبو ياسر على أصابعه و هو يتراجع بضعف و يجلس على المقعد خلفه و قلبه يرتعش و أنفاسه مختنقة ،

ربت الطبيب على كتفه في تعاطف ثم استدار لباب الحجرة ، فتحه و دلف للداخل و الابتسامة تعلو شفتيه: ياسر.. ممكن تساعدني شوي ؟؟.

زوى ياسر مابين حاجبيه و هو يقاوم الدوار و هتف بضيق : واش تبي ؟؟ .

أغلق الطبيب الباب خلفه و تقدم منه ليربت على كتفه قائلاً : أبي أفحصك .

تطلّع إليه ياسر وهو يكشف الغطاء الأبيض عن قدميه و يخرج من جيبه قطعة معدنية على شكل أنبوب ، مرر القطعة المعدنية بحركات خاصة على طول القدم و عيناه الخبيرتان تلحظان ردة فعل الأعصاب من تحتها ، ضاقت عيناه و هو يمررها طلوعًا و نزولاً بيده الخفيفة .. و لم تُبد الأعصاب أي استجابة ، زفر و هو يعيد القطعة إلى جيبه و ياسر يسأله بحيرة قلقة : ليش ما أحس بالحديده على رجلي ؟؟!.

رفع الطبيب بصره مجيبًا: لا تشيل هم .. هذا محتمل يكون من تأثير الضربة و بعدين لا تنسى إنه جسمك ما تخلص من كل المخدر ؟؟ .

ثم مد يديه و بدأ يضغط بهما على نقاط معينة لقدمي ياسر ، نقاط يحفظ أماكنها جيدًا .. أخذ يحرك يديه و يضغط هنا و هناك .. و لا أثر لاستجابة الأعصاب .

اعتدل في وقفته بعد أن انتهى من فحصه و ياسر يسأله بعصبية : ليس ما أحس بشي .. انتم زايدين الكميه ؟؟؟.

اغتصب الطبيب ابتسامة زائفة و هو يجيبه : لا .. بس مخدر جديد و الظاهر مفعوله ممتاز و أرجع و أقلك الإصابة لها ردة فعل قويه يعني لا تشيل هم .. ارتاح الحين و برجعلك فـ الليل.

رمقه ياسر بنظرة شك و همّ بسؤاله و لكن شيء ما منعه ، ابتلع ريقه و ضع رأسه على الوسادة من شدة الدوار الذي يلف رأسه .


@@@@@@@@@@@@@@@@@


جده


فيلا تركي


00 : 6 مساءً


ابتسمت و هي تتراجع للخلف ، و تتأمل تلك الأيدي الخبيرة التي بدأت عملها لتجهيز العروس ، التقت عيناها بعيني جوري عبر المرآة ، فاتسعت ابتسامتها حتى بدت أسنانها البيضاء ، بادلتها جوري ذات الابتسامة .. ثم انشغلت بمتابعة تلك اليدين اللتين تتحركان على شعرها لتجفيفه ، تنفست مرام الصعداء و خرجت من الحجرة الكبيرة إلى الصالة الرئيسية ، تصاعد رنين هاتفها ، هزت رأسها و هي تضع السماعة على أذنها و هتفت : يا بنت الناس تراكِ رجتيني .. و الله والله مو زواجك اليوم .

وصلها صوت ساره العصبي : أدري مو زواجي علّك بالعافيه .. سويتي شي فـ نفسك و لا لسا ؟؟!!!.

ضحكت مرام و هتفت و هي تجلس على الأريكة : لا .. ما لي نفس دحين .. بآكلّي لقمتين بعدين أخليهم يبدؤون فيني .. بعدين أنا ما أبغى شي مفشخر بزياده ، شي خفـ

قاطعتها صيحة ساره المنفعلة : خفيف فـ عينك يا لعصلاااااا .. خالة العروس إنتي .. لازم يطلع شكلك شيك ، ولا ناسيه اني بعرفكِ على القبيله كلها .

حركت مرام شعرها بيدها و هتفت ضاحكة : أقول فارقي و رتبي كشتكِ البهيه .. يمكن مجّووود يطلب يشوفك اليوم .

و انفجرت بالضحك و هي ترفع السماعة عن أذنها حتى لا تصلها صيحات ساره و شتائمها الحانقة ، قربت السماعة من شفتيها و هتفت : خلاااااااااااااااااااص .. انقــــــــــلعي .

و أنهت المكالمة و هي تنهض واقفة ، سارت إلى المطبخ و تعالى رنين هاتفها مجددًا ، ابتسمت و هي تفتح الرسالة التي وصلتها :

-------- من حبي الوحيد ----------

مساء الحب يا غايب .. يا سكر بالعسل ذايب

عسانا بس في بالك .. عسا ظني مهو خايب
___________________


رفرف قلبها بسعادة لا نهائية و هي تبحث عن تلك الرسالة

احترت بأغلى شي يفداك و أعطيك


مابي أقدم شي وتقول معروف

ودي بشي مني جد يرضيك

شي تضمه ضمة القلب بالجوف

ماعندي إلا قول واحد يوفيك

سطرته لشخصك بأبيات وحروف

اقسم قسم إني احبك وشاريك

وانك تساوي بنظر عيني الشوف

ضغطت زر الإرسال ثم رفعت رأسها لمسمع تلك الضحكات البريئة المختلطة بذلك الصوت الرجولي القوي

: الله .. برّو عريس دحين .

نهشها الفضول ، فاقتربت من الباب القريب و مالت برأسها تنظر إلى الداخل .. لتجد البراء يقف بثوبٍ أبيض مناسب لحجمه ، و طاقية و شماغ أحمر فوق رأسه ، ابتسمت بلا تفكير .. كم كان منظره رائعًا .. تراجعت إلى الخلف عندما دنا منه تركي و هو يقول بمرح : يلا .. تنزله دحين عشان لا يتوسخ و بعدين ترجع تلبسه مره ثانيه .

انقبض قلبها و هي تتراجع للخلف أكثر و أصوات الماضي السحيق تتداخل في عقلها


■ ■ ■ ■


رجب


1426 هـ


سعل بشدة و الآخر يهتف : لا ترهق نفسك يالوليد .. لا ترهق نفسك .

تحدث بصوت مبحوح : عــ ـباس .. الـ .. الشريط اللي أعطيتك إياه أمس .. الـ

و انقطع صوته أخرى من شدة السعال ، هتف عباس بألم : الله يخليك يالوليد خلاص و

قاطعه بذات النبرة : سلّمه لتركي بعد ما ينفّذ الوصيه اللي قلتلّك عليها .. سلمه لتركي يا عباس من يوم ما .. مـ .. ما يخلص الوصيه .

سأله عباس بحيرة : و ليش نسخته ؟؟ مو انتا أعطيت عـ

قاطعه الوليد بصعوبة : لـ ..لا .. الشريط اللي أعطيتك فيه


■ ■ ■ ■


هزت رأسها بعنف لتقطع الذكرى و الدموع تتساقط من عينيها ، وضعت كفها على شفتيها و صوته المرح و هو يلاعب البراء يملأ المكان من حولها .. ندت من بين شفيتها شهقة باكية جعلتها تركض بعيدًا عن المكان و أعصابها تصرخ بألم لا مثيل له ، دلفت إلى حجرتها و استندت على الباب و هي تصرخ باكية : ليتني ما دخلت هذاك اليوم .. ليتني ما دخلت .. ليتني ما دخــــــــــــــــــــــــــــــلت .

غطت وجهها بكفيها و هي تنهار على الأرض باكية .. تداري حزنًا رهيبًا بين جـــــنــــــــــبـــيــهــا .


@@@@@@@@@@@@@





الرياض


المستشفى


في نفس اللحظات



جلس الطبيب على مقعده و هو يقول : شف يا أبو ياسر .. أنا ما بخبي عليك شي و بشرحلك الحاله من إلى .

أومأ أبو ياسر برأسه استعداداً لتلقي الأخبار ، فتح الطبيب الملف الذي أمامه و استخرج عدة صور للأشعة و هو يقول : حنا لجئنا مباشرة لأشعة الرنين المغناطيسي MRI لأنها توضح نوع الإصابة و مكانها بدقة شديدة .

نهض من مكانه و وضع صورة من الأشعة على شاشة بيضاء مضيئة معلقة على الجدار و بدأ يشير بإصبعه و هو يردف : الرصاصة كسرت الفقرة الـ 12 في العمود الفقري و للأسف العظام المكسورة تحركت و ضغطت على الحبل الشوكي ..و .. أدت لشلل الأطراف السفلية .

هوى قلب الأب بين ذراعيه و عيناه تتسعان في هلع شديد ، تنهد الطبيب و هو يشير إلى مكان الإصابة بدقة : و فورًا تدخلنا جراحيًا لجل نرد الكسر و نثبته بالمسامير و الشرايح .

سأله أبو ياسر في توتر و هو يقبض على أصابعه : انزين.. و يعني .. بيرجع يمشي ؟؟؟!!!! .

خلع الطبيب نظارته و هو يجلس على مقعده : الحقيقه يا أبو ياسر .. العصب تأثر بشكل كبير.. و ..

هتف الأب بحرقة : و إيـــــــش ؟؟!!!!!!..

تراجع الطبيب في مقعده مجيبًا : حاليًا ما بيقدر يمشي .

حدّق أبو ياسر في الطبيب بذعر و سكين مسمومة تُغرس في قلبه ، همس بصدمة الدنيا: و اشـ ــ ــ ـلون ؟؟؟!!!!!!!.

ران صمت مهيب على المكان ، و عيناه المتسعتان تجولان في وجه الطبيب ؛ علّه يجد ثغرة في ملامح وجهه تمده بخيط من الأمل .. و لمّا طال الصمت ، تراجع أبو ياسر في مقعده و قلبه يخفق بلوعة مريرة ،هتف بصوت ملتاع : أكيد في علاج يا دكتور .

نظر الطبيب إلى الأشعة مجددًا و طرق بقلمه على الطاولة كأنه يعيش حالة من التفكير العميق ، ثم غممّ و هو يواجه أبو ياسر مجددًا : أبو ياسر .. أنا ما أقدر أأملك بأي شيء حاليًا.. خصوصًا إنه مسألة العلاج محتاجه نقاش طويل أبلغك به فـ وقت ثاني بعد ما أجمع كل التحاليل و الفحوصات الممكنه عن حالة ياسر لكن الآن .. ما أقدر أعطيك جواب قاطع .

ساد الصمت على الحجرة و أبو ياسر بوجهه الممتقع عاجز عن النطق أو الحديث .. كأن وقع الخبر أرهقه فلم يعد قادرًا على التساؤل أكثر، أغلق الطبيب الملف و هو يزفر : لازم أبلغه بتفاصيل حالته الحين ، خصوصًا إنه معصب من الخدر اللي صايب رجوله .

رمشت عينا أبو ياسر للحظة ، ابـــــــــنـــه البكر .. ابــنـه البار .. ابنه القريب إلى قلبه أصبح عاجزًا ؟؟!!!!! أصبح عاجزًا بين ليلة وضحاها ؟؟!!!!!

وضع وجهه بين كفيه لتنساب دموعه الساخنة على وجنتيه في صمت جريح ، نهض الطبيب من مكانه مغممًا : أفضّل إنه يكون لوحده .. لو شافك و انت بهذي الحاله بيزيد تعبه .

لم ينبس ببنت شفه ، فقال الطبيب و هو يغادر : خذ راحتك في المكتب .


.


.


.



زاد شعوره بالاختناق و الخدر الذي يعربد في رجليه يزيد من عصبيته ، دلف الطبيب إلى داخل الحجرة و هو يهتف : هاه يا ياسر .. كيفك الحين ؟؟ .

هتف ياسر بحدة و هو يلتفت إليه : و اش ذا المخدر اللي كاتينه فـ جسمي .. للحين رجلي مخدره ؟؟ .

تجاهل الطبيب سؤاله و هو يجلس على المقعد بجوار السرير : ليش خايف ؟؟ .

صاح ياسر في حنق : يوم بتعلمني بحالتي برتاح .

ربت الطبيب على كتفه مغممًا: اهدى .. الحين بقلك كل شي عن إصابتك .


@@@@@@@@@@@@@@@


جده


فيلا تركي


00 : 9 مساءً


احتضن تركي في فرحة غامرة بعد أن انتهى الشيخ من عقد القرآن ، ربت تركي على ظهره هاتفًا : مبروك يالعريس .

ابتعدا عن بعضهما و أحمد يقول بمرح : الله يبارك فيك يا أبو رحم .

صاح هاني بمرح شديد : مــــــــــبروك يا عبقرينووووووووووووووووو .. العقبى عندي إن شاء الله .

ضربه والده على ظهره هاتفًا : استحي على وجهك يالملسون .

مسح على ظهره بألم و طارق ينفجر بالضحك و هو يشير إليه : كاااااااك .. قصدك العقبى عندي يالمسواك .

رمقه هاني بنظرة شذرة و هو يهمس : يالدبلي يالمنفوخ نتفاهم بعدين .. ما ينفع دحين في وجود وزارة الداخليه.

قهقه طارق و هو يجلس إلى جوار أحمد الذي تنطق السعادة في ملامحه.

كان الحفل مختصرًا على أعمام أحمد و خاله الوحيد بالإضافة إلى أشقائه وزوج أخته و عمـّار .

ربت أحمد على رأس البراء الذي يجلس إلى جوار تركي بثوبه الأبيض و هتف : هاااه .. كيف البطل اليوم ؟؟.

ابتسم البراء له و تركي يضمه بيده و يقول بابتسامته الجذابة : الحمد لله طيب.. بس زعلان لأنك بتآخذ جيجي منه .

ضحك أحمد و هو يمد يده ليمسك بيد البراء و يتظاهر بمصافحته : لا تخاف .. بخليها تلعب معاك كل يوم .

.


.


.


في الدور الثاني


30 : 10 مساءً


زغردت ساره و هي تقف في حجرة جوري : ألــــــــــفــ مــــــــــــــبـروووووووووووووووك يا حرم خالي .. ألف ألف ألف مبروووووووووك .

نكست جوري رأسها بخجل ...

كانت .. كأميرات الأساطير .. بجمالها الفتّان ، كل ما فيها ينطق بالروعة .. فستانها الأبيض الفخم الملائم لجسدها الفتي ، شعرها الطويل الذي صبغت أرضيته باللون البني و أضفت عليه خصلات متنوعة .. شقراء ثلجية عريضة ، و عسلية متوسطة ، و نحاسية رفيعة .. مضموم إلى الأعلى و الطرحة تتدلى منه ، و خيوطها اللامعة تتلألأ .. كتلألؤ أقراطها الطويلة و بقية حليها الفاخرة .
أما مكياجها بخليط اللون الوردي الناعم .. زادها فتنة و جمالاً .
.

قبضت بخجل على باقة الورد الطويلة .. التي تتدلى نزولاً بفروع خضراء رفيعة ، تزينها ورود صغيرة وردية اللون محشوةٌ بلآلئ بيضاء لامعة .

.


مرام .. بفستانها الأصفر الذي صمتت قطعه أنامل مصمم عالمي .. لم تقوى على النطق و الغصة تخنق حلقها ، أجبرت نفسها على الابتسام و خرجت من الحجرة على الفور ، لاحظت ساره امتقاع وجهها ذاك ، فابتسمت لجوري هاتفةً : يلا يا قلبي .. ما بقي كثير و تقابلين خالي الحبووووووب .

أشاحت جوري بوجهها فضحكت ساره هاتفة : أنا نازله مع خالتك للضيوف .

لحقت بمرام و لكنها وجدت الصالة خالية ، هتفت : مـــيــمــــي ؟؟!!!!!!.

لم تتلقى أي رد ، تلفتت حولها .. ثم ما لبثت أن توجهت للسلالم و هي تمسك بفستانها الذي تميز بلون البحر و همست تحدث نفسها : أكيد نزلت .

و قبل أن تطأها قدماها .. سمعت صوت بكاء حار ميزت من خلاله صوت مرام ، وضعت يدها على قلبها و ركضت إلى مصدره هاتفةً بخوف : مــــيـــمــي ؟؟!!!!!!.

و جدتها .. تبكي أمام المغاسل ، شهقت و هي تضمها : اخص عليك يالدب .. المفروض تفرحيلها مو تقعدين تصيحين .. بعدين كان أجلتيها شويه .. لسا حتى ما انزفت .

هزت مرام رأسها نفيًا و الدموع تسيل على وجنتيها و همست بألم : لا .. مو جوري .. مو جوريييي .

تطلّعت ساره إليها في خوف و هتفت : أجل مييين ؟؟ .

أخفت مرام وجهها بين ذراعي ساره و هي تصيح بقهر : رهـــــــــــــف .. رهــــــــــــف يا ساره .. رهف اللي محد يدري عنها ويــــــــــــــــــــــــن .

شهقت بقوة .. شهقة مزقت قلبها .. ، زمت ساره شفتيها و دموعها تفر من مقلتيها .. وضعت وجهها على كتف مرام وهمست باكية : ربي عالم بمكانها يا مرام .. ربي يحفظها و يحميها.

صرخت مرام بحرقة : أنا أحس نفسي خاااااااينه .. خااااينه .. ما حاولت أضغط على تركي .. ما حاولت أعرف وين مكانها .. يا حبيبتي يا رهف .. يا حبيبتييييي .

فلتت كلماتها اللجام الذي أمسكت به ساره دموعها الساخنة المتدفقة ، همست بألم : حتى خالي ما أخذ منه حق ولا باطل .. بس .. بس صدقيني هذاك المتوحش عنده قلب .. و لاّ ما كان اهتم بولد صاحبه و رباه كأنه ولده .. يعني اهدي شويه .. إن شاء الله إنها بخير .

ابتعدت عنها مرام و هي تضغط على جانبي رأسها في انهيار : تعبت يا ساره .. تعبت و أنا أحاول أكلمه و هوا يصد .. تعبت والله تعبت .

اهتز جسدها و هي تردف بحرقة : كانت راح تلبس زي فستان جوري .. و تفرح زي فرحتها بس .. بس

و بترت عبارتها و هي تجثو على ركبتيها و جسدها يهتز و أنفاسها تتلاحق : الصبح كلمتني هديييييييل .. ما عرفت اش أقلها .. ما عرفت اش أرد عليهاااااااااااااا .. تسأل عن أختها ويييين ؟؟ .. ليش معاد تسمع صوتها .. .. و أنا ما أدريييي .. هيا حيه و لا ميييييييته .

غطت وجهها بكفيها و انفجرت تبكي بعصبية أشد ، انتفض جسد ساره من هول الكلمة و صمتت للحظات و الصدمة متفجرة على وجهها ، ثم هزت رأسها كأنها ترفض الفكرة برمتها و جلست إلى جوار مرام هاتفة: خلاااص يا مرام .. الله يخليكِ خلااااااص .. راح نتساعد أنا ويّاك و نوصلها .. بس دحين اصبري شويه عشان جوري .. اليوم فرحتها يا مرام خلينا نوقف جنبها .. كفايه إنه أمها مي فيه .

ابتلعت مرام غصتها و هي تومأ برأسها ..و صورة رهف .. تلاحقها أينما ذهبت.


.


.



.



** الاثـــــــــــــــــــــــــنـــــــــــــيــن **


00 : 12 صباحًا


دلف تركي إلى المجلس و ابتسم لوالد أحمد وهو يتقدم منه ، توقف أمامه قائلاً باحترام : تفضل يا عمي لبنتك .

و نظر إلى أحمد : يلا يا عريسنا .

نهض أحمد من مكانه و ساعد والده على النهوض ، صاح طارق بحماس :أحلاااااااااااااااااااااااااااا .. بيدخل الرجال .

وضع هاني يديه على جانبي فمه و هو يصيح : فتّح عيونك لا تطيح و انتا ماشييييي و انتبه الجدار قدامك لا تصقع.

ضحك طارق و هو يضرب يد هاني على طريقة ( كفك ) ثم هتف و هو يرفع حاجبيه : نسينا وحده .

و التفت إلى أحمد هاتفًا : حط ثلج على خــــــــدودك لا تــــــــــحـــمّــر .

قهقه هاني بشدة و أحمد يلتفت إليهما و يرمقهما بنظرة حادة جعلتهما ينفجران بالضحك ، سار بجوار تركي صعودًا إلى الدور الثاني و ابتسامة الطفلة البريئة تتوهج أمام عينيه ، لمح تركي و هو يتوقف أمام أحد الأبواب و يقول باسمًا : تفضل ..حياك .

رفع بصره إلى الأمام و دلف إلى الحجرة ..

.


.


لا ..

إنها ليست تلك الطفلة التي يذكرها ، ليست تلك الصغيرة التي كان يلعب برفقتها ..

إنها ..

امرأة فاتنة ، متشحة بكل خصال الجمال و الروعة ، اهتز قلبه بمشاعر مختلفة رغم أن الطرحة الشفافة لا تزال على وجهها ..

: أبو حـــميد

التفت إلى تركي المبتسم الذي يقف إلى جوارها ، تقدم أحمد منها فقبضت على باقتها أكثر و ضربات قلبها تملأ أذنيها ..

: بِسْ.. بِسْسْسْ .. جيجي .. ابتسمي .

: لا تفجعين خالي بتكشريتك يا خبله .

ابتسمت رغمًا عنها و هي تستمع إلى همسات مرام و ساره المختبئتين خلف الباب القريب ، توقف أمامها مباشرةً ، أمسك الطرحة بيديه و رفعها ..

~ فـــــــتـــنــة ~

انتفض لها قلبه و ابتسمت لها شفتاه بفرحةٍ صادقة و سعادة لا متناهية ، وضع كفه على جبينها و قرأ الدعاء ثم رفع يده و قبل موضعها برقة ، أغمضت عينيها و الدموع وشيكة .. إنه أحمد .. أيعقل ؟؟؟!! .. تحقق الحلم أخيرًا ؟؟!!!! .

: مبروك يا جيجي .

نفس الصوت و نفس النبرة ، ابتلعت غصتها الباكية و هي تهمس بشفتين مرتعدتين : الله يبارك فيك .

و قف إلى جوارها و تقدم والده للسلام عليها بحنان الأب: ألف مبروك يا بنتي .. ألف مبروك .. الله يجمع بينكم على خير يا رب .

سلمت عليه بخجل شديد جدًا ، ثم ابتسم وهو ينظر إلى أحمد و قال بنبرات مرحة : يلا يا ولدي .. أنا كذا تطمنت عليك .

قبل أحمد يد والده و رأسه : الله يخليك ليا يا لغالي .

ربت عليه والده و هو يقول : الله يوفقك يا ولدي الله يوفقك و يستر عليك .

و توجه للباب هاتفًا : سلام عليكم .

ردوا السلام و تركي يسير برفقته و هو يهتف : دخلوا أم العريس .

أغلق الباب خلفه فالتفت أحمد إلى عروسه و همّ بفتح فمه لولا أن قاطعه دخول ساره : ياااااااااااااااااااااااااااااااااااي .. أخــــــــــــــيرًا شفت كشتك البهيه منوره يا عبقرينو .

كتمت جوري ضحكتها و أحمد يهتف : إنا لله .. دحين ما بقي إلا انتي تجين تسلمين عليا هنا ؟؟.

اندفعت نحوه و ضربته على كتفه و هي تهتف بحنق : يا معففففففففن .. هذا بدل ما تشكرني و تجيبلي هديه على الهيصه و البيصه اللي مسويتها تحت عشان أشعلل زواجك .

و التفتت إلى جوري هاتفة بمرح : وانتي الثانيه .. ما توقفينه عند حده ليه ؟؟!!! ترى والله ما يدهن رجولي بالفكس إلا انتي .

احمر وجه جوري من شدة كتمها لضحكتها و أحمد يضرب ساره على ظهرها بخفة : أقووووول عاد .. إلا زوجتي .. قال تدهنلك بالفكس قال .. محد قلك ارقصي .

: ســــــــــــويره ؟؟!!!.

اتسعت ابتسامته و هو يرفع بصره للباب : يا هلا .. يا هلا والله بأم العريس و أخته .

اقتربت أمه بمساعدة أم هاني فسبقهما أحمد و سلم عليها : يا هلا بالغاليه .

حاولت الأم أن تمنع دموعها و هي ترى ابنها الأصغر مع عروسه ، هتفت بصوت متهدج : الله يبارك فيك يا ولدي و يسعدك دنيا و آخره و يستر عليك يا رب .

التفت للخلف و فغر فاه عندما و جدها خلفه ، دنت على أمه و هي تسلم عليها بخجل شديد : كيفك يا خاله ؟؟.

ابتسم و هو يتراجع للخلف و أمه تضمها بفرحة شديدة وحنان أشد : بخير يا وجه الخير .. بخير الله يسعدك يا عمري و يبارك فيك .

ذابت جوري من شدة الخجل ، فانتشلتها أم هاني و هي تسلم عليها ، هتفت ساره و هي تلوح بيديها : إيوه .. إيوه يا جده .. الدعاوي الحلوه كلها لولدك و العروسه .. و أنا المسكينه اللي رجولي تكسرت من الريحه و الجيه مالي حرف واحد حلو .

رمقتها الجدة بنظرة عصبية و هي تهمس : أقول اهجدي لا أجرك دحين مع شوشتك اللي رتبتيها اليوم .

شهقت ساره بعنف و جوري تشيح بوجهها و ضحكة خفيفة تفلت من بين شفتيها ، ابتسم أحمد و ساره تضع يديها على خاصرتها و همس مرام من الباب خلفها يثقب أذنيها

: ســـــــــــــويييره .. البنت بتموت .. يلا .

ضحكت ساره و هتفت : طييييييب يا جدتي الحلوه مقبوله منك .. يلا .. اش رايكم نفضي الجو للعرسان ؟؟.

اتسعت ابتسامة الجدة و هي تهتف : هذي ما يبغالها إذن يا سويّر .. يلا يا أم هاني .

و ألقت على ابنها و عروسه نظرةً أخيرة حملت سعادتها الكبيرة قبل أن تخرج مع ساره و أمها و ..أُغلق الباب .

التفت أحمد إليها و أمسك بكفها برقة و هو يهمس : نجلس ؟؟.

أشاحت بوجهها في خجل و هي تجلس على الأريكة الوثيرة المزينة و تحرر كفها من قبضته ، ظل واقفًا يتأملها بحنان قبل أن ينضم إليها و عيناه لم تفارقا وجهها الساحر ، قال بخفوت : كيف جوري اليوم ؟؟ .

شعرت و كأن قلبها سيخرج من مكانه و هي تغتصب الحروف لتخرج من بين شفتيها : الحمد لله .

مد يده مجددًا و التقط كفها و هو يهمس : إلين دحين ماني مستوعب إنه القمر هذا ليا أنا .

ضغط على كفها بحنان عندما تذكر أنها بدون أم ، كتمت أنفاسها وجهها يشتعل حرجًا


** يا ربيييي .. حاسه نفسيييي مخنووووووقه **

لاحظ ارتباكها و رعدة جسدها فربت على ظهرها ليقشعر جسدها أكثر ، قال بتعاطف : جيجي .. خذي نفس .

كادت أن تنفجر ضحكًا و لكنها كتمت ذلك بكل قوة ، حتى هنا يمارس عمله كطبيب ، استنشقت كمية من الأكسجين .

.

هو..

لم يدر بماذا ينطق ، ربما لو كانت هناك ملكة سابقة لكان الأمر الآن أسهل بكثير ، و لكن الظروف حتمت ذلك ..

سألها برقة : مستعده للسفر بكره إن شاء الله ؟؟ .

أومأت برأسها دون أن تنطق فضحك بخفة متسائلاً : و ولدنا ؟؟.

ابتسمت و خصلة من شعرها تميل على عينها ، همّت برفعها و لكنه سبقها ، ابتلعت ريقها و هو يضع الخصلة خلف أذنها و يهمس : تغير شكلي عن زمان ؟؟ .

قبضت على باقتها بخوف و قلبها يخفق ** يالخبييييث .. يبغاني أطالع فيييه .. لو ينفلققق **

لم ترد عليه فأمسك بذقنها و رفع وجهها و هو يهمس : أقدر أشوف العيون السود ؟؟ .

تشنج جسدها من شدة الخجل ولم ترفع بصرها إليه ..

: يالوحـــــــــــــــــــــشششش .

رفعت بصرها إليه بحدة فظهرت على وجهه ابتسامته الجذابة : كذا الصورة أحلى .

أشاحت بوجهها على الفور و قلبها يرفرف في اضطراب ، رأته .. رأته بوضوح ، لم يتغير كثيرًا هو نفسه .. العينان اللوزيتان و الأنف الأنيق و اللحية السوداء .

تعالى طرق الباب فتركها و اعتدل في جلسته و إذ بساره تطل من خلف الباب و هي تهتف : خلاااااااااااااص .. خلينا نزفها و بعدين اشبعبها .

غطت جوري وجهها بكفيها و قلبها يتفتت حرجًا ، تلفت حوله و أمسك بزينة بسيطة على الطاولة و ألقاها عليها و هو يهتف : يـــــــــــــالــمــلــســـونـــــه .

ضحكت ساره وهي تميل جانبًا لتفادي الضربة : أقووووووول .. يلا .. وراكم سفر بكره .

نهض من مكانه و مد يده لعروسه ، كانت ستقف بدونها .. لكنه أمسك بكفها رغمًا عنها قائلاً بحنان: يلا يا عروستي .

سار معها إلى خارج الحجرة و أوصلها إلى بداية الدرج و تعليقات ساره تملأ الأجواء: يلا يا أخويا .. شرفنا و استنى فـ السياره .

لم يلتفت إليها .. بل .. قبّل يد جوري ، رفعت بصرها بصدمة خجولة و أشاحت ساره ببصرها في حرج : ياليحاااااااااا .. خفّف يا خالوووووو .

تجاهل حديثها و همس لجوري : أنتظرك .. لا تطولين .

نبض قلبها بمشاعر شتى و هو يستدير على عقبيه مغادرًا المكان ، تعلق بصرها به للحظات و دموع غريبة تتجمع في عينيها ..

: هيييييييييييه .. يلااااا .

انتبهت لوجود ساره بعد أن نسيته.. فمن كان برفقتها أنساها الكثير .. و اختطفها إلى عالمه .


.


.


و زُفت

زُفت و شريط حياتها يدور أمامها ، طفولتها .. والدها بابتسامته الحنونة وعينيه اللامعتين و التجاعيد المحيطة بهما ، لحيته السوداء التي تتخللها شعيرات بيضاء ، صوته، حضنه الدافئ ، رائحة عطره .. لحظاته الأخيرة قبل وفاته .

.


أمها ..

و لحظاتها الجميلة معها ، تلك اللحظات القليلة التي تدرك يقينًا الآن أنها مجرّدة من أية مشاعر ، لحظات زائفة .. تتحطم الآن .... و تنتهي الآن .

.

شقيقها ..

تركي .. منبع الطيبة ، منبع الحنان .. رغم أنه كان يخفي ذلك ببروده و غموضه .. و

: لا لا .

التفتت إلى خالتها مرام التي هتفت و هي تلوح بيدها : لا تبكييييين .. المكيااااج .

ابتسمت بحزن و مرام تدفع الهواء باتجاه وجهها وتنفخ : الله يخليكِ و لا دمعه .

.


.


و بعد عدد من الرقصات و الصيحات التي كانت نجمتاها مرام و ساره ، رن جوال مرام و رأت اسم > تركي <

تمتمت ساره بغيض : هذا مو صاحي .. العروسه المفروض ما تنزف إلا ثلاثه أو أربعه الفجر و حضرته دحين يبغاها تطلع ؟؟.

ابتسمت مرام و لم تعلق ، تطلًعت إلى جوري و همست في أذنها : يلا يا عسل .

قبضت على كف خالتها و هي تهمس بنبرة خائفة : خالتو .

ابتسمت مرام و هي تهمس في أذنها مطمئنة : بمشي معاكِ يلا .

أخذتها مع يدها و سارت إلى جوارها برفقة ساره إلى أحد الأبواب المطلة على الحديقة حيث سيارة أحمد..

: جـــــــــوري .

سمعت صوت تركي و هو ينادي فردت عليه مرام هاتفةً : جــــــــــــــــــــــــــايـــــــــــه .

ضمت ساره العروس و هي تهتف بمرح : انتبهي لخالي .. لا أوصيك عليه .

اكتفت جوري بابتسامة خجولة و ساره تتراجع للخلف و تلوح بيدها عائدة للمجلس : أنا رايحه أكمل رقص. أكملت هي طريقها مع مرام و رأت تركي و هو يحمل البراء ، ربتت مرام على كتفها و قالت : يلا يا قلبي .

التفتت جوري إلى خالتها و ضمتها بعمق ، هتفت بصوت خائف متهدج : خالتوووو .

ربتت عليها مرام بحنان و هي تحاول منع دموعها ، لا تريد أن تبكي أمامها خشية أن تزيد من خوفها و رهبتها ، هتفت بنبرة مخنوقة حاولت أن تصبغها بالمرح : لا تخافييييين .. بنط عندك كل شويه و أغثك إلين تقوليلي يا خاله فكيني .

ضحكت جوري ضحكة مخنوقة بالدموع و مرام تلتفت إلى إحدى الخادمات التي أحضرت عباءة و غطاء لجوري ، ساعدتها مرام على ارتداءهما ثم قبلت وجنتيها و هتفت : يلاااا .. تلاقين زوجك طق فـ السياره .

التفتت إلى يمينها و لم تجد تركي ، غمّمت مرام و هي تنقل بصرها من المدخل إلى جوري : تلاقينه جوا .

ودعتها جوري بابتسامة مرتبكة و هي تحث الخطى حيث الباب و بالفعل .. و جدته واقفًا مديرًا ظهره إليها و البراء يجلس على المقعد بجواره ، همست عندما اقتربت منه : تركي .

التفت إليها بابتسامته الحنونة و ..

~~~ تــــــــــــــــفـــــــجـــــــــرت الــــــــــــــــــــــــــدمـــــــــــــوع ~~~

ألقت نفسها بين ذراعيه و انخرطت في بكاء حار ، أغلق عينيه و هو يضمها إلى صدره ..
ستفارقه .. طفلته .. ستترك المنزل و ترحل .. طفلته .. التي قضى معها 18 عامًا .. عامًا بعد عام .. سترحل .. طفلته .. التي حملها بين يديه و أطعمها بكفيه .. طفلته .. التي احتملت بروده و جفاءه في السنوات الثلاثة الأخيرة و لم تغير نظرتها فيه .. بل بقي في عينيها .. الأمان .. و الحنان .. و الراحة .. و الاطمئنان .. ، طفلته التي كفكف دموعها مرارًا و مسح على شعرها أيامًا .. ستتركه الآن .. و ترحل ..

.

قلبه يتفطر حزنًا و يبكي دمًا .. و لكن عزاءه الوحيد أنها برفقة .. أحمد .

.

ابتعد عنها و مسح دموعها بأصابعه و هو يجبر نفسه على الابتسام ، تحدث بصوت متحشرج : لسا .. راح أشوفك بكره .

زمت شفتيها بألم و دموعها تسيل ..... ستفارقه .. ستفارق ملجأها بعد الله ، ستفارق من وقف إلى جانبها في ليالي مرضها و كفكف دموعها في لحظات حزنها و ضمها إلى صدره في غمرات خوفها ، ستفقد الأب و الأخ و الصديق .

.

ابتسمت بدورها و هي تهمس : و أنا بكمل وداعي بكره إن شاء الله .

ضمها إلى صدره أخرى و هو يقبل جبينها : انتبهي لنفسك .

شهقت بحزن عنيف فربت على ظهرها بلطف و هو يهمس: اششش .. خلااااص .. ترى زوجك ثواني و يقتلني .

ابتسمت بحرج وعدّل هو من وضع غطاءها ثم حمل البراء المتسائل بحيرة : ليه تبكي ؟؟.

ابتسم تركي له وهو يمسك كف جوري بيده الأخرى و يغمم : عشانها بنتي .

أوصلها إلى أحمد الذي فتح لها باب السيارة و عاونها على الصعود برفق ، أغلق الباب و التفت إلى تركي الذي يقف خلفه و الذي ربت على كتفه قائلاً : لا أوصيك عليها .

ابتسم أحمد بهدوء و هو يربت على ذراعه : فـ عيوني يا تركي .

تراجع تركي إلى الخلف و أحمد يستقل سيارته ، لوح لتركي و حرك السيارة .

تنفس تركي الصعداء و هو يهمس براحة : الله يوفقك يا قلبي يا جوري .


@@@@@@@@@@@@@@


الرياض


فيلا أبو ياسر


00 : 9 صباحًا


زفرت الأم في قلق و هي تنظر إلى سماعة الهاتف ، همست بضيق : وينك يا ولدي من ليلة الملكه ما شفتك ؟؟ .. هذا كله شغل ؟؟!!!! .

و أغلقت السماعة و هي تلوح بيديها بقلة حيلة و قلبها يخفق قلقًا على ابنها البكر ، صحيح أنها اعتادت على سفره و تركه للمنزل لأيام و أشهر .. و لكنه كان يطمئنها يوميًا باتصالاته ، إذًا لماذا لم يفعل ذلك هذه المرة ؟؟!!! ... تحدثت إلى زوجها و اكتفى بقوله : بخير بخير .

لا تدري لماذا تشعر بقلق شديد ينهشها و كأن أمرًا جسيمًا قد حصل ، زفرت أخرى و قلبها يشتعل ، ترقرقت الدموع في عينيها و هي ترفع السماعة مرة أخرى و

: يــــــــا ولـــد .

أغلقت السماعة و اعتدلت في جلستها و هي تمد يدها إلى رأسها تتحسس تلك الطرحة قبل أن تهتف : اقلط يا ولدي يا نواف .. اقلط الله يحيك .

دلف نواف إلى داخل المكان و ابتسامة خفيفة مرسومة على شفتيه ، هتف قائلاً : السلام عليكم يا عمتي .

نهضت الأم من مكانها و هي ترد عليه السلام ، مد يده و صافحها بحرارة : واشلونك عمتي .. بشرينا عنك .. عساك بخير ؟؟ .

اغتصبت ابتسامة بسيطة من شدة قلقلها على ابنها و غممت : بخير الله يسلمك و يعافيك يا ولدي .

جلس على الأريكة القريبة و هتف قائلاً : إلا وين مرتي ؟؟ .

جلست الأم و هي تهتف بدورها : أخبرها فـ الصاله مع أختها .. الحين أناديها .

همّت بالنهوض و لكنه أشار بيده : استريحي يا عمه .

و رفع صوته و هو يلتفت للباب : مـــروانوووه .. يالدبلي يا مروووواااااااااان .

هزت الأم رأسها و هي تسمع هتاف ابنها من البعيد : مالدبلي أبو كريشه إلا انت يا فوّانووووه .


.




في الصالة الواسعة ، عقدت جبينها و هي تتوقف عن الركض و تصيح بحنق : عـــــــــــــــبـبييييير أقــــلـــك هــــــــــــــــاتـــــــــــي الـــــــــــــــجــــوال .

هزت عبير رأسها نفيًا و هي تحرك حاجبيها بخبث : مافي .. تحلفين إنك تدقين عليه و بعدها أعطيك .

احمر وجهها من شدة الغضب لأن الموضوع متعلق بذلك الذي لا تطيقه ، وصاحت : أول شي الحلف مو لعب .. و بعدين مجنونه انتي تبيني أدق عليه من صباح الله خير ؟؟!!!!!!!!!!!!!!.

همّت عبير بالحديث و لكن دخول مروان قاطعها ، هتف بحنق : يا عرعر يالحولاااااا .. نوافوه الدب يبيك فـ حجرة المعيشه .. عجّلييييييييييييي .

هتفت عبير بصوت مرتفع و هي تتراجع للخلف: انزيـــــــــــــــــن .

اقتربت منها عروب و هي تحرك شعرها الطويل للخلف بضيق و صاحت : عبيررروووه .. الحين واش اللي مجلسك هنا من بعد الملكه .. انقلعي بيت وزجك و فكينيييييييي .

انفجرت عبير بالضحك و هي تفر راكضة للردهة : تحــــــلّمييييييييييي .

ركضت خلفها و صاحت بحنق : عبـــــــــــــــــير ؟؟؟؟؟؟؟!!!!!!!!!!!!!!!.

اندفعت عبير إلى حجرة المعيشة و هي تضحك ، توقفت عروب في مكانها و ضربت على فخذيها و هي تزمجر : علّك بالبزران اللي ينتّفون شعرك .

هتف مروان ضاحكًا و هو يغادر المكان : و أنا بشجّعهم .

زفرت بقهر ثم توجهت للباب الزجاجي المطل على الحديقة ، فتحته و خرجت و هي تهمس لنفسها : ووين الثاني ياسر اللي طس .. من يوم الملكه ما شفته .

ارتسمت على شفتيها ابتسامة باهتة و هي تضع كفها أمام عينيها من حرارة الشمس التي لفحتها ، همست بحنان : طول عمرك و الشغل آكل دماغك يا أخوي .. الله يرزقك باللي تحطك فـ عيونها ياااارب .

اقتربت من الكراسي المظللة أمام حوض السباحة ، جلست على أحدها و عيناها معلقتان بالمياه الصافية التي تتحرك بنعومة كأنها تلاعب الهواء و عقلها .. يحاول أن يتناسى ذلك الــعزام .


@@@@@@@@@@@@@@


جدة


البيت الأخضر


00 : 10 صباحًا


احتضنت الوسادة الحمراء بيديهاو أخذت تتأمل النقوش المختلفة في السجادة ، كانت الحجرة باردة جدًا و الهدوء يغلف المكان مما جعل النعاس يتسلل إلى عينيها ..... و قبل أن تنطبقا ..

: رهـــــــــــــف!!!!!

انتفضت في هلع و التفتت إلى فدوى التي هتفت : ازيك يا حبيبتي النهار ده بعد ما تحررت إيدك ؟؟ .

ابتسمت برقة و هي تجيبها : الحمد لله .

اقتربت منها فدوى و جلست إلى جوارها هامسةً : حاسه بحاقه ؟؟ .

هزت رأسها نفيًا و عادت إلى تأملاتها ، تركتها فدوى قليلاً ثم أمسكتها مع يدها و همست : أيه رأيك نعملّنا أكله خفيفه ؟؟ .

هتفت رهف و هي تلتفت إليها : دحين ؟؟.

أومأت فدوى برأسها : آه .. ليه لا .


.


.



و بعد عدة دقائق ، كان القدر على النار و فدوى تمسك بالخلاط و تكمل قصتها

: و حطت الملح مكان السكر .. و انتي تصوري البائي .

ابتسمت رهف و هي تجلس إلى الطاولة و تقطع الطماطم و لكن .. ما لبثت أن ماتت ابتسامتها .. ترددت قليلاً قبل أن تقول : آه .. دكتوره فدوى .

التفتت إليها فدوى هاتفةً : مالك يا حببتي ؟؟ .

وضعت رهف الطماطم في الطبق و هي تغمم : ما جاك أي خبر عـ

و خنقتها غصة مريرة منعتها من مواصلة الحديث ..

رفعت فدوى حاجبيها في حنان ثم تركت كل ما في يديها و توجهت إلى رهف ، كانت مطرقةٍ برأسها تداري دموعها الوشيكة ..

: حببتي .. حاولت أكلمه امبارح بس تلفونه كان مغلق .

غطت رهف وجهها بكفيها و انخرطت في بكاء حار ، احتوتها فدوى بين ذراعيها و هتفت : ايه يا رهوفه .. احنا اتفئنا على ايه ؟؟ .

شهقت رهف و هي تهتف : ايوه يا دكتوره .. بسسسس ..أنا خايفه .. خايفه .

مسحت الطبيبة على شعرها و قالت : بصي يا رهف .. أنا صحيح معرفهوش .. لكن .. أنا متأكده إنه راقل طيب أوي و بيحبك .

تشبثت رهف فيها أكثر و هي تهتف بدموعها المتفجرة : كيف يحبني و أنا من يوم ما فقت ما شفته ..

ليه ما جا يزورني .. يكلمني .. و هوا عارف اني .. اني

قاطعتها الطبيبة و هي تبتعد عنها : فوفو .. عوزاكِ تفهميني كويس .

رفعت رهف رأسها تنظر إلى عيني تلك المرأة الحنون التي قالت : سكّنك فـ فيلا كبيره و حلوه أوي .. و أصر إني أبئى معاكِ هنا .. و معنى ده إنه خايف عليكِ و عاوزك تبئي كويسه .

أشاحت رهف بوجهها و صدرها يعلو و يهبط من فرط الشهقات و فدوى تردف : أكيد راح يتصل أريب أوي عشان ترقعي للأصر .

خفق قلب رهف بعنف و أغروقت عيناها بالدموع مجددًا و هي تهمس : بس .. أنـ

قاطعتها فدوى بحسم : ما فيش بس .. موضوع زاكرتك دا انسيه ، شيليه من دماغك خالص و ابدئي معاه حياه قديده .. و أنا متأكده انه حيساعدك .

مسحت رهف دموعها بأصابع مرتعدة ، فابتسمت فدوى و هي تهمس بحنان : ما تخافيش .. أنا ححاول اليوم أكتر من مره و حتصل بيوسف كمان.. و لما نعرف امتى راح يرقع ..ملزومه تعمليله مفاقئه تفرّحيه فيها .. عشان تسبتيله إنك رهف اللي هوا بيحبها .

أجبرت رهف نفسها على الابتسام و عقلها يرسم صورًا مختلفة عن زوجها المجهول ..

: و بصييييييي .. نسينا الإدر ع النار .


@@@@@@@@@@@@@@@@
جده


أحد الفنادق الفاخرة


في نفس اللحظات



ابتسمت لنفسها و هي تضع اللمسات الأخيرة على مكياجها الناعم ، نهضت من مكانها و داعبت شعرها الحريري قليلاً و هي تجول ببصرها على الفستان الأنيق بسيط التصميم من – الشيفون- الوردي المشجر بألوان ناعمة ، أنثوي القصة ومعبر عن قوامها الجذاب ، سمعت طرقًا على الباب خفق له قلبها .. التفتت إليه و هي حائرة في ما تقول ، حركت يدها بتوتر و سارت نحوه على عجل .. قبل أن تفتحه ببطء و تفسح له المجال للدخول ، ابتسم لحسنها و نعومتها الآسرة و هي مطرقة برأسها في خجل ، همس برقة : تذكرت إني أبغى حاجة من الغرفة قبل ما نطلع .

وضعت خصلة من شعرها خلف أذنها بارتباك فاتسعت ابتسامته و هو يدلف للداخل و يجذبها مع كفها ، رفعت بصرها بخجل شديد و جلست إلى جواره على الأريكة الوثيرة ، هربت من النظر إليه إلى تأمل كفيها المزدانين بنقش الحناء المتقن ، رفعت حاجبيها بدهشة و هي تنظر إلى تلك العلبة المخملية الحمراء في يده ، اتسعت ابتسامته و همس بحب : هدية صباحيتك يا عروستي .

لم تحرك ساكنًا و هي تفرك يديها من شدة حرجها ، ندت من بين شفتيه ضحكة خفيفة و هو يفتح العلبة : تحسسيني إنك أول مره تشوفيني .. و ين جيجي اللي ما كان يمر يوم إلا و ترقعني فيه بحاجه ؟؟.

أشاحت بوجهها في خجل شديد **.. الله يخرب ابليسك .. كم سنه ما شفتك ؟؟..** اختنقت أنفاسها عندما أحاط عنقها بيديه ، همس و هو يغلق قفل ذلك العقد الماسي : هدايا الدنيا كلها ما توفي جيجي .

أغمضت عينيها و وجنتاها تشتعلان ، شهقت بخفوت و هو يقبل وجنتها بحركة سريعة قبل أن يتراجع إلى الخلف و يقول ضاحكًا : والله .. أنا الوحش حمّودي اللي كنتي تتضاربين معاه .

ارتسمت على شفتيها ابتسامة خجولة و هي تتحسس ذلك العقد الثمين ، تأملها بحنان و سعادة غامرة تجتاح قلبه .. سعادة لم يعرفها من قبل .. كل هذه البراءة .. كل هذا الجمال .. كل تلك الرقة أصبحت ملكًا له .. شيء لم يحلم به يومًا ... تلك الطفلة المرحة الشقية أصبحت زوجةً له الآن !!!!.

أمسك بكفها الآخر و همس : يلا يا قلبي نطلع نفطر .

و نهض من مكانه و وقفت هي برفقته و روحها تحلق في سماء السعادة ، ذلك الحنون .. عذب الروح .. أصبح نصفها الآخر بعد أحلامٍ كانت تنسجها ، ضغطت على كفه بحنان و هي تخرج برفقته إلى حجرة الجلوس قبل أن تلتقط عباءتها و تستعد للخروج .


@@@@@@@@@@@@@@@@@@


الرياض


أمام فيلا أبو ياسر


10 : 10 صباحًا


وضع يده على الكرسي المقابل لها و همس بلطف : ممكن أجلس ؟؟ .

همّت بالنهوض و لكنها شعرت بسخافة الفعل ، ضغطت على أعصابها و لم ترد عليه و اكتفى بذلك ليأخذ الموافقة .. سحب الكرسي الأبيض المقابل لها و جلس عليه ، حاول أن يصرف بصره عنها علّه يخفف من وطأة خوفها ، قال : اشلونك عروب ؟؟ .

تراجعت إلى الخلف قليلاً فتعالى صرير الكرسي ، أغمضت عينيها بحرج شديد و الدماء تندفع إلى وجنتيها بغزارة ، ابتسم عندما أدرك مرادها لكنه لم يعلق بل قال : ما ودك تشاركيني الكلام ؟؟.

ترقرقت الدموع في عينيها و هي تشعر بقلبها يشتعل ، عقلها يرفض الوضع الحالي .. يرفض وجوده في حياتها ، الأمر ليس بيدها .. روحها تتعذب من صوته و قربه ، و كيانها يحاول أن يمحي وجوده و ينسى الواقع ، صورة الحادث تشل كل مشاعر الحب و القبول ، و تثير مشاعر الكره و الخوف في روحها .

تنهد .. الأمر أصبح أكثر صعوبةً الآن .. كيف سينقل إليها خبرًا مثل هذا ؟؟؟؟!!!.

** .. الله يسامحك يبه ..**

تراجع في مقعده و هو يقول : عروب .. و اش رايك نروح نزور ياسر ؟؟ .

زوت ما بين حاجبيها ** .. ذا و اش يخربط ؟؟ ..**

و .. انتفض قلبها عندما تذكرت أنها لم ترى شقيقها منذ فترة ، رفعت رأسها و بصرها معلق بالمسبح ، فهِم أنها تريد توضيحاً أكثر ، اعتدل في جلسته و هو يقول بهدوء : و اش رايك نمشي الحين ؟؟ .

و دفعها قلقها على شقيقها لتنطق : انت واش تقول ؟؟ .

كان صوتها رقيقًا .. ضعيفًا .. خافتًا ، طرق بإصبعه على الطاولة و هو يجيبها بنبرات هادئة : بس شوية جروح بسيطه و

التفتت إليه بحدة و هتفت : جروح؟؟؟؟؟!!!! .. جروح ايش ؟؟!!!!!! .

تطّلع إليها و اغتصب نبرات مرحة : ما تعرفين أخوك و هبقاته .. طاح بعد الملكه و تعور شوي و

هبت من مكانها و صاحت بهلع : تــــــــــــــــعــور ؟؟!!!!.

نهض هو الآخر .. لا بد أن يوصل إليها الخبر كاملاً حتى لا تنهار عند رؤية شقيقها ، قال بخفوت : حادث بسيط .

صرخت و هي تضع يديها على شفتيها و انهمرت الدموع ، رفع يديه مهدئًا : لا تخافين .. و الله بخير .. و بتروحون تسلمون عليه .

تصاعد لهيب أنفاسها و شعر بها .. تكاد تسقط و هي تتراجع للخلف ، صرخت بانهيار : انت كذاااااااب .. لو هو طيب كان عبير أو أمي علموني .

ركضت إلى داخل المنزل بدموعها المتناثرة و .....

انخلع قلبها عندما شعرت بنفسها بين ذراعيه و ظهرها يلامس صدره ، نظرت إلى يديه بحده و ارتعد جسدها بعنف و هي تهتف بنبرات مخنوقة : خلني .. نزل يدك .. نزلها.

همس في أذنها : عروب .. اهدي .. ياسر محتاج لوجودك .. ياسر معاد بيقدر يمشي .

: لااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااا ااااااا

صرخت و هي تنفجر باكية ، صرخت روحها ، صرخ قلبها .. صرخ هلعًا على شقيقها .. ،هزت رأسها بعنف و هي تحاول الفرار من بين يديه و تبكي بدموع ملتهبة : لاااااااااااااا .. كــــــــــــــــــذاااااااااااااب .. انــــــــــــت كــــــــــــــــــــــــــــــــــذاااااااااااب .

ضمها أكثر ، ينشد تهدئتها و هو يغمم بحنان : استهدي بالله .. إنما الصبر عند الصدمة الأولى .. الحمد لله عايش وصحته بخير.. بتقدرين تشوفينه و تجلسين معه و بتقدرين تكلمينه و تسمعين صوته .

أنّت في مرارة و أعصابها تلتهب أكثر ، معدتها تشتعل و الغثيان يشتد ، صاحت بصوت متحشرج : خلنيييييييي خلني بروحي ما أقــــــــــدر مـ

بترت عبارتها و تـــــــــــــــــــقـــيـــأت بـــــــــــــــعـنـف ، اتسعت عيناه في هلع و هتف: عـــــــــــــــــــــــــــــــروب؟؟!!!!!!!!!!!!! !!!!!!!!!

ضغط على بطنها على الفور و هو يحني ظهرها للأمام لتفرغ ما في جوفها ، شعرت بطعم الدموع يختلط بمرارة لسانها ، بكت أكثر و الاشمئزاز يملأ نفسها ، مسح على ظهرها بحنان و قلبه يتألم لحالها ، اقشّعر جسدها و همست بإعياء باكي نزف له قلبه : عزام .. و اللي يخليك اتركني .. و الله مو بيدي .. و الله .

تراجع و تركها حرة ، و ركضت هي و كفها على شفتيها ، ركضت هربًا منه .. هربًا من وجوده .. هربًا من رقته و حنانه ، ركضت ... و من بين شفتيها تحررت صيحة حملت اسم يــــــــــاســـر ، صيحة حملت كل ما تجيش به نفسها من اللــــــوعة و الــــــــــــــذعر .

اكتفى بمتابعتها حتى اختفت داخل المنزل ، نظر إلى يديه اللتين أمسكتا بها ، أغمض عينيه و هو يزفر و خفقات قلبه تملأ أذنيه ، اهتز جيبه .. أدخل يده و وضع السماعة على أذنه على الفور هاتفًا : هلا عمي .


@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@


جده


فيلا تركي


00 : 5 عصــرًا


داخل تلك الصالة الزجاجية، أحاط كتفيها بذراعه و هو يسير معها حول المسبح: و كيف أبو حميد معاكِ ؟؟.

توردت وجنتاها خجلًا وهي تهمس : الحمد لله .

ابتسم قائلاً : و ليش حضرته لسا ما شرّف ؟؟ .

التفتت جوري إليه و قالت: يبغاني آخذ راحتي معاك .

توقف عن المشي وقرصها مع وجنتها : لسا تستحين منه ؟؟ .

هتفت باستنكار : أووه .. توتوووووووووو !!!!!!!!!!.

وضعت كفها على وجنتها و هتفت بحنق : دبه!! .. لسا مالي يوم معاه .. كيف ما تبغاني أستحي ؟؟ .

: جوري!!!!!!!!

انطلقت تلك الصيحة الطفولية بالراء الملتوية في المكان فصاحت في فرحة كبيرة : برّووووو !!!!!.

ركضت إليه بفرح و انحنت و هي تضمه بين ذراعيها في حنان بالغ هاتفةً : وحشتنيييييييييييي .

اقترب منهما تركي ويداه في جيبي بنطاله و غمم : خيانه .

ضحكت في مرح و هي تحمله و تعتدل واقفة : تستااااهل .. أخيرًا طنّشك و ناداني .

مسح تركي على شعر البراء برفق وهو يخاطب جوري : اهب عليك يالدب .. لسا أمس تزوجتي و اليوم مخلفه ؟؟!!!.

ضربته على ذراعه و هي تصيح بحرج : تـــــــــــــــركييييييييييييي !!!!!!!!! .

مسح مكان الضربة الحارة و عيناه معلقتان بمدخل الصالة و قال : أمس أعطيتك اياها و اليوم تخرّجها مجرمه .

همّت بالصراخ لكنها ابتلعت لسانها عندما رأت أحمد يدلف إلى المكان بطوله الفارع و ثيابه الأنيقة ، قال ضاحكًا : و الله أنا واثق فـ حرمتي .. أكيد ما ضربتك إلا عشان شي .

ذابت جوري خجلاً و حاولت أن تلهي نفسها بمداعبة البراء ، و تركي يضرب أحمد على كتفه : انتا اللي يبغالك تنضرب عشان هذي الكلمه .

ضحك أحمد و هو يسلم عليه و قال و هو يتراجع للخلف: شنط الحلو وصلت للسياره و الممرضه هناك.

أومأ تركي برأسه و سأله : متى بتحركون ؟؟ .

نظر أحمد إلى ساعته : و الله المفروض الآن .

رفعت جوري بصرها ، توترت أعصابها و هي ترى .. أن الوداع يقترب ..

سأل أحمد تركي بابتسامته : ما بتقدر تجي معانا للمطار ؟؟ .

هز تركي رأسه نفيًا : كنت أتمنى .. لكن ورايا مشوار ضروري .

ثم ابتسم و هو يعانقه ، و عندها أدركت جوري .. كم يتشابهان ، نفس الطول .. نفس الجسم .. فقط ملامح الوجه التي تختلف .

و ..كم غبطتهما في داخلها على تلك الصداقة العميقة التي تجمعهما ، يكفي أن ينظر أحدهما إلى الآخر ليدرك مقصده .

و عندما ابتعدا ، شد تركي على راحة أحمد في حرارة و هو يقول : أمانتين سلمتك اياهم .

ربت أحمد على كتفه مجيبًا : في الحفظ و الصون .

وضع نظارته الشمسية على عينيه و غادر المكان .. ليترك لجوري متسعًا لوداع شقيقها .

وضعت البراء على الأرض ولفت يديها حول عنق أخيها قبل أن تدفن وجهها في صدره و تبكي ..

ربت تركي على ظهرها و هو يقول ضاحكًا : ما خلصت دموعك أمس ؟؟.

هتفت من بين شهقاتها : دببببب .. و الله راح أفتقدك يالنكدي .

آلمه قلبه .. فهمس في أذنها بحنان حازم : جيجي ..حطي زوجك فـ عيونك و لا تخلينه يحتاج شي ..

و إذا اختلفتي معاه مره .. حاولي تعالجين الموضوع بنفسك و بشطارتك بدون ما تدخلين أحد بينكم.

ضحكت و هي تتراجع إلى الخلف قائلةً : حاضر يا بابا .

مسح دموعها و قال : يلا .. لا تأخرينه .

أمسك البراء ببنطال تركي و أخذ يجره و هو يهتف : يلا روح باي .. يلاااا .

تنفس الصعداء و نزل إلى الأرض ، استند على إحدى ركبتيه و رفع الأخرى ، نظر إلى عيني الصغير ..تلك العينان الزرقاوان ، قاوم دموعه و احتضنه في عمق و هو يشم فيه رائحة عادل ، وضعت جوري كفها على شفتيها و أشاحت بوجهها خشية أن تنفجر بالبكاء مجددًا .

ضمه تركي إلى صدره أكثر و أكثر ، كأنه يريد أن يدخله إلى قلبه .. أغمض عينيه بألم .. يستعيد كل ذكرى برفقة هذا الصغير ..قرابة الأربع سنوات و هو بمثابة ابنه ، كم ليلة نام فيها بجواره ، و كم مرةً حمله فيها بين ذراعيه ، و كم مرةً ركض فيها ملاعبًا إياه ..

كم ..

و كم ..

و كم ..

إنه .. جزء من قلبه ، احتل مكانة لم يحتلها أحد من قبل ، ابتعد عن الصغير الذي نظر إليه ببراءة ، ابتسم تركي بصعوبة و هو يهمس : اسمع كلام جوري .. طيب .

و مسح على شعره قبل أن يقبل وجنتيه و جبينه ، هتف البراء بانزعاج : تركيييييي !!.

همس تركي بحنان : عيونه .

أغمضت جوري عينيها بألم و شهقاتها تخونها ، حمله تركي بين ذراعيه و هو يهتف للبراء : يلا يا قلبي .. ما نبغى نأخر خالو أحمد .

نظر إلى جوري هاتفًا : يلا يا ماما .

بلعت غصتها و غادرت المكان معهما ، و صلوا إلى الباب الخارجي حيث سيارة أحمد ، لفت جوري طرحتها على رأسها و التفتت إلى شقيقها ، مست وجنته بكفها الرقيق و هتفت بهمس باكي : انتبه لنفسك .

رجف قلبه و لمعت عيناه .. لماذا يشعر أنه لن يراها مجددًا ؟؟؟!! .. لماذا ؟؟!!!!! .

ابتسم بلطف دون أن ينبس ببنت شفه و ارتدت هي حجابها كاملاً ثم أخذت البراء من بين يديه ، فتح لها تركي باب السيارة لتتخذ موقعها إلى جوار أحمد ، الذي تبادل مع تركي نظرةً .. فهمها الأول ..أومأ أحمد برأسه و هو يرسم على شفتيه ابتسامةً مطمئنة ، أغلق تركي الباب و حرك أحمد السيارة ، لوح لهم بيده و انتظر حتى اختفت عن ناظريه ثم عاد إلى داخل الفيلا مجددًا و هو يقول بصرامة : دحين بتفرغلك يا ساميه .


@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@


الرياض


فيلا أبو ياسر


30 : 5 عصرًا



بكت الأم في حرارة شديدة و هي تسير في صالة المنزل ذهابًا و إيابًا ، لوحت بيدها في عصبية و هي تهتف : لييييه مانعني لييييييييييييه .. أبي أروحله .. أبي أشوف ولدي .. أبي أشوووووفه .

التزم مروان الصمت و قد أخفى وجهه بوسادة الأريكة ليسكب دموعه بصمت ، نهضت عبير من مجلسها و هي تمسح دموعها الغزيرة و هتفت : يا يمه .. قالولك بخير و الحمد لله .. لا تشيلين همه .. و يوم الدكتور يسمح بالزياره بيخبرونك .

صاحت الأم بقهر و هي تضرب صدرها : أنا أمــــه .. أمــــه .. ما تفهمين ؟؟!!!!!!!.

و انهارت على الأريكة تضرب على فخذها بألم و دموعها سيول على وجنتيها : يا ربي استر عليه .. يا ربي استر عليه يا رب .. يا ربي قوّمه بالسلامه يا رب .. يا ربي قومه بالسلامه .

غطت وجهها بطرف طرحتها و أجهشت ببكاء مرير ، هزت عبير رأسها في أسى و هي تتذكر كلمات والدها الشديدة الصارمة التي منعتهم من الذهاب إلى هناك إلا بأمر منه .. حتى أنه لم يخبرهم باسم المستشفى ..و نواف كذلك التزم الصمت .

لوحت الأم بيديها و جسدها لا يهدأ من شدة التوتر : على الأقل أكلمه .. أسمع صوته .. هذا ولدي يا عالم .. ولـــــــــــــــــــدي .. ولــــــــــــــدي .

و شهقت و هي تهز رأسها بألم

: أم يـــــــــاسر !!!

انتفضت في مكانها عندما اخترق عقلها ذلك الصوت القوي القاسي ، أغمضت عينيها و أطرقت برأسها في انكسار ، التزمت عبير الصمت و عيناها تتطلّعان إلى والدها الذي دلف إلى المنزل لتوه ملقيًا نظرات معاتبة على زوجته : قلتلك ولدك بخير و الحمد لله .. بس نفسيته تعبانه شوي ورافض يكلم أي أحد .. و الدكتور نبه علينا ما نضغط عليه .

لم تنبس ببنت شفه و قلبها يتفطّر ألمًا و حزنًا ، أردف زوجها و هو يحث الخطى للمصعد : باكر إن شاء الله بتشوفينه .. اجهزي الصبح .

دلف إلى داخل المصعد و أُغلق الباب خلفه ، و اكتفت هي بترديد عباراتها السابقة بذات الألم و اللوعة ، شهقت عبير بخفوت و اقتربت من مروان ، ثم همست بحنان و هي تضع يدها على الوسادة التي يغطي بها وجهه : نيمو حبيبي .. اطلع فوق .. أمي ما بتسكت لو ظليت على هالحاله .

هز رأسه بعنف و هب من مكانه ركَضًا للدور العلوي عبر السلالم ، زفرت عبير بأسى و عادت للجلوس إلى جوار والدتها .

.


.


.


.


.


رفعت بصرها الباكي إلى باب حجرتها ، تجمعت الدموع في عينيها أكثر و هي تراه يقف بوجهه الدائري المحمر و الدموع تغرق وجهه ، تسارعت أنفاسه و ملامح وجهه تشتد ، همّت بالحديث إلا أنه صاح و هو يندفع نحوها : عــــــــــــروب !!.

ألقى نفسه بين ذراعيها و تشبثت بها في شدة و هو ينفجر بالبكاء و يهتف : أنا خايف .. خايف .. أبي أشوف ياسر .. أبي أشوف أخوي .. الله يخليك يا عروب خلينا نروح .. ليه أبوي ما يبينا نشوفه .. لييييييه .. لييييييييييييييه ؟؟!!!! .

احتضنته بعمق و هي تربت على ظهره بحنان و تهمس من بين دموعها الغزيرة التي تملأ حلقها : لا تخاف يا قلبي لا تخاف .. الحمد لله عايش و صحته زينه و بتقدر تشوفه و تكلمه .. بس انت اصبر .. و خليك رجال مثل ما كان يعلمك دايمًا .

تفجرت دموعه أكثر مع كلماتها و صيحات باكية تنبعث من بين شفتيه في خوف حقيقي ، ضمته إلى صدرها أكثر و شهقاتها تخونها : مروان حبيبي .. اصبر الله يخليك .. اصبر .. و قول إنا لله و إنا إليه راجعون .. هذا ابتلاء يا قلبي .. ابتلاء .

و ضعت رأسها على رأسه و هي تربت عليه ، رغم أنها في أشد الحاجة إلى من يواسيها و يربت عليها .. أغمضت عينيها و قلبها يخفق بحزن شديد على أبيها الثاني .. شقيقها الذي وقف إلى جانبها في كل لحظة .. ساندها بروحه منذ ذلك الحادث حتى ارتباطها بعزام ، شقيقها الذي بذل كل ما في وسعه ليخرجها من الألم الذي كانت تعيشه بفضل الله ثم كلماته التي كانت تصّبرها و تذكرها بالصبر و الاحتساب ، زمت شفتيها قبل أن تهمس بحزن عنيف : يا حبيبي يا أخوي .


@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@


جده


فيلا تركي


في نفس اللحظات



أغلق حقيبته السوداء و رفع سماعة الهاتف ، ضغط على الرقم الذي يريده ثم رفع بصره عندما تناهى إليه طرق الباب و قال : ادخل .

فّتح الباب ، لم يحرك ساكنًا و هو يرى القادم بل أشاح بوجهه و هو يقول : ألو .. عوّاد جات أي أخبار من اللي أرسلتهم ..... إلى الآن يدورون ؟؟!!! .. اسمع .. قلهم يمرون على جهة البحر .. إيوه ... احتمال كبير .... المهم الآن .. بلغ الموظفين بتأجيل الاجتماع لبكره الصباح .. ايوه الكل ... في حفظ الله .

أغلق السماعة و استند إلى ظهر مقعده و هو يطالع أحد الملفات قائلاً بجفاء : نــــعم ؟؟ .

دلفت إلى الحجرة بهدوء و أغلقت الباب خلفها ، رفع بصره إليها ببرود مغممًا: في شي ضروري تبغينه ؟؟ .

تقدمت إلى الأمام حتى توقفت أمام مكتبه و وضعت يديها عليه و هي تتطلّع إليه قائلةً بصرامة : أبغى دقايق من وقتك .

لم يرد عليها .. بل كأنه لم يسمعها و هو منهمك في مطالعة البيانات المرصودة في الملف ، جلست على المقعد أمامه و هي تقول : وين رهف ؟؟!!.

أغلق الملف بقوة انتفض لها جسدها ، قال بجفاء : شي ما يخصك .. اطلعي دحين لأنك ما بتآخذين مني شي .

صاحت في عصبية : ما راح أطلع يا حقير ما راح أطلع إلين تقلي هيا وين ؟!!! .. أهلها يسألون عنها و انتي قابرها ولا راضي تفتح فمك .. حتى ما ندري هيا حيه و لا ميته .

رفع بصره إليها بنظرات مخيفة : و ربّي .. كلمة ثانيه عن الموضوع و بتشوفين شي ما يسرك .. اطلعي برا و هذي آخر مره راح أعيدها .

ارتجف قلبها بين ضلوعها و هي ترى هذا الصدود المؤلم منه ، بعد أن كانت علاقتهما في ما مضى من أجمل ما يكون .. ، تجمعت الدموع في عينيها و حادثةٌ أخرى تندفع إلى روحها و تطغى على موضوع رهف : بعد ساعتين مسافره على ألمانيا .. و جايه أنهي كل شي قبل ما أمشي .

قال بجفاء : تنهين ايش؟؟ كل شي انتهى من زمان .

صاحت بحنق : لا .. انتا مو فاهم شي .

ابتسم بسخرية : من جد ؟؟ طيب أنا أريحك .. مو لازم أفهم شي لأني

و أردف بصرامة شديدة : شفت كل شي بعيوني .

قبضت على كفها بعصبية و هتفت : أنا ما لي ذنب فـ شي .

صك على أسنانه بغيض و هو يقول : ذنبك انك جلستي تتجسسين على شي ما يخصك .

لم تحتمل دموعًا أوجعتها و انسابت من عينيها و هي تهتف : حتى لو سمعت .. ما ضريتك بشي و لا علمت أحد عن شي .

نهض من مقعده في حدة : كذبك ما راح يفيدك .. كشفتك انتي و اياهم ودحين اطلعي براا .

زوت ما بين حاجبيها و هي تهتف بحيرة : أنا ومــــيـــــن ؟؟؟؟!!!!

ضرب بيده على المكتب و صاح : بتطلعين ولا أطلّعك بنفسي ؟؟.

هتفت بعصبية شديدة : لااا .. ما راح أطلع و بتسمعني للنهاية .

تحرك في سرعة و جرّها مع ذراعها لتهب واقفةً على قدميها و هو يصرخ في وجهها : قلتلك ما راح أسمع .. اطلعي برا .

و دفعها نحو الباب ، أغمضت عينيها بألم و هي تشهق و صوته الغاضب يتفجر من حولها : بتطلعين و لاّ أسحبك سحب ؟؟.

غطت وجهها بكفيها و هي تتذكر تلك الكلمات و ذلك الاجتماع قبل قرابة الثلاث سنوات ، لا تقدر ..المصيبة كبيرة .. كــــــــــبــيــرة .. و الخبر مـــــــفــــزع .. و لكن لا بد أنتنكشف الحقيقة ، الآن أو غدًا .. لا بد أن تنقذه .. لابد .. ، زمت شفتيها قبل أن تهتف بحرقة : عباس رأفت .

حدق فيها بصدمة غاضبة و هي تردف في سرعة باكية : تلاقي عنده شريط فيديو تركه أبوك .. شوفه و بتعرف كل شي ..بتعرف الحقيقه كلها .. كلها .

و اندفعت خارج الحجرة و سياط الألم و الرعب تــــــــــــــســلـخ روحها و نيران الدموع تحرق وجنتيها ، صرخت في انهيار و هي تركض : لـــــــــــــــــــيــــه يـــــــــــــــــــا لــــولـــــــــــيــد .. لـــــــيييييه ؟؟!!!!!!.


.



.



أما هو ، فقد شلت الصدمة أطرافه عن الحركة .. عباس رأفت ؟؟!!!! العميد عباس رأفت ؟؟!!!!!!!!!.

صديق والده المقرب !! و شريط فيديو !!!!.و حقيقة ؟؟!!!!!!!.. هل يعقل ؟؟ .. هل يعقل ؟؟!! ..

هز رأسه و قلبه يخفق بانفعال ، شكوك كثيرة كانت تساوره منذ أن تحدث إليه والده بشأن الوصية و لكنه كان يحرقها بنار الصرامة و البرود و الرغبة في تحقيق الهدف ، ربما تنازل أن يقابل الأمر بالمثل بسبب ذلك الشك .. و لكنه قام بما أوصاه والده الذي لم يحدد طريقة الفعل و ترك له المجال مفتوحًا .

و الآن .. تعود تلك الشكوك المميتة و تحيا من جديد ؟؟!!!!!!!!.

نظر إلى صورة والده التي تزين الجدار و اشـــــــــــتـــعــلـت نيران القلق في صدره .


@@@@@@@@@@@@@@@@@@
الرياض


المستشفى


00 : 6 مساءً


ليس من كلمات تصف حزنه ، تصف ألمه .. تصف صدمته .. من يصدق ؟؟!!!! ..

لحظة واحدة فقط محته من سجل القادرين على المشي لتنقله إلى سجل آخر ، لحظة واحدة قلبت أفكاره و مشاعره رأسًا على عقب .

أي دموع تلك التي تكفي للتعبير عن ما يعتمر في صدره ؟؟؟؟!!! ... أي صرخات ؟؟؟!! .. أي آهات ؟؟ .. أي أنّات ؟؟؟؟!! ، أغمض عينيه و آية واحدة تتردد في عقله ، آية تلاها أحد الأئمة ذات مرة بصوت رخيم

(أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ )

ارتعش قلبه و انسابت دمعته الحارة، همس بصوت متهدج : يا الله .. إنا لله و إنا إليه راجعون .

خنقته الدموع ، و ضع يده على عينيه و ترك العنان لتفكيره يغرق به حيث شاء .

.


.


.


.


هتف أبو ياسر بضيق : و لمتى يعني ؟؟!!!! .. أبي أكلمه ، أفهم منه القصه و اش علاقة ولد عمه بالموضوع .

أجابه الطبيب في خفوت : خله يا أبو ياسر .. الصدمه طاحت فوق راسه و صعب يفكر فـ شي ثاني .. خله يمتص الصدمه براحته .. صدقني .. وجودكم بيوتره أكثر و يضغط على أعصابه ..عطوه الوقت الكافي .

أشاح أبو ياسر بوجهه في عصبية ليقع بصره على شقيقه الأكبر ، كان شاحب الوجه شارد البصر ، هتف مناديًا : أبو فيصل .

رفع أبو فيصل رأسه : سم .

اقترب منه أبو ياسر و قال: انت مرهق .. قم للبيت و ارتاح .

هز رأسه نفيًا في عناد : لا .. أشوفه بالأول و أفهم قصة فارس .

تدخل الطبيب قائلاً : أبو فيصل صحتك أهم .. صدقني دوركم بيجي بس مو الآن .

نهض أبو فيصل من مكانه و هو يزفر : انزين .. أنا ماشي .

و قبل أن يغادر سأله شقيقه : كلمت نواف ؟؟ .

أومأ أبو ياسر برأسه : ايه .. قلتله يجيبهم باكر الصبح .

هز رأسه بتفهم ثم توجه إلى المصعد و عقله يدور و يدور و يدور ..

لماذا ذهب ياسر إلى هناك ؟؟ لماذا ذهب إلى حيث يجلس فارس ؟؟ لماذا ذهب وحيدًا دون أن يبلغه ؟؟ .

رحمة من الله أحاطت به و جعلته يتوجه إلى نفس المكان و بسرعة كبيرة ، كان كل همّه أن يجد ابنه و لكنه وجد ياسر غارقًا في دمه على أرض تلك الصحراء المقفرة .

سألته الشرطة .. كيف علم بوجوده في ذلك المكان ؟؟ و يا له من سؤال ؟؟!!!!!

هو نفسه يشك في أن ابنه العاق المسؤول عن كل شيء .. و لو أخبرهم بالحقيقة فقد يورط ابنه و في نفس الوقت هو لا يملك دليل الإدانة ، ياسر وحده من يملكه .. لكنه بالرغم من ذلك حزم أمره و صارح الشرطة بكل شيء ..موضوع ابنه الغائب و طلبه لإبراهيم بالبحث عنه إلى آخر القصة التي خُتمت بوصوله إلى جسد ياسر المصاب .. فهو نفسه .. لن يــــــــــــــــغــفـر لفارس إذا تأكد أنه المسؤول..إذًا .. فلتأخذ العدالة مجراها .

.


و ضع يده على رأسه و عيناه محتقنتان بسيل من الدموع ، دموع لم يتمكن منها ؛ لأنها هزمته و انتصرت نزولاً على وجنتيه ، همس بصوت مخنوق : حسبي الله عليك يا فارس .. حسبي الله عليك .


@@@@@@@@@@@@@@@@@@


جده


مطار الملك عبد العزيز الدولي


في نفس اللحظات


كانت تطرق الأرض برجلها في توتر و موضوع تركي يوجع قلبها ، مسحت دموعها الغزيرة من تحت الغطاء خفيةً ، و هي تخشى أن يراها عمّار الذي ذهب لشراء شيء ما ، أمسكت هاتفها المحمول بيديها و تمتمت بصوت مخنوق : يا الله .. لازم أساعده .. لازم .. بس .. بس كيييييف ؟؟ .

تنحنحت حتى تصفي صوتها ثم أغلقت عينيها للحظات قبل أن تهمس بصوت مختلج : ايوه .. عزام قريب منه .. أكيد بيقدر يساعدني .

فتحتهما و ترددت لحظة و هي تعبث في المفاتيح .. إلى أن اتصلت على عزام .. و ضعت السماعة على أذنها و قلبها يخفق بخوف ، و ما هي إلا لحظة حتى قالت : ألو .. هلا عزام .. كيفك يا قلبي ؟؟ .............. الله يسلمك ..الحمد لله ........... ايوه .. بلغت أبو فيصل .. لا .. مابقي شي عن الرحله ...........آه .. قبل ما أمشي ..أبغى أكلمك فـ موضوع ... بس بيني وبينك .......... لا .... صعب شويه و أحتاجك ............ اسمعني .


@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@


جده


البيت الأخضر


10 : 7 مساءً


دلفت إلى حجرة فدوى ذات الباب المفتوح ، جالت ببصرها في المكان و قالت : الظاهر لسا ما رجعت .

همّت بالخروج .. إلا أن ذلك الشيء لفت انتباهها ، حدّقت فيه للحظة و هي ترفع يدها إلى قلبها الذي يرتجف بين ضلوعها .. رمشت عيناها و مشاعرها تثور في بركان من الحيرة و الرهبة .. قبضت على أصابعها و سارت ببطء إليه .. مدت يدها الخائفة و أمسكت به ، تطلّعت إليه للحظات في صمت مرتعد ، ثم همست : شكلها نسيته .

ضغطت على أحد المفاتيح فظهرت لها الشاشة ، و في زاويتها السفلية من جهة اليمين قرأت " الأسماء " ، تعرقت يداها و شفتاها ترتعدان .. ضغطت عليها و أخذت تحرك إصبعها على عجل تبحث عن ذلك الاسم الذي تتلهف لقراءته .. و وجــــدته .....

تصلبت يدها و أنفاسها تختنق في حلقها و هي ترى اسمه " الأستاذ تركي " أغروقت عيناها بالدموع و قلبها ينتفض في غمرة الموقف ، شهقت بحرقة و دموعها تسيل على كفها .. همست بـ يا رب .. و ضغطت على الرقم .


@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@


جده


أحد شوارعها


سيارة تركي


قبل الزمن الحالي بخمس دقائق


لم يهدأ عقله .. بل مضى يدرس كل ما مرّ به حتى الآن ، قبل ثلاث سنوات في القصر يوم أن كان والده يلفظ أنفاسه الأخيرة في رجب من عام 1426 هـ ، كان في الخارج .. يؤدي عملاً خاصًا بالشركة و عندما و صله الاتصال ، انطلق كالسهم عائدًا و كانا هناك .. عبد الله صلاح و عبّاس رأفت ، دلف إلى حجرة والده الذي يحتضر ، دلف إليها وحيدًا و أغلق الباب ، و تلقّى وصيته كاملةً و يــــــــــــــــا لــهــا مـــن وصـــــــــيـة !!!!!!.

حـــــطـــمـــتــه ، حــــطــــمـــت روحــــه .. و كـــــيـــانـــه ، و أحالته إلى قطعة من الصخر ، جلّدته بالبرود و الجمود و الجفاء .

كانت صعبة ، .. و لكن عليه أن ينجزها فهي مطلب والده الأخير ، عليه أن ينجزها لأنها متعلقة بها تلك الـ

قطع أفكاره رنين الهاتف ، زوى ما بين حاجبيه عندما رأى اسم الدكتورة فدوى يضيء على الشاشة ، زفر و هو يضغط على السماعة الخضراء و يضع الهاتف على أذنه : ألو .

انتظر للحظة ، و عقد جبينه عندما لم يسمع ردها ، كرر مجددًا : ألو .... دكتوره فدوى ؟؟!.

رفع أحد حاجبيه و هو يقف أمام الإشارة و يبعد الجهاز عن أذنه لينظر إلى شاشته ، لا زالت على الخط ؟؟!!.

زفر و هو يضع السماعة على أذنه مجددًا : دكـتـ

انقطعت أحرفه و شهقات باكية تخترق عقله ، شهقات رقيقة مخنوقة معذبة .. تنزف ألمًا و حرمانًا ، شهقات اختلجت بشوق عميق قاتل ، شهقات شعر بها تجثم على أنفاسه حد الاخــــتــناق ، تخنقه حد الــــمـــوت.. يده متصلبة و شفتاه عاجزتان عن النطق .. و جاءت حروفها عبر الأثير ، انتظمت في عقد همسة خائفة .. همسة جمعت آلام الدنيا و عذابها في أحرف أربعة : تركي ؟؟!!!.

تــــــــــــفــــــــــــجــــر في كيانه شيء رهــــــــــيـــب ، و صــــــــــــــرخ عقله باسمها في صمت مـــــهــيب ، اشــــتــعـلـت أمامها صورها المعذبة في القبو ، اشــتـعـــلـت بنيران محرقة .. أجـــــجــتها دموعها الساخنة للحظات لا زال يذكرها ..... انتفض و صوت الأبواق ينتشله من أفكاره ، أنهى المكالمة و هو يحرك السيارة و بصره جامد كجمود الآلة ، جمود لم يعكس ما في نفسه .. لم يعكس بـــــراكــــــــيـنًا تتصارع في داخله ، لم يعكس أعاصـــــــــيرًا تكتسح روحه حد الوجع ، انعطف بالسيارة لطريق جانبي و عقله متوقف عند صوتها الكسير ، لم يقوى على مجاوزته .. لم يقوى .. صوتها الذي طعنه طعنةً عميقة .. طعنة دمرته حتى الـــــــــنـــخــاع ؛ لامتزاجه بتلك الشهقات الباكية المخنوقة ، قبض على عجلة القيادة و هاتفه يهتز أخرى ، نظر إلى الشاشة بحدة و زوى ما بين حاجبيه في قلق عندما رأى اسم الضابط عبد العزيز ، أجاب على الفور و باقتضاب شديد : ألو .

أتاه صوت الضابط المتوتر : تركي .. عندي أخبار سيئه .

قبض تركي على المقود بشدة هاتفًا : خيير ؟؟!!!!!! ..

هتف الضابط على الفور : حـــــــــــــــــســـن شـــرد من السجن .

اتسعت عينا تركي في صدمة و هو ينقل قدمه للمكابح و يصيح : كـــــــيف ؟؟؟؟!!!!!! .

هتف عبد العزيز بتوتر : اليوم جاني الخبر و تحريت عن الموضوع .

صاح تركي في عصبية و قلبه يخفق : طيب ؟؟!!!.

همس في توتر : لازم أشوفك .. صعب أشرحلك الموضوع في الجوال و

قاطعه تركي بعصبية و هو ينعطف بسيارته أخرى : دحين أقابلك في مقهى ******

أغلق هاتفه و الشرر يتطاير من عينيه .. هذا الذي لم يحسب له حسابًا أبدًا .. هذا الذي لم يتوقعه و لم يفكر فيه بتاتًا .. كيف ؟؟ .. كيف ؟؟؟؟!!!!!!!!!!!!!! .


@@@@@@@@@@@@@@@@


جده


البيت الأخضر


في نفس اللحظات


انهارت على الأرض و هي تصيح كالمجنونة ، تبكي بانهيار هستيري .. ، وضعت يديها على جانبي رأسها و هي تصرخ بصوت معذب ، تصرخ بكلمات مبهمة رددها قلبها قبل شفتيها

: رهــــــــــــــــــف .. رهـــــــــــــــف ؟!!!!!!!!!!!!.

ركضت إليها فدوى بعباءتها التي لم تخلعها بعد .. نزلت إليها و ضمتها بين ذراعيها و هي تهتف بصوت ملتاع : مالك يا حببتي .. مالك فيه ايه .. قرى ايه ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟.

صرخت رهف بعصبية منهارة : لييييييييييييييه ما يبغاني يا دكتوره فدوى .. ليييييييييييه .. ليه ما يبغى يكلمني ليييييييييييييييييييييييه ؟؟!!! فهمينييييييييي .. ليييييييييييييييييييييييه ؟؟ .

رفعت فدوى حاجبيها و عيناها تصطدمان بهاتفها الذي نسيته ، خفق قلبها بعنف و هي تهتف : اتصلتي فيه ؟؟!!!!!!!

لم تجبها رهف و هي تدفن وجهها بين كفيها و تصيح بدموع محرقة .. قلبها لا يقوى .. لا يقوى سيلاً من طعنات المجهول التي تعاني منها ليل نهار .. قلبها لم يعد يقوى على العيش وسط تلك الدوامة السوداء التي تسحبها إلى أعماقها أكثر يومًا بعد يوم .. قلبها لم يعد يقوى على تحمل تلك المشاعر التي تحملها لمن في الصورة .. صورة رافقتها منذ أن فتحت عينيها و علمت أنها بشر في هذه الدنيا ، حبل خانق التف حول عنقها و اعتصر كلماتها اعتصارًا لتفر هربًا مع سيل الدموع و حرقة الشهقات .

ربتت فدوى عليها و هي تصارع دموعها ، هي الأخرى لم تنطق بشيء و إن كانت تجهل مالذي حصل بالضبط .. جلست على الأرض ثم جذبت رهف ووضعت رأسها على فخذها ، رفعت كفها و وضعته على رأسها المثقل بالآم موجعة ، همست تقرأ بآيات من القرآن و هي تمسح بيدها الأخرى على ظهرها الذي ينتفض من فرط البكاء ، تدفقت دموعها هي الأخرى و هي تقرأ .. و تقرأ .. علّ الآيات البينات تخفف عليها من عذاب الدنيا الــــــــــــــكـئــيبـة .


@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@



جده


المقهى


30 : 7 مساءً


دلف إلى داخل المقهى و جال ببصره في المكان و إذ بتركي يلوح له من البعيد ، حثت أقدامه الخطى نحو الطاولة و لم يكد يجلس إليها إلا و بادره تركي بالسؤال و التوتر يعصف بكلماته : اش اللي صار بالضبط ؟؟ .. فهمني .. كيف قدر يشرد ؟؟ .

مال عبد العزيز بجسده إلى الأمام و هو يتحدث في خفوت متوتر : من أول ما وصلني الخبر بديت أنبّش هنا و هناك.. لأني مستغرب كيف قدر يشرد مع كل الحراس الموجودين .

صك تركي على أسنانه : طيب ؟؟ .

استطرد عبد العزيز : و بعد مراقبه بالدس و تحري اكتشفت إن هروبه مخطط له من فتره .

هتف تركي بصدمة : مخطط له ؟؟ .

أومأ عبد العزيز برأسه و استطرد : ايوه .. الحراس اللي ساعدوه عشان يشرد .. جاهم الأمر من

و تلفت حوله بارتباك ، قبض تركي على كفه بحنق : مييييين ؟؟ .

همس عبد العزيز :العميد عبّاس رأفت .

ارتد جسد تركي في عنف و همس : عباس رأفت ؟؟!!!!!!!!!.

أومأ الضابط برأسه مجددًا و هو يهمس : ايوه .. العميد عباس رأفت .. عميد معروف فـ شرطة تبوك .. بالرغم من إن عمله هناك .. لكن الظاهر اتصالاته واصله .

سأله تركي بغضب دفين: و دحين .. اش راح تسون للكلـ* اللي شرد ؟؟.

تراجع عبد العزيز في مقعده و هو يجيبه: التحقيق قايم فـ المركز عشان سبب الهرب .. الظاهر لسا ما عرفوا إن عباس المسؤول .. و فيه مجموعه مكلفه إنها تدور على حسن .

اشتعل الغيظ في أعماق تركي و تفجر الغضب في ملامحه ، هب من مقعده و قال بصرامة : اسمع .. لا تعلم أي أحد بموضوع عباس إلين أتأكد من كل شي بنفسي .. و إذا وصلك أي خبر جديد علمني على طول .. أنا مضطر أمشي دحين.

هتف الضابط به : استنى في شي ثاني .

سأله بعصبية : اش هوا ؟؟ .

تمتم بخفوت : عبّاس رأفت أمس وصل جده .. أخذ إجازه من العمل .

وضع تركي يده على الطاولة و سأله بخفوت متلهف: عارف و ين مكانه؟؟.

أومأ برأسه و قال : ايوه .. أقدر أدلك على فلته .

رفع تركي رأسه و قد كسا ملامحه تحدٍ عجيب و حزم غريب ، غممّ و بصره معلق بالفراغ : تمام .


@@@@@@@@@@@@@@@@@@@


الرياض


المستشفى


50 : 7 مساءً


لم يذق طعم النوم منذ الحادث ، الإرهاق الشديد يعلو محياه الحزين و عقله يأبى أن يهدأ ، لا بد أن يتأكد من مخاوفه .. لا بد ، سار إلى آخر الممر .. إلى تلك الحجرة التي يعرفها .. طرق الباب بهدوء .

: تفضل .

فتح الباب و وقع بصره على ياسر و عيناه معلقتان بالسقف ، أغلق الباب و هو يقول : مساك خير .

انتفض جسد ياسر و التفت في حدة إلى عمه : عــــمي!!!

كتم أبو فيصل دموعه و هو يرى حال ابن أخيه ، وجهٌ شاحب و عينان زائغتان ، اغتصب ابتسامة حنونة و هو يجلس على المقعد المجاور للسرير و يقول : اشلونك يبه ؟؟.

شعر ياسر بغصة تمنعه من الكلام ، فأشاح بوجهه و هو يومئ برأسه ، تنفس أبو فيصل الصعداء و غمم : أدري إنك ما تبي تقابل أحد و الدكتور منعني .. بس .. أنا أصريت .

خفق قلب ياسر و اعتصر لحاف سريره بين أصابعه ، جمع أبو فيصل طاقته التي تتلاشى و قال بصوت متحشرج : ليه يا ولدي .. ليه لحقت فارس هناك و مشيت من غير ما تعلمني .. ليه ؟؟ .

انخلع قلب ياسر و أغمض عينيه بألم ..**أرجوك يا عمي لا .. أرجوك **

صمت أبو فيصل للحظة و هو يتأمل ردة فعل ياسر ، و عندما طال الصمت .. مد يده و قبض على كفه و هو يقول بحزم : اسمعني زين .. و ربي العالم إن معزتك فـ قلبي فوق معزة كل عيال عمانك .. و فوق معزة فيصل و فارس .

فتح ياسر عينيه في صدمة فاستطرد أبو فيصل و هو يشد على يده أكثر : يكفي انك ما كسرت كلمتي فـ يوم و انك تدور على راحتي وين ما كنت .. انت ولدي اللي ما جبته يا ياسر .

رمشت عينا ياسر في تأثر و امتلأ حلقه بدموع حبيسة ، اقترب منه أبو فيصل و قال بنبرات راجية : و الحين .. اذا كنت صدق تعزني علمني و اشلون آذاك الكلـ* .

سرت رعدة خفيفة في أطراف ياسر و شعر بها عمه ، غمم ياسر : عمي أنا مـ

بتر عبارته و هو يبحث عن كلمة يتم بها حديثه ، هتف عمه بحزم : أنا موب غبي لهالدرجه و متأكده ان ذاك الحيوا* سوالك شي .. علمني و ريّح قلبي يا يبه .. علمني الله يخليك .. قلي و اش اللي سواه لك .. قلي واش اللي بينكم ؟؟ .

أغمض ياسر عينيه و قلبه يشكو الألم .... ماذا يقول ؟؟ بماذا يعترف ؟؟ أيحطم قلب عمه و يصدمه صدمة العمر بكشفه لمصائب ابنه ؟؟ أم ماذا يفعل ؟؟ .

رفع أبو فيصل صوته المشوب بنبرة عصبية : يـــــــاســر.. ان ما نطقت .. بتأكد ان فارس المسؤول .

تنفس ياسر الصعداء و خناجر الألم تطعن روحه ، حرك شفتيه ببطء محاولاً الحديث .. و لكن انهارت عزيمته بغتة ، ضعف شديد يسيطر عليه و يمنعه من الكلام ، تراجع أبو فيصل في مقعده و التزم الصمت للحظات قبل أن يغمم : انت تتوقعني بنصدم .. لا .. أنا أدري إن الموضوع متعلق بعروب .

جحظت عينا ياسر في صدمة شديدة و هو يحدق في عمه ، الذي هز رأسه بأسف و هو يتمتم : عزام بلغني .

شعر ياسر بالاختناق .. أخـــــــــــبــــره ؟؟ و لكن كيف ؟؟ أيعقل أن عروب حدثته بالقصة كلها في هذا الوقت القصير؟؟ .

أردف أبو فيصل بأحرف تنزف قهرًا و غلاً : انت موب أول واحد يتقاتل معه .. تذكرت مطاقة عزام أيام العزا و حلّفته انه يعلمني بالسبب .. و قلي كل شي .

لم يفهم ياسر شيئًا .. معركة ؟؟!!! .. العزاء ؟؟!!!انتفض قلبه انتفاضةً كادت تمزق ضلوعه و هو يحلل الكلمات .. عـــــــــــــروب و فـــــــــــــــارس ؟؟!!!! .


اعتدل أبو فيصل واقفًا و هو يقول بخفوت : ما يخالف .. أنا كذا تأكدت من شكوكي .

و استطرد بصوت صارم مهيب : و الله ما بسامحه.

استدار عائداً إلى الباب ..

: عمي .

أطرق أبو فيصل برأسه لحظة ، قبل أن يلتفت إلى ياسر قائلاً : سم .

تحدث ياسر بضعف : موب فارس اللي أطلق علي .

زوى عمه ما بين حاجبيه في حيرة : اشلون ؟؟ .

أردف ياسر قائلاً : أنا صحيح لحقت فارس هناك و صارت بينا مطاقه و وقت ما كنت أتقاتل معه .. سمعت صوت سياره .. لكني ما اهتميت .. و بعد لحظه بسيطه .. سمعت صوت واحد ينادي باسم فارس .. و ما دريت إلا بشي يضرب فـ ظهري و طحت على الأرض .. و يوم صحيت لقيت نفسي فـ المستشفى .

ساد الصمت للحظة ، ثم هز أبو فيصل رأسه بتفهم و هو يغمم : براحتك .. لكن ما في شي بيخليني أسامحه .. تركه لك فـ ذاك المكان و انت مصاب أكبر دليل على خبثه الحقير .. لكن أنا أوريه قدره زين .

نهض من مكانه و ياسر يتبعه ببصره في قلق ، ابتسم أبو فيصل مهدئًا : لا تشيل هم .. و اسمح لأمك و أخواتك يزورونك .. تراهم قلقانين عليك واجد .

امتقع وجهه و هو يهمس باقتضاب : إن شاء الله .

و دّعه أبو فيصل و خرج .. و في عقله مئة فكرة .. تنتظر التنفيذ .

أسبل ياسر عينيه و هو يقبض على أصابعه و يقاوم هيجانًا داخليًا هادرًا ، همس بصوت مخنوق : سامحني يا عمي .. سامحني .. لكن والله و الله .. وربي في سماه

وضغط على حروفه و القهر يعتصر قلبه : لو رجعت أمشي ما بيمنعني من قتله شي .


@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@


جده


فيلا وجدي


00 : 8 مساءً


وضعت كوب القهوة السوداء جانبًا و قالت و هي تتحدث في السماعة : إيوه يا رهام .. كلمتها خلاص .. إيوه ... بكره راح أكون عندها و أشوف اش اللي تقدر تسويه ... ما أدري .... لا ... هذي أول مره .. بس ميسون مدحتلي شغلها كثير ...... لسا بنتفق على السعر و بشوف طلباتها..... ما أدري ... بس لا يقل عن خمسين ألف .

انفجرت بالضحك و هي تهتف : طبعًا قليله فـ حق إني أتخلص منه الـ #########.

التفتت إلى الباب و ابتسمت و هي ترى القادم الذي سار ببطء و جلس إلى جوارها ثم أحاط كتفيها بذراعه ، ابتسمت له و هي تقول للأخرى : خلاص .. أشوفك بعدين .. باااااي .

و أغلقت الهاتف و هي تلتفت إليه قائلةً : إيوه .. وينك من الصباح يا سي فوزي ؟؟.

ضحك وهو يربت عليها : موجود يا سوسو .. بس انشغلت مع وجدي فـ كم شغله .

ثم تراجع في مجلسه و هو يسألها : هاه .. أكدّتي سفرتك على باريس بكره ؟؟ .

مطت شفتيها و هي تداعب خصلة من شعرها : إيوه خلاص .. الساعه وحده الليل طيارتي .

و زفرت و هي تضع رأسها على كتفه و تهمس بدلال : ليش ما تبغى تطلع معايا ؟؟!!!.

ابتسم و هو يمسح على شعرها : قلتلك يا قلبي عندي 3 صفقات عمل و ما أقدر أضيعها .. و بعدين روحي غيري جو أسبوع بعيد عن الكل .. و بالمره ترجعين ودماغك فاضي و تقدرين تخططين على الـ ##### بمزاج رايق .

ضحكت بدلال و هي تهتف : على قولتك .

: فـــــــــــــوزي .

انتفض و هو يلتفت إلى الباب و هتف بضيق : انتا ما تعرف تدق الباب ؟؟ .

لوح وجدي بيده بلا مبالاة مغممًا : أقول اخلص و خلينا نمشي .. الفلوس ما تستنى .

و غادر المكان و الآخر يمط شفتيه و هو ينهض قائلاً : معليش يا قلبي .. مضطر أمشي دحين و برجع على هنا .

ابتسمت بهيام و هي ترسل له قبلة في الهواء : تروح و ترجعلي بالسلامه يا قلبي .

لوح لها مودعًا ثم لحق بوجدي .


@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@


جده


فيلا عباس رأفت


00 : 8 مساءً


دلف إلى حجرة مكتبه الكئيبة بقامته الطويلة و جسده المتوسط ، حك رأسه الذي ابتلع الصلع مقدمته حتى المنتصف ، و باليد الأخرى أمسك هاتفه المحمول و هتف قائلاً : لااااا ما بلغت أحد .. ناقص غثا انا .. خليها تنفلق هيا و عيالها .

تعالى رنين الهاتف القابع على المكتب و الذي يصله بالحارس مباشرةً ، عقد جبينه و استطرد في حديثه : أقلك فارق عني دحين .. الظاهر الشغل ملاحقني حتى في إجازتي .

أغلق السماعة و توجه إلى المكتب ليرفع الأخرى بعصبية : نــــــــــــعــم؟؟!!! .

: في واحد اسمه تركي بن الوليد يـ

جحظت عيناه و صاح : مــــــــــــــــــــــــــــيــن ؟؟!!!!!!!!!! .

: تركي بن الوليد يبغى يقابلك ضروري .

زمجر بعصبية و صرخ : الله يآخذك يا حيوا* .. انتا أصلاً ليه قلتله ان العنوان صح ؟؟!!!!!.. صرّفه .. قله مو فيه .. خرج .. راح .. أي شي .

أغلق السماعة بعنف و أطفأ إضاءة الحجرة قبل أن يركض إلى النافذة المطلة على الشارع و تحديدًا على الباب الرئيسي للفيلا ، و رآه ..

~ تركي ~

الذي أنهى من حديثه مع الحارس و عاد إلى سيارته مجددًا ، قبض عبّاس على كفه في حنق و همس : الـ##### .. اش اللي جابه دحين .. اش معنى لمّا شرد حسن ؟؟؟.

تابع السيارة حتى غادرت المكان ثم توجه إلى مقعده و جلس عليه و هو يهمس : الظاهر إنه منصّب شياطين ..أقص يدي اذا ما كان عارف إني المسؤول .

استرخى في مقعده قبل أن .. ينفجر ضاحكًا بسخرية : و الله لأجننك إلين تنفذ كلام أبوك بحذافيره.

و تحسس الحقيبة السوداء التي أمامه و همس بخبث : و بعدين يا روحي .. تجيك الصدمه الحقيقة .

و انخرط في ضحكه مجددًا ..


@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@


جده


سيارة تركي


في نفس اللحظات


همس محدثًا نفسه : طيب يا عبًاس .. حركتك هذي أكبر دليل على إنك خايف و متأكد اني عرفت بمصيبتك ..لكن هين .. أنا أعرف كيف أطلع كل شي من عيونك .

التقط هاتفه على الفور ، و وضعه على أذنه بعد أن طلب الرقم : ألو .. ياسين وينك ..؟؟؟.......كيف؟؟........ لسا في الرياض ؟؟!!!!!!!!!!..... قصدك مؤتمر الـ **** ***** ***** ........... طيب اسمعني .. اترك كل شي في يدك لـ عبد الملك و اركب أول طياره على جده ........بسرعه ..أحتاجك ضروري.

أنهى المكالمة ثم قبض على المقود بعصبية عندما تذكر .. أنه يملك ذلك الملف الذي يسيل لعاب حسن للحصول عليه ، و بالتالي لا شك أنه سيحاول البحث عن ابنته ليغسل مخها .. و الخبيث سيفعل المستحيل ليحقق ذلك .

اشتدت ملامح وجهه أكثر و هو يتذكر تلك الــــمـــكـــالـــمــة ، همس بحنق : ما في مفر .

و انطلق بسيارته إلى حيث يكره .. إلى ..

الـــــــــــــــــــبـــيـــت الأخـــــــــــــــــــضــر .


@@@@@@@@@@@@@@@@@@@


الفصل الــــــــــــحــــــــــادي عــــــــــــشـــر


~~~~~~~~~

~ إلى المــــــصير !! ~


******************


يا ظالماً هـلاّ ذكـرتَ رحيلكـم .. ووقوفكم يـومَ الحسـابِ لِتُبْلـى

خَفْ دعوةَ المظلومِ يقضي عمرهُ .. يدعـو بليـلٍ مـا أتـى وَأهَـلاّ *

*************************

جده


أحد شوارعها المظلمة


10 : 8 مساءً


لهث في شدة و هو يختبئ خلف أحد الأشجار ، استمر لهاثه لدقيقة و يده على قلبه ، تلفت حوله بريبة .... لا يصدق ما حصل !!.. تُرك باب زنزانته مفتوحًا فخرج من المكان إلى الممر الخالي و من هناك قطع طريقه إلى الأبواب الأخرى التي وجدها مفتوحة و هاهو هنا الآن ، ابتلع ريقه ثم همس بأنفاسه المخطوفة : مين يصدق .. قدرت أشرد منهم !!!!!!!.

تلفت حوله أخرى و عيناه جاحظتان بخوف شديد .. لا يدري إلى أين يذهب ؟؟!! ، بيته أؤخذ لتسديد الغرامات الضخمة التي وقعت على رأسه و كل أملاكه تلاشت ، اعتصر أصابعه في غضب و احتقن وجهه و هو ينهار جالسًا و يهمس : الله يــــــــــلــــعـــ** يا مسعود الكـــــــــــــلـ* انتا و الأهبل الثانـ

بتر عبارته و تألقت عيناه في فرحة و هو يهب واقفًا : ايوه صح .. الأهبل مراد .

تلفت حوله في ريبة مجددًا و همس : أكيد دري باللي صار و شرد .. بس أنا أعرف وين ألاقيه .. هذا إذا ما قبضوا عليه .

و انطلق بخفة إلى حيث يريد و الظلام الشديد ، يحجب ملامحه المخيفة عن الرؤية.

@@@@@@@@@@@@@@@@

جده


البيت الأخضر


30 : 9 مساءً


فتحت عينيها ببطء لتجد فدوى مستلقية إلى جوارها مغمضة عينيها ، تلوت ملامح وجهها من شدة الصداع الذي يمتد إلى رقبتها ، وضعت يدها على رأسها و اعتدلت جالسةً ببطء فوق السرير ، توقفت للحظة .. التفتت إلى فدوى النائمة بعمق ثم نقلت بصرها إلى العكازين بجوارها .. أمسكت بأحدهما فقط ، أصبحت قادرة على السير بأحدهما دون الآخر ، تحاملت على نفسها و نهضت واقفة ثم توجهت إلى خارج الحجرة و عقلها تائه ، ألم عجيب يعربد في قلبها و يعتصره اعتصارًا .. وجع غريب يشتعل في داخل قلبها .. رئتيها .. حتى جوفها ، خفقات سريعة تجعلها تشعر بالموت، تنهدت وهي تفتح الباب بلطف .. تسلل الضوء من الردهة إلى داخل الحجرة الباردة الشبه مظلمة ، ألقت نظرة أخيرة على فدوى قبل أن تخرج و تغلق الباب خلفها ، سارت بهدوء و عقلها يسبح في شيء غريب لا تدري كنهه ، نظرت إلى المرآة أمامها ليصطدم بصرها بتلك الملامح الفاتنة التي أعياها البكاء ، أشاحت بوجهها على الفور و هي تكبت الدموع و تهمس بصوت متحشرج : خلاص يا رهف .. خلاص .. مشغول .. هوا مشغوووووول .

شهقت بعنف و غطت عينيها بكفها ، كلمات تافهة سخيفة تبرر بها ذلك الرفض و ذلك النفور ، كلمات لا تصدقها و لا تطفئ حرارة شوقها .. و لكنها تكذب على نفسها .. علّ الألم يخف .

مسحت دموعها و هي تعود للنظر إلى نفسها .. إلى شعرها الناعم القصير ذا اللون البني الغامق ، و إلى ثيابها .. تنورة سوداء إلى أسفل ركبتيها من الحرير المجعد و قميص عاري الأكمام من الحرير البنفسجي ، تحاشت النظر إلى عينيها حتى لا تهوى في تلك الدوامة السحيقة التي تسحبها رغمًا عنها ، تحسست الآثار الخفيفة التي تغطي ذراعيها و نقلت بصرها إلى تلك التي على ساقيها ، سألت فدوى يومًا عن سببها و هل هي من الحادث ؟؟!!! لكنها لم تكن تملك الإجابة و لم تحاول أن تبحث عنها و كذلك رهف لم تصرّ على معرفة السبب لأن كل مجهول بالنسبة لها يشكل رعبًا و خوفًا يشل تفكيرها .

داعبت شعرها قليلاً ثم واصلت سيرها إلى المصعد .

كانت الفيلا هادئة جدًا ، فالخادمتان تنامان في وقت مبكر ، و هناك ثالثة تأتي من فترة لأخرى بكل احتياجات الفيلا .

خرجت من المصعد و سارت إلى المطبخ ، و قبل أن تطأه قدماها سمعت صوت قفل الباب الخشبي الأنيق ، ابتسمت دون أن تلتفت و هتفت عندما سمعت صوت إغلاقه : غريبه جايه بدري هذا الأسبوع يا سبينه !! .

دلفت إلى المطبخ و ملأت الغلاّية بالماء ، وضعتها في مكانها المخصص ثم ضغطت المفتاح لتبدأ عملها ، زوت ما بين حاجبيها عندما لم تسمع صوت الخادمة المرح كما في العادة و

: السلام عليكم .

اقشّعر جسدها في عنف و التفتت إلى الوراء في حدة


.


.. ليه طيفك لا غزى نومي بكيت ..

.. و أصحى من نومي غريق بدمعتي ..

.. وليه ذكرك لاسمعته انتهيت..

.. وأكتم الونات وأعض اصبعي ..

.. وليه لا فكرت فـ حبك سهيت..

.. و أنسى كل الجالسين اللي معي ..

.. وليه لاجات عيني بعينك عميت..

.. وقلبي أسمع دقته بين أضلعي..

.. وليه كل ما حاولت أنسى ما قويت..

.. ضايع ما أقدر أحدد موقعي..



.




تراجعت إلى الوراء و عيناها ترسمان خوفًا هائلاً و رعبًا طاغيًا ، لم ينطق بكلمة .. بل اكتفى بتأملها ..

هذه هي الفتاة التي تزوجها و انتزعها من عالمها عنوة ..

هذه هي الفتاة التي شوّه جسدها قبل أشهر مضت ..

هذه هي الفتاة التي سقطت أمامه على فراش المرض ..

هذه هي الفتاة التي فقدت ذاكرتها فلم تعد تعي شيئًا عن ماضيها و أهلها ..

.. تقف أمامه ..

لم يسمح لنفسه يومًا أن يتأملها .... لكن الآن الوضع مختلف ، مختلف كليًا بالنسبة إليه .. فقد أدرك أنها لا تعني شيئًا لوالدها الحقير و أدرك كذلك أنه يجب أن ينجح في مهمته و أن لا يسمح لأحاديث حسن بالولوج إلى عقلها أو التمكن منه .
تجاوز حدود الصمت و اخترق حواجز الماضي الأليم و طرح كلمات هادئة : الحمد لله على سلامتك يا رهف .

ضمت قبضتها إلى قلبها بخفقاته القوية و عيناها تسبحان في نهر من الدموع .. أيُعقل ؟؟!!!!!!!! .. هذا الرجل الطويل بحضوره القوي الذي يقف أمامها الآن .. هو زوجها ؟؟!!!!. ..تركي ؟؟!!!.

تلك هي الملامح الوسيمة التي تسكن قرب قلبها .. تلك هي الملامح التي شغلتها ليالي و أيامًا .. علمتها معنى الشوق و أسقتها من مر كأسه ، سمحت لدموعها بالانسياب على وجهها في صمت تام و تعلق بصره هو بقدمها المصابة قبل أن يعود إلى ملامح فاتنة لم تغب عن باله منذ حديثه مع حسن أمام تلك الزنزانة ، لم يدري بم ينطق .. موقف غريب لم يسمع به يومًا ..أي كلمات سيقولها و عقله عـــاجز أمام هذا الضعف الغريب ، نطق .. و كم بدا له سخيفًا : أنا تركي .. زوجك .

ابتلعت ريقها وجسدها يهتز بخوف مرير رسمته عيناها .. و نبضات من صداع غريب تتدفق إلى عقلها..
لا تزال غير مصدقة ؟؟!!! .. إنه يقف أمامها الآن .. زوجها .. بل عائلتها و من ترتبط به ، أشاح بوجهه عن دموعها التي شيعت رسائل العذاب .. و طرح سؤاله ينشد الهروب من هذا الجو الخانق : و ين الدكتوره فدوى ؟؟ .

لم يسمع إجابتها ، دوى شيء في قلبه و هو يلتفت إليها ليجد عيناها تعانقان الأرض و شعرها القصير يغطي جانبي وجهها ، يدها تقبض على عكازها بشدة كأنها تخشى السقوط و رجفة البكاء تستبد بجسدها الرشيق ، قبض على أصابعه و شعور خانق يهبط على روحه .. يوشك أن يقتله ، غمم بهدوء : أستناكِ فـ الصاله .

حث الخطى نحو الباب و خرج ليتركها وحيدة ، تحررت شهقتها العنيفة و ضاقت عيناها من فرط الصداع .. سمحت لجسدها بالانهيار على أرض المطبخ ، غطت وجهها بكفيها و انفجرت تبكي بلا هدى .
.. تصورت كل شيء .. إلا أن يكون لقاءها الأول معه بهذا الشكل ..
ربما .. لأن كلمات فدوى و نصائحها كانت تقضي على وساوسها الثائرة .... لأن أحلامها الوردية الغبية قد أنستها مرارة الــــــــــــــــــواقـــع .
لماذا كان جافًا و باردًا و هو الذي لم يرها منذ فترة ؟؟ لماذا لم يأخذها بين ذراعيه و يربت عليها ، يخفف من حزنها و ضياعها ؟؟!!!
خفق قلبها بعنف و هيئته تلك تندفع إلى عقلها ، اشتد نحيبها .. شعرت أنها تضيع أكثر و أكثر ، و تغرق في بئر ليس لها قرار ، وحدة قاتمة مهيبة هبطت على قلبها و ذعر شرس هجم على كيانها .. شهقت بحرقة مدمرة ، لم تعد تملك السيطرة على أعصابها .. لم تعد تملك القدرة لاحتواء ضعفها و مشاعرها .. تحطم كل شيء في نفسها منذ أن نظرت إلى عينيه الخاويتين و سمعت صوته البارد .
ندت من بين شفتيها صيحة مخنوقة و الدموع تنساب من بين كفيها لتسقط على تنورتها السوداء .. تمتزج معها .. تمامًا كما امتزج سواد خوفها بخفقات قلبها ، ضجيج موجع ملأ عقلها و أذنيها و

: رهــــــف .. كـــــــفــــايــــه بـــكــى .

انساب صوته القوي إلى عقلها ، أغلقت عينيها بشدة كأنها تخشى نظراته، تخشى أن تصدمها مرةً أخرى و تطعن قلبها بــخــــــــنـــجــر مــــــــــن نـــــــــار .

: طالعي فيني .

أزاحت كفيها عن وجهها لكنها لم تنظر إليه بل علّقت بصرها بثوبه الأبيض الأنيق ، كان يقف على بعد أقدام منها و أسألته التي بدت لها قاتلة تواصل رحلتها : ليه البكى؟؟ .

انتفضت في قهر و صاحت من بين شهقاتها بعصبية: لــــــــــيش تـــــــــــــعــامـــــــــلـــنـي كذااا .. على الأقل انتا مفتكرني لكن أنا لا .. لاااا .. ما أتذكر شي عنك ، ما أتذكر شيييييي مـ

و اختنق صوتها من فرط الدموع و تهاوى كتفاها في انهيار ..


.


......... هذا هو ما كان يخشاه .......

هذا الضعف الذي خشي أن يواجهه .. ضعف فتاة ضائعة متخبطة .. ماذا يقدم لها و هو الذي لم تربطه بها لحظة جميلة .. أيكذب على نفسه ؟؟ أيكذب عليها ؟؟ و لكن كيف ؟؟.. ليست لديه القدرة على إظهار العطف تجاهها و هي ابنة من يكره .. كلما وقعت عيناه عليها تذكر والدها الحقير فينتفض قلبه ليذكره بهدفه و من تكون ..

كيف يصطنع المشاعر و هذه العلاقة ستنتهي قريبًا .. قريبًا جدًا .. أخذها لغاية .. و سيتركها عندما تنتهي .


.


تنفس الصعداء و صراع مرهق يغتال روحه ، اغتصب رنة حانية و قال : خلاص امسحي دموعك .. انتي عارفه اني ما شفتك من فتره طويله .. و .. حاس بشوية صعوبه في الكلام معاكِ .

قبضت أصابعها على تنورتها بتوتر و هو يردف : يلا قومي و تعالي معايا للصاله .. هناك نتكلم .

استكانت للحظة و عيناه تتطلعان إليها في ترقب ، أومأت برأسها موافقة ثم التقطت عكازها و نهضت و هي تمسح دموعًا أغرقت وجهها و اعتصرت قلبها ، أشار إليها بيده أن هيّا .. و لمحت يده .. لكنها أشاحت ببصرها إلى غلاّية الماء و همست بصوت متحشرج : أجهز القهوه و أجي .. ما راح أطول .

نقل بصره إلى غلاّية الماء ثم غمم قائلاً : على راحتك .

خرج من المطبخ إلى الصالة الرئيسية لتنعش أنفاسه رائحة العود ، جال ببصره في أنحائها المنيرة بتلك الإضاءة الصفراء ، جلس على مقعد منفرد .. تجنبًا لأي احتكاك بها..

عقد يديه أمام صدره و علق بصره بالسقف و هو يفكر في طريقة يعالج بها الأمر .. لم يكن يتوقعه بهذه الصعوبة و لكن الآن .. تجسدت له الصعوبة بكل جيوشها و أسلحتها .

لا يريد أن يقترب منها .. فتتعلق به أكثر و يتحطم قلبها ، و في نفس الوقت يريدها أن تثق به أشد الثقة و أن لا ترى في الكون رجلاً سواه .. كل ذلك حتى يحقق مأربه و يدمر والدها و لكن .. مالسبيل إلى الوصول ؟؟ .


.



و في المطبخ


عقلها .. يسبح في اتجاه معاكس لعقله .. إذًا فقد ظلمته .. هو الآخر مرتبك من الوضع الجديد .. عليها أن تبذل مجهودًا أكبر لتقترب منه أكثر لتساعده على إعادة المياه إلى مجاريها ، علّها تتذكر شيئًا ، وضعت يدها على رأسها حيث الألم .. ضاقت عيناها و همست : إلين دحين ما ني قادره أتذكره .. يا رب .. يا رب عونك يا رب .

أمسكت بطرف العقد و رفعت تلك القطعة التي امتصت حرارة قلبها ، ابتسمت بحنان و هي تنظر إليه .. ثم أعادتها إلى مكانها و جهزت أطباق الحلوى التي أعدتها ظهرًا .. و ضعتها بجوار القهوة على العربة الزجاجية المذهبة الأطراف و سارت بها ببطء .. فقدمها المصابة و العكاز الذي تسير به يعيقان حركتها .

توجهت إليه و هي تقدم رجلاً و تؤخر الأخرى ، توقفت أمامه و لم يبد أي حركة .. ارتسم على شفتيها شبح ابتسامة مرحة عندما لاحظت شروده ، و ضعت الأطباق على الطاولة فنظر إليها على الفور و كأنه تنبّه إلى وجودها أخيرًا .. اعتدل في جلسته و جلست هي على المقعد المقابل ، وضعت عكازها جانبًا و الخجل يشتعل في نفسها من قربه ، التقطت الفناجين و بدأت بصب القهوة ، تصاعدت أبخرتها و فاحت رائحتها الزكية لتداعب أنفه و تهيج ذكريات الماضي


■ ■ ■ ■


1409 هـ


نظر إليها من البعيد .. كانت ساهية النظر .. شاحبة الوجه .. ضعيفة الملامح .. خفق قلبه بقلق من أن يرفض طلبه ، تقدم منها حتى توقف إلى جوارها ... تطلّع إليها بخجل و هو يمد يده بالفنجان ، التفتت إليه و رفعت حاجبيها و هي تهتف : نعم ؟؟ .

انفرجت شفتاه بابتسامة صغيرة و همس بخفوت : أبغى قهوه .

ارتسمت على شفتيها ابتسامة باهتة : أبشر .. أصبلك قهوه .. كم تركي عندي أنا ؟؟؟ .

أشرقت السعادة في وجهه وضحكة طفولية تنبعث من بين شفتيه ، همّت بصب الفنجان .. و لكنها التفتت إليه وهمست بخوف: فنجان واحد بس .. لو بابا جا و شافك راح يخاصم .

ارتسم الخوف في عينيه هو الآخر و أومأ برأسه ، سكبت له القليل في الفنجان و هو يجلس إلى جوارها هاتفًا : ماما .. متى بنطلع نتمشى ؟؟ أنا طفشت .

قدمت له الفنجان و قالت بحنان خافت : معليش يا قلبي استنى شويه .. بابا دحين مشغول لا تزعجه.

رن الهاتف إلى جوارها ، فالتفتت إليه في حدة و رعب غريب يتفجر في ملامحها .. انقطع الرنين و تطلّع إليها بحيرة .. همّ بسؤالها و

: أنــــــــــــــــــــــا اش قـــــــــــــــــلت ؟؟؟؟؟.

انتفض كلاهما و شهق تركي و يد كبيرة تمسك بفنجانه و تضعه على الطاولة ، رفع بصره إلى والده الطويل الذي ينظر إليه بعتاب، أطرق برأسه على الفور و لم ينبس ببنت شفه ، انتظر والدته لتنطق و تدافع عنه .. و لكنها كعادتها تصمت خوفًا و خشية من أبسط المواقف ، شعر بحرج شديد و دموع تتجمع في عينيه لأنه أمسكه بالجرم المشهود ، شعر به يعبث بشعره و يهتف : يلا يا رجال .. خلص فنجانك و خلينا نطلع نتمشى .

رفع عيناه المتسعتان بدهشة و هتف : من جد ؟؟ .

ضحك والده و هو يرفعه بيديه و يقبل رأسه : إيوه من جد .

ضحك بسعادة و التفت إلى والدته .. كانت مطرقة برأسها و تفرك يديها بصمت ، عاد ينظر إلى والده الذي مط شفتيه و رفع صوته قائلاً : يـــــــــلا .. تجهزي و خلينا نطلع ما فيني للتأخير .

هبت من مكانها و هي تومئ برأسها .. و اندفعت إلى جناحها .


■ ■ ■ ■


: تفضل .

قطعت سيل ذكرياته بهمسها الرقيق و هي تقدم له الفنجان ... كانت تمسك به من الأعلى فتعمد أن يمسك به من الأسفل رغم حرارته : يزيد فضلك .

احمرت وجنتاها و قلبها يخفق بسعادة لا متناهية ، أمسكت بأحد الأطباق الصغيرة و قدمته له قائلةً : هذي البسبوسه أنا مسويتها .. إن شاء الله تعجبك .

أخذ الطبق من يدها قائلاً باختصار : شكرًا .

همست بالعفو وعيناها تهربان بخجل إلى يديها المتشابكتين ، تناول قضمة مما أعدته .. كانت لذيذة جدًا ، ابتسم و صورة جوري تومض في عقله .. وكيف أنها من المستحيل أن تصنع شيء كهذا فالطبخ عدوها اللّدود.

استرقت النظر إليه ليرفرف قلبها و هي ترى ابتسامته الجذّابة ، استجمعت قواها الفارة و تشجعت لتسأل بخجل : تركي .. آه .. مـ ..ممكن تحكيلي عن نفسي ؟؟ .

وضع الطبق على الطاولة فالآن .. بدأ الاختبار الحقيقي و عليه أن ينجح ، تطلّع إليها قائلاً بهدوء : زي ايش مثلا ً؟؟.

رفعت بصرها و هزت كتفيها في حيرة و هي تتمتم : أي شي .. كيف تزوجنا .. و ين أهلي ؟؟

وضع الفنجان على الطاولة ويده على رأسه دلالةً على اكتفاءه: الله يكرمك .

ثم أسند ظهره للمقعد و هو يقول : كنت أعرف أخوكِ الله يرحمه .

امتلأت عيناها بدموع حارة ، همست بصوت متهدج : أخويا.. أنا كان عندي أخو ؟؟!!!!.

أومأ برأسه و عيناه تلتقطان دموعها التي تلمع تحت الإضاءة الشاعرية : ايوه .. اسمه رائد و توفى الله يرحمه فـ حادث سياره بعد زواجنا .

.. و تفتت قلبها ألمًا و لوعة ...

إذ كان لها شقيق ؟؟!!!! و اسمه رائد .. و لا تذكر عنه أي شيء ؟؟!!

فرت منها شهقة مخنوقة قبل أن تهمس : و .. كم لنا متزوجين ؟؟!!!! .

عدّل من وضع شماغه و هو يشيح ببصره عنها : تقريبًا .. ثلاثه شهور .

اتسعت عيناها في صدمة ..ثلاثة أشهر ؟؟!!!!! هذا يعني أنهما لا يزالان في بداية حياتهما الزوجية و لم يتعرفّا على بعضهما البعض بالشكل الكافي ، رمشت عيناها في ارتباك شديد مغلف بحيرة مدمرة و هي تتأمل جانب وجهه الوسيم الذي انعكست عليه الإضاءة الدافئة ، التقطت فنجان قهوتها و أخذت تحركه و الأفكار تلعب برأسها و قلبها يشكو القلق و الضعف ، ازدردت لعابها قبل أن تسأل : و قبل زواجنا .. كنت عايشه مع ر

بترت عبارتها و الدموع تهاجم عينيها بشراسة ، شعرت بأنفاسها تضيق و بلسانها يعجز عن نطق اسمه ، فهم ما ترمي إليه فعاد ينظر إليها و هو يقول : ايوه .

همست بضعف : و ين أمي و أبويه ؟؟!!.

قبض على أصابعه قبل أن يغمم : متوفيه .

و لم يُرد لعقلها أن يتمسك بالإجابة الناقصة فينهشه الفضول .. لذا أردف سريعًا : و نسيت أقلك إنك أنهيتي دراستك فـ جامعة الملك عبد العزيز بتخصص علوم حاسبات و .. طبعًا أكيد عارفه إنه عمرك 22 سنه و

بتر عبارته عندما شاهد نظراتها .... كانت تنظر إليه بشغف شديد .... معلومات قديمة عن حياتها يشرأب لها عنقها و في عينيها يشع ترقب بريء موجع ، لم تقوى عيناه على مفارقة ملامحِ تشبعت حزنًا و أغرقت قلبه بدموع كالثلج ، تراجع في مقعده و غمم : هاتي كل الأسئله اللي عندك و أنا أجاوبك.

استكانت في مكانها للحظة كأنها فقدت حماسها بغتةّ ، و أعصابها المشدودة تتراخى في استسلام

: رهــــــوفـــــــــــــه .

رفعت رهف رأسها إلى سور الدرج و هتفت و هي تضع فنجانها على الطاولة : دكتوره فدوى .. أنا هنا .

اقتربت فدوى من السور و شهقت في رعب عندما رأت أمامها ظهرًا عريضًا متشحًا بلون أبيض ، صاحت بصدمة : ايه ده ؟؟!!!!!!!!!.

كان ظهر تركي مقابلاً لوجهها لذلك لم تتمكن من رؤية ملامحه ، أجابتها رهف على الفور و هي تمسح دموعها و تبتسم : لا تخافين .. هذا تركي .

جحظت عينا فدوى و هتفت غير مصدقة : ايــــــــــــــــه ؟؟؟!!!!!! .

اتسعت ابتسامة رهف و هي تمسك بعكازها و تقف .. فيما اكتفى هو بالصمت ، هتفت : و الله العظيم .

ثم غمزت بعينها بضحكة : نفس اللي في الصورة .

رفع بصر بـــصدمة ولم تلحظه و هي تتطلّع إلى فدوى التي زفرت في راحة قبل أن تمنحها ابتسامة تعاطف مشجّعة ، حركت شفتيها بدون أدنى صوت : ربنا يوفئك .

لوحت بيدها برقة و هي تمنع دموع فرحتها .. و غادرت المكان بهدوء إلى حجرتها ، عادت رهف للجلوس

.

و طرح هو سؤاله بعد أن تدارك ما نسي من أمر الصورة : هذي الدكتوره فدوى ؟؟؟ .

أومأت برأسها و أجابته : ايوه .. ربي يسعدها .. زي العسل .. و الله ما قصرت معايا بشي و قفتها جنبي بفضل الله خففت عني كثير .

نظر إلى ساعته الجلدية السوداء ثم أمسك بكيس قماشي أنيق – رمّاني – اللون ، مده إليها و قال : خذيه و شوفي اش جوته .

اعتراها خوف ما .. لا تدري سببه .. ربما المجهول ؟؟!! ، أمسكت به و نظرت إلى داخله لتجد شيئًا مستطيلاً عريضًا مزين بورق تغليف فاخر علته شرائط و ورود ناعمة بطريقة فنية ، أخرجته و تطلعت إليه بحيرة : اش هذا ؟؟ .

نهض من مكانه فرفعت رأسها إليه و سألته بقلق : اشبك ؟؟.

تنفس الصعداء ثم قال: و الله مشاغلي قد شعر راسي يا رهف و يا الله ألاقي وقت أرتاح فيه .. على كل حال بمجرد ما ينتهي ترميم القصر راح أجي و آخذك .. بس اذا احتجتي أي شي دقي عليا على طول .

وضعت الهدية جانبًا و نهضت مستندة على العكاز و هي تكبت دموعها ، كلماته حطمت في نفسها الكثير .. هذا يعني أنه سيتركها هنا مجددًا .. و يرحل لتعود إلى ذات المعاناة مجددًا .. لماذا لا يأخذها معه إلى منزله ..؟؟!! لماذا ؟؟؟!! .

: توصين على شي .

هزت رأسها نفيًا و الحرج يمنعها من سؤاله ، همست بحزن : سلامتك .

سار باتجاه الباب و سارت خلفه إلى أن وصل إليه ، فتحه و هو يقول : لا تسمحين لأي أحد إنه يدخل .. أنا نبهّت على الحارس بس الاحتياط واجب .

همّ بالمغادرة و

: تركي .

نطقتها بأسى عجيب جعله يلتفت إليها بلا تفكير ، وضعت خصلة من شعرها خلف أذنها و هي تصرف بصرها عنه .. همست بحزن : يعني .. ما راح نقدر نعيش مع بعض ؟؟؟.

قبض بأصابعه على الباب


■ ■ ■ ■


: رجعني بيتي .

: بــــيـــتـــك ؟؟ .

: ايوه بيتي .. انتا أصلاً بأي حقتخطفني ..تحّسب ما عندي أبو ؟؟ .

~


: ليش تعاملني بهذي الطريقه؟؟ .

: أعاملك بالطريقة اللي تعجبني و هذيهيا الطريقه اللي تستحقينها .


■ ■ ■ ■



قاوم ذلك الشعور الموجع و انبعث اسمها من بين شفتيه بخفوت : رهف .

رفعت بصرها إليه لتخترق أحاسيسه ملوحة اجتاحت خديها ، اصفرت يده من شدة قبضته على الباب ، قال بهدوء و هو يدفن طوفان الشتات في داخله : قريب إن شاء الله بينتهي كل شي و بترتاحين في حياتك .

انتفض قلبها بين ضلوعها و تفجرت الحيرة في ملامحها ، أشاح بوجهه مغممًا : في أمان الله .

و أغلق الباب خلفه ، تراجعت إلى الخلف .. ما هذه الإجابة الغريبة صوتًا ومضمونًا ؟؟؟!!!.. وضعت كفها على شفتيها و دارت ببصرها إلى تلك الهدية ، أطبقت على شفتيها بقوة ، لا تريد لشهقات أخرى أن تفتك بقلبها ، سارت إلى المقعد الذي جلست عليه ، و أمسكت بذلك الشيء .. تأملته للحظة ثم بدأت بإزالة غلافه .. ظهر من خلفه غلاف آخر أزرق اللون ، زوت ما بين حاجبيها و هي تكمل عملها .. و اصـــطدم بصرها بتلك الكلمة

" لا تــــــــــــــــحــزن "

تـــــــــــــــفـــجــرت الكلمة في فؤادها المحترق ، سيّلت غدران محاجرها المحمرة .. شعرت بثقل رأسها .. فأدنته و هي تضم الكتاب إلى صدرها و نشجيها المتقطع يوشك أن يحطم أضلاع صدرها المضطرب ... الإزعاج يشتد في أذنيها و يشتد ، طنين رهيب .. صور متداخلة مبهمة تشتعل في عقلها ، عالم اللاوعي المظلم يجرها إلى أعماقه ، جمعت آلامها في صرخة باكية : آآآآآآآآآآآآآآآه .. تـــــــــــــــــركيييييييييييييي.. لااااااااااااااااااا ..لا تضــــــــربينييييييييي .. لااااااااااااااااااا.

سقط الكتاب من يديها و اعتصرت رأسها بين يديها و هي تبكي بعنف و الصور المبهمة تتداخل أكثر و أكثر ، هزت رأسها أكثر صائحة : رااااااااااااااااااائــــــــــــــــــــــــد.

و انهارت بإعياء على الأرض الباردة .. رئتاها تضيقان شيئًا فشيئًا ، هزت رأسها أكثر .. تنشد نفض تلك الغشاوة الطاغية على عينيها ، دفع السيول التي تخنقها ، هدير الماء في أذنيها .. اسودت الدنيا أكثر .. توشك أن تموت .. شــــــــــــــهقت بعنف عندما شعرت بجسدها يرتفع عن الأرض ، و يد ما تمسح دموعها .. تمسح على شعرها : رهف .. رهف حبيبي .. فيكِ ايه ؟؟!!.

اصطكت أسنانها ببعضها و هي تهمس بصوت متحشرج : رائد .. رائد يستناني برااا .. الجوال لا تحطينه ع الصامت عشان بيدق ... لا

بترت عبارتها و ملامحها تلتوي بألم فظيع ، زوت فدوى ما بين حاجبيها و قلبها يخفق بعنف ، هل تذكرت بالفعل ؟؟!! .. أم هي هلاوس أشعلها حضور تركي ؟؟!!.

تراجعت للخلف عندما قبضت رهف على قميصها و هي تهتف باكية بعينيها الزائغتين الشبه مفتوحتين : مستوره .. حطي الغدا ..رائد راح يعصـب و يخاصـم و

و انقطع صوتها المبحوح .. ضاع أنينها في غمرة الآلام المريرة و رأسها يتهاوى بضعف ، ضمتها فدوى إلى صدرها ، و أمطار العطف تنهمر من زمردتيها الخضراوين .. مسحت على شعرها هامسةً بحرقة : الصبر .. الصبر يا رهف .. الصبر .



.



.




.



و في الخارج



صافح الرجل الوقور الذي يقف أمامه قائلاً بجدية : زي ما وصيتك يا هاشم .

أومأ الرجل برأسه في احترام : إن شاء الله .. لا تشيل هم و بيتكم في الحفظ و الصون .

أعاد تركي يده إلى جواره و الاطمئنان يظهر على وجهه بوجود هاشم عميله الوفي القديم و الآخران بجواره ، تنفس الصعداء ثم عاد إلى سيارته ، جلس على مقعده و أغلق الباب ، أمسك بعجلة القيادة و تعلق بصره بالفراغ



■ ■ ■ ■


يعني .. ما راح نقدر نعيش مع بعض ؟؟؟


■ ■ ■ ■


شعر بقلبه يُعتصر بقبضة من نار ، لا يريد أن يصطحبها معه إلى تلك الفيلا فيكون الاحتكاك بها أسهل .. يريد أن يصطحبها إلى القصر مباشرةً لتنشغل بين متاهاته و تمل من البحث عنه ، قبض على مقود القيادة و همس بصوت حانق : اش اللي سويته في البنت يا تركي .. اش اللي سويته؟؟!!.

زفر بحرارة و آلام تشتعل في صدره ، هز رأسه بأسى ثم حرك سيارته في صــــمت .

@@@@@@@@@@@@@@@


جده


البحر


أحد الأماكن الموبوءة


00 : 11 مساءً


في ذلك المبنى العريض المكون من طابقين و الذي تنبعث منه أصوات موسيقى صاخبة ، أُعدم سكون الليل تحت وطأة الصخب المريع ، و مُثل جثمانه بتلك الأجساد المختلفة التي أخذت تتمايل على أنغام الشيطان ، ضحكت في سعادة : ياااااااااي .. أخيرًا يا رهام راح أطيّره .. والله والله مو مصدقه .
مطت صديقتها شفتيها بضيق من شدة الصخب الذي يصل إليهما في تلك الحجرة الضيقة ، هتفت بحنق : ما لقيتي أحسن من هذا المكان عشان نتقابل فيه ؟؟.

ضربتها ساميه على كفها مداعبة : خلاص تعودي .. عاد هذا مكان حبيبك .

ابتسمت رهام و هي تشيح بوجهها : على سالفته .. خليني أقوم و أشوفه وين .

جرتها ساميه مع يدها هاتفة : لحظه .. لو شافك فوزي ممكن يعرف إني هنا .. خليها مفاجئه .

رمقتها رهام من جانب عينها الناعسة و هتفت : أقول سمسوم .. فاجئيه براحتك .. أنا بروح لحبيبي .. ما عندي صبر على بعده .

تركتها ساميه هاتفة بغرور : روحيله القصير الغبي .. الله يخليلي حياتي و قلبي اللي ما في زيه فـ هذا الكون .

أشاحت رهام بوجهها في كبر مماثل و هي تخرج مع الباب : اشبعيبه .

ضحكت ساميه ثم نظرت إلى ساعتها و همست بسعادة عميقة : ياااااي .. أخيرًا راح أطيّر الـ##### عساه بالموت و بسبعين ألف بس .. يا بلاااااااااش .

ثم نهضت من مكانها للصالة الخارجية و رفعت بصرها تتأمل أصدقائها و صديقاتها و عدد من النساء و الرجال يرقصون على أنغام الموسيقى ، و آخرون يجلسون إلى جوار بعضهم البعض في شكل فاضح و البعض الآخر انشغل بتجرّع أكواب من السموم ، جالت ببصرها تبحث عن فوزي .. ضيقت عينيها أكثر حتى وقعتا على ذلك النحيل الذي يتمايل على الأنغام في انسجام تام ، سارت نحوه و لوحت بيدها و هي تصيح لتتغلب على الإزعاج الشديد: مــــــــــــــنـــــــذر .. فــــــــــــــــــــــــوزي ويـــــــن ؟؟.

ضحك و هو يلوح لها بيديه و لكنه فقد توازنه و سقط على الأرض ، انفجر بالضحك و هو يحرك جسده مع النغمات و عيناه تدوران في محجريهما ، حركت شفتيها بامتعاض والتفتت إلى كأس الخمر الذي يقبع على الطاولة الرخامية ، هتفت بحنق : بـــــــــــــــــلــى فـ وجهك يالـ##### .. هذا وقتك دحين ؟؟؟!.

: ساميه ؟؟!!!!

التفتت إلى مصدر الصوت هاتفةً: سليم ..!!!!!!!.

اقترب منها رجل متوسط الطول ، أصلع الرأس ، كث الشارب .. قال بابتسامة واسعة و هو يتقدم منها : اش المفاجأة الحلوه هذي؟؟؟؟.

بادلته الابتسامة و هي تقترب منه : مو أحلى من وجودك هنا .

ضحك و هو يضمها بوقاحة أطلقت بدورها ضحكة قصيرة و هي تدفعه للوراء : انتبه .. لو شافك فوزي بيتجنن .

نظر إلى عينيها بهيام و همس: و لو .. تفضلين فوزي عليا ؟؟.

تراجعت إلى الخلف في ضيق و هتفت بدلال : أحبه .. أموووووت على التراب اللي يمشي عليه .

هز كتفيه بلا مبالاة : كيفك .. لكن .. بكون موجود متى ما طلبتيني .

و انفجر بالضحك ، لم تعلق على عبارته و هي تتلفّت حولها ، من بينهم كلهم لا يوجد أثر لفوزي ، زوت ما بين حاجبيها و هتفت بضيق : يووووه .. هذا وين راح ؟؟!!.. قلي إنه بيكون هنا فـ هذا الوقت .. لازم أكلمه دحين .

جرّها سليم مع يدها و قال : تعالي لمكان هادي .

دلفا إلى حجرة جانبية وأغلق الباب خلفه و هو يقول: أكيد الموضوع يخص ولد زوجك .. مو ؟؟ .

جلست ساميه على أول مقعد صادفها و وضعت إحدى رجليها على الأخرى و هي تقول بسعادة غريبة : عساه بالموت ..و مين غيره مجنني .. لكن خلاص لقيت الحل اللي يخلصني منه .

و ضحكت بشماتة ، ابتسم وهو يجلس إلى جوارها هاتفًا : الله الله .. ضحكينا معاكِ ..باين انك مبسوطه على الآخر .

استرخت في مقعدها و هي تزفر براحة : أخيرًا .. بس لسا ما سويت شي .. لازم أعلم فوزي أول .

سألها بضيق و هو يجلس إلى جوارها : ليش ؟؟ .

هزت كتفيها: أبدًا .


ثم أردفت بنبرات العاشقة : بس حياتي هوا .. ما أقدر أسوي شي إلا لما أعلمه .

سألها في فضول : آها .. طيب .. ممكن تعلميني بالحل الخطير ؟؟.

ابتسمت وهي تسبل عينيها في إرهاق : السحر .

رفع حاجبيه في إعجاب .. أما هي فانشغل عقلها بالتفكير عن مكان عشيقها ، خصوصًا أن هاتفه المحمول مغلق ، أين من الممكن أن تجده ؟؟!! .. صحيح أنها من المفترض أن تكون في المطار الآن و لكن الخطة الجديدة التي أمسكت بخيطها الأول أشعلت الحماس في قلبها ، تريد أن تقوم بها الآن قبل الغد ، و لكن أين فوزي يا ترى ؟؟!!!

انعقد حاجباها عندما شعرت بأنفاس كريهة تلفح وجهها ، فتحت عينيها بذعر و هتفت : ســــــــــــلـــيم ؟؟!!!!!!!!!!!.

ابتسم بوقاحة : عمره .

دفعته عنها بقسوة و هي تصرخ : انقلع عني يا حقير .

و انطلقت خارج الحجرة و ضحكاته تملأ المكان ، حركت شفتيها باشمئزاز : الله يآخذك يالمجنون .

همّت بالانصراف .. إلا أنها رأت أحدهم برفقة رهام ، هتفت بلهفة : مجدي .

التفت إليها الرجل القصير و هتف مرحبًا : هاي سوسو .. أكيد تدورين على فوزي .

ابتسمت مجيبة: ايوه .. تعرف وينه ؟؟!!.

ضحك قائلاً : أكيييد .. شفته قبل ساعه فـ فيلا الصيد عند أخويا وجدي .

انطلقت خارج المكان و هي تهتف بالشكر و جسدها ينتفض من فرط الانفعال ، أخيرًا ستجد الوسيلة التي تأخذ بها كل ما تريده من تركي قبل أن تقضي عليه تمامًا ، خرجت من المكان و أصوات الموسيقى الصاخبة تملأ الأجواء .. دخلت إلى السيارة و صاحت على السائق : فيلا وجدي بسرعه .

حرك السائق السيارة و استرخت هي في مقعدها و الشوق يقتلها إلى ذاك الرجل .


.



.



.



.



في داخل - الكبينة -


دلف إلى داخل الساحة الصغيرة المطلة على البحر و صاح في المتواجدين : يلااااااااااااا .. الكل يتجمع فـ الصاله .. نبغى نقطع كيكة الحـــــــــــــــــفله .

ارتسمت الابتسامات على شفاه البقية و هم ينهضون من أماكنهم و يدلفون إلى داخل الصالة و الآخرون ينزلون من الدور الثاني إلى ذات المكان.

.


و في جانب المبنى و لشدة الضغط .. حيث الدائرة الكهربائية الغير محمية ** التي تمد المبنى بالطاقة بدأت بوادر الحريق تنبعث منها و كل من في المبنى .. غافلون .



.



.



.



بعد عشر دقائق

في سيارة ساميه


اعتدلت بحركة حادة و هي تشهق : وييييييه .. نسيت أعطي رهام الشيك .

رفعت هاتفها المحمول و ضغطت زر الاتصال عليها .. و لكنه مغلق .. ، تأففت بحنق و هي تزمجر : مشكله المشعوذه الغبيه اللي من العصر الحجري و ما تمشي إلا بشيكات .

صرخت على السائق بعصبية : انـــــــــــقلع للبحر مره ثانيه .

مط السائق شفتيه و هو ينعطف بالسيارة عائدًا من حيث أتى .

.


.


.




.


.


كان الجميع غارقين في الضحك و هم يتناولن أطنان الحلوى التي ملأت الطاولة أمامهم ، و في دورة المياه حك سليم رأسه بحنق من شدة الرائحة الغريبة التي تملأ المكان ، دفع الباب و انقطعت الكهرباء في ذات اللحظة ، قطب حاجبيه بغضب هاتفًا : اش ذا ؟؟!

انتفض جسده بعنف من شدة الصرخات التي انبعثت إليه ، ركض إلى داخل الصالة و صرخ بهلع عندما رأى ألسنة النيران تشتعل في أحد الأركان قفز كالمجنون صائحًا : حريـــــــــــــقه .. حريــــــــــــــــــــــــــــقه .

دبّ الـــــــــــــــذعــر في المكان و اشــــــــــــــــــــــــــتــعـل الــــــــــــــصــراخ و الـــــــعـويــل و أخذ الواعين يتخبطون و عدد من الرجال يحاولون إطفاء النار التي انتشرت بسرعة رهيبة ، بينما اندفعت النسوة رغم إلى الظلمة الخفيفة إلى الباب الالكتروني الخارجي ، صاحت إحداهن بفزع و هي تحرك مقبضه الدافئ بلا جدوى ، ركلته برجلها بعصبية شديدة و الأخريات يطرقن عليه بأيديهن و هلع الدنيا مرسوم على وجوههن : افـــــــــــــــــتـــــــــــــحواااااااااا البـــــــــــــــــــــــــــــاب .. حريـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــقه .

هوى قلب سليم بين ضلوعه من شدة الصرخات الأنثوية المريعة ... و تلك الأخرى التي انبعث من أحد الرجال و النيران تأكل ثيابه ، تفجرت صرخاته هو الآخر و عشرات من النساء يسقطن فوق بعضهن البعض إثر التدافع الذي زاد مع شدة الرجال الفارين نحو المخرج الآخر المؤدي للبحر ، تناثرت قطرات الدماء على الأرض و ألسنة اللهب تلتهم كل ما حولها بلا رحمة .. و المكان يتحول شيئًا فشيئًا إلى قطعة من الــــــــــــجـــحـــيــم بعثت بسحب سوداء رهيبة و أطنان من الغازات القاتلة المميتة .

: مجـــــــــــــــــــــــــــــدي !!!!!!!!!!.

صرخت بها رهام و هي تُدهس تحت أقدام النسوة و أصوات عظامها المتحطمة مع صرخاتها المعذبة تمتزج بصرخات أخريات تذيب النيران الرهيبة جلودهن العارية .

تفجرت الدموع غزيرة من عيني مجدي و هو يحاول الوصول إلى الساحة الخارجية التي أُغلق بابها الالكتروني لانقطاع الكهرباء : افتــــــتحوااااااااااااااا البــــــــــــاب .. يا نااااااااااااااااس يا عااااااااااااااااااااااالم حــــــــــــــــــــــريـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــق حــــــرييييييييييييييييييييييييييييييق .

قفز آخر من سلالم الدور الثاني و هو يصيح في ذعر لا مثيل له : الباب اللي يطلع على فوق مقـــــــــــــــــــفل .. حتـــــــــــــــى الشبابيـــــــــــــــــــــك معلّقه و مي راضيه تـــــــــــــــــــــــــــفـــتح !!!!!!!!!.

شهق مجدي باكيًا و جسده ينتفض بانهيار : لااااااااااااااااااااااااااااااااااا .. ما أبغـــــــــــــــــى أموووووووووووووووووووت ... لاااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااا.


.


.


.


.



.


بعد ربع ساعة

سيارة ساميه


زمجرت بعصبية قائلةً : أعوذ بالله من الزحمه .. جدّه فـ الصيف ما تنطاق .

نزلت من السيارة و رفعت بصرها بصدمة إلى سيارات الإسعاف و الدفاع المدني التي تملأ المكان بجوار المبنى المحترق و الأبخرة السوداء الكثيفة التي تخترقها شرارات اللهب الأحمر تتصاعد إلى السماء في منظر مـــخــــــــيف تقشعّر له القلوب و الأبدان ، صرخت بكل ما تملك من طاقة : لااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااا ااااااااا.

التفت إليها عدد من رجال الشرطة ، شهقت في ارتياع و صرخت بهستيريا : لاااااااااااااااااااااااااا .. لااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااا اااااااا .

حاولت أن تندفع إلى هناك إلا أن أحد أوقفها صائحًا: لا تــــــــــــــــــــــــقـربـيــــــــن .

تراجعت إلى الخلف و هي تحدق كالمجنونة في رجال الدفاع المدني و هم يحاولون إطفاء النيران الـــغاضبة ، هزت رأسها و حاولت أن تدفع الرجل بعصبية و هي تبكي : سيبـــــــــــنيييييييييييييي .. خلينيييييييييييييييي .. صحباتبببببببببببببببي .. رهـــــــــــــــــــــــااااااااااااااااااااااااا ام .. .. مــــــــــــــــــجــــدي .. مــــــــــنـــــــــــــــذر ..لااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااا .

دفعها الرجل إلى الخلف : يا أختي معلـــــــــيش .. بس ارجعي .. دحين يفتحون الباب .

و لم يكد ينهي كلمته حتى تمكن الرجال من فتح الباب الحديدي و .... اندفعت ألسنة اللهب نحوهم .. سقطت من وسطها تلك الأجساد المتفحمة التي انفصلت بعض أجزائها عنها ، أمام بصر ساميه التي سُحق كيانها تحت بــــــــــــــــــــــشـــــــــــــــــاعــة المنظر : لااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااا اااااااااااا .

بكت في جنون هستيري و هي تخدش الرجل بأظفارها : رهـــــــــــــــــــــــــــام .. رنـــــــــــــــــــا .. لااااااااااااااااااااااااااااااااااااااا .

دفعها الرجل إلى الخلف بعصبية و رجال الدفاع المدني ينتشلون الجثث المحترقة و آخرون يواصلون عملهم لإطفاء النيران المتبقية ، وضعت يديها على جانبي رأسها و صيحات الرجال و المتجمهرين تخرق عقلها و بكاءهم الخائف و رائحة الموت و الــــــــشـــــواء تزكم أنفها ، اهتز جسدها في عنف و هي تصيح : لاااااااااااااااااااااااااااااااااااااااا .

انطلقت عائدة إلى سيارتها كالمجنونة ، صرخت على السائق : تـــــــــــــــــــحرررك .. بــــــــــــســـــــــــرعه .

انطلق السائق على الفور خارج المكان و قد حفر الرعب خطوطه على ملامحه بكل وحشية ، أما هي فأخذت ترتجف كطائر مبتل في يوم قارس شديد البرودة : رهـــــــــــــام .. رهـــــــــــــــــــاااااااااااااااااااااااام .


@@@@@@@@@@@@@@@@@@


تبوك


منطقة مهجورة


في نفس اللحظات


هتف بعصبية حانقة : مراد عساك بالبلى إنتي و خططك .. قلي اش أسوي دحين ؟؟!!!!!!!!!!!.

أتاه صوت مراد العصبي : طلال اش أسويلك يعني إذا خطتك راحت فشوش .. ما يكفي إنك ما أخذت منه و لا مليم و راحت خطتي بــــــلاش بدون ما تعطيني حقها ؟؟؟؟؟؟

مسح طلال أنفه الذي يسيل و صرخ : انقلع .. من زين خطتك الخربانه .. دحين دبّرلي حل و أنا مرمي هنا و الدنيا تدور عليا .

صرخ مراد بغضب هادر : اللي يقول انتا وحدك .. مو كلنا فـ الهوا سوا .

و أنهى المكالمة على الفور .

صرخ طلال بشكل هستيري و هو يلقي بالهاتف على الأرض ليتحطم إلى قطع صغيرة ، وضع وجهه بين كفيه وعقله عاجز عن التفكير .. همس بحقد دفين : الله يلعنـ* يا حيوا** انتي و اللي معاكِ .. الله يآخذ روحك وين ما كنتي .. رميتي كلامي تحت رجلك يا ##########.

و احتقن وجهه و هو يصرخ بعصبية ، دلف إلى الحجرة رجل عجوز أسمر رث الثياب ذا ملامح حادة مخيفة ، تطلّع إليه طلال و هتف بعصبية : اش تبغى ؟؟؟؟ مو أعطيتك فلوس الإيجار و الجوال و الشريحه و خلصنا .. انقلع دحين و خليني لحالي .

ابتسم الأسمر بهدوء مخيف و تحدث بصوت مهيب : انتا فـ زألان كتير .. ما في مشكل .. أنا عندي دوا خلي انتا مبسوووووط مره مبسووووط و ما في فكّر كتير .

وضع طلال يده على الحقيبة التي تحمل المبلغ الذي أخذه من ياسر عنوة و هتف بعصبية : دواااا فـ عينك .. قصدك الزفـ* اللي تشربونه و تحطونه فـ أجسامكم .. أنا ماني بايع عمري يا متخلف .

هز العجوز كتفيه بلا مبالاة و هو يدور على عقبيه قائلاً : انتا فكر و أنا في موجود .

ثم ألقى إليه بكيس ورقي صغير و هتف : جرب هدا هديه .

و خرج من المكان و ابتسامة خبيثة تعلو شفتيه ، تطلع طلال إلى الكيس الصغير بتوجس .. همس بخفوت : وليه ما أجرب ؟؟!!! .. يمكن يجيني نوم و أقد أفكر كيف أخرج نفسي من هذي المصيبه .

أمسك بالكيس و فتحه ، حدق في القرصين المختبئين في الداخل ، ثم مد يده ببطء و أمسك بأحدهما و هو يهمس : يلا يا طلال .. نام واصحى عشان تفكر زي الناس .

و رمى القرص في فمه .. و من خلف الباب اتسعت تلك الابتسامة الخبيثة أكثر و أكثر .


@@@@@@@@@@@@@@@@@@@



جده


37 : 11 مساءً


استند إلى الجدار و هو يلهث في تعب شديد ، قطع مسافة طويلة سيرًا على الأقدام حتى و صل إلى هذا المكان و زاد من إرهاقه تركيزه الشديد أثناء الطريق خشيةً من أعين رجال الشرطة ، سار ببطء تحت الظلام حتى توقف أمام منزل متهالك ، ابتلع ريقه ثم طرق الباب العتيق ، لم يأتيه أي رد ، توترت أعصابه و عاد يطرق الباب بشدة أكبر و هو يهتف: مراد .... اذا موجود افتح الباب أنا حسن .

زمجر بحنق و تراجع إلى الخلف يهم بركله و

فُتح الباب بقوة رافقت صيحته المذهولة: حــــــــســــــن ؟؟؟!!! .

اتسعت عينا حسن في فرحة و هو يهتف : مــــــــــــــــــراد ؟؟!!!!!!!!!!! .. يعني لسا ما مسكوك ؟؟ .

أفسح له مراد الطريق و هو يهمس : ادخل ادخل بسرعه .

دلف حسن إلى الداخل و أغلق مراد الباب و الدهشة العارمة لم تفارق محياه ، هتف قائلاً : كـــــــــــــــــيـــف شــــــــــــــــــــــردت ؟؟.

ضحك حسن بسخرية و هو يجلس على الأرض القذرة : يا شييييييخ ما في شي يصعب عليا.

جلس مراد أمامه و جسده ينتفض من فرط المفاجأة : أكيد الشرطه دحين تدور علينا .

لوح حسن بيده متجاهلاً عبارته: انقلع و هاتلي مويه بمووت من العطش .

انطلق مراد نحو الثلاجة القديمة المقززة في ركن المكان ، فتحها و لم يجد إلا زجاجة مشروب غازي ، أمسك بها و قال و هو يقدمها لحسن : ما في إلا هذي .

أخذها حسن و مراد يهتف : يا الله .. ما ني مصدق انك قدامي .

تجرّع حسن المشروب بشراهة قبل أن يمسح شفتيه بكم ثوبه المتسخ و يهتف لاهثًا: ما انخلق اللي يوقف فـ وجهي يا مراد .. اصبر عليا شويه و تشوف مين هوا حسن .

رفع مراد حاجبيه و همس بتوجس : اش قصدك ؟؟ .. انتا ناوي على شي ؟؟ .

زمجر حسن بحنق و الدماء تغلي في عروقه و صرخ متجاهلاً سؤال رفيقه للمرة الثانية: الـــــــــــــــحـــيـــوا* الـــــــــــــــــ##### مــــــــــــــــــســـعــــــــــود ..والله والله لــــــــــــــيـــتــمــنــى يــــــــــــمـــوت حــــــــــرق بــــــــــــــدل مــــــــــــــا يــــــــــــطـــــــــيــح فـــــــــــ يـــــــــــدي .

تراجع مراد إلى الخلف في حدة و هتف : مسعود ؟؟!!

التفت إليه حسن و سأله بريبة : أكيد قابلته .. صح ؟؟ .

امتقع وجه مراد و هز رأسه في ارتباك : لـ.. لا لا .. ما قابلته .. أصلاً من يوم ما عرفت ان الشرطه مسكتك شردت على طول .

حدّق فيه حسن بشك شحب له وجه مراد و لكن ما لبث أن نظر إلى الباب بلا مبالاة و هو يقول : لكن قبله .. لازم أنتقم من الـ##### ولد ( ) .

و نطق بذلك الاسم الذي جحظت له عينا مراد في هلع قبل أن يجثو على ركبتيه في صدمة و الغصة تخنق حلقه ، عض حسن على شفته بغيض و غمم : شفت الكلـ* .. حتى و هوا فـ قبره بينتقم .. لكن أنا مستغرب .

و نهض من مكانه و هو يتساءل بحيرة حانقة: ليش استنى هذا الوقت كله طالما إنه عرف بلعبتنا ؟؟ .. ليش ما انتقم هوا بنفسه ؟؟.. ليه كلف ولده بالموضوع ليه ؟؟ .

تفجرت دموع الخوف من عيني مراد و هتف بصوت ملتاع: حـ .. حـسن .. انتا .. انتا قصدك مين بالضبط ؟؟؟ .

التفت إليه حسن في شراسة و صاح : يـــــــــــــعـــنـــي مــــــيـــن يـــــــــالـــغــبــي ؟؟ الــــــــــمـــلـــعــو* تــــــركــــــــــي .

ارتد جسد مراد في عنف و صرخ : تـــــــــــــركي .. تــــركي بن الــــــــــــــــولـــــــــيــد ؟!!!!!!!!!.

ابتسم حسن بسخرية و هو يستند إلى الجدار و غمم : حتى انتا خدعك اسمه .. غريبه ؟؟!! المفروض انتا أول واحد يعرفه أو يشبّه عليه.. بما إنه ولـــــد أخـتــك .

هوى قلب مراد بين ضلوعه و أخذ يهز رأسه في ذعر و هو يهتف : لا لا لااااااا .. مستحيل .. كيف يطلع كذا فجأه .. أنا متأكد إنه ما كان عندها ولد .. ما عندها أطفال .

صاح حسن بعصبية مفاجئة: و انـــتــا أصــــــــــلاً كـــــــــنــت تــــــــــدري عـــــن شــــي .. حــــضــرتـــهــا كـــانـــت مـــســـافـــره مـــن يـــوم مــــــــا تــــزوجــــــت و مــــا دريــــــــــت انــــــــتــا إلا عـــــــــــن وصـــــــــــــولها و عــــــــــلــى طـــــــــــــــول خـــــــــليــتــــــنـا نــنــفــذ الــخــطــه بــــدون تـــفــكــيـر .

وضع مراد يديه على وجنتيه في انهيار و هتف ودموعه تسيل : بس .. بس كيف عرف باللي صار و هيا

و ابتلع ريقه قبل أن يردف : أقصد .. احنا راقبنا البيت تمام و عرفنا انه

اعتصر حسن أصابعه و قاطعه بعصبية أكبر : طـــــــــلّعــــــه مــــــــن قــبــره و اســـألــه كــيـف ... المهم ان اللـــــي مــــــا كـــنــا حـــــــاســـبــيــن حـــســابــه صــــار .. و دحين في واحد يجري ورانا و يبغى يـــــــنـــتــقـم .

تجمد الدم في عروق مراد و هو يتذكر وجه تركي الصارم المهيب ، صك حسن على أسنانه و غمم : بس أنا اللي راح أسبقه و أطلّع روحه .

تمتم مراد بحروف متقطعة من شدة الرعب : ا .. اشـ ـ ــ ـ .. قـ ــ ـ ــصـ ـ ـدك ؟؟.

ابتسم حسن بحقد و تمتم : قصدي بتغدى فيه قبل ما يتعشى فيني ..الملف عنده و لازم آخذه بأي طريقه .

عقد مراد حاجبيه و هتف بحيرة باكية : ملف ايش ؟؟؟!!.

جلس حسن على الأرض مجددَا في إرهاق و هو يقول : العجوز أبويه كان عنده مجموعة أراضي كبيره في العلا و تيما .. و كنت أستنى موته لحظه بلحظه عشان آخذها .

هتف مراد بلهفة : طيب ؟؟ .


زفر في ألم و هو يغلق سيارته ، قبل دقائق فقط أتاه الخبر المرير المفزع بإصابة ابن عمه العزيز من مجهول ، كان سيركض للمستشفى ليقف إلى جواره في هذه اللحظات العصيبة و لكن والده الذي لم يخبره بتفاصيل الحادثة منعه و أجبره على الذهاب لإخبار عروب بالخبر بحكم أنه زوجها الآن .

لم يحدثها بالهاتف أو يراسلها .. كل ذلك لأنه ينتظر الفرصة المناسبة و الآن يُجبر على نقل ذلك الخبر الأليم .... و ياله من خبر ؟؟؟؟؟!!!!!!! .. ستكرهه أكثر .

وضع مفاتيحه في جيبه و توجه إلى الباب الخارجي حيث استقبله نواف الذي قال بخفوت : أقنعك أبوي .

زفر و هو يغمم بضيق : نواف حل عن سماي .

هز نواف رأسه بتفهم و قال بخفوت : علمت عمتي و عبير و مروان الحين معهم .. و زوجتك عند المسبح .

و أشار بيده إلى جهة اليمين ، شكره عزام باقتضاب و دار حول المنزل متوجهًا إلى جهة المسبح الكبير لـ ..

~ يراها ~

خفق قلبه بعنف .... كانت تجلس أمام حوض السباحة .. ترتدي تنورة إلى منتصف ساقيها بلون القشدة و قميصًا بنيًا قد زينت مقدمته كتابات بلون التنورة ، يداها معقودتان أمام صدرها و شعرها الأسود الطويل يتحرك بدلال مع نسمات الهواء ، وعيناها السوداوان ساهيتان في المياه .

أطرق برأسه عندما شعر بتعالي خفقات قلبه .. حزم أمره و توجه إليها بهدوء .. كانت ساهية إلى درجة أنها لم تلحظ وجوده ، تنحنح بارتباك فانتفضت و رفعت رأسها بحدة ، اتسعت عيناها في صدمة و ابتسم هو برقة قائلاً : السلام عليكم .

حدقت فيه للحظة كأنها تتأكد أنه حقيقة ثم أطرقت برأسها على الفور و يداها ترتعدان في حجرها ..

** .. هذا و اش اللي جابه اليووووووم و في هالوقت ؟؟؟؟!!!!! و الله لو درى أبوي عنه بيسلخ جلده .. **

ابتلعت ريقها و همست : و عليكم السلام .



احتقن وجه حسن في غيض و أردف : و لمّا توفى رحت أجري على البيت أدّور على الملف اللي فيه الصكوك اللي تثبت ملكية العجوز لكل الأراضي عشان أطالبّها .. قّلبت الدولايب فوق تحت ما بقيت مكان ما دورت فيه و مالقيت شي و في النهايه يطلع عند ذاك الملعو* ولد الـ##### .

صرخ في عصبية و هو يضرب الأرض بيده : نـــــــــــــــــــفـــســـي أعـــــــــــــــــرف بــــــــس كـــــــــيــف وصـــــــــــلّــــــــه .. كـــــــــيييييييييييييييف دري عــــــــــــــنــــــــــه الـــــــــشــيــطاااااااااااان ؟؟؟!! .

اتسعت عينا مراد و هتف بأنفاس مخطوفة : الله يآخذه كيف يقدر يوصل لكل شي كذا ؟؟؟؟؟.

زمجر حسن بقهر : الظاهر مخطط من زمان لكل شي .. آآآآآآآآآآآآآخ .. حاس نفسي بنفجر .. لااااااا .. و المصيبة الثاني إن العجوز الـ###### كاتب كل شي باسم الزفـ* رهف .

اتسعت عينا مراد بصدمة ولهث حسن بانفعال و قلبه يخفق بقوة : مدري ليه أحس إنه كذاب ..لازم أعرف الحقيقه و أرجّع الملف بأي طريقه .. أكيد راح أرجع للسجن لكن على الأقل لمًا أطلع يكون عندي شي فـ يدي .

أطرق مراد برأسه و فرائصه ترتعد رغمًا عنه ، ما هذه المصيبة التي لم يحلم بها في حياته ؟؟؟!!!! سنوات طويلة مضت على الحادثة ، التي جعلت الرعب يطغى عليه بسبب نهايتها المريرة .. رغم أنها كانت واردة .. لكنه لم يتوقعها حقيقة حتى رأى ذلك المشهد بنفسه .. ذلك المشهد في عمق الظلام و هم يراقبون البيت، كوابيس شديدة كانت تلاحقه .. كوابيس تظهر فيها تلك ، و الآن بعد هذه السنوات الطوال تعود الأوراق القديمة للظهور مجددًا و شخص يسعى للقضاء عليه .


■ ■ ■ ■


1409 هـ


وصل إليه صوت شهقاتها الباكية : مراد .. الله يخليك يا أخويه و الله ما أقدر أطلب منه كل هذي المبالغ .. والله ما أقدر .. ارحمني الله يخليك .

صرخ بعصبية شديدة : مالي دخل .. أنا قلتلك كل اللي عندي .. يا ترسلين الفلوس و تجلسين على الحرام اللي انتي فيه أو اليوم بيوصلك الظرف اللي فيه الرسايل .. فهــــــــــــمتي .

تفجر بكاءها المحترق و هي تصرخ : الله يخليك يكفي .

ابتسم بسخرية قائلاً : أنا قلتلك اللي عندي يا للي ما تخافين الله .. يلا سلام .


■ ■ ■ ■


ازداد شحوب وجهه حتى حاكى وجوه الموتى ، أما حسن فأخذ يحك رأسه بعصبية و هو يحدث نفسه : طيب لو طلع صادق و كل شي مكتوب باسمها .. ليش ما آخذ الطريق السهل و أروح أغسل دماغها و أكسبها لصفي.

توقع أن يسمع تعليق مراد لكنه لم يحصل عليه ، رفع بصره هاتفًا : مــــــــــــــراد ؟!!!.

انتفض مراد و ظهرت ملامحه الملتاعة ، لوا حسن شفتيه و صاح بغضب : الله يــــــــــخـــســـك يـــــــــالــــــــــجــبــااان .. اش هــــــــــذا الــخــوف اللــي نـــزل عــلــيـك ؟؟؟!!!! هـذا بـدل مــا تــســاعــدنـي تــقــعـد تــبــكـي زي الحرمه .

ابتلع مراد ريقه و دموع جديدة تنهمر من عينيه : هذا واحد مجنون يا حسن .. ممكن يطلع في أي لحظه و يطيّرك بدون ما تحس .

و صفق يديه و هو يردف : آآآآآآآآخ بس .. لو مسعود الكلـ* كان معانا يمكن استفدنا من ولد عمته اللي يشتغل فـ الشرطه .

اشتدت أعصاب حسن فهو يدرك صحة هذه الكلمات جيدًا و لكن عناده و غطرسته .. أبت أن تلين ..

رفع رأسه في غرور و غمم : انتا نسيت إنه انفصل عنه من فتره طويله ومعاد يكلمه و لا يدري هوا فينا .. هذا أولاً .. ثانيًا..لا تخاف .. و اسمع اللي راح أقوله .


@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@


جده


فيلا تركي


50 : 11 مساءً


استرخي في مقعده و هو يسأل الرجل الذي أمامه : فهمت اللي أبغاه .

أومأ ياسين برأسه و هو يضع كوب العصير على الطاولة : ايوه ..أبشر و ما يسير خاطرك إلا طيب .

سأله تركي في اهتمام : يعني .. كم يوم أعطيك ؟؟.

صمت ياسين للحظة قبل أن يقول : راح نستناه يومين و أول ما يطلع بيوصلك اتصالي .

ثم أردف بنبرة الخبير الواثق : و إذا ما طلع بستفزه بطريقتي .

نهض تركي من مكانه مغممًا : خلاص .. توكل على الله و سوي اللي تشوفه .

ابتسم ياسين و هو ينهض بدوره و يمد يده لمصافحته : أبشر باللي يرضيك يا أستاذ تركي .

صافحه تركي بحرارة : جزاك الله خير .

و بعد أن غادر الرجل ، توجّه إلى جناحه و الإرهاق الشديد ينبض في جسده ، بدّل ثيابه و ارتدى منامته السوداء ثم استلقى على السرير ، نظر إلى الوسادة بجواره و ابتسم بحنان مغممًا: و ينك يا برّو تملي عليا المكان .

تنهد في حرارة و هو يرفع بصره للسماء : الله يشفيك يا ولدي .

التقط جواله يهمّ بالاتصال على أحمد ، عقد حاجبيه عندما شاهد رسالة تنتظره ، فتحها ..


--------------- من دكتوره فدوى -----------------


أستاذ تركي ..

شكرُا على حضورك اليوم الذي أيقظ ذاكرة رهف قليلاً .. لم أتمكن من تحديد الأمر بالضبط إن كان مجرد هلوسة و تداخل لذكرياتها القديمة أم أنها استعادت ذاكرتها كليًا .. هي نائمة الآن من شدة الإرهاق .. انتظر رسالتي بالخبر الأكيد .


------------------------------------------------------


تجمدت ملامح وجهه و عيناه تقرآن تلك الأسطر مجددًا ، اعتدل بحركة حادة هاتفًا : مــــــــــــــــصــيبه لو رجعتلها ذاكرتها الآن .

صمت للحظات و نزاع روحه يزداد شراسة ..... أدخل يده في خصلات شعره السوداء المهذبة و قبض عليها بحنق ...أغمض عينيه .. ليتجرّع سمــًا قتله ألــــــــــــــــف مــــــرة


■ ■ ■ ■


: لــــــــــيش تـــــــــــــعــامـــــــــلـــنـي كذااا .. على الأقل انتا مفتكرني لكن أنا لا .. لاااا .. ما أتذكر شي عنك ما أتذكر شيييييي مـ


■ ■ ■ ■


دفع الهواء الثقيل المتجمع في صدره ، و تمتم بصعوبة : إن شاء الله ...... ترجعلك و ترتاحين بدل العذاب اللي انتي جالسه فيه .

فتح عينيه و رفع كفيه أمامه ، تأملهما بصمت .. و مزيج من سحر الحزن يلمع في حدقتيه : هذي اليدين اللي ذوقتكِ المر يا بنت حسن .

قبض عليهما و هو يشيح بوجهه و يستلقي مجددًا ، تألقت أمام عينيه دموعها التي انسابت على خدها الناعم .. لوعة البراءة و الترقب في مآقيها المحمرة ، وضع ذراعه على جبينه و همس كأنه يخاطبها : مالك أي ذنب في اللي صار .. لكن سامحيني .. ما راح أرجعك إلين ينتهي أبوكِ و اللي معاه.

تنهد بحرارة و عقله ..... يجتذب نومًا يــــــجافيه .


@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@


جده


أحد شوارعها


57 : 11 مساءً



جالت عيناه فيما أمامه بحذر ، و رفيقه الذي يقود السيارة يهمس : هاه ؟؟!! .. المفروض تكون هنا لو كان توقعنا صحيح .

لم ينبس رفيقه ببنت شفه و عيناه تضيقان أكثر ، اعتدل في جلسته بحركة حادة هاتفًا : شوفـــهــــا.

التفت رفيقه بحدة إلى حيث يشير و حرك السيارة و هو يهتف : أخيرًا .

خرج من مساره لحاقًا بتلك السيارة السوداء التي انعطفت إلى الجهة اليمنى ، تراجع رفيقه في مقعده مغممًا : مو دحين .. خليها لما تدخل على شارع فرعي .

لم ينبس رفيقه ببنت شفه و هو يتابع السيارة ببصره حتى دلفت إلى ذلك الحي الهادئ الخالية شوارعه ، زاد من سرعة السيارة و هو يهتف : دحــــــــــين .

و اندفع بسرعة كبير لتنحرف سيارته باتجاه السيارة السوداء التي انتفض قائدها في مكانه و صيحة الذعر الرهيب تنبعث من بين شفتيه ، شهقت الأخرى في هستيريا و هي تسقط على جانبها الأيسر ، التفت السائق بحدة إلى جهته اليمنى و اصفر وجهه عندما لاحظ نظرات الرجل الذي يهم بالانحراف نحوه مجددًا ليقلب السيارة رأسًا على عقب ، انتفض جسده و داس بقدمه أكثر على دواسة البنزين و ساميه تصرخ من خلفه في رعب شديد : مين هذولييييييييييييييييييي ميييييييييييييييييين ؟؟!!!!!!!!!!.

انحرفت السيارة المجهولة نحوهما بقوة أكبر فاحتكت السيارتان بعنف شديد .. فقد السائق السيطرة على المقود و تفجرت صيحته المدوية المختلطة بصرخات ساميه و السيارة تنحرف بعنف شديد و تدور حول نفسها بزاوية حادة تطايرت لها ذرات الرمال قبل أن تــــــــــــصـــطـــــــــدم بحائط أحد البيوت ، شهق السائق من شدة الصدمة التي ضربت رأسه في عجلة القيادة لتتفجر دماءه بغزارة ، ابتسم الرجل في السيارة الأخرى هامسًا: و انتهت أول مرحله يا أستاذ تركي .

و اندفع بعيدًا عن المكان ، تعالى أنين السائق الموجوع و أنين تلك الأخرى ، رفعت رأسها بصعوبة عن زجاج النافذة المهشم الذي حمل شيئًا من دماءها .. شهقت بعنف و دوار شديد يعصف برأسها ..صرخت بصوت باكي كسير : فــــــــــــــــــــــــــــوييييييييييييييييي .

وضع السائق يده على رأسه يحاول إيقاف الدماء المتفجرة من جبينه و لسانه يطلق شتائم حانقة من أعماق قلبه ، فتحت بصرها بصعوبة و شهقت بألم شديد و يدها على مكان إصابتها : هذي الفيلا حقت وجدي .. صح ؟!!.

صرخ السائق الأجنبي في عصبية و هو يحل حزام الأمان : yes yes .

لم تنتظره ليوصلها .. بل فتحت الباب بصعوبة ودماءها تنزف ، و الدنيا تسود في وجهها من فرط الصدمات المتتالية ، ركضت كالمجنونة إلى الباب الرئيسي للفيلا و فور أن رآها الحارس فتح الباب بلا تفكير عندما حدد هويتها و نظرات الفزع مرتسمة على وجهه ، ركضت و حثت الخطى إلى داخل الفيلا و بكائها الحاد يملأ أركان المكان ، شهقت بألم و هي تجول بعينيها الزائغتين فيما حولها و تنادي بخوف : فوزيييي .. فوزييي .

كانت الفيلا مظلمة إلا من إضاءة خافتة ، احتضنت نفسها في توتر و هي تبكي : ماتوا .. ماتواااا .. كلهم .. كلهم .. يبغون يقتلوني .. ما أدري مين .. ما أدري .

مسحت أنفها المحمر و هي تسير بحثًا عن عشيقها ، تلفتت يمنة و يسرة بهلع كأن هناك شيئًا يطاردها : فوزي .. يا حبيبي يا فوزي .. فوزي أنـ .. أنا خايفه .

شهقت بحرقة و ابتلعت دموعها التي تملأ حلقها : رهام ماتت .. كلهم ماتوا .. انحرقوا .

توجهت إلى صالة حوض السباحة و هي تمسح عينيها حتى تتضح الصورة التي تعكّرها الدموع و

: يا روحييييي يا فوفو .. لو تبغى أبيع الدنيا عشانك .

اقشّعر جسدها و انتفض قلبها و .... تسمرت قدماها

: قلبي و الله .. انتي استنيني شويه و بعدين أدوربك العالم كله .

اتسعت عيناها في جنون و بركان الصدمة المفزعة يتفجر في صدرها ، اقتربت ببطء و شياطين القهر تلوح أمام عينيها ، ارتعد جسدها و هي تميل برأسها لتسترق النظر و رأته .. هو ..و فتاة أخرى ..

.


نفس الوضع .. نفس الصورة التي جمعتهما في فيلا البحر يوم أن رأتها ابنتها جوري ، يوم أن حرقت قلب صغيرتها بذاك المشهد الحقير .

: يعني متى يا قلبي ؟؟.. طفشت و أنا أستنى .

: ما بقى كثير يا حبي .. بس أسحب كل الفلوس من هذيك المجنونه المتخلفه هيا و ولد زوجها و أجيك يا عيونييييييييي .

مضت لحظات .. و هما يغرقان أكثر و أكثر في بحر الخطيئة و كل ذلك أمام عينيها .. تراجعت إلى الخلف في هدوء ثم دارت على عقبيها في سكون تام و هي لا ترى شيئًا أمامها و خفقات قلبها المتسارعة تتردد في أذنيها.

.


.


.


.



~ وجدي ~

نفض التراب عن بنطاله و تابع طريقه إلى داخل المزرعة ، تأفف في غيض عندما سمع رنين هاتفه ، رد بعصبية : ألو .

أتاه ذلك الصوت المتوتر: وجدي .

ضرب الأرض بقدمه بغيظ و هو يهتف : نعم يا أصيل ؟؟!!.

هتف الرجل : وجدي أخوك تعبان .

قطب وجدي حاجبيه متسائلاً : مين .. مجدي ؟؟؟؟ .

هتف بتوتر: ايوه .. لازم تجي دحين .

ضحك وجدي في سخرية : أقول انقلع .. أكيد دايخ من الزفت اللي يشربه .

و أغلق جواله على الفور و هو يغمم بحنق : قال تعبان قال .

رفع بصره بحدة للأرنب الأبيض الذي اندفع للجهة اليمنى ، رفع سلاحه و هو يبتسم : خليني أصيد الحلو هذا و بعدين أرجع و أناااام .

.


.


.



أمام حوض السباحة


نهض فوزي من مجلسه و هو يهمس بحنان : خلاص .. خلينا نكمل السهره فوق .

ابتسمت بدلال و هي تسترخي في مقعدها أكثر : ليييش .. هنا الجو أحلى .

ثم أردفت بخبث : بعدين ليه أحسك خايف من ست الحسن ؟؟!!.

ضحك و هو يجرها مع يدها و يضمها إليه : هذيك الشيطانه بتسافر باريس .. تلاقينها في المطار دحين يعني لا تشيلـ

قاطعته شهقة قوية من شفتيها ، ابتعد عنها و نظر إلى عينيها المذعورتين و هو يهمس : حبيبتي .. اشبك ؟؟؟!.

تراجعت إلى الخلف و الذعر متفجر على ملامحها ، هتف بضيق : اش اللي سار ؟؟!.

أشارت بإصبعها المرتعد إلى نقطة ما خلفه ..

التفت في حدة وهــــــــــــــــــوى قلبه بين قدميه ، تراجع هو الآخر في صدمة و همس : سـ .. ساميه ..؟؟؟!!!!!!!!!!!!!!!!!!!


.


.


.


~ وجدي ~


وضع سلاحه على كتف و صيده على الكتف آخر و أخذ يغني بلحن قديم و هو يحث الخطى للفيلا ، زوى ما بين حاجبيه عندما رأى سيارة تقف أمام الباب الرئيسي ، لم يكن لونها واضحًا بسبب الضوء القوي المنبعث من مصابيحها و الظلام المحيط بالمكان ، اقترب أكثر و شهق في عنف : ســــــــــــــــــــــــــــــــــــــــامـــــــ ـــــــــيــه؟؟؟؟؟؟!!!!!!!!!!!!!!!!! .

ألقى كل ما في يده أرضًا و اندفع ركضًا إلى داخل الفيلا و منها إلى الصالة الرئيسية و ارتد في عنف عندما تعلق بصره بذلك المكان الفارغ ، ذلك المكان فوق المدفأة و الذي حمل يومًا ..الـــــــــــــــــــــــســلاح الأسود .



.


.


.



أمام حوض السباحة


تراجع و رفيقته إلى الخلف و هو يلّوح بيديه مهدئًا : سوسو حياتي .. سوسو قلبي و الله ما أقصد شي .. انتي تدرين انك عمري .. و .. و إني مستحيل أفضل عليكِ أحد .

اقتربت ساميه منه أكثر و هي تبتسم بشكل مرعب زاده بشاعةً ذلك الكحل الأسود الذي سال من عينيها إثر الدموع ، و الدماء التي لوثت شعرها الأشقر الجميل و جعلته يلتصق بوجهها .. ابتلع فوزي ريقه و هتف بصوت مختلج : سوسو .. نـ .. نـزلي هذا الشي من يدك و .. خـ .. خـلينا نتفاهم .. سـ

ضغطت على الزناد لتـــــــــــــــتـــــــــفـــــــــــــجــــــر الدماء من صدره ، صرخت الفتاة بصدمة هستيرية و هي تتراجع إلى الخلف و الدماء تغطي وجهها : آآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآ آآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآه

فقد توازنه و هو يتراجع للخلف قبل أن يسقط صريعًا في حوض السباحة ، هزت الفتاة رأسها بانهيار و الدم الأحمر برائحته الخانقة ينتشر في الماء بسرعة رهيبة لـيـتــحـول المسبح إلى بـــــــــــــــــــــــركــــة دم .


.


.


.


~ وجدي ~


شحب وجهه عندما سمع الصرخة التي أعقبت صوت إطلاق النار شحب وجهه بشكل مخيف ، ارتجفت شفتاه في صدمة و ركض في ذعر إلى خارج الفيلا.


.


.


.


.


بحثت عن طريق خلفها و لا يوجد ، شهقت بلوعة و هي تبكي و تتوسل في انهيار : لاااا .. الله يخلييييييك .. سامحينيييييييييي .. أنا مالي دخل و الله مالي دخل .

كانت عينا ساميه جاحظتان بهدوء غريب و الابتسامة الواسعة لم تفارق شفتيها ، رفعت الفتاة كفيها أمام وجهها و هي تحاول أن تقترب منها هاتفة برجاء : أبوس راسك لا تقتليني أنـ

و دوى صوت الــــــــــــطـــلــقة التي اخــــــــــــــتــــرقــــــــــت رأسها و أردتها صريعة ، ضحكت ساميه في هستيريا و الدماء تغرق وجهها و الأرض من تحتها ، ضحكت بجنون حتى احمر وجهها و هي تحدق في تلك بركة الدم ، الدم الذي تدفق من صدر عشيقها بعد طلقتها الحاقدة ، أغمضت عينيها من شدة ضحكها ثم رفعت السلاح إلى جسدها و هي تصرخ بلا وعي و......... أطــــــــــــــــــلـــقـــت رصاصة ثالثة


اخـــــــــــــــتـــرقـــــــت رأسها بين حاجبيها ، انـــــــــــهــار جسدها الفاتن في بــــــــــــــركة الـــــــــــدم ، غاصت في داخلها للحظات والدماء تندفع بغزارة من ثقب جبهتها لتزيد من سيل الــــــــــــــــــدم ، وصلت إلى القاع .... و استقر جسدها على الجهة المقابلة لجثة من كانت تعشقه .


@@@@@@@@@@@@@@@@@@



** الثـــــــــــــــــــــــــلاثـــــــــــــــــاء **


الرياض


الشقة


30 : 12 صباحًا


فرك يديه في توتر و هو ينظر إلى رامي و مالك الغارقين في سبات عميق داخل إحدى الحجرات ، فرك شعره بتوتر و النوم يجافيه منذ تلك الحادثة التي جعلت الرعب الشديد يدب في قلبه ، حتى أضحت الانتفاضة عنوانه عند أدنى صوت من خلف باب الشقة ... يتخيل في كل لحظة رجال الشرطة و هم يقتحمون المكان ، ذات الرعب يسيطر على أعماقه و يمنعه من الخروج رغم أن رامي هو الجاني .. و لكنه يدرك أن والده ينتظره .. و هذا ما يثير أشد الخوف في نفسه .

خرج إلى الصالة الكئيبة و نظر إلى هاتف الشقة و هو يهمس : وينك يا هدى ؟؟!!!! .

تأفف في حنق : أبي أستانس .. خنقتني الضيقه .

ركل الحائط بقدمه في عصبية و إذا بصوت طرقة على الباب ، انتفض جسده و اتسعت عيناه و هو يحدق في الباب الذي نقل صوت طرقتين أخريين ، ظهرت الراحة على وجهه و ابتسامة تشرق على شفتيه و هو يقترب منه ، توقف للحظة و نظر مع الفتحة الزجاجية الصغيرة .. اتسعت ابتسامته و هو يفتح الباب بهدوء و يختبئ خلفه ، دلفت إلى الداخل بصمت ، و أغلق الباب ثم هتف بسعادة : أسفرت و أنورت .

ضحكت سافرة الوجه جميلة الملامح و هي تنزع الطرحة من فوق رأسها ليظهر شعرها الأسود القصير للنور : بوجودك يا حبيبي .

خللت أصابعها في شعرها و هو يشير للداخل : إلا .. كيف كانت السفره ؟؟.

ابتسمت بدلال و هي تسير للداخل متبخترة بقوامها الجذاب : حلـــوه .. تجنن .

فتح باب الحجرة المجاورة لرفيقيه و سألها باهتمام : و أبوك ما سأل عنك ؟؟.

ضحكت بخفة و هي تدلف للحجرة : و لا فكر .. خليه فـ دنيته و أشغاله و أنا أعرف كيف أدبر عمري .

ابتسم وهو يغلق الباب خلفهما : على قولتك .

زوت ما بين حاجبيها و هو تدور ببصرها في المكان ، ثم التفتت إليه و سألته : إلا .. ليه غيرتم الشقه .. هذي مقرفه و مقززه بالمره .

لوح بيده و هو يقترب منها : سامحينا هالمره .. قالولي نغير المكان و ما دريت إنه مقرف إلا بعد ما اتصلت فيك .

مطت شفتيها ثم تعلقت برقبته في دلال هامسة : الهديه أول .

انفجر ضاحكًا و أ دخل يده في جيبه يخرج محفظته ، تراجعت إلى الخلف لتلقي نظرة شاملة عليه و هو يخرج ذلك المبلغ و يقدمه لها : تفضلي يا عيون فارس .

أمسكت بالمبلغ و رفعت حاجبيها بإعجاب و هي تعده : تمام .

وضعته في حقيبتها الصغيرة ، و رسمت على شفتيها ابتسامة واسعة و هي تهمس : بتكون أحلى ليله يا فارس.


@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@



جده


البيت الأخضر


00 : 5 فــجرًا


فتحت عينيها ببطء فطالعها ذلك الوجه المبتسم الذي همست صاحبته بحنان : صباح الخير .

وضعت كفها على جبينها و همست بصوت نائم : صباح النور .

دققت فدوى النظر فيها قليلاً .. ثم همست متسائلة : أخبارك إيه دلوأتي ؟؟.

حارت عيناها في مقلتيها للحظات ، و فغرت فاها قبل أن تهمس : أنا كيف جيت هنا ؟؟!.

مسحت فدوى على شعرها و غممت : تعبتي شويه بعد ما خرق الأستاز و نألناكِ هنا .

رمشت عيناها بتساؤلات عديدة ، ابتلعت ريقها ثم همست بصوت مبحوح : تعبت ؟؟!!! .

تأوهت و هي تغمض عينيها : يا الله .. اش هذا الصداع ؟؟!!.

ربتت عليها فدوى قائلة : اتركي التفكير شويه و اسمحي لعألك يرتاح .

رفعت رأسها عن الوسادة الطرية و هتفت بلــــــــــهفة : الكتاب ؟؟.

ارتسم على شفتي فدوى شبح ابتسامة و هي تهمس : ما تخافيش .. أهوه .

و أشارت إلى جانب السرير ، التفتت رهف إليه و ابتسمت بحنان و هي تمد أصابعها و تحسس غلافه .. لم تشأ فدوى أن تقطع عليها تلك اللحظات .. و لكنها همست : يلا يا روحي .. صلاة الفـجر .

رفعت رهف بصرها إليها و هتفت و هي تنهض من مكانها : إيوه صح .

و نهضت بمعاونتها .. سارت إلى دورة المياه و العكاز بيدها و فدوى تقول : : اليوم حتقي الدكتوره نورهان و تفك القبس عن رقلك .

اتسعت ابتسامة رهف و غممت قبل أن تدخل إلى المرحاض : عارفه دكتوره فدوى .. صحيح زعلانه لأنه مشي بسرعه .. لكن فـ نفس الوقت بطير بطير من الفرح لأني شفته و تكلمت معاه .

و التفتت إلى فدوى مردفةً بضحكة رقيقة : طبيعي اللي صايبني صح ؟؟؟.. يعني ماني مجنونه .

انفلتت الضحكة من بين شفتي فدوى و هي تدفعها برفق للداخل : أيوه طبيعي يا ستي .. دا قوزك بئى .. و يلا بسرعه عشان الصلاه .

و أغلقت الباب خلفها ، أطرقت برأسها و زفرت في أسى .. هزت رأسها بأسف و همست بخشوع : يا ربي .. لك في كل شي حكمه .

أخرجت هاتفها من جيبها و بخفة .. أرسلت تلك الرسالة إلى تركي .


@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@



جده


منزل هديل


00 : 9 صباحًا


خرجت من شقتها و أغلقت الباب ، تقدمت إلى السلالم الطويلة و نزلت منها ، كانت تشعر بإرهاق شديد .. فالنوم يجافيها منذ أن فقدت أختها الصغرى .. عليها أن تذهب إلى منى و تسألها عن الحل و الطريقة .. فالوضع لا يحتمل .

نزلت مع السلالم و هي تبتلع غصة مريرة من حال زوجها القاسي الذي يرفض أن يقدم لها أقل نوع من المساعدة .. فها هو يرفض أن يوصلها إلى بيت شقيقتها و عليها أن تقطع المسافة سيرًا على الأقدام مهما كانت بعيدة .. و لكن لا بأس .. فكل شيء يهون من أجل رهف .

خرجت مع الباب الرئيسي و جالت ببصرها في الشارع الساكن بشكل مخيف .. إنها إجازة و لا شك أن أغلب أهل الحي في سبات عميق في هذا الوقت ، أمسكت بعباءتها السوداء و هي تنزل مع السلالم القصيرة الأخرى ثم سارت إلى اليمين و هي تذكر الله في كل خطوة ، شعرت باختناق من حرارة الجو و الرطوبة العالية التي تشبع بها المناخ ، عدلت من وضع عباءتها و أكملت خطاها في الطريق الطويل ، انعطفت إلى اليمين مجددًا و زقزقة العصافير تحيي المناظر الجامدة من حولها ، رفعت بصرها بحدة عندما سمعت صوت أقدام أخرى و : آآآ

انقطعت صرختها المذعورة و شخص ما يكمم شفتيها ، تفجر الرعب في روحها و هي تصارعه بخوف شديد و الدموع تتفجر من عينيها ، لف ذراعه الطويلة على جسدها و همس في أذنها من الخلف : بس يا متخلفه .

هوى قلبها بين ضلوعها وجحظت عيناها من وقع النبرة التي تعرفها جيدًا ، تلك النبرة التي همست بصوت مخيف : لا تتحركين كثير .. أنا عارف إنه بيتك مراقب عشان كذا استنيتك بعيد فلا تعبيني عشان لا أحط حرتي فيك .

توقفت عن الحركة العصبية رغم انتفاضة جسدها و الآخر الملثم يجرها بقسوة إلى حائط مجاور ، حاولت أن تلتفت إليه و هو يكمم شفتيها و لكنه ثبتها بقسوة و همس : وين الملعونـ* رهف ؟؟!!.

اندفعت الدماء في عروقها بغزارة و سؤال مهيب يتفجر في داخلها ، رفع كفه عن شفتيها و همس بحنق : اخلصي قبل ما ينتبه أحد .

اهتز صوتها و هي تهمس من بين دموعها : ما أدري .

أمسك بعنقها من الخلف بقسوة فأغمضت عينيها بألم و هي تشهق ، صك على أسنانه و همس بعصبية : يا حيوا** أقلك ويــــنها ؟؟!!! رجّعها هذاك الـ ###### و لا لسا ؟؟.

أنّت بمرارة و هي تهمس : لا .. ما رجعها و لا شفتها من يوم ما تزوجت.

دفعها بقسوة لتسقط أرضًا على بطنها مطلقةً صيحة باكية ، هتف بغضب : كان من أول يا #### .. و ربي لو دريت إنك كذبتي عليا أو علمتي أحد إن قابلتك لأفرمك فرم .

و اندفع ركضًا إلى زقاق ضيق ، رفعت جسدها ببطء و هي تجهش ببكاء حار ، فتحت عينيها الغارقتين في نهر الدموع و همست : الله يهديك يا أبويه .. الله يهديك .. ليه .. ليه تسوي كذا .. ليه؟؟!!!!!!!!!! .. اش تبغى برهف بعد اللي سويته فيها ؟؟؟!!!!!!.. اش تبغى ؟؟؟؟؟!!!!!!!!!!!.

وضعت كفيها على رأسها و تركت لدموعها العنان و رجفة الخوف تستبد بجسدها النحيل .


@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@


جده


الشركة


مكتب تركي


10 : 9 صباحًا




طرق بالقلم على مكتبه و هو يتطلّع إلى تلك البيانات التي تحولت في نظره إلى مصطلحات لاتينيه ، ضرب جبينه بكفه و تراجع في مقعده و هو يمسك بهاتفه و يعيد قراءة الرسالة للمرة العاشرة


----------------- من دكتوره فدوى ---------------


لم تستعد ذاكرتها بعد .

______________________________


لا يدري لماذا طـــــعــــنــه نصل الإحباط عند قراءته للرسالة ، كم تمنى أن يقرأ العكس.... ليعود إليها فيرى عينيها تتوهجان بالحقد و البغض .. الغضب و الكراهية .. نعم ... هذا ما يريده ... هذا ما يتمناه ..... في تلك اللحظات فقط .. سيتركه تأنيب الضمير و شأنه ..... سيعيش مرتاحًا .. ينام قرير العين بعد أن يرتشف من نيران بغضها له ..... رغبتها في الانتقام منه ..... استرداد كرامتها التي أهدرها بأبشع الصور ....... هذا فقط ما سيشفي غليلها .... و غليل روحه هو أيضًا ......

رفع عينيه إلى الباب و هتف بصوت مرتفع : تــــــفضل .

فُتح الباب .. اتسعت عينا تركي في دهشة ، هتف قائلاً : عمـــــــــر ؟؟!!!.

ضحك عمر و هو يحث الخطى للمكتب : اشتقنالكم يا أستاذ تركي .

نهض تركي من مقعده و ابتسم بفرحة صادقة و هو يعانق عمر و يربت على ظهره : الحمد لله على سلامتك .

ربت عليه عمر بدوره هاتفًا : الله يسلمك يا أبو الوليد .

ابتعدا عن بعضهما و أشار له تركي بالجلوس : تفضل .. حياك .

جلس عمر على المقعد المقابل للمكتب ، و تركي يعود إلى مكانه و يقرب كرسيه من المكتب: يعني طنشتني و أصريت تجي للشركه .

ابتسم عمر بحرج و هو يجيبه : و الله طلباتك على العين و الراس يا أبوالوليد .. بس البيت جابلي الخنقه و الطفش و الشغل أرحم بمية مره .

هز تركي رأسه بتفهم و قال بابتسامة: و احنا ما نقدر نستغني عنك يا عمر .

ثم تراجع في مقعده مردفًا بجدية : و الحقيقه جيت فـ وقتك .. لأن عندي موضوع مهم أبغى أكلمك فيه .

قطب عمر حاجبيه باهتمام و أرهف سمعه قائلاً: آمرني .

تطلّع تركي إلى عينيه بجدية صارمة : ما أبغى حرف يطلع برا هذي الغرفه .

أومأ عمر برأسه في احترام و ترقب شديدين ، زفر تركي قبل أن يقول : أكيد سمعت عن حسن ناصر وانه انحكم عليه بالسجن 20 سنه .

رد عليه عمر بالإيجاب فاستطرد تركي : أنا اللي بلغت عنه وعن مصايبه .

لم يستطع عمر منع المفاجأة التي ظهرت على وجهه و لم يمهله تركي الفرصة للسؤال بل بادر بالحديث : زبدة الموضوع إنه شرد من الحبس قريب و أكيد حضرته يدور عليا و يبغى يرد لي الصاع .

خفق قلب عمر بقلق رسمته عيناه ، نقل تركي بصره لدرج مكتبه العلوي .. فتحه و أخرج منه ملفًا ضخمًا

أسود اللون ، وضعه أمامه و هو يقول : هذا الملف فيه كل شي يخص الشركه و ورث أبويه .. الصكوك و المستندات .. كل شي .

امتقع وجه عمر فالرسالة قد وصلته الآن و فهمها على الفور ، تنحنح تركي ثم قال : راح أخليه في الخزنه الكبيره و بعطيك الرقم السري ... و أعتقد إنك فهمت الباقي .

ارتعدت فرائص عمر رغمًا عنه و هتف بلا تفكير : تركي الله يهديك .. خوفتني .

ابتسم تركي و قال بهدوء : لا تخاف و لا شي .. كل اللي بيسير لي مكتوب و اللي أسويه دحين كان لازم يصير من زمان ، أنا ماني ضامن عمري .

ثم أردف مطمئنًا و هو يضع يديه على المكتب : و لا تقلق نفسك .. بلغت المحامي بكل شي و علّمته إن الملف بيكون عندك بتوكيل مني شخصيًا .

لم يتمكن عمر من النطق و ألم عجيب يجتاح صدره و يضغط على جرحه ، غير تركي دفة الموضوع مغممًا : مو هذا المهم دحين .

تراجع عمر في مقعده و هتف بقلق شديد : اش كمان ؟؟ .

أحنى تركي جسده للأمام و هو يقول بخفوت: حتفق معاك على كلمة سر .

رفع عمر حاجبيه بدهشة و هتف بحيرة : كلمة سر ؟؟ .

ابتسم تركي بغموض متمتمًا : ايوه .. اسمعني و افهم اللي أقوله .


@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@


الرياض


الشقة


في نفس اللحظات


تحركت عضلات وجهه في انزعاج ، تقلب في عصبية قبل أن يفتح عينيه و هو يزفر بغيظ شديد ، مسح العرق الغزير عن جبينه و زمجر بحنق : اش هذا الحر ؟؟ .

اعتدل في مكانه و تحسس الفراش إلى جواره هاتفًا بصوت ناعس : هدى ؟؟!!!!!!! .

لم يشعر بشيء فأغلق عينيه الناعستين ثم فتحهما مجددًا و دار ببصره في أنحاء الحجرة ، صاح مناديًا : حبيبي .. وينـــــــــك فيه ؟؟ .

و لم يلق استجابة ، صك على أسنانه و هو ينظر إلى جهاز التكييف القديم : عساك بالموت يا رامي يا ##### .. كان مداني الحين متنعم فـ البراد لكن السبه كلها من تحت راسك .

رفع اللحاف الرث عن جسده ، نهض من مكانه و ارتدى ثيابه ثم خرج من الحجرة .. التفتت إلى يمينه و لا زال الاثنان نائمان ، مط شفتيه .. و إذا برنين الهاتف يتصاعد في المكان ، زوى ما بين حاجبيه و اقترب منه بحذر .. رفع السماعة بعد تردد و إذ بصوت هدى : هااااااااي حبيبي .

هتف بحنق : انتي وينك ؟؟ .

و صل إليه صوت ضحكها : انت اللي وينك من ساعه و أنا أدق ما ترد .. المهم .. سوري يا قلبي .. بس كنت مستعجله صديقاتي ينتظروني و بعدين انت أعطيتني حق ليله مو يوم كامل .

مط شفتيه بحنق و هو يسألها بجفاء : ومتى بتفضين ؟؟ .

سألته بدلال : و الله ما أدري .. بس ليه تسأل ؟؟ انت انبسطت البارحه ؟؟ .

ضحك و استلقى على الأرض هاتفًا : أفااااااااااا .. إلا قولي انبسطت و طرت من الفرح بعد .

هتفت بدلال شديد : أوكي حبيبي .. وانت مبسوط و فرحان .. قم و سوي فحص للإيدز .

و انفجرت بالضحك و هو يشهق في عنف و يعتدل في مكانه بحركة سريعة : و اشـــــــــلون ؟؟؟؟؟؟؟؟.

و لم يلق أي استجابة لأنها أنهت المكالمة ، نظر إلى السماعة بذعر و قلبه يخفق بانفعال شديد ، صرخ بصدمة ملتاعة : أكيد تمزح .. أكيد .. مستحيل تكون صادقه .. مستحيييييييييييييييييييييييييييل .


@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@


الرياض


المستشفى


مكتب الطبيب أبو محمد


30 : 10 صباحًا


اعتدل الطبيب في جلسته قائلاً بابتسامة مرحبة : و اشلونكم يا أبو ياسر ؟؟!!.

أومأ أبو ياسر برأسه : نحمد الخالق يا أبو محمد .

ثم أردف بنبرات قلقة : هاه .. بشرني الله يخليك .

فتح أبو محمد الملف الذي أمامه و قال : لا تشيل هم .. الحمد لله أنهينا الفحوصات المطلوبه .. و الحين بوضحلك النقاط المهمه اللي وضحتها لياسر .

هز الأب رأسه في ترقب ، فأردف الطبيب : حاليًا بيآخذ جرعات صغيره من الهيبارين اللي بيزيد سيولة دمه لأن عدم الحركه لفتره طويله ممكن تؤدي لجلطه ، و جنب هذي الجرعات بيآخذ عدد من المضادات الحيويه الضروريه.

هتف أبو ياسر بصوت مخنوق : انزين ؟؟!!.

عدل الطبيب منظاره الطبي و هو يقول : طبعًا جلوسه على السرير لفتره طويله ممكن يسبب مضاعفات مثل قروح الفراش و غيرها كثير .. عشان كذا لازم نبدأ بالعلاج الطبيعي فـ أسرع وقت ممكن .

رفع أبو ياسر حاجبيه في دهشة هاتفًا : علاج طبيعي ؟؟!!!.

تراجع الطبيب في مقعده مجيبًا : بالضبط .. العلاج الطبيعي تحت إشراف أخصائيين علاجيين .. العلاج مراحله طويله و يحتاج لتعاون كبير من ياسر و حماس و اجتهاد .. و بالتالي دعم كبير منكم فـ الدرجه الأولى .. بشرحلك المراحل وحده وحده .. المهم إنه ياسر بعدها بإذن الله بيكون فـ وضع عام ممتاز من ناحية الحاله الغذائيه و تنسيق عمل العضلات .. بالتالي بينتقل من السرير للكرسي المتحرك و منها للعكازات أو المشايات ***.

هبط الوجوم على وجه الأب و الخبر يطعنه ، غمم بصدمة : يعني بيجلس طول عمره ع العكاز ؟؟!!!!!!!.

ابتسم الطبيب مطمئنًا: خلي كل شي لوقته با أبو ياسر و إن شاء الله ينولك ربي اللي تتمناه .. المهم الحين إنه يمشي على العلاج الطبيعي بالشكل المطلوب.

سأله أبو ياسر باهتمام : و بعد ؟؟ .

شبك الطبيب يديه على المكتب : في نقطه مهمه أخيره يا أبو ياسر ، اللي صار له بيأثر على نفسيته بشكل كبير .. و بتلاحظون هذا الشي إذا رجع للبيت .. إما يسير منطوي .. أو عدواني .. بيصاب بإحباط كبير في الفتره الجايه و ضعف ثقه بنفسه خصوصًا يوم يتذكر الأشياء اللي كان يسويها و هو يمشي .

تسلل القلق إلى قلب أبو ياسر الذي خفض حاجبيه بحزن : و الحل ؟؟ .

تنفس الطبيب الصعداء : الحل دعم قوي منكم ..و شوفوا نتيجته .. إذا و الله الوضع ما تحسن .. لابد يراجع أخصائي نفسي .

أطرق أبو ياسر برأسه في صمت متمتمًا : جزاك الله خير .

ثم نهض من مقعده قائلاً : بعد إذنك بروح أشوفه الحين .

نهض الطبيب من مقعده و مد يده مصافحًا بحرارة : إذنك معك يا أبو ياسر .. الله يحيك فـ أي وقت .


@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@


جده


أحد مقاهيها الفاخرة


35 : 10 صباحًا


رشف من كوب القهوة ثم أعاده إلى مكانه و عيناه معلقتان بشاشة كومبيوتره المحمول ، تقافزت أصابعه بخفة على لوحة المفاتيح و الانسجام طاغٍ على ملامحه بسبب الهدوء الذي يغلف المقهى .

شعر بشخص يجلس أمامه ، رفع بصره على الفور و اتسعت عيناه في صدمة ، ابتسم الضيف بخبث و غمم : فاجأتك .. صح ؟؟؟ .

ظل عباس جامد الوجه للحظات قبل أن يغلق جهازه و يتراجع في مقعده قائلاً ببساطة : لا أبدًا .

أخذ الرجل يطرق بإصبعه على الطاولة وهو ينظر إلى عباس في برود شديد ، قال بلا مقدمات : طبعًا الحارس بلغك إن جيت لبيتك .. و

أردف و هو يرفع أحد حاجبيه مغممًا بصرامة : قلتله يكذب عليا كذبه غبيه .

اشتعلت أعصاب عباس فصك على أسنانه بغيظ و هو يتحدث بابتسامة زائفة : كنت تعبان و دوبي جاي من السفر .. و لاّ تحسّبني من الهبل اللي ينتفضون إذا سمعوا اسمك يا .. تركي .

ابتسم تركي بثقة معلقًا: مو هبّل ، انتا قصدك ..اللي يخافون على حياتهم .

عقد عباس حاجبيه في غضب و هتف بحنق : انتا جاي تهددني يا ولد الوليد ؟؟؟!!.

تراجع تركي في مقعده بهدوء تام و فجر سؤاله بقوة : ليش طلعت حسن من السجن ؟؟؟ .

تطلّع إليه عباس بنظرات ساخرة هاتفًا : نـــعم ؟؟!!!! .


تطلّع إليه تركي بدوره و لكن .... كان التحدي عنوانه و هو يضغط على حروفه : عباس .. خلينا نلعب بأوراق مكشوفه و سيبك من اللف و الدوران .

انفجر عباس بالضحك و لم يحرك تركي ساكنًا بل ثبّت نظراته على عباس الذي قال ببرود : الظاهر الخفافيش حقينك رمولك كم كلمه و جيت تتبلى عليا .

رفع حقيبة المحمول على الطاولة مردفًا: قلهم يدققون فـ معلوماتهم المره الجايه .

وضع جهازه في الحقيبة و أخذ يغلقها بسرعة و تصلبت أصابعه عندما قال تركي : ابعد عن طريقي يا عباس .

رفع رأسه بحدة لتصدمه نظرات تركي القوية ، تلك النظرات التي رجف لها قلبه ، أردف تركي قائلاً بصرامة مهيبة : ابعد عن طريقي ترى هذا فـ صالحك .. هذي المره راح أمشيها لك .. لكن المره الجايه و رب البيت بيكون ليا تصرف ثاني و صدقني ما بيعجبك .

نهض من مكانه و همّ بالمغادرة لولا أن استوقفته تلك الكلمات الخبيثة..

: وصية أبوك كانت واضحه يا الابن البارّ .

رمى عليه تركي سهامًا من نار و هو يرد عليه : وصية أبويه كانت بيني و بينه .

ضحك عباس معلقًا : لااا يا حبيبي .. أنا سمعتها قبلك .. انتا آخر واحده نقّله الوليد الوصيه .

ثم تابع بشماتة : قلك اقـــــتـــل .. مو مرمط و اسجن .. مفهوم حبيبي .

عاد تركي للجلوس و نيران الغل تعربد في صدره و هو يهمس بغضب هادر: أنا متذكر اللي قاله تمام يالحقير .

ابتسم عباس بسخرية قائلاً : قلك انتقم .. صح .. و الانتقام يكون برّد الجريمه و لاّ .. ناسي إن الـــمـــقــتــولـــه أمك .

اشتدت أعصاب تركي و اشتعلت الدماء في قلبه أكثر و هو يهتف : ما لك أي حق إنك تناقشني فـ هذا الموضوع ..علاقتك كانت مع أبويه و بعد وفاته انــــــــــــــتـــهــى كل شي .

تراجع عباس إلى الخلف ورفع يديه بلا مبالاة : كيفك حبيبي .. سوي اللي تبغاه .. لكن أنا ما راح أخليك فـ حالك .. إلين تنفذ وصية صديقي العزيز بحذافيرها .

ضرب تركي بيده على الطاولة في حنق و لم يستطع منع صيحته : انـــــــــتــا الـــــلـــــــــي جــــــــبـــت الــــــــعـــذاب لــــــــــنــفــســـك يـــــــــا عـــــــــبــاس و تــــــــــــحـــمــل الــلــي يــــــــجـــيــك .

ثم نهض مردفًا و في عينيه ألف و ألف تهديد : أنا ما في أحد يتحداني و يسلم .. و اعتبره آخر إنذار .

تحرك من خلف الطاولة و سار باتجاه الباب الخارجي و القهر بادٍ على محياه الوسيم .. لم يرد للأمور أن تتطور بهذا الشكل .. خاصةً بعد الشكوك التي أثارتها مرام بذكرها للشريط .. و لكنه استفزه بما يكفي ، تابعه عباس ببصره حتى اختفى خارج المكان ثم همس : نشوف نهايتها معاكِ يا ولد الوليد .


@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@


الرياض

المستشفى


حجرة ياسر


40 : 10 صباحًا



أشاح ياسر بوجهه الشاحب : و بس ... هذا اللي صار يبه .

قبض والده على أصابعه بحنق و هتف بلا تفكير : وانت واش اللي دخلك تروح تدور عليه فـ ذيك المقبره .

أغمض ياسر عينيه بألم للحظة ثم فتحهما مغممًا : ولد عمي و

قاطعه والده بصيحة غاضبة : موب ولد عم اللي يسوي سواته .. الـرخمه اللي ما يستاهل كلمة رجال .

لم يعلق ياسر على حديثه و عقله الثائر يتحدث ** هذا و أنا ما علمتك بالمصيبه اللي سواها لعروب يا يبه **

أردف والده بعصبية أشد : لكن حسابه عندي اللي يرميك وسط الصحرا و يفر مع المنحطين اللي معه .

همّ بفتح فمه أخرى و لكن طرق الباب قاطعه ، التفت ياسر إلى الباب و نظر والده إلى ساعته ثم نهض قائلاً : جاي .


.



.




أمام الحجرة


عدل الطبيب منظاره الطبي فوق أنفه و هو يقول : لا تحاولون تذكّرونه بالحادث و لا تسألونه عنّه .. حاولوا قدر الإمكان تكونون متفائلين قدامه و تعلّمونه إنه يخلي أمله في الله كبير ..لأن حالته قابله للعلاج .. هو الآن محتاج لدعم اجتماعي قوي منكم .. عشان كذا لازم كلكم توقفون بجنبه و ما تخلونه يسرح بتفكيره كثير حتى ما يرجع لإحباطه و اكتئابه مره ثانيه .. مفهوم .

ندت شهقة خافتة من بين شفتي أم ياسر قبل أن تدور على عقبيها و تمسح دموعها من تحت الغطاء ، أطرق الطبيب برأسه و قال بنبرة متعاطفة : أرجوكم تحافظون على هدوئكم قدامه .. أنا متفّهم إن الموضوع صعب عليكم لكنه الآن محتاج لهدوء الأعصاب كثير .. لازم يبعد عن التوتر النفسي قدر الإمكان .

ربت أبو ياسر على كتفه : تسلم يا أبو محمد .. ما قصرت الله يجزاك خير .

ابتسم الطبيب و هو يقول : و يجزاك يا أبو ياسر .

ثم غادر المكان ، تنفس أبو ياسر الصعداء و نقل بصره بين أفراد عائلته ، عبير و عروب التي تشبثت كل واحدة منهما بالأخرى في خوف و زوجته التي تمسح دموعها و مروان المطرق برأسه و دموعه تنساب في صمت .

هتف بنبرة شبه غاضبة : ان ما سمعتوا كلام الطبيب برجعكم البيت .

هتف الجميع بـ لااااا في صوت واحد ، هز أبو ياسر رأسه مغممًا : انزين .. بعطيكم خمس دقايق ثم ندخل .



.



.



و بعد أن مرت الدقائق الخمس التي استغلها الجميع في تهدئة أعصابهم المرهقة ، توجه أبو ياسر إلى باب الحجرة و وضع يده على المقبض و هو يلقي بنظرة ذات معنى على من خلفه ، همس قائلاً : انتظروا شوي .

ثم فتح الباب و هو يهتف : يـــــــــاسر .

التفت ياسر إليه في ضعف مجيبًا : سم يبه.

ابتسم والده و هو يقترب منه و يربت على كتفه : جبتلك مفاجأه .

ارتسمت على شفتي ياسر ابتسامة باهتة : مفاجأة ؟؟.

هتف والده بصوت مرتفع : ادخلوا .

التفت ياسر إلى الباب .

: ِولْــــــــــــــــــــــدِي .

ركضت والدته نحوه و ضمته إلى صدرها و هي تنخرط في بكاء حار : يا حبيبي يا يمه .. يا حبيبي .

زفر أبو ياسر في غيض و هو يرمق زوجته بنظرات غاضبة ، كبت ياسر دموعه و هو يضم والدته إلى صدره و يقول بحنان : يمه اللي يهديك .. طيب الحمد لله و ما فيني باس .

بكت في حرقة و هي تغمر جبينه بالقبلات : يا حبيبي يا ولدي .. يا نظر عيني يا يمه .

ربت ياسر عليها بحنان و هو يقاوم انفعالاته بصعوبة : الله يخليك لي يالغاليه .

جرّها أبو ياسر بلطف : خلاص يا أم ياسر .. خلي خواته يسلمون عليه .

تراجعت إلى الخلف و هي تتدارك أنفاسها المتلاحقة ، اقتربت منه عبير التي رفعت غطاءها عن وجهها و احتضنته هي الأخرى هاتفةً : ألف سلامه عليك يالغالي .. ما تشوف شر إن شاء الله .

أجابها بابتسامته البسيطة : الشر ما يجيك .

تراجعت إلى الخلف ثم قبلت رأسه ، رفع حاجبيه و هتف باستنكار : عبوّره .. أفا عليك .

مسحت على وجهه بلطف و هتفت بمرح : انت أبوي الثاني يا سوير .

ابتسم لدعابتها ، أفسحت المجال لمروان الذي اندفع نحوه صائحًا : يــــــــااااااسر .

هز والده رأسه بضيق و الصغير يبكي على صدر شقيقه : يا صقيقي يالدب .. و الله فقدتك.

اغتصب ياسر ضحكة بسيطة و هو يربت على ظهر شقيقه : و انت أكثر يا نيمو .

هتف والده مداعبًا ليخفف من توتر الموقف : مروانووووه يالدبلي ..قم عن أخوك لا تقتله ..تراه موب حملك .

تراجع مروان في غضب و هو يمسح دموعه : يوووووه .. انتم ما عندكم إلا دبلي دبلي .

ثم نفخ صدره إلى الأمام لتبرز كرشه الصغيرة : أصلاً كلكم غيرانين من كرشتي و بتموتووووووووون قهر .

ضحكت عبير بخفة و هي تجره للخلف: ابعد الحين .

رفع ياسر بصره إلى عروب التي تقف بصمت بوجهها الممتقع و هي تحرك طرحتها بين يديها في ارتباك ، اندفع حديث عمه أبو فيصل إلى عقله فانقبض قلبه بفضول عجيب و قـــــهــــــر مدمر ، لكنه كان يدرك أن الوقت ليس مناسبًا الآن للنقاش أو المسائلة ، حاول أن يبتسم رغم القهر الذي يعصف بكيانه لأنها أخفت عنه أمرًا قديمًا : حيا الله عروب .

اقتربت منه ببطء و هي تحبس دموعها بقوة ، توقفت أمامه تمامًا و همست بصوت باكي : الحمد لله على سلامتك .. أجر و عافيه إن شاء الله .

تنهد و هو يغمم : الله يسلمك .

هتفت والدتها بضيق : عروب .. اقربي و سلمي على أخوك .

كتمت دموعها الغزيرة ، و دنت منه لتسلم عليه و دموعها تسيل ، و لم ينطق .. و عندما تراجعت هتفت عبير بمرح : خلاص عاد .. تبين عزام يقتله لأنه نزل دموعك.

ابتسم ياسر بهدوء ، و لم تبتسم هي .. بل بلعت مشرطًا من الألم لمسمع ذاك الاسم ، ابتعدت عنه و هي تهمس بابتسامة باكية : يلا شد حيلك وارجع .. البيت بدونك ما يسوى .

أومأ برأسه موافقًا ، ثم نقل بصره بينهم و والدته تحدثه و هو يجيبها ، و نفسه تكتم الألم من أجلهم ، من أجل من يحبونه ، أجبر نفسه على حبس الدموع و على كبت الشهقات ، أجبر نفسه على احتمال الغصص التي تشرخ حلقه ، أجبر نفسه على إخفاء كل شيء في قلبه الكبير .


@@@@@@@@@@@@@@@@@@


ألمانيا




Stadt Oberhausen




CentrO shopping mall




.





خرجت من السوق و هي تستنشق نسمات الهواء العليل ، ابتسمت من تحت غطاءها و التفتت إليه هاتفة : دحين لو خليتنا نروح للدكتور أول مو أحسن ؟؟!.



ضحك و هو يمسك بكفها بيد و باليد الأخرى يحمل أكياس المشتريات : لا .. أبغاك تشمين هوا قبل الزياره و بعدها ..... بعدين موعد الحجز بكره .



التزمت الصمت و روعة المكان تسحر لبها ، الأرض الحجرية المرصوفة بعناية ، خضرة الطبيعة الساحرة تحت الغيوم الهادئة ، الأبنية بتصاميمها المتنوعة المختلفة الألوان ، أشارت إلى نقطة قريبة هاتفة : خلينا نجلس هناك شويه.



ابتسم و لم يعلق ، بل سار معها بهدوء حتى وطئت قدماها العشب الأخضر الكثيف ، وضعت كفيها على السور و جالت عيناها المفتونتان في حوض الماء المتوسط – بنوافيره – مختلفة الأطوال التي أخذت قطراتها تتراقص في الهواء بنعومة قبل أن تمزق تماسك السطح النقي ، أشجار خضراء شامخة تحيط به في سكون ساحر امتزج مع الجو الغائم ليرسم منظرًا آسرًا لطبيعة خلابة من صنع المولى ، تنهدت بحرارة و هي تهمس : يا الله .. من زمان عن هذي المناظر .



ربت عليها و هو يهمس : هذا ولا شي .. لسا أبغاك تشوفين مكاني المفضل قدام فندق steigenberger .



رمقته بنظرة جانبية و هي تهمس بخبث : مكانك المفضل هاه ؟؟!! .. من وين مهندس عمّار ؟؟!! ما أتذكر إنه كان عندك مكان مفضل .



ضحك في مرح و هو يضمها إليه و يهتف : بعد جنان فراقك سرت أحاول أطلع نفسي من حالة الاكتئاب و طبيت فـ ألمانيا عشان أغير جو .



ابتسمت برقة و هي تهتف : و نهر الراين هذا .. لازم أشوفه .



هتف قائلاً : لا تخافين .. راح أدوربك إلين تقولين خلاص طفشت .



و التفت إلى الوراء : تصدقين مشتهي اسكريم من آيس كافيه .



ضحكت و هي تدفعه برفق : طيب روح .. طول عمرك مجفوح على العسكريم .



رفع أحد حاجبيه و هو يلتفت إليها : لا يا شيخه ؟!!! مين اللي كانت تقومني فـ أنصاص الليالي عشان مشتهيه عسكريم ؟؟؟ .



قهقهت و هي تهتف : لسا فاكر هذاك الجنان ؟؟!!.



أمسك بكفها و وضعه على موضع قلبه و همس برقة : و أنا أقدر أنسى شي يخصك ؟.



ابتسمت بحب و همست : و أنا أنسى نفسي و لا أنساك .



خفق قلبه بسعادة عميقة قبل أن يهمس مداعبًا : خفي عليا يا بنت الناس تراني مجنون بما فيه الكفايه .



حررت كفها و هتفت ضاحكة : خلاص روح للعسكريم و أنا أستناك هنا .



غمز بعينه و هو يهمس : لا تخافين .. راح أفتكر و ين وقفنا .



كتمت ضحكتها و هو تنظر إليه يسير مبتعدًا إلى المقهى ، عادت تنظر إلى المياه بصمت ....... و رغم الجمال المحيط بها و الذي سرق عقلها ..... قبضت بكفيها على السور و نبض موجع يأبى أن يتركها




■ ■ ■ ■




1426 هـ




خنقتها الدموع و هي تخفي وجهها بين ركبتيها و الشهقات الخافتة تمزقها من الداخل ، اعتصرت قدميها بأصابعها النحيلة و روحها تنهار أمام ما سمعت و ما رأت ، اشتدت أعصابها أكثر و هي تأن بصوت خافت و الأصوات الباكية تتسلل إليها من خلف الحاجز : راح .. الوليد راح ؟؟!! .. راح ؟؟!!! .



انقبض قلبها بشدة و هي تغرق بدموعها أكثر ، و صوت الطبيب يهتف بـ : استهدي بالله يا أخ عباس استهدي بالله .



رفعت رأسها بحدة ثم مدت كفها ببطء إلى الحاجز ، دفعته برفق حتى اخترق خيط الضوء خلوتها ،أوجعتها عيناها و هي تنظر إليهم و هم يحملون جسده المسجى من فوق الفراش ، احتقن وجهها و أنهار جديدة تتفجر من عينيها و هي تنظر إلى الآخر .. بوجهه الذي أخفته – الغترة – البيضاء الناصعة .. وجهه الذي نزف له قلبها .. صرخت له روحها و هي تتطلع إليه .. يحمل الجثمان في صمت ، ترددت الكلمات السالفة في عقلها لتصعقها حد الموت ، انتفض جسدها من فرط الدموع و الأنين الخافت و هي تتابعهم ببصرها حتى خرجوا من الحجرة الفسيحة ، انتظرت للحظات تلتقط أنفاسها المخنوقة قبل أن تنهض من مكانها و تخرج مع الخزانة ، رفعت رأسها و هوى قلبها بين ضلوعها و هي ترى وجهه الملثم ينظر إليها من عند المدخل ، ارتجفت شفتاها و طوفان الشفقة العميقة يجتاح خديها ، همست بألم : تركي ؟؟!!.



لم ينبس ببنت شفه و عيناه الساحرتان ترسمان صدمة مدمرة ، ابتلعت ريقها و هي تغمم باكية : كـ ..



و بترت عبارتها عندما اندفع خارج الجناح كالريح .




■ ■ ■ ■





انسابت دمعتها المتمردة و آلاف الأسئلة تشتعل في داخلها .. و ماذا إن كانت هناك ؟؟!! .. هي خالة أبيه .. بل تربطها به علاقة طيبة .. لماذا تلك الصدمة التي رأتها في عينيه ؟؟!! .. ألـأنها سمعت شيئًا يخصه هو فقط ؟؟!! شيء لم يرد أن يعلمه أحد غيره ؟؟!! .. و لكن هذا لا يبرر جفاءه الغريب الذي عاملها به منذ ذلك اليوم .. صدوده المر .. نظرات الاتهام القاتلة في عينيه .. حاولت أن تشرح .. تفسر .. و لم يستمع لها أبدًا .. لماذا إذًا .. هل في الأمر سوء فهم ؟؟... ربما ... فقد ربطها بأولئك الذين لا تعرفهم .... ماذا تفعل الآن ؟؟!!! مـ



: قلبي .



انتفضت و هي تلتفت إليه : نعم حبيبي .



قدم لها بوضة الفانيلا التي زينتها قطع الشوكولا : تفضلي .



أخذتها من يده و هي تنفض عن رأسها تلك الأفكار و تلك الذكريات ، فهو لا يستحق أن ترهقه أكثر ، هتفت في مرح : و دحين ممكن نرجع للفندق .. رجليني تكسرت من كثر المشي .



اتسعت ابتسامته و حرك يده بطريقة مسرحية قائلاً : بدون ممكن .. طلباتك أوامر يا أميرتي .



ابتسمت بحب و تأبطت ذراعه بحنان ، سارت إلى جواره و هي تجاهد لتناسي ..... الـــمــــاضـــي .





@@@@@@@@@@@@@@


جده


فيلا تركي


في نفس اللحظات


هب من مقعده في صدمة هاتفًا : نـــــــــعــم ؟؟!!!!!!!!!!!! متى سار هذا الكلام ؟؟ .

ظل صامتًا و قلبه ينبض من صدمة الخبر ، هتف قائلاً : و الآن ؟؟!!!

استمع إلى باقي الكلام ، ثم قال بهدوء : خير .. خير .. دحين جاي .

و أغلق السماعة ، قبض على أصابعه هامسًا: يا ربي .. كيف أوصّل الخبر لجوري ؟؟!!

.. كان الانفعال مسيطرًا عليه ..

من يصدق ؟؟!!!! ساميه زوجة أبيه تموت منتحرة ؟؟!!! و لأجل ماذا .. شخص تافه و علاقة زائفة محرمة ؟؟!!! تلك التي كانت تعشق الدنيا بكل ما فيها .. تلك التي لم يكن يهمها شيء سوى سعادتها و راحتها .. تلك التي لم تقم معنىً للرحمة أو الخلق الحسن .. تلك التي امتلأت روحها بالكذب و الضحك ..تموت منتحرة ؟؟!!!!.

جلس على مقعده مجددًا يحاول أن يهدئ من ثورة عقله ، همس برهبة : ( وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ).

شبك أصابعه و منح عقله القليل من المساحة للتفكير فيما سيفعل ..... تنفس الصعداء .. ثم وضع سماعة الهاتف على أذنه و انتظر .. حتى وصله صوت أحمد : ألو .. السلام عليكم .. كيفك يا أبو رحم .


@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@


المملكة المتحدة


Blackpool


Pleasure Beach


بعد مكالمة تركي


.


حيث الصيحات و الضحكات المرحة ، و وسط ذلك الازدحام و الضجيج الذي تبعثه الألعاب المختلفة ، لوحت للبراء و هو تهتف بمرح : برّو هنااااااا .

ضحك البراء في سعادة و هو يجلس على أحد الأحصنة البيضاء المزينة في لعبة Gallopers و الممرضة خلفه ، شعرت بنشوة غريبة و هي ترى تلك السعادة المتفجرة في وجهه و هو يراقب الأجواء الحيوية بألوانها المشرقة .

و اقترب منها و عيناه ترسمان حزنًا دفينًا: ما تبغين ترتاحين شويه ؟؟؟.

ابتسمت و هي تلتفت إليه : لا عادي .. ماني تعبانه .

ربت على كتفها هامسًا بحنان: لو تعبتي قوليلي و أشيلك .

كتمت ضحكتها و وجنتاها تشتعلان ، و همست تريد أن تحرر نفسها من خجلها : الشيخ بيجي اليوم ؟؟!.

أومأ برأسه و هو يلوح للبراء في غمرة الضجيج الذي يملأ المكان : إن شاء الله .

عادت تنظر إلى البراء و همست : الله يشفيه يا رب .. أملي في الله كبير .

احتضن كفها بقفازه الأسود و همس برقة شحنها ألمه عليها: يسلم قلبك .

خفق قلبها و تشجعت لتكسر حاجز الخجل الشديد و

: أحـــمد !!!!.

التفتت ضاحكة إلى البراء الذي نزل من اللعبة و هتفت : والله و حفظ اسمك ؟؟!!!! .

مد أحمد يديه إليه هاتفًا: الله يحفظه القمر هذا .

ركض البراء نحوه و قفز ليتلقفه أحمد بين يديه : يا هلا والله .

داعب شعره ليضحك بسعادة ثم هتف : يلا يا با شا على البيت .


رفعت حاجبيها بدهشة كانت تظن أنهم سيتناولون الطعام أولاً .. و لكن خجلها منعها من أن تسأله ، سارت إلى جواره فأمسك بكفها ليبث إليها حنانه وحبه .


@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@



الرياض


فيلا الجازي


في نفس اللحظات


ابتسمت بسعادة و هي تنظر إلى طبق الحلوى الذي أعدته ، حملته مع كوب القهوة و خرجت من المطبخ و هي تهمس لنفسها : ابسطي نفسك بنفسك يا تساهير .

جلست في الصالة الفسيحة و وضعت كل شيء على الطاولة أمامها ، تراجعت في مقعدها و أمسكت بهاتفها المحمول ، قلبته في يدها قليلاً و هي تهمس : على الأقل قوليله شكرًا على الجوال .

مطت شفتيها بحيرة قبل أن تهز رأسها رفضًا و هي تعيده إلى مكانه :لا لا لا .. بلا غباء زايد .. لا ترمين نفسك عليه .

شبكت يديها للحظة و الوجوم يهبط على وجهها الحائر .. عضت على شفتها ثم همست و هي تطرق الأرض برجلها : تساهير .. استحي على وجهك و أرسلي بس كلمة شكرًا ما فيها شي .

تأففت في حنق و قلبها يخفق خوفًا من ردة فعله ، وضعت يديها على وجنتيها الدافئتين من شدة الخجل و همست : معليش .. مره وحده ما تضر .

مدت إحدى كفيها و أمسكت بالهاتف و النزاع في داخلها يرهقها .. صحيح أنها ترفض فكرة إجباره على تقبلها و لا تريد أن تشعر بأنها من تحاول التقرب منه .. و لكنها في نفس الوقت تريد أن تشكره على كل ما قدمه لها .. حزمت أمرها و بحثت عن رسالة رقيقه ، انتقلت بضغطة واحدة إلى الأسماء الثلاثة الوحيدة في هاتفها هناك أبو فيصل و مرام .. و ... ياسر و أرسلت ، وضعت الهاتف على الطاولة بسرعة كأنها ارتكبت جرمًا و تخشى أن يكشفها أحد ، فركت يديها و نبضات قلبها تتفجر في أذنيها ، أغمضت عينيها و تنفست الصعداء و هي تهمس : اهدي .. حتى لو ما رد على الرساله عادي .. أهم شي قلتيله شكرًا .

و فتحتهما مجددًا و هي تمسك بكوب قهوتها و معدتها المشتعلة من فرط التوتر تفقدها الشهية لتناول الطعام .


@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@



المملكة المتحدة


London



.


رتبت شكلها الأنيق أمام المرآة ثم نظرت إلى الساعة المعلقة على الحائط و همست : يا قلبي عليك يا برّو .. انهد حيلك من اللعب .. الله يحفظك و يشفيك .

و ابتسمت عندما تذكرت شكله و هو نائم على كتف أحمد

: جيجي .

ابتسمت لمرآه و قالت بخفوت : نعم .

بادلها الابتسامة و هو يغلق الباب خلفه : البراء فـ غرفته ؟؟!.

أومأت برأسها و هي تمسك بطرف – البدي – الأحمر الذي ترتديه : ايوه .. مسكين انهد من كثر اللعب .

أمسك بكفها و جلس إلى جوارها على الأريكة : كلمت تركي قبل شويه .

شهقت في فرحة لم تستطع كبتها : من جد .. و الدب ليه ما كلمني ؟؟!!.. من أول مسوي فيها مؤدب و ما أبغى أزعجكم و دحين ينساني ؟؟ .

و نهضت من مكانها هاتفة : أنا أوريه شغله .

أمسك بكفها برقة و أعادها إلى جواره هاتفًا : لحظه .

نظرت إليه و هي تقول في دلال طفولي : أحـــمد .. الله يخليك أبغى أهزئه .

مسح على شعرها في حنان هامسًا : سأل عنك .. و .. طلب مني أكلمك فـ موضوع .

زوت ما بين حاجبيها و هتفت بقلق : موضوع ؟؟.

تأمل عينيها الواسعتين و ما تحملانه من براءة و رقة قبل أن ينطق بهدوء محبب : خبر .. لازم في يوم نسمعه يا قلبي .. و لازم نكون راضين بأمر الله فيه .

قبضت على كفه بخوف هاتفةً بنبرات مختلجة : تركي فيه شي ؟؟ .

هز رأسه نفيًا : لا .. تركي طيب و الحمدلله .. بـ

قاطعته بصيحة باكية : مامـــا ؟!!!!!!!!!!! .. صح .. ماما ؟؟؟؟!!!!!!!!!!.

احتضن أصابعها بحنان أكبر و همس بلا مقدمات: توفت يا جوري .

صرخت في صدمة و هي تضع يدها على شفتيها و تتراجع إلى الخلف و لكنه أمسكها مع كتفيها مردفًا : إنا لله و إنا إليه راجعون .

شهقت لتتدفق أنهار عظام من عينيها ، احتواها بين ذراعيه و صرختها الباكية تتفجر في المكان : مـــامااااااااااااااااااااااااااااااااااااا .

ضمها إلى صدره أكثر و أخذ يربت عليها و هو عاجز عن الحديث ، كيف سيخبرها بأن أمها ماتت منتحرة ؟؟ .. كيف ؟؟!!!.

شعر بها تنهار بين ذراعيه ، قبل رأسها و همس بإشفاق : جيجي .. اذكري الله.

خنقتها غصص مريرة ، فتركها للحظة و أسرع ليحضر لها كوبًا من الماء و قلبه يعتصر ألمًا لشهقاتها و أنينها

قرب الكأس من شفتيها ، علّ برودة الماء تطفئ من حزنها المشتعل و لكنها رفضت وأشاحت بوجهها المحمر ، ربت على ظهرها بحنان دافق فدفنت رأسها في صدره و هي تصيح بحرقة : معاد راح أشوفها مره ثانيه يا أحـــــــــــــمـــد .. راحت و هيا زعلانه مني .. راحت و هيا تكرهنيييييييييييييييييييييي .. ما تبغاااانييييييييي .

قبل جبينها و هو يضمها إليه : كنتي بعذرك يا روحي .. هدّي نفسك .. اللي صار ما كان فـ يدك تغيرينه ..

انتي حاولتي تعاملينها بالحسنى و هيا اللي رفضت .. لا تحمّلين نفسك الذنب .. لا تحمّلين نفسك فوق طاقتها .

تشبثت فيه أكثر هاتفة بألم : و دحييييييييييييييين .. أبغى أشوفها .. أبغى أشوفها قبل ما يدفنونها .. الله يخلييييييييك .

انقبض قلبه .. و هو يدعو الله أن لا تسأله الآن عن سبب موتها ، همس لها : راح تشوفينها .. الآن نطلع للمطار .

اخترقت عقلها الذكريات الشنيعة في فيلا البحر تشنجت أعصابها وهوى قلبها بين ضلوعها و هي تتخيل لو أنها توفيت في مشهد مماثل ، رفعت رأسها إليه و صاحت بذعر : كـــــــــــــــــيـــــف مـــــــــــــــــاتــــــت ؟؟!!! .

انتفض قلبه و انعقد لسانه في حلقه ، هذا ما كان يخشاه .. تركي .. أخبره بأن لا يخفي عنها شيئًا ؛ لأنها لو أتت لتسلم على الجثمان .. فسترى الواقع المرير ، مسح دموعها بأصابعه و هو يحزم أمره و يتمتم : برصاصه .

تصلبت ملامحها للحظة و اصفر وجهها من شدة ذعرها : قــ ـــ ـتــ ـلـ ـوهـ ـا ؟؟

لم يحر جوابًا .. فصرخت في انهيار و هي تجره مع قميصه : قــــــــــــــــــلــــــي .. الـــــــــــــكــــلا* اللــــــــــــي كــــــــــــــانــــــــت تــــــــــــطـــلــع مـــــــــعــــاهـــــــــــــم قــــــــــــــتــلــوووهاااااااااااا ؟؟!!.

أمسك وجهها المبلل من غزارة الدموع بكفيه و مال على أذنها بإشفاق .. منهيًا تساؤلاتها العصيبة: هيا قتلت نفسها .

صــــــــــــــــــــــــــــــرخــــــــــــــت .. صــــــــــــــــــرخـــــــــت بـــــــــلا و هــــي تــــــــهـــز رأســـــــهـــا في جـــــــــــنــــون ، صـــــــــــــــــرخـــــــــــــــت بـــــــــلا و قلبها يتفتت من هــــــــــــــول الخبر ، و عقلها يغيب .. و يغيب .. في ..الظلام .


@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@


الرياض


المستشفى


حجرة ياسر


00 : 3 ظهرًا


ابتسم الأخصائي العلاجي و قال بعد أن انتهى من معاينة ياسر : خلاص يا بطل .. يومين بالكثير و إن شاء الله نبدأ .. ريح جسمك الآن قد ما تقدر.

أومأ ياسر برأسه في صمت ، فودعه الأول و هو يخرج مع الباب : في أمان الله .

همس ياسر : في حفظه .

ثم نظر بإرهاق شديد إلى هاتفه الذي لم يتوقف عن الرنين منذ الصباح لكثرة المتصلين الذين يتحمدون له بالسلامة ، أمسك به و تطلّع إلى شاشه هاتفه التي حملت عبارة ( رسالة جديدة ) تأفف و هو يفتحها بلا مبالاة و عقله منشغل بضرورة محادثة والدته ، قرأ الكلمات على الفور


.


ألا أيها الساري بليلٍ .. يقول الشعر و اشتاقت خطاه

ألا بلغ كريمًا جاد دومًا .. بكل الود و ابتسمت شفاه

بأن القلب يقرؤه سلامًا .. يشكره برفق قد هباه

ألا يا رب فامنحه قبولاً .. و بدد همه و أزل عناه

.


زوى ما بين حاجبيه للحظة قبل أن يغمم متسائلاً و هو يرفع بصره للاسم : مـ

و انقطعت أحرفه و تبعثرت أفكاره .... غرق عقله في صورها الجميلة التي تسكن عمق روحه وسط الخفاء ، و لم يمنحه التفكير فرصة للإحساس بتلك المشاعر الجميلة .. بل مزق كيانه .. جسده العاجز .. و عصفت بوجدانه الحقيقة المرة .. أعاد الهاتف إلى مكانه بصمت كسير و قيود سوداء قاتمة تهبط على عقله ، التفت إلى الباب في حدة و من خلفه صوت مرتفع يهتف بـ : يــــــــــــــــــــــــــــــــاولــــــــــــــ ـــــــد .

فّتح الباب و أطل من خلفه وجه عمه أبو نواف المبتسم : السلام عليكم و رحمة الله .

انقبض قلبه بشدة و شحب وجهه بضيق .. لا يريد أن يرى أحدًا .. لا يريد أن يواجه أحدًا .. لا يريد نظرات شفقة من أحد .. و لا كلمات مهدئة من أحد .. يريد أن يبقى وحيدًا .. هو و نفسه فقط .

اقترب منه عمه ليسلم عليه و خلفه ابناه بالإضافة إلى فيصل و نادر : الحمد لله على سلامتك يا أبو مشاري .. ما تشوف شر إن شاء الله .

أجبر نفسه على رسم الابتسامة و أجاب : الشر ما يجيك يا لغالي .

سلم عليه فيصل قائلاً : أجر و عافيه يا ولد عمي .

غمم بـ : الله يعافيك .

و بالمثل نواف و نادر .. أما عزام فقد فضل أن يكون الأخير .. التقت عيناه بعيني ياسر للحظات ، شعر الأخير خلالها بعروقه تحترق ..

لماذا تقدم لشقيقته و هو يعلم بشيء كان بينها و بين فارس ؟؟!! .. هل هي مصيبة .. فأجبرته شهامته أن يستر عليها و هي ابنة عمه ؟؟!! .. أما ماذا بالضبط ؟؟!!.... هي مصيبة أكبر عندما علم بالحادثة التي تعرضت لها ..... فأي صراع ذاك الذي عاشه ؟؟!! .. مالذي بينه و بين شقيقته بالضبط ؟؟!!! .. تلك التي يجب أن ينتزع منها الكلام انتزاعًا و لو بكت دمًا .

دنا منه عزام قائلاً بابتسامة لطيفة : ألف الحمد لله على سلامتك يا سوير .. كذا تضمني لقافلة المطرودين رسميًا من شوفة خشتكم البهيه ؟؟!!!.

قبض ياسر على كفه و تطلّع إلى عينيه مغممًا بابتسامة زائفة : سامحينا هالمره .. بس انت عارف .. دوم لكم مكانه خاصه يا ولد عمي .

اتسعت ابتسامة عزام رغم ما نبض في قلبه من ضيق .. أدرك الآن أن عمه أبو فيصل قد صارحه بالقصة ، بل تأكد أكثر بأن عروب لم تصارحه بما جرى لها ..... كيف انقلبت الأمور رأسًا على عقب بهذا الشكل ؟؟!!!!.... ما يحدث الآن يعارض مخططاته .... و لكنها أصبحت زوجته.. و هو وحده من سيصل إلى لب الحقيقة دون أي تدخل من الآخرين .

سلم عليه ثم تراجع تحت نظرات والده الذي يشتعل الغضب في أعماقه من هذا المجهول الذي أطلق الطلقة .. نبّه عليه أخواه و الطبيب بأن لا يفتح فمه لينطق بشيء .... و لأول مرة يكتم غيظه الشديد في صدره و يربط لسانه عن إطلاق النيران.

رفع فيصل هاتفه الذي يرن و هتف قائلاً : بالإذن .

خرج من الحجرة و هو يقول للمصل : هلا يبه .

أتاه صوت والده المقتضب : انتم عند ياسر الحين ؟؟ .

أجابه على الفور : إيه .

زفر بحرارة و غمم : و اش طلع معك ؟؟.

رفع بصره إلى الطبيب الذي دلف إلى حجرة ياسر و قال : ما لقيت شي .. كلمت ربعه كلهم .. قالوا انهم ما شافوه من فتره هو و رامي و مالك الـ *****.

غمم والده بهدوء : انزين .. بكلم أهلهم اليوم و أتابع الموضوع بنفسي .. في أمان الله .

أنهى فيصل المكالمة بقول : في حفظه .

و أعاده إلى جيبه و هو يهمس بضيق : الله يفرج همك يبه و يكافيك يا فارس.

و عاد إلى حجرة ابن عمه في صمت .


@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@


جده


المستشفى


10 : 3 ظهرًا



وضع يده على جبينه و هو يسير خلف أحد الأطباء ، انتهى أمر الدية التي طالب بها أهل فوزي و المرأة الأخرى ، زفر في إرهاق و الطبيب يتوقف أمام باب عريض ، أشار إلى تركي مغممًا : تفضل يا أستاذ تركي .

انقبض قلبه .. لا يدري لماذا يرغب في رؤيتها ؟؟!!! .. ألِـ تتحطم ذكريات الماضي الأليم عند رؤيته لجثمانها ؟؟!!! .. ذكريات المر الذي أسقته إياه منذ أن كان طفلاً بدون أم .... شعور غريب براحة خفية يسكن قلبه للخبر بأنها ماتت منتحرة !!! .. استغفر ربه و هو يدلف إلى داخل المكان و برودته تعصف بكيانه عوضًا عن تلك الرائحة المميزة لثلاجات المستشفى بخزائنها المعدنية ذات اللون الفضي ، ارتدى الطبيب قفازيه و تركي يرقب المنظر من على مقربة ، اقترب الطبيب من إحدى تلك الخزانات و أمسك بمقبضه قبل أن يسحبه بقوة للخلف ، تعلقت عينا تركي بذلك الجسد الذي يعلوه غلاف خاص أبيض لامع ، التفت إليه الطبيب البارد مغممًا : الجثه منفوخه شويه بسبب جلوسها في المويه لفتره .

أومأ تركي برأسه على مضض متمتمًا : اكشف الغطا .

أمسك الطبيب بالغطاء و كشفه ليرتجف قلب تركي بين ضلوعه من هول المنظر ، لم يشعر بتراجعه خطوة إلى الخلف .. و ذلك الوجه الفاتن الساحر الذي لا زال يذكره .. مائل إلى الزرقة .. منتفخ قليلاً ، و ثقب لم يفقد لونه القاني يستقر بين حاجبيها...... و هاجت كل مشاعره في آن معًا ..


■ ■ ■ ■


1413 هـ



ضحكت بسعادة و هي تعقد يديها أمام صدرها و تهتف : تستاهل اللي يجيك .. عشان لا تفكر تعاندني فـ شي .

دفن وجهه بين رجليه اللتين ضمهما إلى صدره و هو يدافع دموعه الغزيرة التي تغرق وجهه و شهقات التي تخنق أنفاسه .

وصلت إليه أصوات ضحكاتها الشامتة : يلا .. عقبال ما تنطرد من القصر كله و يفضالي الجو .. يا غبييي ياللي أمك ميته .

رفع بصره بحقد شديد و هي تدور على عقبيها و تتهادى في مشيتها بغنج : 12 سنه و يحط عقله بعقلي .. عما فـ عينك .


■ ■ ■ ■


شعر بالغثيان يشتعل في معدته فأشاح بوجهه و هو يشير للطبيب أن يكفي ، أعاد الطبيب الجثة إلى مكانها ، و خرج هو من المكان و عقله يستعيد رسالة أحمد .. برفض جوري لرؤية الجثمان ، زفر متمتمًا : ربي رحمك يا أختي .


@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@


الرياض


الشقة


00 : 5 عصرًا



: فـــــــــــــــــااااارس .. افـــــــــــــــــتح الباب يا فـــــــــــــــااااارس .. افـــــــــتح .

هب من مكانه و فتح الباب بعنف صائحًا : و اشفيه ؟؟!!!.

لهث رامي و الذعر بادٍ على محياه : مالك تركنا و طلع .. كتبلي رساله تقول إنه مو مستعد ينحبس معنا هنا .

صرخ فارس في عصبية : الغـــــــــــــــــــــــبــييييي !!! .. الحين ممكن الشرطه تلاقيه بكل سهوله و تجبره يبلغ علينا .

وضع مالك يديه على رأسه و هتف بلوعة : شفت المصيبه ؟؟!!!!.

ركل فارس باب حجرته و هو يزمجر بغضب هادر ، تسارعت أنفاسه و احتقن وجهه و بشكل مخيف برزت له الهالات السوداء تحت عينيه ، رعب كاسر يسكن دواخله و لكنه عاجز عن التصديق حتى اللحظة .. فليس هناك ما يشير إلى انتقال المرض إليه .... و لكنه ليس بدليل على سلامته ..... ربما مدة حضانة المرض لم تنتهي بعد ..... و لكن كيف يتأكد ...... يجب أن يتأكد مهما كلف الثمن ..... لن يعيش ما تبقى في خشية من المجهول .. فذاك بذاته هو الموت البطيء.

رفع بصره إلى رامي الذي أخذ يدور في المكان ذهابًا و إيابًا ، هتف بعصبية لم يستطع أن يخفيها : راميوووووه علّك بالبلى .. صديقك ذاك الممرض .. واش اسمه ؟؟!!.

التفت إليه رامي بحاجبيه المرفوعين : عطا ؟؟!!! .. و اشبه ؟؟!!

وضع فارس يده على بطنه و غمم باقتضاب : حاس بشوية تعب و أبيه يجي و

قاطعه رامي بفضول : تعب .. تعب ايش ؟؟!.

صرخ عليه فارس بعصبية شديدة : شي ما يـــخصك .

ثم رفع إصبعه و أشار إلى الهاتف القديم : انقلع الحين و دق عليه و خله يجي و يجيب معه كل أغراضه .. و لا تنسى تقله لا يفتح فمه أو يعلم أحد إنه جاي .

تراجع إلى داخل حجرته و أغلق الباب خلفه بعنف ، قبض رامي على وجنتيه بقهر و صاح: أنا الغـــــــــــبي اللي أطلقت .. أنا الأهبل المتخلـففففففففففففف .. لو إني تركته يموت تحت يدينه لكان أحسن بمليووون مره ... حتى كلمة شكرًا ما قالها لي .

و توجه إلى سماعة الهاتف ، أمسك بها ... ثم ابتسم بمرارة : ياالله .. أهم شي انه خايف من أبوه و بينحبس معي فـ نفس المكان .



@@@@@@@@@@@@@@@@@





المملكة المتحدة


لندن


شقة أحمد


في نفس اللحظات


في حجرة الجلوس الانجليزية الأنيقة ، ابتسم و هو يأخذ كوب العصير من أحمد : اشبك .. وجهك تعبان .

ابتسم أحمد بإعياء مجيبًا : أبدًا يا أبو عبد الرحمن .. الأهل تعبانين شويه .

أومأ عبد الله برأسه في تفهم : أجر و عافيه إن شاء الله .

ثم سأله بابتسامة هادئة : كم مدة دورتك فـ المستشفى ؟؟.

جلس أحمد بجوار البراء مجيبًا : ثلاثة شهور و إن شاء الله أخلص .

وضع عبد الله الكوب على الطاولة قائلاً : الله ييسر لك أمرك .

ثم ابتسم للبراء المنشغل بالألعاب : برّو .

رفع البراء رأسه لمصدر الصوت في فضول ، نهض عبد الله من مكانه و جلس أمامه هاتفًا بمرح : كيف حالك اليووم ؟؟!!.

تطلّع إليه البراء بجمود تام ، فاتسعت ابتسامة عبد الله و هو يمد يده و يدغدغه : اضحك يا أخويا شويه .

ضحك البراء في مرح و هو يحاول أن يدفع يدي الرجل بعيدًا ، توقف عبد الله و تراجع إلى الخلف و البراء ينظر إليه بترقب ضاحك كأنه ينتظر لعبةً أخرى منه ، لاعبه عبد الله قليلاً حتى اطمأنت نفس الطفل إليه .. ثم

وضع يده على رأسه و بدأ يقرأ و يقرأ و البراء ينظر إليه بفضول حقيقي , بينما كان أحمد ينظر إليهما بقلق فالنتيجة تهمه , و تهم تركي كذلك .

مرت فترة و إذ بالانزعاج يبدو على ملامح الصغير الذي ترك ألعابه متوجها نحو أحمد ومبتعدا عن صاحب ذلك الصوت المدوي الذي لا ينقطع , جلس بين أحضانه وهو يهز رأسه بضيق واضح , احتضنه أحمد ناظرا إلى الشيخ بخوف وترقب ولكن الشيخ لم يعره بالا وهو يكرر بعض الآيات المحددة بذات النبرات الهادئة الواضحة , حركات يدي البراء المتتابعة التي تشبه من يحاول إيقاف الصوت بدأت تتراخى وظهر الإرهاق واضحا عليه و الشيخ يواصل قراءته ، سرعان ما أخذ البراء يفرك عينيه قبل أن تنطبقا ، ليسقط


في نـــــــــــوم عــــــــمــيـق ترك أحمد في ذهول والشيخ مستمر في القراءة حتى فترة وجيزة ... ثم صمت .

رفع أحمد بصره إليه و سأله بترقب : عين .. صح ؟؟ .

التفت عبد الله إلى أحمد و سأله باهتمام قبل الإجابة: كان دوبه صاحي لما بديت أقرا عليه ؟؟.

أومأ أحمد برأسه مجيبًا: ايوه مصحصح .. و ما يرجع ينام إلا بعد 8 أو 9 ساعات .

نهض الشيخ من مكانه ومسح على رأس البراء مؤكدا : النوم وقت القراءة إحدى دلائل العين .

سأله أحمد في فضول : و الآن ؟؟ .

ابتسم الشيخ بوقار مطمئنا : الأمل في الله عزوجل كبير .. انتا قلتلي إنه تقدم المرض بطيء .. و هذا من فضل الله عزوجل .

ثم توجه إلى حقيبته السوداء و أحمد يسأله مجددًا : راح تستمر بالقرايه عليه ؟؟ .

أومأ الشيخ برأسه و هو يخرج عدة أغراض من حقيبته : بإذن الله .. و كمان .. راح أعطيك قارورة موية زمزم مقري عليها اخلطها في جالون زمزم كبير ويشرب منها يوميًا .. بالإضافه لزيت .. تدهنون فيه جسمه كل يوم قبل النوم .. و إن شاء الله الفرج قريب .

و مد بالأغراض لأحمد الذي أمسك بها ، ربت عبد الله على كتفه : أُناس كثير أعرفهم و لله الحمد شافاهم الله و عافاهم .. لا تشيل هم .. و خلي أملكم في الله كبير .

ابتسم أحمد بامتنان : ما قصرت و الله يا أبو عبد الرحمن .. و جزاك الله خير .

.


و بعد أن غادر الشيخ ، حمل البراء بين ذراعيه و توجه به إلى حجرته الطفولية .. و ضعه على سريره برفق و غطاه باللحاف ثم خرج ، سار إلى حجرة نومه و فتح الباب بهدوء ، وقعت عيناه عليها و هي نائمة على السرير بعد إبرة مهدئة خفيفة المفعول ، زفر و أغلق الباب خلفه .. ثم اقترب منها و جلس على ركبتيه أمامها ، مسح على شعرها برفق و الحمرة بادية على وجهها البريء ، و هو يتذكر كيف نطقت بصعوبة بكلمة لا .. رفضًا لرؤية الجثمان .. الخبر عذبها .. فكيف برؤية الواقع المرير ؟؟!! طبع قبلة دافئة على جبينها حملت كل خوفه و حبه لها ثم همس : أنا معاكِ يا قلبي .


@@@@@@@@@@@@@@@



الرياض


فيلا أبو نواف


30 : 11 مساءًا


رفعت حاجبيها و هتفت بدهشة : يعني للحين ما زرتها ؟؟؟!!.. حتى ما رفعت عليها سماعه أو كلمتها ؟؟!!.

ألقى بقلمه جانبًا و وجه ظهر الكرسي إليها مغممًا : ربى .. كثر الله خيري إني جاوبت على سؤالك .. الحين يا كبر البيت حاشره نفسك و ناطه عندي ليه ؟؟!!.

ضربت حائط الباب بحنق و هتفت : لأنك غـــــبي و ضروري تدخل مدرسه تعلمك كيف تتعامل مع خطيبتك .

و أردفت و هي تعقد يديها أما صدرها و تتقدم للداخل : يا خي لو ما فـ راسك رومانسيه و حركات .. اعتبره واجب إنك تدق وتتطمن عليها .. تسألها عن أخبارها .. تبي شي .. ناقصها شي تـ

قاطعها و هو ينهض من كرسيه : أقول اذلفي يالمسلونه .. ما بقى إلا انتي تعلميني .

و جرّها مع ذراعها هاتفًا : يلا برا .

صاحت و هي تحاول دفعه : عزااااامووووه فك يدك .. بدل ما تقول شكرًا يا أختي يا حبيبتي على تعليمي بعض المبادئ تبي تقطني برااا.

دفعها برفق إلى خارج الجناح و هتف : ترى يمدحون السكوت هالأيام .

و أغلق الباب في وجهها ، صرخت بقهر : آآآآآآآآآه منك يالــــــــــــــــــــوح .

و عادت إلى جناحها و هي ترفع يديها هاتفة : يااااااااااااااااااارب لا ترزقني بهالأشكال .


.


.


.



عاد إلى مقعده و أشعل الشاشة التي أطفأها ، تراجع في مقعده و أمسك بالفأرة هامسًا : خبله .. يعني بالله واش اللي مسهرني لهالوقت ؟؟؟ .

و انتقلت عيناه بين تلك الأسطر تحت عنوان ( كيف تختار هدية لخطيبتك ؟ ) ... زفر بإرهاق و في داخله يتساءل إن كان سيواجه تلك الصعوبة لو ارتبطت بفتاة غيرها لم تتعرض لتلك الحادثة المرة ... فتاة ليس مجبرًا على التعامل معها بحذر حتى يعرف ما تخفيه في نفسها .... ذلك الأمر الذي أخفته عن شقيقها أيضًا !!!.... رفع بصره إلى ساعة الحائط .... تنهد بإرهاق و هو ينهض واقفًا : طريقنا طويل يا عروب .


@@@@@@@@@@@@@@@



** الأربـــــــــــــــــــــــــعاء **


جده


أمام القصر


00 :2 صباحًا


من خلف الأشجار الكثيفة ، أحكم ربط – غترته - على أنفه و شفتيه و هو يحدّق في القصر بتركيز شديد ، همس رفيقه الملثم : حسن .. الظاهر ما في أحد .. الدنيا هاديه .

زمجر حسن بحنق و هو يهمس : أدري يا مراد .. شايف بنفسي .

تلّفت مراد حوله بقلق شديد و همس : يمكنّهم نايمين .. لا تنسى إن الوقت متأخر .. اش رايك نجي بكرا الصباح ؟؟.

تفجر بركان من الغضب في صدر حسن لكن كتمه قدر المستطاع و هو يهمس بحنق : أنا الأهبل اللي جبتك معايا يالخواف ، لو كنت لحالي كان أصرف .

همس مراد بتوتر : ما راح نستفيد شي من جلستنا كذا .. باين إن القصر فـ

بترت عبارته يد حسن : اششششششش .

كتم مراد أنفاسه و هو يحدق في الرجلين الذين يسيران إلى جوار بعضهما ، ثيابهما تدل على أنهما من الحرس أو .. أحد العاملين في القصر .

قال أحدهما لصاحبه : يعني خلاص قريب و ننفك من هذي الشغله .

رد عليه الآخر : ايوه .. كم يوم و ينتهي ترميم القصر و يرجعون أهله .

رفع الأول حاجبيه في دهشة : ما أدري كيف قدروا يخلصونه بهذي السرعه و أول قالوا يبغاله قريب الشهرين ؟؟ .

ضحك رفيقه و هو يهتف بحسرة : حبيبي .. هذا تركي بن الوليد .. بطراااااااااااااااااااااااان و الفلوس تسوي العجاااايب .

زفر الآخر بأسى : ايييييه .. الله يوعدنا .

تبادل مراد و حسن نظرةً ذات معنى قبل أن يتسللا بخفة .. عائدين إلى سيارتهما القريبة ، و لم يكد حسن يمسك بعجلة القيادة حتى نزع مراد لثامه و هتف: ارتحت يا أخويه .. هه .. طلع كلامي صح .. ما في أحد هناك.

حرك حسن السياره بحذر شديد و همس بعصبية : يالـ###### .. غطي وجهك .. كأن الشرطه ما تدور عليك زيي .

شحب وجه مراد و أسرع يضع اللثام على وجهه مجددًا و هو يستمع إلى حسن الذي يقول : ما قلتلي .. كيف رضي حسام يعطيك السياره ؟؟؟.

رد عليه ببساطة : لسا يا حبيبي .. باقي فـ جيبي كم مليم .

لم يبدو على حسن أنه استمع إلى إجابته فقد كان يتمتم بخفوت : لازم أدور عليه و أشوفه و ين حاطها .

هتف مراد بضيق : و ليش نضيع وقتنا و نخلي للشرطه فرصه سهله إنها تقبض علينا .. خلاص .. نستناه إلين يرجع و إلى ذاك الوقت نخطط اش راح نسوي .

رمقه حسن بنظرة جانبيه مخيفة انتفض لها الآخر ، ثم تمتم : و طلع منك يالجبان كلام مفيد .

و عاد ببصره إلى الطريق و نشوة قديمة تشتعل في صدره من جديد .


@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@


__________________________________________________ ____

*الشاعر الفلسطيني أبو صهيب .

** لا تكون الدارة الكهربائية محمية، لوجود خطأ في العزل، خطأ في عزل النواقل يمكن أن يصدر من أسلاك متلفة وقت تركيب الخطوط ، الأسلاك المعزولة التي خربت من طرف القوارض أو الرطوبة...إلخ. في كل هذه الحالات هناك ضياع لبعض التيار ( 0.3 امبير أو بعض امبيرات )وهو لا يكفي لضياع المنصهر ولكن يكفي لنشوب حريق ( ويكيبديا).

***المصدر (أطباء شبكة اللجان الطبية أحدى شبكات المركز التخصصي للاستشارات الطبية )



الفصل الــــــــــــثــــــــــــــــــانــــي عــــــــــــشـــر


~~~~~~~~~


~ صَـــــــــواعــــــــــــــُق الأنــــــــــــــيـــن !! ~



******************

إذَا مَا ألمَّتْ شِدَةٌ فَاصْطَبِر لهَـــا .. فخَيرُ سِلاح المرء في الشْدةِ الصَبرُ

وإنَّي لأسْتَحــيي مِن اللهِ أنْ أرى .. إلى غَيْرِه أشْكُو إذَا مَسْني الضُرُ



*************************


الرياض


الشقة


00 : 9 صباحًا


في الحجرة المشئومة الخالية من الأثاث سوى فراش صغير للنوم ، نظر الشاب ببرود إلى الأوراق النقدية التي يقدمها له فارس ثم رفع كفه مغممًا : رجع فلوسك لجيبك.

قطب فارس حاجبيه بضيق و هو يهتف : واش قصدك ؟؟!!.

أغلق الشاب حقيبته الطبية قائلاً بهدوء : لو أخذت منك عينة دم الآن الفحص المخبري بيكون سلبي و ما بيتحول لإيجابي إلا بعد 6 لـ 12 أسبوع من الإصابة .

ثم أردف و هو يتطلّع إليه : هذا .. لو انتقلك المرض لا قدر الله .

قبض فارس على كفه بحنق و هتف بعصبية : يعني بيقتلني التفكير طول هذي المده ؟؟!!!!!!! مو معقول ما يكون فيه أي دليل على إن المرض انتقل !! .

نظر الشاب إلى ساعته و قال : لا فيه ... بعد أسبوعين من الإصابة تظهر أعراض عامة .

تفجر القلق في قلب فارس الذي هتف و نبضات قلبه تتسارع : مثل ايش ؟؟ .

عاد الشاب الهادئ ينظر إليه شارحًا : توعّك .. سخونه .. صداع .. خمول .. آلام عضليه و ممكن يظهر طفح جلدي موزع على الجذع مع ألم في الحلق و سعال *.

اشتدت أعصاب فارس و ارتجف قلبه و هو يغمم بصوت متحشرج : و لو صار اللي تقول .. يعني ان المرض انتقلي ؟؟!!.

هز الشاب كتفيه و هو ينهض من مكانه : غالبًا .. ايه .

أطرق فارس برأسه و الدماء تشتعل في عروقه ...... الغبي!! ..... هو من أودى بنفسه إلى هذه المصيبة ..... خدعة خبيثة من تلك المنحطة ......

ماذا يفعل الآن ؟؟!!.... كيف سيعيش طوال هذين الأسبوعين ؟؟!!! قد يقتله التفكير و الخوف قبل أن يبلغهما ، رفع رأسه بعينيه المهمومتين و سأل الممرض مجددًا : و قد ايش بتستمر هالأعراض ؟؟.

أجابه على الفور : من أسبوع لأسبوعين بعدين تختفي .

مط فارس شفتيه بضيق شديد و هو يشيح بوجهه فأردف الممرض : أخ فــــــارس .

التفتت إليه أخرى في تساؤل ، زفر الشاب و هو يقول بجدية : بستر عليك و ما بعلم أحد ... لكن .. هذا تحذير لك من الله .. رحمك و ما أخذ روحك و انت في الحرام .. عطاك فرصه عشان تتوب بغض النظر لو طلعت مصاب أو لا .... يا ليت ترجع لربك و تشكره على هذي الفرصه اللي منحك إياها .

و فتح الباب و هو يقول : مع السلامه .

ثم أغلقه خلفه ، زمجر فارس بحنق و ضرب الأرض بقبضته صائحًا : و هو أنا استانست بحياتي مثل الناس ؟؟؟؟... العمر توه قدامي .

وضع وجهه بين كفيه و أنفاسه الحارة تتلاحق ، أغمض عينيه بشدة و همس بحنق : كله من تحت راسك يا رامي .. كله من تحت راسك .. والله ليكون مصيري و مصيرك واحد .. و تشوف .

ثم رفع رأسه إلى الباب و نهض من مكانه و العرق يتصبب على جبينه و ظهره .. فتح الباب وصاح بعصبية : يا ######### .

رفع رامي الجالس في الصالة الضيقة بصره بهلع : نعم ؟!!!!!!!!!!.

لوح فارس بيده و صاح بحنق : خلنا نقوم ندور على مكان ثاني .. ممكن مالك يعلم الشرطه على هالمكان .. و بالمره ندق على الـحيوا* حاتم عشان يجيبلنا بضاعه .

تفاجئ رامي من هذا الطلب و رفع حاجبيه بدهشة ؟!!! .. لماذا يربطه برفقته حتى الآن رغم أنه يحمّله كل المسؤولية و يحقد عليه ؟؟؟!!! .. ثم لماذا لم يطلب دواءً و طلب خمرًا ؟؟!!! ... لماذا خرج الممرض و لم ينبس ببنت شفه ..... لا يدري ... و لكن الأمر يثير قلقه .

نهض من مكانه و نفض بنطاله و هو يغمم : زين زين .


@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@


القريات


بيت من الطين


00 : 8 صباحًا


صرخ في عصبية شديدة على الرجل الواقف أمامه : كيف يعــــــــــــــني مو جـــــــــاي ؟؟؟؟!!!!!!!!!! ليّا قرابة الثلاثة شهور و أنا أستناه عشان يطلعني للأردن و كل يوم تقولولي الأسبوع الجاي و إلين دحين ما وصل ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟!!! .. و كمان تقلي تعبان و ما تدرون متى يرجع ؟؟؟؟!!!!!!!!!.

نفث الرجل الأسمر دخان سيجارته و قال بلا مبالاة : اش أسويلك يعني ؟؟!!! هوا الوحيد اللي يقدر يزورلك الجواز و يلعب فـ شكلك حبتين بحرفنه.

احتقن وجه مسعود و هو يتلفت بعصبية حوله : و أنا ما أقدر أتحمل أجلس هنا أكثر من كذا ...... راح أتجنن .

ابتسم الرجل بسخرية والتفت إليه قائلاً : دحين كم لك هارب من عندهم ؟؟.. قريب الثلاثه شهور و ما أحد قدر يوصلك ... اش فيها لو رحت تنعّمت فـ جده و تخبيت زي دحين ؟؟؟؟ و لا تخاف .. لما يرجع أمان أدق عليك على طول و كله بحسابه .

رمقه مسعود بنظرة شذرة : تعرف تقفل فــــمك .

ضحك الأسمر و هو ينهض من مكانه قائلاً : براحتك .. أجل استحمل القرف اللي انتا عايش فيه إلى أجل غير مسمى .

و استمر في ضحكه و هو يخرج من البيت المتهالك ، ضرب مسعود الأرض بقبضته في حنق و دماءه تشتعل في عروقه : الله يآخذك يا ولد الـ###### يا أمان .

وضع يديه على جانبي رأسه و جال بعينيه في أنحاء المكان مجددًا و هو يهتف : ما أقدر أجلس فـ هذا القرف أكثر ما أقدر .. طول عمري متنعم في أحسن البيوت .. أجي دحين و أعيش فـ هذي المقبره .

اقشعر جسده و كلمات الأسمر تتردد في عقله ، همس بعد برهة : و ليش ما أرجع عند جلال إلين يشرف المتخلففففففففف أمان ؟؟؟؟؟ اشفيها ؟؟!!.

أسند ظهره للجدار الطيني و همس بتقزز و هو يتطلع للسقف المتهرئ : الظاهر ما في إلا هذا الحل .


@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@


الرياض


الشركة


مكتب أبو ياسر


00 : 10 صباحًا


زفر أبو فيصل بحرارة و هو يردف : وللحين ما في أي خبر عنهم ..... و يوم أهلهم قدموا بلاغ على اختفائهم عرفوا إنهم مطلوبين للتحقيق .

لم يعلق أبو ياسر على كلام شقيقه ..... كان يدرك يقينًا بأن حزن أبو فيصل و ألمه يوازي حزنه على ما أصاب ياسر .... و يدرك كذلك أنه لن يسامح فارس على ما فعل .. بل يدرك صعوبة الأمر في أن يغدر ابنه به بهذه الصورة الشنيعة ، غمم بعد برهة : أبو فيصل .. أنا ما أحملك الخطأ أبدًا و اللي صار ما كان بسببك .

هتف أبو فيصل باندفاع و آلام تمزق نياط قلبه : إمبلى .. أنا اللي ما عرفت أربيه .. أنا اللي دللته و صرفت عليه و ما رديتله فـ حياتي طلب .

و شحب وجهه و هو يشيح به : لكن واش يفيد الندم بعد ما طاحت الفاس فـ الراس ؟؟ .

نهض أبو ياسر من مقعده و دار حول المكتب ، ربت على كتف شقيقه الأكبر قائلاً : لا تآخذ فـ خاطرك يا خوي .. و لا تشيل هم ... ياسر ولدك مثل ما هو ولدي و همي و همك واحد .

حاول أبو فيصل أن يرسم على شفتيه ابتسامة امتنان و لكنه لم يقدر ، تعالت طرقات متتالية على الباب فرفع أبو ياسر صوته و هو يعود لمقعده : تفضل يا نـــــــــــــــــواف .

دلف نواف إلى الحجرة و هو يلهث و الابتسامة مرتسمة على وجهه ، صاح بسعادة : عـــــــمــــــــــي واحــــــــــد ... عـــــــــــــــمـــــي اثـــــــــــــنـــيـن .. عــــــــبير حــــــــــــامــل !!! .

هتف كلاهما في وقت واحد و بابتسامة عريضة : ما شاء الله تبارك الله .

خفق قلب أبو ياسر بسعادة كبيرة .. فالقادم هو أول حفيد له : و وينها عبير الحين ؟؟.

انفجر نواف يضحك بسعادة و هو يهتف : عند عمتي ما رضت تخليها تطلع معي .. تقول لازم ترتاح.

ابتسم أبو فيصل بهدوء : على البركه .... على البركه يا أبو سطام .

قهقه نواف و هو يهتف : يا زينها أبو سطام .

و أغلق الباب خلفه بعد أن ألقى بلمسات من السعادة على تلك الحجرة الكئيبة .


@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@


.


.



// بعـــــــــــــــــــــــــــــــــد أســـــــــــــــــــــــبوعــــين //



.



.


** الثــــــــــــــلاثــــــــــــــــاء **


.



جده


الشركة


مواقف السيارات


00 : 9 صباحًا


أوقف سيارته في المكان المخصص و هو يقول للمتصل : خلاص .. بلغهم إن الحراسه المشدده تبدأ من اليوم .. في أمان الله .

أنهى المكالمة و فتح الباب و هو يضع هاتفه في جيبه ، أوصد الأبواب ثم تحرك باتجاه الساحة العريضة في المنتصف .... شعر بأحدهم خلفه التفتت بحدة و : آآآآآآآآآه.

تردد صدى الصيحة المتألمة في المكان ، زوى ما بين حاجبيه و هو يقبض بأصابع من حديد على تلك اليد التي همّت بضربه .. يد الشاب ذا الـ 22 عامًا : مازن ؟؟!!.

صاح مازن بحنق و همّ بلكمه بيده الأخرى : يا حـــــــــــــــــــقــييييييييييييييييييير .

قبض تركي عليها بقوة و هو يتراجع للخلف خطوة ، احتقن وجه مازن لتلك القوة ، و ذلك الطول الذي يفوقه فصاح بغضب : كويس مني إني ما أطلقت عليك و لا ضربتك بساطور .

لم يتمكن من رؤية ما تخفيه عيناه تحت تلك العدستين السوداوين .. احتقن وجهه أكثر و انتفض جسده بحنق و هو يستمع إلى نبراته الباردة : اهدى و خلينا نتفاهم .

نفض مازن يده بعنف و هو يصيح : مــــــــــــا فــــــــــــــي شـــــــــــــي اســــــمــــه تــــــــــفــــاهــــــــــم


و مـــــــــــــعــــاك انـــــــــــــــتــــــــا بــــــــــالـــــــذات .. دحــــــــــــيــن تــــعــلــمـنـي أخـــتــي ويـــنـــهـا .

التفت تركي إلى رجلي الأمن اللذين اندفعا إلى المكان و الاستنكار بادٍ على وجهيهما : أستاذ تركي ؟؟!!!!!!!!!.

أشار إليهما تركي بيده : لا تخافون ... هذا صديقي الأستاذ مازن .

نقل مازن بصره من عليهما إلى تركي الذي ربت على كتفه قائلاً بهدوء : اش رايك فـ كوب قهوه في مكتبي يا أبو الشباب ؟؟!.

رفع مازن أحد حاجبيه و تركي يمسكه مع ذراعه و يجبره على السير برفقته إلى حيث المصعد فيما تبادل رجلا الأمن نظرات متسائلة ثم عادا إلى موقعهما ، تفض مازن يده بعنف هامسًا بحنق : إيوه .. أكيد خايف من الفضايح يا رجل الأعمال المشهور .

لم يعلق تركي على عبارته و هو يضغط على مفتاح المصعد ، هتف مازن بعصبية لم يستطع كبحها : ماني مجنون أطلع معاك للمكتب .... مو صعب عليك تخفيني ورا الشمس زي ما سويت فـ هذيك المسكينه ... إذا تبغانا نتفاهم اختار مكان ثاني .

لاح على شفتي تركي شبح ابتسامة و هو يخلع نظارته و ينظر إلى الباب الذي فُتح على مصراعيه : حلو اندفاع الشباب هذا .. من زمان عنه .

ثم التفت إليه مردفًا بجدية : أعطيتك كلمة رجال .. خلينا نطلع ونتكلم فوق .

قبض مازن على أصابعه بحنق و هو ينظر إلى تلك العينين الساحرتين و تلك القوة التي تلمع فيهما ، دلف تركي إلى المصعد و أشاح مازن بوجهه و هو يدلف خلفه قبل أن يغلق الباب عليهما .

.



.



.



فـــــــــــــي الــــــــــــــــمـــكــتــب


لم يكد يجلس على مقعده حتى ألقى مازن الجالس أمام المكتب سؤاله بحنق : أختي وين ؟؟!!.

تطلّع إليه تركي و أجابه باختصار : بخير .

ضرب مازن سطح المكتب بعصبية صائحًا : كـــــــــــــلامــــــــــــــك هـــــــــذا مـــــــــــعـــاد يــــــــمـشــي عـــــــلــيا .. دحــــــــــــــيــن أبــــغـــى أشـــــــــــوفــــــــهــا و أتــــــــــأكـــــــد بــــــــنـــفــسـي .

نظر تركي إلى التقويم الالكتروني في الجهة اليمنى و قال متجاهلاً تلك العصبية : دريت إنه حسن ناصر شرد من السجن ؟؟!.

جحظت عينا مازن في صدمة و هتف : كـــــــــــــــــيـــــــــــف ؟؟!!!!!!!!!.

التفت إليه تركي مردفًا : قبل فتره وصلني الخبر و الظاهر لسا ما انتشر .

تجاوز مازن صدمته و هو يهتف : و هذا ما يهمني ... يهمني أختي وينها .

شبك تركي أصابعه و استند بمرفقيه على المكتب قائلاً : غريبه ما يهمك و انتا عارف كيف كان معذبها .

رفع مازن حاجبيه بدهشة لم يستطع كبتها ؟؟!!!! .... و ارتسمت ابتسامة راحة كبيرة في داخل تركي الذي ألقى بتلك العبارة مجازًا و لكن يبدو أنها أصابت كبد الحقيقة .. و كيف لا و كل كلمة ارتبطت بها تحتل مساحات شاسعة من عقله ، استطرد بنبرات الواثق لينهي ما بدأ : أستاذ مازن .. دار حوار بيني و بين حسن ناصر و هوا في الحبس .... و صدقني متوعد رهف بالمر لو قدر يوصلها لأن جدها ناصر عيد كتب عدد من أراضيه باسمها و صفّه على جنب .. و بكذا لازم تجلس عندي و تحت حمايتي إلين ينتهي موضوع حسن و شركائه الثنين عشان نضمن سلامتها و بعدها بترجعلكم و هذا وعد مني شخصيًا يا أستاذ مازن .

نبضت عروق مازن من شدة المفاجأة ... كيف استطاع أن يمتلك كل تلك المعلومات ؟؟!!!... بل كيف علم بأن رهف كانت تعاني مع والدها .... لا يمكن إلا إن كانت رهف صارحته بذلك ... هذا يعني أنها استطاعت أن تتحدث إليه .... و أنه استمع إليها كذلك .....

تراجع في مقعده و الأفكار تلعب برأسه ...... لا يثق به .. ربما لأنه يكرهه .... فرق شاسع بين الغرور و الكبر الذي قابله به في المرة الأولى و بين هذه الثقة المريحة التي يتحدث بها الآن .... ، رفع رأسه و قال بخبث : ما أعتقد إن الحرس اللي عندك عجزانين يوصلونها إلين بيت أختها و يرجعونها بعد ما تشوفها .

ابتسم تركي بخفة و هو يتراجع في مقعده : و أنا ما أضمن واحد محكوم عليه 20 سنه بالسجن .. و معاه اثنين قتله ما انقبض عليهم إلين دحين .

زوى مازن ما بين حاجبيه و قلق ينبض في قلبه ، هتف بلا تفكير : قتله ؟؟!!!.

طُرق الباب في هذه اللحظة و هتف تركي بصوت مرتفع : تفــــــــــضل .

دلف إلى الدخل أحد العاملين في مطعم الشركة بزيه المميز و في يده صينية صغيرة عليها كوبان من القهوة ، قدم الكوبين باحترام شديد و تركي يقول : جزاك الله خير .

حياه الرجل برأسه ثم توجه للباب الخارجي و تركي يغمم و هو يضع السكر في الكوب : انتا رجال يا مازن .. لكن الدنيا رحمتك و ما ورتك كل بلاويها .

استكان مازن في مقعده و أخذ يحدق في تركي و هو يبحث عن كلمات أخرى بعد أن انهار غضبه أمام ذلك الغموض و تلك الحقائق ، ارتشف تركي من كوبه ثم قال : الله شاهد على الوعد اللي قطعته لك .. و صدقني أختك بخير و في الحفظ و الصون .

توهج تساؤل آخر في عيني مازن و هو يهتف باندفاع : طيب أبغى أسمع صوتها .... أبغى أكلمها و أتأكد بنفسي .

رفع تركي بصره إليه و قال : تسمع صوتها إيوه .. لكن تكلمها لا .. لأني ما أبغاها تحن لكم أكثر و تتعب نفسيتها و تصر على إني أوديها لكم .

رفع مازن أحد حاجبيه فلم يرق له التبرير : ما عجبني اللي قلته .

هز تركي كتفيه مجيبًا : و هذا اللي عندي .

كتم مازن غيظه في داخله و هو يقبض على أصابعه : طيب .... خليني أسمعها .

أومأ تركي برأسه و أخرج هاتفه المحمول من جيبه ، بحث عن اسم الدكتورة فدوى و ضغط على زر الاتصال و هو يرفع بصره إلى مازن مجددًا : رجاءً و لا كلمه أو بقفل السماعه قبل ما تتأكد من اللي تبغاه .

صك مازن على أسنانه بقهر و هو يسمعه يقول: ألو .. السلام عليكم .. أعطيني المدام .

أرهف مازن سمعه جيدًا و تركي يضغط على مفتاح السماعة الخارجية .. و لم تمض ثانية إلا و تناهى ذلك الصوت الأنثوي المتلهف : ألو .

خفق قلب مازن و هم بفتح فمه لولا أن رفع تركي يده و رمقه بنظرة محذرة احتقن لها وجه الأول ، تحدث تركي قائلاً بهدوء و قلبه يٌعتصر ألمًا على استغلالها بهذه الطريقة : وصلوا الخدامات اللي أرسلتهم ؟؟؟.

أجابته بصوت خجول : إيوه و شالوا الشنط خلاص .

قبض تركي على القلم في يده لتلك النبرة الرقيقة و غمم : أوكي .. الظهر إن شاء الله جاي .

هتفت بصوتها العذب : توصل بالسلامه إن شاء الله .

انقبض قلبه و هو ينهي المكالمة : في أمان الله .

رفع بصره إلى مازن بنظرة مفادها ..... رأيت الآن !!..

أشاح مازن بوجهه و نفسه تحمّلها المسؤولية .. إذًا علاقتهما طيبة ... و كل ما كان يرهقه من الوساوس سراب ..... حقًا إنه مغتاظ من تصرفها .. تحدثهم على الأقل و هم الذين يحملون همها ليل مساء .....

كان تركي يدرك جيدًا تلك الأفكار التي تدور في رأسه ، لذلك قال : أنا اللي مانعها من إنها تكلمكم أو تزوركم و هيا مالها ذنب .. بالعكس .. طلبت مني أرجعها بيتها و أنا رفضت ... صدقني مفتقدتكم كثير ... بس إن شاء الله تزوركم قريب .

نهض مازن من مكانه فالأمر انتهى عند هذا الحد ... المهم أنها بخير .... ، أشار إليه تركي : قهوتك .

هز رأسه نفيًا وهو يغمم باقتضاب : كثر الله خيركم .

و سار نحو الباب في صمت تنفس له تركي الصعداء ، و لم يكد يُغلق الباب بعد خروجه حتى همس بخفوت : اليوم راح يبدأ أصعب جزء يا رهف .... و أنا و انتي تحت سقف واحد .


@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@


الرياض


المستشفى


40 : 9 صباحًا


رغم أنها ليست المرة الأولى .. لكنه أغمض عينيه بألم شديد و الأخصائي يقول بتعاطف : الصبر يا ياسر .. لازم الألم .. بس إن شاء الله النتايج تكون طيبه .

لهث بتوجع و هو يجلس على الكرسي الطبي العريض و الأخصائي يحرك له قدمه اليمنى بحركات معينة لمفصل الحوض و الركبة و الكاحل في جميع الاتجاهات المسموحة للمدى الحركي ، تأوه بألم مجددًا و الدهشة التي لم تفارقه منذ المرة الأولى تزداد الآن بسبب شعوره بهذا الألم الشديد من منطقة الإصابة نزولاً إلى أطرافه السفلية ، نقل بصره إلى قدميه و هو يعض على شفتيه و .. رفع حاجبيه بـــــصدمة عندما تحرك إصبع قدمه الأكبر في رجله اليمنى ، تنهد الطبيب براحة و ابتسم و هو يرفع بصره لياسر الذي ألجمته الصدمة و هو يهمس : والله ما حركتها .

ضحك الطبيب بخفة وأومأ برأسه قائلاً : أعرف .. هذي حركات لا إرادية تظهر مع العلاج الطبيعي .. و تراها بشارة طيبة و الحمد لله .

ثم نقل يديه إلى الرجل اليسرى مردفًا : يلا يا بطل .. لازم تشد حيلك معايا و تصبر .

ابتلع ياسر ريقه و هو يصك على أسنانه و يميل برأسه للخلف من شدة الألم ، أغمض عينيه ......و ومضت صورتها في عمق الظلام!! ..... شعر بدمعة حارة تتجمع في طرف عينه و بخفقات قلبه المكلوم تعلو و تعلو ، قبض بأصابعه على يدي الكرسي ** لا تفكر فيها يا ياسر .. خلاص .. حتى لو تقبلتها مستحيل ترضى تعيش مع إنسان عاجز .. إنساها .. إنساها يا ياسر ** جاهد ليصرف تفكيره عنها و هو يرفع يده و يمسح دمعته بحركة خفية ، غمم بتوجع : تمارين الأطراف العلوية أسهل بكثير من هذي .

هز الطبيب رأسه في تفهم و هو يقول : طبيعي .. لأنها فوق مستوى الإصابة .

ثم نهض و ياسر ينظر إليه ، و قال مبتسمًا : يلا .. آخر تمرين .

مط ياسر شفتيه بضيق و هو يشيح بوجهه فربت الأخصائي على كتفه قائلاً : عارف إنه صعب وتكرهه .. بس له نتائج مفيدة جدًا لحالتك .

زفر بحرارة ثم عاد ينظر إلى قدميه ... احتقن وجهه و هو يضغط بيديه على يدي الكرسي و يرفع جسده بصعوبة للأعلى ، عاد للجلوس أخرى و أنفاسه تتسارع .. رفع جسده أخرى ثم عاد للجلوس ..... أخذ يكرر التمرين المرهق و الأخصائي يتابعه لحظة بلحظة : ممتاز يا ياسر ... ممتاز .

و بعد دقيقة كاملة .. تهالك جسده على الكرسي و هو يلهث و الإعياء محفور على ملامحه ، ربت الأخصائي على كتفه مجددًا : إن شاء الله بهذي الهمة و أفضل بتتحسن حالتك فـ وقت أقصر من المتوقع .

ازدرد لعابه و رفع قارورة الماء من جيب الكرسي الطبي ، انتظر تنفسه ليهدأ ثم فتحها و أروى ظمأه ، نظر الأخصائي إلى ساعته و قال : أستأذنك الآن .

أغلق زجاجة الماء و هو يتمتم : إذنك معك .. جزاك الله خير .. ما قصرت .

ابتسم الأخصائي و هو يغادر المكان : و يجزاك يا أبو مشاري .. في حفظ الله.

و خرج مع الباب .. أعاد ياسر القارورة إلى مكانها و صمت للحظة و بصره الحزين معلق بالفراغ .... حتى هنا لم يرد لأحد أن يرافقه ... رغم إصرار والده الشديد و عزام من قبله على مرافقته لمواعيد العلاج الطبيعي لكنه رفض و بكل شدة ..... يريد أن يبقى هكذا وحيدًا ... يمتص آلامه بمفرده ..... يريحه أن يتجرعها وحده دون رفيق .... يبتلع سمومها دون مواساة .....

رفع بصره إلى السماء و همس بصوت مختلج : يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث .. أصلح لي شأني كله و لا تكلني إلى نفسي طرفة عين .

ضغط على أزرار التحكم في الكرسي فاشتعلت الطاقة فيه و قاده إلى الباب حيث ينتظره السائق .


@@@@@@@@@@@@@@@@@


جده


البيت الأخضر


00 : 1 ظهرًا



تحسست حاجز السرير و عيناها ترسمان حزنًا عميقًا ، وضعت كفها على رقبتها حيث يسكن الألم... يبدو أنها تعاني من التهاب ما ..... ، رفعت رأسها و جالت ببصرها في أنحاء الحجرة الدافئة التي احتوتها أيامًا و ليالي ، احتوت ألمها و حزنها ، دموعها و شهقاتها ، كوابيسها و آلامها.... توقف نظرها عند الباب حيث تقف فدوى ..ابتسمت برقة و تقدمت نحوها مغممة : أودّع الغرفه .

ابتسمت فدوى بدورها و أمسكت بكفها قائلةً : و قوزك وصل .

سارتا إلى الدور الأول و كل واحدة منهما عاجزة عن النطق ، وصلتا إلى الدرجة الأخيرة فتعالى رنين هاتف فدوى .. رنة واحدة ثم ألجمه الصمت ، ضغطت رهف على كف طبيبتها ثم التفتت إليها و الدموع تفر من عينيها و احتضنتها بعمق ، أغلقت فدوى عينيها و هي تربت عليها و دموعها تنساب بكل أريحية على وجنتيها : راح توحشيني أوي يا حببتي .

بكت رهف في حرقة و هي تهتف : سامحيني يا دكتوره فدوى .. سامحيني إذا غلطت عليكِ في يوم .

مسحت فدوى على شعرها بحنان دافق و همست : لا يا رهوفه .. ايه الكلام ده ؟؟.. ربنا العالم إن الفتره اللي أضيتها معاكِ كانت من أقمل الفترات فـ حياتي كلها .

ابتعدت عنها رهف و وجهها المبلل بالدموع يحكي قصة حزنها : الله يخليكِ .. تعالي زوريني دايمًا .. و أنا بطلب من تركي يجيبني عندك .

ربتت فدوى على وجه رهف هامسة : متخفيش .. أكيد حعدي عليك من فتره لفتره عشان نتابع موضوع زاكرتك .

ابتسمت رهف من بين دموعها و رنين الهاتف يتعالى للمرة الثانية ، هتفت فدوى و هي تمسح دموعها : يلا بسرعه .. ممكن يعصب.

ارتدت رهف عباءتها و كامل حجابها سريعًا ثم توجهت نحو الباب و هي تسألها : متى بيجي ولدك ؟؟ .

أجابتها فدوى و هي تسير إلى جوارها : بعد ساعه إن شاء الله .

فتحت رهف الباب و هي تنظر إلى فدوى بألم هامسة : ادعيلي .

طبعت فدوى قبلة على رأس رهف و غممت من أعماق قلبها : ربنا يحميك و يفرق عنك كل هم .. و يسعدك فـ حياتك .. آدر يا كريم .

هتفت رهف بصوت متحشرج : مع السلامه .

و خرجت مع الباب و قلبها يشكو الفراق و وحشة البعد القريب ، تجاوزت حديقة الفيلا و منها إلى الباب الخارجي .. حيث وقف تركي مستندًا على سيارته و نظارته الشمسية على عينيه و يداه معقودتان أمام صدره ، لمحها و اشتعلت سياط الضمير المؤنب.. أشاح بوجهه واستقل السيارة ، دارت حولها بصمت و اتخذت مقعدها إلى جواره هامسة بخجل : السلام عليكم .

أغلقت الباب ، رد عليها السلام بخفوت و هو يحرك السيارة ، ابتلعت ريقها و مضت تتطلّع إلى الطريق أمامها و تسترجع ذكريات الأيام السابقة ، تحرر رجلها من القيد الغليظ ، و الرسالة التي أتت قبل يومين إلى هاتف فدوى لتخبرها بأنه سيأتي لاصطحابها إلى منزلهما.. جمعت كل حاجياتها و أعدت حقائبها ثم أرسل تركي خادمتين ليقوما بحملها و بعدها بيوم كان اللقاء .

شعرت بالاختناق ؛ فهو لم ينبس ببنت شفه ، استرقت النظر إليه من تحت الغطاء .. كان يبدو شديد التركيز و هو يقود السيارة .. خفق قلبها بعنف فأشاحت ببصرها عنه ، أخذت تحرك رجلها بتوتر و هي تتخيل شكل القصر الجديد .. و لكن ليس هذا المهم بل ما يقض مضجعها هو المهم .... حياتها برفقته .. كيف ستكون ؟؟ .

كيف سيتعامل معها ؟؟ و بأي مشاعر سيحتويها ؟؟ .


.


على الجانب الآخر ..

كان اختناقه أشـــــــــــد .. فها هي الآن تجلس إلى جواره و بقربه .... تائهة .. متألمة .. مرهقة .... تتأمل فيه خيرًا .. و تظن أنه زوجها الذي تحب و لم تُدرك ما خفي عنها من العذاب .

انعطف بالسيارة و غضبه على ما فعل يزداد .... و لكن ما أدراه أنها لم تكن تعني شيئًا لذلك المجرم ؟؟!!! .. ما أدراه أنها كانت تعاني منه ؟؟!! .. ما أدراه أنها ضعيفة بلا أم .... كانت تنتظر زفافها من ذلك الجاسم ..... و لكنه انتزعها بقسوة و لم يبالي بقلبها الرقيق .. بل داس عليه عنوة و حطمه بكل بساطة ...... رباه !!! كم كانت تحقد عليه .. تكرهه .. لا شك أنها كانت تود قتله و الشرب من دمه .. و لكن الآن ... قُلبت الأمور رأسًا على عقب .... و هاهي الآن كما يبدو متعلقة به .... هو الغبي الأحمق .. فتلك غلطته ..... كم كان ساذجًا عندما أرسل الصورة و لم يفكر بالعواقب ..... ففي حالتها تلك .. بكل بساطة ستتعلق به و هو الوحيد الذي يرتبط بها .... قرر أنه سيكون متحفظًا معها إن اضطر إلى الحديث معها أو حاولت هي ذلك ... فهذا هو الحل الأفضل .... و ليترك التفكير فيما سيحصل عند طلاقها ..... رغم أنه لا يضمن بقاؤه حيًا إلى ذلك الوقت .... لا يدري لماذا يشعر بأن الموت قاب قوسين أو أدنى منه .... لا يدري لِم .... تنهد في حرارة .

نبض الألم في أطرافها التي اكتنزت كمية كبيرة من الهواء البارد لتحيلها إلى قطع من الجليد ، استرقت النظر إليه أخرى و هي تتساءل عن سبب تلك التنهيدة التي أوجعت قلبها ..... يا إلهي كم تحبه !! .... كم تعشقه و هي التي لم تلقه إلا مرة واحدة .... تعشق ثقته ، رزانته و هدوئه ... رغم أن غموضه يخنقها .. عادت تنظر إلى الطريق و صراع دامِ ذلك الذي يدور في خلدها .. تتحدث إليه ؟؟ أم لا ؟؟ تحطم صرح السكون ؟؟ أم تبقيه على حاله و لا تمسه بأذى ؟؟ .

ظلّت تتساءل و توترها يزداد و الدموع تخنقها أكثر .. و أكثر ، الدنيا تدور من حولها .. الغصة تكاد تفجر رئتيها .. و

: وصلنا .

رفعت بصرها و ندت من شفتيها شهقة خافتة ؛ فأمامها .. كان هناك قصر مــــــــــــــنــيـف .. تعجز عن وصف روعته و جماله .. فخامته و اتساعه ، حديقته .. أشجاره .. أحواض وروده .. شلالاته المائية ... كل شيء فيه ، أخذت تتلفت يمنة و يسرة .. تحاول أن تلتقط أقصى ما تستطيع من المناظر ، علّها تستعيد شيئًا من ذاكرتها .

.

توقفت السيارة أمام الباب الرئيسي ، انتفضت عندما فّتح باب سيارتها و من خلفه يقف رجل يرتدي حلةّ سوداء أنيقة ، التفتت إلى تركي في تساؤل ، فغمم و هو يفتح باب سيارته : انزلي .

قالها دون أن ينظر إليها و أطاعته على الفور ، نزلت و تقدمت خطوات بسيطة قبل أن تقف و هي تشاهد زوجها يعطي مفتاح السيارة للرجل ذاته ثم يتقدم نحوها مغممًا : يلا .

سارت إلى جواره و السيارة تتحرك من خلفهما إلى الموقف المخصص ، توقفا أمام الباب الخارجي .. بني اللون ، ضخم .. تشغله زخارف ذهبية غاية في الدقة و الإتقان ..كان لوحده تحفة فنيه ، فُتح الباب على مصراعيه و فغرت فاها من روعة ما اصطدمت به عيناها ، دلف إلى الصالة الرئيسية .. ثم التفت خلفه و وجدها تقف في مكانها ، غمم بهدوء : ادخلي .

رمشت عيناها في توتر و هي تنقل بصرها إليه ، و بخطوات خائفة تقدمت إلى الداخل .. حيث الأرضية الرخامية ، الجدران المزينة بالفسيفساء ، النوافذ الزجاجية الضخمة ، التحف الفريدة ، الإضاءات الملفتة..

التفتت إلى اليمين حيث الأعمدة الرخامية الشاهقة و الستائر الأنيقة و

: نزلي غطاكِ ما في أحد .

انتبهت لنفسها و أن غطاءها لا يزال على وجهها ، لبت طلبه و خلعت طرحتها كذلك ، كان قد خلع نظارته الشمسية فاصطدم بصرها بعينيه ، أشاح هو بوجهه و أعصابه تشتد قهرًا و أطرقت هي برأسها على الفور و الدماء تفور في وجنتيها .. فرغم أنها لا تتذكر شيئًا .. لكنها .. لا تعتقد أن هناك عينان أجمل من عينيه الساحرتين .

كتم مشاعره في صدره و هو يضع نظارته في جيبه و يقول و بصره معلق بالمصعد : الآن راح تجيك مس ليليان مديرة القصر .. بتعرفكِ عليه و بعدين تدلك على غرفة النوم .

اشتعل الخجل في روحها البريئة و أومأت برأسها دون تعليق ، أما هو .. فقد سار نحو المصعد و استقله بصمت .. استبّد الخوف بقلبها مجددًا ..لا تريد أحدًا آخر ليشرح لها شيئًا ما .. تريده هو فقط .. تريده أن يكون معلمها و مرشدها .. علّها تقترب منه أكثر و تفهمه أكثر .

لم تكد تُخرج نفسها من عتمة أفكارها حتى تردد في عقلها ذلك الصوت المرحب : أهلا و سهلا بالمدام .

التفتت في حدة لترى امرأة شقراء مسنة على شفتيها ابتسامة بشوشة مرحبة : أنا مس ليليان .

اغتصبت رهف ابتسامة ناعمة و هي تقول : يا هلا فيك .


@@@@@@@@@@@@@@@@@@@


الرياض


فيلا أبو فيصل



00 : 3 ظهرًا




جفف يديه ثم جلس على الأريكة إلى جوارها ، سكبت له الشاي و عيناها المهمومتان تتحدثان بصمت ، رفعت له الكوب ، أخذه قائلاً : يزيد فضلك يا أم فيصل .

استكانت في مقعدها للحظة ثم قالت بصوت مختلج : أبو فيصل .. ما في أي أخبار عن ولدي ؟؟.

شعر بشيء يكبت على أنفاسه و يمنعه من شرب الشاي ، لكنه لم يشأ أن يضعه على الطاولة في رفض تام حتى لا يحملها المزيد من الألم ، حرك الكوب في يده ببطء و غمم : لا .

ابتلعت غصتها و أرخت عينيها ، أخذت تفرك يديها .. صحيح أنه ابنها العاق .. و لكنه يبقى ابنها .. القلق ينهشها في كل ليلة ... لم تره منذ فترة طويلة ... لم تسمع صوته .. أحي هو أم ميت ؟؟!! .

زفر أبو فيصل .. لم يخبرها بعلاقته بحادث ياسر .. آثر الكتمان إلى أن يعد .

لم يصل إليه أي خبر من الشرطة حتى الآن .. و في كل مرة يحادثهم لا يحصل سوى على : لا زال البحث جاريًا . حار في شيء يفعله و يشفي القليل من غليل قلبه .. فلم يجد سوى قطع الأموال الطائلة التي كانت تصل إلى حسابه باستمرار .. علّه الجوع يمزقه فيعود طالبًا الصفح .. ولن يرحمه .

مسحت دموعها بحركة سريعة و التفت إليها قائلاً : متى آخر مره رحتي لياسر ؟؟.

تنهدت في حزن و هزت رأسها في أسف : البارحه .. حالته تقطع القلب يا أبو فيصل .. ما قدرت أطول عنده لأني كل ما شفته يخنقني البكا .. و أطلع من خوفي أزيد تعبه .

ربت عليها مبتسمًا : طول عمرك تعزينه يا أم فيصل .

أغمضت عينيها بتوجع من فرط الدموع : و مين ما يعز هالياسر الله يحفظه و يخليه لأهله و لي أنا بعد .

..تأملها في صمت ..

جمال بدوي شامخ رغم التجاعيد الخفيفة التي سببتها السنون .. لم تخفي جمالها الساحر الذي عُرفت به .. شعرها الأسود الخفيف الذي يحب نعومته و طوله الذي يصل إلى كتفيها ..

لم يكن لها يومًا ذلك الحب .. لأن الجازي رحمها الله كان تشغل كل تفكيره .. و كم صبرت الجوهره عليه .. .. يشعر دائمًا من وهج عينيها بأنها تعلم بعشقٍ لم يمت للأخرى .... و رغم ذلك لم تناقشه يومًا أو تسأله ..... نِعْم الزوجة كانت و لم تزل .

ربت على رأسها بحنان : لا تذرفين الدموع يالغاليه .. طيب الحمدلله و ما فيه باس .

أشاحت بوجهها المبلل بالدموع فأراح رأسها على صدره لتنفجر باكية ، زفر أخرى و هو يربت عليها : الصبر يا أم فيصل و ربك يفرجها .. الصبر .


@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@


الرياض


فيلا أبو ياسر


00 : 4 عصرًا



حاول أن يبتسم و هو يرى والدته تدلف إلى حجرته و بين يديها أطباق الغداء ، هتف بحنان : ليش تتعبين عمرك يا لغاليه ؟؟؟؟.

ابتسمت والدته بمحبة و هي تقترب من جانب السرير : لا تعب و لا شي يمّه .


وضعت الأطباق على الطاولة الصغيرة فوق فخذيه ثم فتحت أحدها لتتصاعد أبخرة الحساء الشهي و تداعب أنفه ، هتفت : يلا يا نظر عيني .. تغذا زين .. ذي شربة الخضار اللي يحبها قلبك .

أمسك بالملعقة الفضية قائلاً : تسلم يدينك يا أم ياسر .

مسحت على رأسه بحنان و قالت : و يسلّم روحك يمّه .

ثم أخذت تفتح بقية الأطباق الأخرى .. حيث السلطة بالدجاج و شطائر الفطير بالسمن .

: هاه .. كيف بطلنا اليوم ؟؟ .

رفع بصره إلى عروب التي دلفت إلى المكان و بيدها كوب مملوء بعصير البرتقال ، لم يناقشها بالأمر حتى الآن .... لأنه استغل الأيام السابقة في ترويض نفسه على التعايش مع وضعه الجديد .. و لم يرد أن يصب جام إرهاقه و عصبيته عليها .... بل أراد أن يحادثها في جو مريح بالنسبة إليه ، اكتفى بمعاملتها بجفاء و برود شديدين لم يستطع كبحهما .... و لم تعلق على تغيره أبدًا .... ربما لأنها تدرك وقع الحادث على نفسيته .

نقل بصره إلى طعامه و هي تضع كأس العصير بجوار طبق السلطة : يلا يا قلبي .. ذوق هذا العصير .. سوات يدي .

تمتم بالشكر ، و تراجعت هي إلى الخلف و دموعها تملأ حلقها ..... لماذا يعاملها بهذا البرود ؟؟!!! ... هذا ليس شقيقها الحنون الذي تعرفه .... صحيح أن والدها قد وضح لهم كل ما قال الطبيب بشأن وضعه النفسي .. و لكنها لا تجد هذا البرود و هذا الجفاء إلا في تعامله معها فقط ... أما مع البقية فالأمر مختلف ... يبتسم .. يحاور .. إذاً .. مالأمر يا ترى ؟؟!! .. هي تتجنب مناقشة الموضوع معه خوفًا على صحته .... و لكنها كذلك لا تستطيع تحمل هذا الجفاء القاتل .

رفعت خصلات من شعرها الأسود و أعادتها للخلف و هي تتحرك للخارج و والدتها تحادثه من خلفها : و البارحه جت عبير بتسلم عليك بس كنت نايم .

شهقت في فزع و جسد ما يصطدم ببطنها ، التفت كلاهما إليها و هي تهتف بأنفاس مخطوفة : مرووااااااانوووه .. واشبك ؟؟؟!!!!!!!!!.

تراجع إلى الخلف و هو يمسح أنفه بتوجع : حشاااا .. عظم انتي موب لحم .

وضعت يديها على خاصرتها و همّت بالرد عليه ... و لكن غصة تخنقها ، أشاحت بوجهها و أكملت طريقها و هو يهتف لوالدته : أبوي يقول اطلعوا بسرعه .. عماااااااااااااااااني جووووووووووووووووو مع عيالهم .

تسمرت قدماها و خفق قلبها بـــــــــــــجنون .. إذًا .. بالتأكيد عزام برفقتهم ، خرجت أمها من الحجرة على الفور هاتفةً : يا الله ان تحييهم .

لحقتها عروب و الضيق يهبط على قلب الآخر في صمت كسير ، هكذا هو في كل مرة يأتي فيها أحد لزيارته ... حنق .. و عصبية ... اختناق ... أسى و لوعة .....

: الــــــــــــــــــــــــــــــــــــــســــلام عـــــــــــــــلــيــكــم .


.


.



.


تأكدت أم ياسر من متطلبات الضيافة التي أخذ مروان ينقلها إلى الدور الثاني حيث جناح ياسر ، أما عروب فيكاد أن يُغشى عليها من شدة التوتر .. تخشى أن يطلب عزام لقاءها و هي ليست مستعدة لذلك من الناحية النفسية أبدًا .. و منذ متى كانت مستعدة ؟؟؟ صحيح انه لم يحادثها منذ أن أوصل لها خبر الحادث ..... و لم تسألها والدتها أو والدها يومًا ... ربما لأنه ليس من عادة العائلة تلك المحادثات و الزيارات في فترة الخطوبة .. هو نواف فقط من خرق القاعدة .

فركت يديها بعصبية قبل أن تتحرك في اتجاه إحدى الحجرات هاتفة : أنا بروح آخذلي غفوه .

هتفت والدتها باستنكار شديد : بــــــــنـــــت !!!!!!!.

تجمدت عروب في مكانها و أغلقت عينيها بخوف شديد ، تقدمت منها والدتها و هي تلوح بيديها في استنكار : و اشلون تنامين و رجلك فوق ..انتظري .. يمكن يبي يسلم عليك .

شعرت عروب بقلبها يذوب و بعروقها تحترق ، التقطت شيئًا من الأكسجين تجمع به حروفها المبعثرة : إن شاء الله .

و سارت بهدوء .. ينذر بعاصفة قريبة لروحها المضطربة ، جلست على أول مقعد صادفها و الأفكار تأخذها يمنة و يسرة .


.



.



.


في جناح ياسر


يريد أن يحادثه بشأن عروب ... يصرف تفكيره عن الموضوع .. فهي زوجته الآن و هو أحقهم بمعرفة ما جرى ... كما أنه قد ارتبط بها و هو يعلم بما جرى لها مع فارس ... و لكن الأمر صعب .. لأن ياسر لن يرضى به أبدًا .. فهي شقيقته أيضًا .. يا ترى .. هل حادثها بالأمر أم لا ؟؟!! ... إن لم يفتح معه ياسر الموضوع فلن يكون هو المبتدأ .... عليه فقط أن يلتقي بعروب بأسرع وقت ممكن .. فهذه القضية يجب أن تنتهي قبل الزفاف ... نعم ... قبل أن يعيش برفقتها تحت سقف واحد و

: عــــــــــــــــــــــــزام .. وصمخ !!!!!!!! .

انتفض عندما شعر بضربة على كتفه فالتفت بغضب إلى نادر هاتفًا : نـــــــــعم ؟؟ .

انفجر الجميع بالضحك و أبو نواف يحدث أبو ياسر قائلاً : ما قلتلك بناتك ما يخلون فـ الواحد عقل .

و أشار إلى عزام مردفًا : هه .. طلع الثاني أخس من أخوه .

رفع نواف حاجبيه بصدمة مداعبة و هتف : لا .. لا يبه .. لا .. أنا .. أنا نواف بشحمي و لحمي .. تشبهني بذا الطحش .

و أشار إلى عزام بإصبعه في تقزز ، ضربه عزام على ظهره بحنق هاتفًا: طحش فـ عينك يالشاعق الهلوان .

رفع نواف إصبعه مهددًا : لا عاد .. إلا اسمي أرجوك لا تحرّفه .. العااااشق الولهااان .

ابتسم أبو ياسر و هو ينظر إلى عزام : يبه عزام .. واش رايك تشوف مرتك الحين ؟؟ .

امتقع وجه عزام : هاه ؟؟ .. آه .. لـ

ضحك نواف مقاطعًا له : ذي ما يبيلها كلام الله يسلمك .

أومأ عمه برأسه على الفور : أبشر .

و خرج من الحجرة ، رمق عزام شقيقه بنظرة خفية قاتلة التقطها نواف و أخذ يحرك حاجبيه بشماتة.. لأنه كان يظن أن تهرّب عزام من لقاء عروب ما هو إلا خجل و حياء و لم يعرف أن الخافي أكبر .

أما أبو فيصل الذي التزم الصمت فطوال ذلك الحوار و عيناه معلقتان بياسر .. كان مطرقًا برأسه كأنه يداري حزن الدنيا بين جنبيه ، أطرق هو الآخر ببصره و فكرة تكبر في رأسه و تكبر و تكبر .


.


.


.



ابتسم و هو ينزل مع السلالم ، نظره معلق بابنته التي تجلس على مقعد قريب يداها مشبوكتان فوق فخذيها و قدماها تتحركان جيئة و ذهابًا ، لم تلحظ وجوده ..هتف و هو يقترب منها : عروب .

هبت من مكانها في ارتباك هاتفة : سم يبه .

أمسكها مع يدها قائلاً : رجلك يبيك .

اقشّعر جسدها رعبًا و حدقت في والدها بصدمة ، تطلّع إليها في إشفاق و همس : سلمي عليه ع الأقل ..

لا تخافين .. ما بخليه يجلس أكثر من خمس دقايق .

ترقرقت الدموع في عينيها فأشاحت بوجهها متمتمة: اللي تشوفه يبه .

ابتسم برضا ثم قادها إلى حجرة الضيوف في الدور الثاني ، وقف على بابها و نادى باسم عزام الذي لبى النداء على الفور و خرج من جناح ياسر ، ابتسم عمّه و هو يشير إلى داخل الحجرة : خمس دقايق ما في غيرها .

بادل عمه الابتسامة و في داخله بركان يثور .. لماذا يجبرونه دومًا على فعل ما لا يريد ؟؟؟! هو لا يملك القدرة على الرفض في مثل هذه المواقف .. فالإحراج يشتت تفكيره .. ، يريد أن يصنع سياسة علاقته معها بهدوء لا بتدخل الآخرين .

سار على مضض حتى دلف إلى داخل الحجرة و أغلق عمه الباب خلفه ، رفع حاجبيه بدهشة و هو يلتفت للباب ؟؟؟!!! عمه أبو ياسر ؟؟!!!!!! يتركه معها وحيدًا ؟؟!!!!!! و يغلق الباب أيضًا ؟؟!!.

لم يلبث أن طرد التفكير في الأمر و هو يلتفت إليها ، تقف بصمت و شعرها الأسود الحريري ينساب على ظهرها نزولاً إلى خصرها ، تحدث بمرح : الظاهر كل ما نشوف بعض بقول واشلونك و ما بتردين علي .. فالأفضل أغير النص .

وهمس برقة : شكلك روعه اليوم .

تفتت قلبها حرجًا و أطرقت برأسها أكثر حتى غطى شعرها معظم وجهها ، ابتسم بحنان و أشار إليها : اجلسي .. بتمين واقفه خمس دقايق ؟؟ .

فركت يديها في عصبية .. لكنهما تجمدتا عندما سقطت عليهما دمعة .. فأدركت أن أعصابها بدأت رحلة الخوف و الانهيار ، عضت على شفتها السفلى .. ثم همست بصوت متحشرج : عزام .. ممكن أطلب طلب ؟؟.

لأول مرة .. تنطق باسمه ، اتسعت ابتسامته و هو يقول : لبيه .

جمعت كل طاقتها و رفعت رأسها إليه هاتفة : طــــــــــــــــــلــــقــــنـي .

اتسعت عيناه في صدمة .. صدمة من طلبها و صدمة من دموعها التي تبلل وجهها ، هتف باستنكار :عروب ؟؟!!!!..

شهقت في ألم : أدري .

ثم ابتسمت بسخرية مريرة : وحده فـ وضعي تكون مجنونه لأنها طلبت الطلاق و تحمد ربها إن في واحد وافق يستر عليها .

و بكت أكثر و هي تردف : سامحني يا عزام .. بس.. كل مالي أكرهك أكثر .

تطلّع إلى عينيها في صمت و هي تستطرد بانفعال : أنـــــــــــــا .. ما أبـــــــيــــك .


.



لو كان رجلاً آخر و سمع من خطيبته هذا الكلام .. قد تكون ردة فعله بصفعة تعيد إليه شيئًا من كرامته .. و لكنّ عزام كان في وضع مختلف .. فأمامه إنسانة فقدت الكثير و تعرضت للكثير ، إنسانة تطعنها سكاكين الألم و يشكو قلبها مرارة النزاع .. تريد أن تعيش سوية كبقية الفتيات و لكن عقلها يحمل أبشع ذكرى ..حطمت في نفسها كل شيء .

لم يتوقع أن تتعجل بطلب الطلاق بهذه السرعة و لم يمضي على ملكتهما الكثير ، تنحنح و هو يشيح ببصره إلى النافذة : ما تبيني أنا .. أو .. رافضه الزواج ككل؟؟ .

كتمت أنفاسها لبرهة ..... ثم غطت وجهها بكفيها و انخرطت في بكاء مرير .. مست كلماته الوتر الحساس في قلبها .. لماذا يصر على إلقاء الكلمات بوضوح و هي تبذل كل جهدها لتصبغ الموضوع بعبارات التورية ؟؟؟!!. أيبتغي جرحها ؟؟ أم تحطيم ما تبقى من شجاعتها ؟؟ ..

كم هو عميق ذلك السخط الذي تشعر به .. سخط على نفسها و على شخصيتها المهزوزة .. لم تتمالك نفسها و انفجرت تبكي أمامه ..لماذا تظهر ضعفها ؟؟ لماذا لا تتجلد بقناع من القوة و الصلابة حتى تقدر على مواجهته ؟؟ ترفع رأسها بشموخ و تخبره بكل ثقة أنها لا تريد الارتباط به .


.



تحدث بحزم : عروب .. موضوع الانفصال انسيه .. مهما حاولتي .. صدقيني ما بتوصلين لشي .

اشتد نحيبها و هي تهتف بصوت مخنوق : ليش ؟؟ .. لـ

قاطعها على الفور بنبرات قوية : لأنك قبل ما تكونين زوجتي .. انتي بنت عمي .. لحمي و دمي ..واجب عليّ إني أساعدك و أطلعك من الوضع اللي عايشته .. إنتي تدمرين نفسك باللي تسوينه .. تدمرين حياتك .. تدمرين اللي يحبونك .. ليش ما تكونين قويه و تنفضين عنك هذا الخوف و الجبن .. قولي الحمد لله .. ترى حالك أفضل من غيرك كثير .. على الأقل حنا فاهمين وضعك و قصتك و نحاول نساعدك .. بنات غيرك بريئات .. لكن محد صدقهم .. و الله عالم بحالهم الحين .. فليش ما تخلينا نساعدك .. ليش ؟؟ .

تعالى رنين هاتفه المحمول و قطع حماسه و اندفاعه ، زفر أنفاسه المخنوقة ثم تنحنح حتى يصفي صوته و هو يجيب المتصل : هلا نواف .... طيب ........ لا ........... انتظرني الحين جاي .. يلا سلام .

أنهى المكالمة و رفع بصره إليها و هي تمسح دموعها ، همس برجاء : أرجوك .. عطيني فرصه .. فرصه وحده بس و إن ما نجحت .. لك اللي تبينه .

نطقها بلطف غريب فجر في أعماقها الحنين و الأمل .. و فجر في عينيها الدموع من جديد .. كيف لها أن ترفض و هو ينظر إليها برجاء حاني ؟؟!! كيف ؟؟ .. أعصابها تشتد ، و لسانها عاجز عن النطق ، كيانها مضطرب .. أنفاسها متلاحقة ، همس يريد الإجابة : عروب ؟؟!!!.

اعتصرت أصابعها بتردد شديد و دوامة الخوف تسحبها أكثر فأكثر .. لكنها .. أومأت برأسها في صمت .. فانسكب الماء الزلال على نيران قلبه ، ابتسم براحة قائلاً : و أنا عند كلمتي .

ثم أردف : بعد إذنك .. ببدأ بدوري من الحين .

لم تفهم ما يعنيه و لكنها شهقت عندما قبّل رأسها ، رفعت رأسها بحدة فصدمتها ابتسامته الهادئة : انتبهي لنفسك .

و استدار على عقبيه نحو الباب .. فتحه و غادر المكان وضعت كفها على شفتيها و قلبها يخفق .. لأجله .


.


.


.


في الخارج


استقل سيارته إلى جوار نواف الذي صاح بخبث : كان نمت عنـ

قاطعته ضربة قوية من عزام على ظهره : لقطنا بسكاتك يا الملسون .

ردّ له نواف الضربة هاتفًا: يا مال العافيه .. احترم نفسك و احشمني .. تراني أخوك الكبير اذا كنت ناسي .

حرك عزام سيارته مغممًا : إلا وين عمي .. قلي خمس دقايق و ما شفته رجع .

اعتدل نواف في مقعده مجيبًا : عمي أبو فيصل ناداه في كلمة راس .

أومأ عزام برأسه : و اشلون ياسر .. نسيت أودّعه .

رفع نواف حاجبيه بخبث : تكون مجنون لو ما نسيت يا مجنون أخت عشوقتي .

تأفف عزام بغيظ : نوااااااااااااااااااااااااااافووووه .

ضحك نواف : خلاص لا تنافخ .

ثم أردف في جدية : و الله حاله يقطع القلب .. تدري إنه صعب على الواحد يسير عاجز فجأه .. و يفقد القدره على أشياء كثيره كان يسويها .. لكن .. ما له إلا الصبر و الدعاء .

شعر عزام بقبضة كالثلج تعتصر قلبه فغمم بخفوت : الله يشفيه و يفرّج همه يا رب .



.



.



.


و في داخل الفيلا

مجلس الرجال


هبّ أبو ياسر من مكانه هاتفًا بدهشة مستنكرة : أبو فيصل .. انت صاحي ؟؟؟؟ .

ابتسم أبو فيصل بهدوء : ايه و الله صاحي و ما نيب نايم .

لوح أبو ياسر بيده في استنكار : أجل و اشلون تفكر بهالطريقه .. انت شايف ياسر .. تعبان و حالته تقطع القلب و تقلي نزوجه ؟؟؟؟؟ أصلاً من البنيه اللي بتقبل تتزوج انسان عاجز ؟؟؟ .

استرخى أبو فيصل في مقعده و هو يحاول أن يمنع الابتسامة التي تتراقص على شفتيه رغم ألمه : أنا أعرف البنيه .. جمال و أخلاق و مستحيل ترفض .

حدّق أبو ياسر فيه للحظة كأنه يشك في اتزان عقله ثم هز رأسه في أسف : و الله انك شارب شي .. أو ما نمت زين .

لم يستطع أبو فيصل أن يمنع ضحكته التي صدحت في المكان ، عاد أبو ياسر إلى مقعده و أبو فيصل يقول : يا أخوي الله يهديك .. أقسم بالله العظيم إني صاحي و بكامل قواي العقليه ..قلتلك البنيه أنا أعرفها .. و مستعد من باكر أزوجها له و ما يبقى عليكم إلا الحفل و بس .

صاح أبو ياسر في عصبية : حتى لو هي موافقه .. و اشلون أهلها بيوافقون ؟؟!!!!!!!!!!! ..

تنحنح أبو فيصل و التفت إليه قائلاً بجدية : اسمعني زين يا أبو ياسر .. البنيه يتيمه و مالها أحد و أنا اللي أعيلها الحين .

رفع أبو ياسر حاجبيه في دهشة عارمة : تعيلها ؟؟!!!!!!!! .. ليه .. بنت من هي ؟؟!.

زفر أبو فيصل ثم قال : بنت سالم الـ*****... صديق لي الله يرحمه ... يمكن ما تذكره لأني ما كنت أتكلم عنه كثير .... المهم الحين ان البنيه فـ عهدتي من فتره .. بنت شيوخ ما عليها كلام يا أبو ياسر و لو فيصل موب متزوج كان زوجته إياها .

لم ينبس أبو ياسر ببنت شفه و شقيقه يردف : و حتى لو بأزوجها لياسر العقد بيتم في المحكمه .

و اعتدل في جلسته متممًا : و أنا ما طنّت فـ راسي هالفكره إلا لجل ياسر .. محتاج أحد يوقف بجنبه فـ كل لحظه .. يكون قريب منه في كل وقت .. يسمع له .. يجلس معه .. يواسيه .. انتم كلكم ما بتقصرون .. لكن صدقني .. زوجـ

و بتر عبارته قبل أن يفضح القصة ثم استطرد : أقصد لو تزوج .. زوجته بتقوم بهالمهمه بأفضل صوره .. أفضل مننا كلنا .

مسح أبو ياسر على رأسه في حنق : و الله جبتلي القلق .

ابتسم أبو فيصل و هو يربت على كتف شقيقه : أبو ياسر .. أنا عمري خذلتك فـ شي ؟؟ .

رفع أبو ياسر حاجبيه : أفا يا أبو فيصل .. يخسى اللي يقول عنك هالكلام .

شد أبو فيصل من قبضته : أجل خل ثقتك فيني بعد الله .. و اترك الموضوع عليّ .

صمت أبو ياسر للحظة و تحقق الموضوع في نظره مستحيل .. لكن احترامًا و إكرامًا لشقيقه الأكبر ، ابتسم برضا قائلاً : تم .


@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@



** الأربــــــــــــــــــــــــــــــــــــعــــــــ ـــــــــاء **



الرياض


شقة أخرى


30 : 2 صباحًا


وجهه مصفر ، و شفتاه مبيضتان ، و عيناه شبه مفتوحتين ، آلام رهيبة تشتعل في كل جزء من جسده .... وغثيان رهيب يفتك بمعدته .... ، ضم جسده المرتعد و هو يهتف بصوت مهتز : بررررررد .. بمووووت من البرد ... واش ذا البرد ؟؟؟؟!!! .

شهق و هو يمسح أنفه و الدنيا تدور من حوله : بمووووت .. بمووووت .

استلقى على البلاط ليُسقط علب الدواء التي أحضرها له ذلك الممرض ، اصطكت أسنانه ببعضها و هو يهذي : والله لأقتلكم كلكم .. كلكم .. هدى ... رامي يا ######## ... انت اللي أطلقت .... بتموت .. بقتلك ..... و العجوز السم اللي ما أرسل .. فـ ...فلوووسي وين ..... فـ

شهق أخرى عندما شعر بأنفاسه تضيق ، اعتدل في جلسته و ابتسامة خبيثة ترتسم على شفتيه و هو يضرب جبينه بيده : أقتلك يا رامي ... أنـ .. أقتلك .

أمسك بزجاجة الماء إلى جواره و رش كمية كبيرة منها على وجهه ، هز رأسه بعنف لينفض قطرات الماء التي بللته ، ثم نهض من مكانه في خطوات متهالكة ، و رآه في الحجرة الأخرى ملقى على الأرض و زجاجة الخمر إلى جواره ، فتح عينيه و صداع شديد ينخر رأسه : هـ .. هييييه .. تعال و ارقص معايا .. و

و انهار رأسه مجددًا ، تأمله فارس بعينيه المتعبتين و وجهه الشاحب الذي يحاكي و جوه الموتى ، انحنى و أمسك بزجاجة الخمر ثم اعتدل واقفًا و توجه نحو المطبخ القذر ، توقف أمام الطاولة الصغيرة .. وضع عليها الزجاجة التي لم تخلو بعد من ذلك السائل النتن المحرم ، ثم توجه إلى أحد الأرفف و التقط منها سكينًا حادة عاد إلى الطاولة و هو يمسح أنفه المحمر ، وضع السكينة على كفه و جرحها بعمق .. صـــــــــــرخ بألم و عض على شفتيه .. اشتدت أعصابه واقشعر جسده .. انتظر للحظة ثم فتح عينيه المتهالكتين و ابتسم بخبث حينما رأى الدم الأحمر و هو يسيل .. و ضع كفه على فوهة الزجاجة لتتساقط فيها قطرات الدم بنعومة ، ضحك بخفوت متمتمًا بإعياء : و الحين بتشاركني المصير .

تأكد من انتشار الدم في الشراب كله ، لف يده بقطعة قماش بالية ملقاة جانبًا ثم حمل الزجاجة عائدًا إلى المستلقي ، صرخ عليه بقسوة : يا حيواااااااااااااا* .. قــــــــــــــــــوم.

فتح رامي عينيه بإرهاق شديد و هتف : أ .. أ .. انقلع يا القطو .. ما .. ما في سمك هنا .. انـ

تأوه و هو يضع يده على رأسه ، اقترب منه فارس ثم جلس على ركبتيه وضع الزجاجة على الأرض صائحًا : قوم .. غنيمه جديده .

صمت للحظة و لم يتحرك ، صك على أسنانه بغيظ وهو يحارب إرهاقًا عنيفًا يعصف بكيانه ، أسرع باتجاه حجرته الخانقة و أحضر قارورة مملوءة بالماء ، عاد مرة أخرى و وضعها إلى جانبه ثم أمسك بزجاجة الخمر و فتح فم رامي بيده.. من الجيد أنه لا يمتلك حاسة شم و إلا اقشعّر جسده من الرائحة الكريهة التي انبعثت ، سكب جزءً من الخمر في جوفه صائحًا : قـــــــــــــــــــــــــــوم .

شهق رامي و هو يعتدل في حركة سريعة و أخذ يسعل في شدة و هو يبتلع بعضًا مما دخل في جوبه : أووووووووووووووووووووووووه .

أمسك فارس بزجاجة الماء و رشّها على وجه رامي هاتفًا : اصـــــــحىااااااااااااا .. جبتلك شي يرد الروح .

نفض رامي رأسه و هو يهذي : أقوووووووول حل عن سماي ما أبي مطر الحيييييييييين .

مد له فارس الزجاجه : أقول خذ اشرب .. تراه طازه .

نظر إليه ببلاهة : قلتلك الحمام في الشقه الثانيه الله يغربل ابليسك و

صرخ فارس في عصبية وهو يضع الزجاجة في يد رامي و يقبض على أصابعه ليمسك بها : خذ .. اشرب ..

رفع رامي حاجبيه هاتفًا : ويييييييييه .

و بلا وعي تجّرع الشراب ، سعل أخرى و بعض السائل يخرج من أنفه و فمه ، اتسعت ابتسامة فارس و همس بفرحة منهكة : هذا نصيبك يا #######.

و عاد بخطواته المتخاذلة إلى حجرته ليقع أرضًا في إعياء تام .


@@@@@@@@@@@@@@@@@@@




جده


القصر


40: 2 صباحًا


تمط في إرهاق و هو يستقل المصعد إلى الدور الثاني ... كان القصر هادئًا جدًا فجميع الخدم يغادرون إلى مسكنهم عند منتصف الليل و لا يبقى في الخارج سوى الحرّاس الذين انتقاهم بعناية فائقة هذه المرة ، سار في طريقه و هو يتذكر أنه لم يرها منذ وصولهما إلى هنا و لم يتبادل معها كلمة واحدة و هذا ما يريده .

.

كان قد أمر المهندس بأن يغير شيئًا من تصميم القصر بحيث يجعل الجزء الذي يحتوي على حجرات النوم الملكية مستقلاً بباب ضخم كما هو الحال مع قسم مرام و بعيدًا كذلك عن الجناح الجديد الذي أعده لجوري و أحمد .. لشيءٍ في نفسه .. لتكون له حجرته و عالمه و حتى لا يثير أية شكوك حول علاقته بها لو طال بقاؤها .

.


فتح الباب الضخم ثم أغلقه خلفه ، أكمل طريقه للأمام و لم يكد يتجاوز باب جناحها حتى .... شـــــــــــــــــــــــــــقـــــــــــــــت أركان القسم صـــــــــــــــــرخـــــــــة مــــــــــــدويـــة ، صــــــــــــرخة ذعــــــــــر زلـــــــــــــــــــزلت الـــمــكــان .. ، اندفع بكل سرعته نحو باب جناحها و صورة حسن تتردد في عقله .. فــــــــــــــــــــتـــحه بقوة ، تجاوز حجرة الجلوس الكبيرة .. إلى حجرة النوم و صــــــــاح : اشـــــــــفــيـــه ؟؟!!!!!!!!!! .

هبط عليه السكون و تلاشت الصور المخيفة التي احتلت عقله .. فقد كانت جالسة على السرير و لا أحد سواها في الحجرة الواسعة .. و لكنها كانت تلهث بشدة ، عيناها زائغتان بإعياء و دموع متدفقة تغرق وجهها ، نفض قهره لدموعها بسؤاله العصبي و هو يعقد حاجبيه : ليش صرختي ؟؟ .

ابتلعت ريقها و همست بصوت مخنوق : لـ .. حلم يخوف .

و اكتفت بذلك و هي تضع يدها على قلبها و لهاثها لم يتوقف بعد ، شعر بجسدها ينتفض ، تردد للحظة قبل أن يترك مقبض الباب و يتحرك للداخل قائلاً بجفاء : ليش رافعه درجة التبريد ؟؟؟ .

لم تقوى على الرد و هي تشعر بصورته تهتز في عينيها ، التقط جهاز التحكم و خفض درجة البرودة مردفًا : المكيفات هنا بارده و

: تركي .

همست باسمه في ضعف شديد .. التفت إليها و همّ بسؤالها عما تريد .. كانت مستلقية على السرير و ملامح وجهها تنم عن ألم شديد ، قبض على كفه بقلق .. و إن كان يكره والدها و يسعى للنيل منه .. و إن كان لا يكن لها مشاعر الزوج لزوجته .. لكنها إنسان .. يشعر و يتألم .. إنسان .. لا ذنب له .

اقترب منها و قلبه يخفق ، توقف إلى جوارها مغممًا : نعم ؟؟ .

فتحت عينيها بضعف فتساقطت دموعها غزيرة و هي تهمس : أنـا تعبانه .

شهقت و أخذ جسدها يرتعد و أسنانها تصطك ببعضها البعض ، تطلّع إليها للحظات و دموعها تحرق كيانه حرقًا ... مد يده و وضعها على جبينها برفق .. فـــــــــــــارتدت بعنف ، هتف على الفور بحاجبيه المعقودين : رهف .. حرارتك مرتفعه !!!!!.

همّ بالتحرك نحو الباب مستطردًا : بتصل على الاسعاف .

هتفت بضعف : لا .

نظر إليها مجددًا باستنكار .. فلم يسمع هذه الكلمة منذ فترة ، هتف : نعم ؟؟؟!!!.

بكت في ألم و هي تهمس : ما يحتاج مستشفى .. أنـ .. أنا متعوده على التعب .

أغلقت عينيها بألم أشد مردفةَ : شوية صداع .. و .. يـخف .

و زمت شفتيها تختتم الحديث : بـ .. بلعت بندول .

تفجرت خفقاته قلبه أكثر لهذا الألم الذي تعاني منه .... و حيدةً دون رفيق ... و لم يجد أيضًا سوى جفاءً و صرامةً ليخفي سيل مشاعره : أجل ليه قلتي إنك تعبانه ؟؟.

جرحها تساؤله و أدمى قلبها كما دمعت مقلتاها ، همست بإرهاق : عـ .. عشان توديني لدكتوره فدوى .

و شهقت أخرى عندما تذكرتها .. حنانها .. طيبتها ..حضنها الدافئ .... تحتاج إليه الآن .. تحتاج إليه بشدة .

تدفقت دموعها أكثر فأكثر و هي ترجوه بعينيها الحزينتين : الله يخليك .

أشاح بوجهه مغممًا : طيب .. يلا قومي و البسي عباتك .

ابتسمت بضعف هامسة : شكرًا .

قبض على أصابعه و هو يغادر المكان : أستناكِ تحت .

.


.


حاولت أن تنهض .. و لكنها لم تقدر .. رأسها ثقيل و جسدها أثقل .. كل جزء منه يشكو الألم ، كان مجرد احتقان بسيط في حلقها داهمها في الصباح و الآن .. اشتد أكثر .

شعرت بالدنيا تدور من حولها فبكت بإعياء شديد : يا ربي .. يا ربي ساعدني .. يا ربي ماني قادره أقوم .

أغلقت عينيها و الحرارة تكتسح جسدها أكثر فأكثر .


.


.


مرت الدقائق


و إذ به يدلف إلى المكان صائحًا بعصبية: ساعه أنتظرك تحت و حضرتك ما نزلتي من السرير ؟؟؟؟؟؟؟!!!.

فتحت عينيها بصعوبة و نبرة صوته الغاضبة ترن في أذنيها بشكل مزعج ، اقترب منها بحنق عندما لم يسمع ردًا ، همست بإعياء : و الله ماني قادره أرفع نفسي .. قوّمني الله يخليك .

لم يرق له الأمر .. أن يقترب منها أكثر ؟؟!!.... كلا ... هذا هو الخط الأحمر الذي لن يتجاوزه ..... و لكنها مريضة ..... مرهقة .... و ما باليد حيله ..... تبًا لقلبه ..... تبًا له فلم يتوقف عن تأنيبه لثانية .....مد يده إليها مرغمًا و هو يتمتم : هاتي يدك ..

همست باكية بصعوبة : حتى يدي .. تئلمني .

زوى ما بين حاجبيه و أعصابه تشتعل : يعني اش أسويلك ؟؟ .

أغلقت عينيها و سقطت من بين رموشها الطويلة دمعة جريحة .

شعر بغباء سؤاله و فجاجة أسلوبه .. إنها مريضة .. مريضة .. فاقدة للذاكرة ..لا تعرف أحدًا .. لا تعرف سواك قريبًا .

زفر بحنق ثم جلس على طرف الفراش بحذر ، مد يديه ببطء .. عقله يرفض و قلبه يصر .... أمسك بكتفيها و رفعها عن الفراش .. ارتفع حاجباه في صدمة من استسلام جسدها و تهاوي رأسها على كتفه ، همس بصدمة : رهف ؟؟!!!!!!!!!!!!!!! .

انسابت دموعها في صمت و بللت ذلك الجزء من ثوبه ، همست بصوت باكي : وين أميييي .. أبغى ماماااا .. ماما..الله يخلييييك .. أبغاها تضمني .. محتاجتها .. أبغى حضنها .. أبغاها جنبيييي .. أنا لحالي هنا .. ما عندي أحد .. ما في أحد يحبني .. ما في أحد يبغانيييي .

.. و ُأغــــــــــلــــــــــــقـــــــت عــــــيــــــنــــاه ..

أصابته في مقتل .... تلك الضعيفة التائهة ..... طعنته الآن في الصميم و سيّلت دماء الألم و القهر من قلبه ..... أصابته في مقتل و طعنته في الصميم .... حفرت في عمق روحه عذابًـــــــــــا لا نهائيًا ..... عذابًا أطبق بفكيه المسمومين على أحاسيسه ..... ليذكره بوحشيته و قسوته في حقها ..... يذكره بجرم حرمه من النوم و حول حياته إلى جحيم أسود .

شعر بحرارة جسدها بين ذراعيه و بهمهمتها الباكية من شدة المرض ، ترك كتفيها و حرك يديه ثم وضعهما خلف ظهرها و ضـــــــــــــــــــمــهــا إلى صدره ، و لم تدرك ما صنع ..... فعقلها غفا وسط غشاوة مريحة .... مريحة بهذا الأمان الذي اندفع إلى روحها و احتوى أحاسيسها الضائعة ..... انفجرت تبكي بصورة أشد و هي تدفن رأسها أكثر في ذلك الصدر الفسيح الذي لا تدري كنهه ..... و اعتصرها هو بين ذراعيه و الألم يفتك بقلبه..... لا يريدها أن تبكي .... لا يريدها أن تذرف دمعة .... كم يتمنى فقط لو ينتشلها من غمرة أحزانها تلك في لحظة ..... ليقدم لقلبها سعادة أبدية تشرق على وجهها ..... و لكنه لا يقدر ..... لا يقدر ..... وضع أنفه على رأسها و طبع من أعماق قلبه .. قبلة دافئة ..... تمنى فقط لو تشعرها بمدى الندم المعتمر في نفسه ..... تشعرها بأن ألمها و ألمه واحـــــد ..... بل أشد .

تـــــــــــعـــالت خفقات قلبه .. كأنها تذكره بنفسه .. قسوته .. شدته .. بروده .. غموضه .. خفقات تحذره ... خفقات تنبهه بأن ما يفعله خطأ ... خــــطأ ... فلا يستحق أبدًا أن يملك قلبها ...... لأنها أطهر و أنقى من ذلك .

فتح عينيه و عقله عاجز عن التفكير ..... كيف سيبرر لها ما فعل ؟؟!!!! .. هذه الضمة ... و هذا الاحتواء ... كيف ؟؟؟!! .. غبي ... أحمق .... كيف انجرف مع مشاعره بهذه البساطة و الحذر الشديد هو ما ينبغي أن يغلف تعامله معها ..... تركها على الفور قبل أن يضع جسدها على السرير مجددًا و يداه تنبضان برجفة خفيفة و وجهه يرسم امتقاعًا غريبًا ، لاحظ انقطاع صوتها فهمس باسمها و هو يتراجع للخلف : رهف ؟؟؟!!!.

لم ترد عليه .. فرفع صوته أكثر و خفقات قلبه لا تزال ثائرة : رهـــــــــــــــــــــــف .

أيضًا لم ترد أخذ يصفع وجنتها بلطف و هو يهتف : رهف .. ردي عليا .. كلميني .. رهف .

أجابه الصمت .. هب من مكانه على الفور هاتفًا : أنا الأهبل ..المفروض من البدايه أكلم الاسعاف .


.


.


.



في الخارج


أمام القصر


اشرأب عنقه و هو يتابع المكان من المنظار الذي يحمله في حذر شديد ، دارت عيناه إلى أقصى اليمين حيث نهاية القصر ... ثم أخرى إلى أقصى اليسار .... كان الخوف الشديد يسيطر عليه فالحراسة أصبحت مشددة مما يؤكد أن أهل القصر عادوا إليه ... ثم إن دوريات الشرطة أصبحت تأتي بكثرة إلى هنا كأنها متأكدة بأنهما سيظهران هنا ..... لذلك تراجعا إلى هذه المسافة .... عاد ينظر إلى مقدمة القصر..... هذا هو قصر زوج أخته التي يكرهها و يحقد عليها من أعماق قلبه ... ، ابتسم بسخرية حملها حقده الكبير و هو يتذكر مشكلتها الأزلية .. كانت تعاني منذ نعومة أظفارها من صعوبة التعلم ** .. فكانت تواجه مشاكل في التفكير و الفهم و التركيز .. ولم يهتم والدهم بعلاجها رغم أنه كان يمتلك الكثير من المال ، لم يستطع كبت نشوة شعر بها عندما تذكر كيف كان من السهل عليه أن يستغلها و يوقعها في المشاكل لسذاجتها التي تجعلها تصدق كل ما يقال لها ، ثم يكتفي بالضحك بعد ذلك لتصرفاتها البلهاء بعد أن تطيعه في ما يطلب خوفًا منه .. كما كانت تخاف من ظلها ...... و لكن ذلك الحامد كان يفسد عليه الكثير من خططه


■ ■ ■ ■


الرياض


1391 هـ


دفعه والده بقسوة إلى الداخل : انقلع و العب مع أخوانك يا لخَـــبل .

احتقن وجهه و هو يدلف إلى داخل المنزل مرغمًا ، رمق والده بنظرة جانبية و هو يتجاوز الردهة إلى حجرة مكتبه ... ثم عاد يتطلّع إلى صالة المنزل الكبيرة التي تفوق منزلهم حجمًا بعشر مرات .... دوت صرخة القهر و الغل في روحه و هو يتذكر كلمات والدته التي تلقيها على مسامعه صبح مساء ** أبوك الحرامي يعطي كل فلوسه لهذوليك الحيوانـا* و احنا ما يعطينا إلا الفضلات .. هذا و أنا زوجته الأولى ، يا زفـ* يا مجنو* اشفط منه فلوس قد ما تقدر و لاّ ما راح يطالع فـ وجهك النتن يا متخلف ... و هذوليك الملاعــيـ* اللي منغنهم بالفلوس يا ويلك يا سواد ليلك لو لعبت معاهم ولا ضحكت ... آذيهم قد ما تقدر ولا تخليهم يشوفون منك شي طيب ... فـــــــــــــهمت ؟؟!!؟**

تطلّع إليها من البعيد ... كانت منشغلة بالرسم على الورق بالألوان الخشبية و جديلتاها السوداوان تتدليان على طول صدرها حتى بطنها ، اقترب منها و الشر يتوهج في عينيه : يا بـــــــنــــــــــــــت !!.

رفعت بصرها البريء إليه و هتفت بابتسامة مشرقة : مـــراد ؟؟!!.

ثم لوحت له بيدها و هي تردف : تعال .. حامد جابلي جديده .

انفجر بالضحك و هو يقول : متخلفه .. حتى الكلام ما تعرفين تطلعينه مثل العالم .

عقدت حاجبيها بضيق و هي تهتف : لا تضحك .

جلس أمامها و همس بخبث و هو يتطلّع إلى دفتر الرسومات الصغير : واش رايك .. تبيني أناديلك هذولي يلعبون معكِ ؟؟؟.

رفعت حاجبيها بتساؤل : مين ؟؟!.

أمسك بالدفتر و رفعه أمام وجهها و هو يهتف بحنق : يا غبيه ياللي ما تفهمين .. ذولي ذولي .. تبيني أخليهم يلعبون معكِ؟؟.

اتسعت عيناها في دهشة و هتفت : إيه .. و ... تقدر ... ؟؟!.

رفع حاجبيه بخبث و هو يقول : غمضي عيونك و أقلك كيف .

أشارت إلى عينيها و همست : عيوني .. هذي ؟؟.

زمجر بحنق و هو يهتف : ايه ايه .

أغمضت عينيها و هي تهمس : طيب .

ضحك و هو يخفي الدفتر خلفه و يمزقه إلى قطع صغيرة : لحظه .. لحظه بس .. أناديهم .

و عندما انتهى هتف : طاااااااااااااالـــــــــــــــــــعيهم .

هتفت متسائلة و هي مغلقه عينيها : وين .. ما أشوفهم .

بصق على وجهها هاتفًا : افــــــــتحي عيونك يا بقره.

فتحت عينيها بضيق و هي تمسح وجهها بيدها : وينهم ؟؟.

ألقى قصاصات الورق على وجهها بقوة هاتفًا بغل : خـــــــــــــــــذي يا متخـــــــــــــــلفه .

: مــــــــــــــــــــــراد ؟؟!!!!!!!!!!!!!!!!!!

التفت في حدة إلى مصدر الصوت البغيظ و الأخرى ذات التسع تتطلّع إلى القصاصات في حيرة قبل أن تنفجر باكية بحرقة ، اقترب الآخر ذا الـ11 عامًا منه و هو يصرخ : يا كلـــــــــــــ* .

هب مراد من مكانه و اندفع نحوه في عصبيه : لا ترفع صوتك و أنا أكبر منك .

صرخ الآخر بدوره : تخـــــــــــسى .

و اشتبكا في شجار حامٍ جدًا .


■ ■ ■ ■


نفض الذكرى التي انتهت بضرب والده له حتى تورم جسده ، و ارتفع حاجباه لمرأى سيارة الإسعاف التي دلفت من بوابة القصر الأمامية ، همس بتوتر شديد و هو يهز رفيقه : حــــــــــسسسسن .. قوووووم .. حسن .

هب من نومه بفزع هاتفًا : اشفـ

قاطعه مراد بخفوت : اشششششششش .. لا تفضحنا .

أغلق حسن فمه و هو يجول ببصره فيما حوله ، همس مراد : فيه سيارة اسعاف دوبها دخلت مع البوابه .. الظاهر في أحد تعبان جوا .

حدّق حسن في بوابة القصر الضخمة و عقله يدرس الأمر بصورة سريعة : الله يلعنـ* يالـ##### .. انتا السبب اللي ما صحيتني بدري لا كان لحقناهم قبل ما يدخلون .

همس مراد : و كيف بتلحقهم فـ وسط النهار و الشرطه رايحه و راجعه.

تجاهل حسن عبارته التي أحنقته و همس بخفوت : متى بيوصل السلاح اللي طلبته من حسام ؟؟.

أجابه مراد بذات الهمس : طلبت سلاحين و اليوم بيوصلها .


.



.



في داخل القصر


: احتقان شديد في الحلق .. إبرة المورفين المسكنة بتريحها و إن شاء الله بكره الصباح تكون أحسن .

و مد إلى تركي بوصفة الدواء ، شكره تركي ثم عاد إليها بعد أن خرج الطبيب و الممرضة ، تطلّع إليها من مسافة ..... كانت نائمة بعمق و أنفاسها منتظمة .. اقترب من السرير و غطاها جيدًا باللحاف ..... ثم تراجع وأطفأ الضوء ، ألقى نظرة مشفقة أخيرة عليها قبل أن يغلق الباب خلفه و يعود إلى جناحه .


@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@


الرياض


فيلا الجازي


00 : 1 ظهرًا



ابتسمت وهي تستقبل أبو فيصل من عند الباب: حياك عمي .. نور المكان .

صافحها أبو فيصل بابتسامة وقور : منور بأهله .

أشارت له بالدخول : تفضل .. البيت بيتك .

تبعها أبو فيصل إلى الصالة الرئيسية و قال بعد أن جلس على الأريكة الوثيرة : واشلونك يا تساهير .. عساك بخير ؟؟.

ابتسمت و هي تقدم له فنجان القهوة : بخير و عافيه الله يسلمك .

و اتسعت ابتسامتها و هي ترفع حاجبيها : و كل عام و انتا بخير .

أخذ منها الفنجان و رشف من قهوته ثم قال : و انتي بخير يا بنتي .. مين يصدق باكر رمــضـــان !!! .. سبحان الله كيف الأيام تمشي بسرعه !!!!.

تنهدت و هي تعود إلى مكانها و تحبس دموعها ، غدًا أول أيام شهر رمضان المبارك .. و سوف تقضيه وحيدةً بلا أم و لا أب و لا شقيق ، كتمت كل ذلك في داخلها و أبو فيصل يسألها : لا أكون أزعجتك يوم طلبت أتغدى عندك ؟؟؟؟.

ضحكت بمرح و هي تجلس في الجهة المقابلة : بالعكس و الله جيتك فرحتني .. تونسني بدل الطفش اللي مجنني .

ابتسم بتفهم ثم قال بجدية: قاصرك شي ؟؟ .. في شي تبينه و موب موجود ؟؟ .

هزت رأسها نفيًا : خيرك مغطيني يا أبو فيصل .. الله يجعله في ميزان حسناتك .

سألها بجدية قلقة و هو يضع الفنجان على الطاولة أمامه : سامحتيني يا بنتي ؟؟

تجمدت ملامحها للحظة و هي تتذكر أحاديث مرام المتفرقة عنه و جمائله التي تغدقها و حقيقة القصة .. قصة وفاة والدها ، صحيح أن أبا فيصل يتحمل جزءًا من الخطأ و لكنه أعرب عن ندمه الشديد و رأت ذلك بعينيها ..و في النهاية .. هو قضاء و قدر ..

ابتسمت برقة و قالت : مسامحينك يا عمي .

زفر براحة قائلاً : الحمد لله .

ثم تراجع في مقعده و نهضت هي من مكانها لتصب له فنجانًا آخر : سمعيني يا بنتي .. الحقيقه .. أنا اليوم أبي أكلمك فـ موضوع ضروري .

زوت ما بين حاجبيها في اهتمام و هي ترفع له صحن التمر : موضوع ضروري ؟؟؟!!!.

اعتدل في جلسته و هو يأخذ حبة من التمر : ايه .. و هذي القصه .


@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@


جده


القصر


في نفس اللحظات


جففت شعرها بمنشفة زاهية اللون ثم جلست أمام المرآة و أخذت تسرحه .

استيقظت منذ ساعة و هي تشعر بتحسن .. حمدت الله ..فقد كانت تشعر بآلام مميتة .

طوال الدقائق التي قضتها تحت الماء الدافئ كانت تسترجع آخر ما مر بها في ليلة البارحة ، يوم أن طلبت منه أن يساعدها على النهوض من السرير ثم تختلط بقية الذكرى و لا ترى منها سوى مقاطع مشوشة .. لاشك في أنها قد فقدت الوعي !!!.

نهضت من مكانها و ارتدت ثيابها على عجل ..ثم أسرعت إلى الهاتف الثابت بجوار السرير و طلبت رقم فدوى .

... مـــــــــغـــلق ..

تراخت يدها في إحباط ..حاولت أن تنفضه عن نفسها و هي تنهض لترش على نفسها من زجاجة عطرها الساحر ، رفعت مرطب الشفاه الأحمر الفاتح أخذت تجره على شفتيها و هي تنظر إلى المرآة تحرك بصرها نحو السرير و...... تجمدت يدها ، التفتت إلى الخلف بحدة لتتأكد مما تراه .. جال بصرها على السرير في حيرة .. الجزء الآخر و المخصص لتركي مرتب لم يمسّه أحد .. هذا يعني أنه لم ينم هنا ليلة البارحة ....ابتلعت غصتها و كبتت خوفها و هي تهمس : لا يا رهف .. يمكنه رتبه بعد ما قام .. بعدين إنتي كنتي تعبانه و ما تدرين عن اللي حولينك .

ثم سارت إلى الجهة المخصصة لها و أخذت ترتبها و فكرة ملحة تشتعل في رأسها ** ممكن يكون خايف إني مجنونه أو شي .. عشان كذا تعامله بارد ؟؟!! **

كادت أن تنخرط في بكاءها و تدفن وجهها في وسادتها لكنها أغمضت عينيها هامسة بحرقة : لا .. لا يا رهف .. لا تبكين .. و تذكري كلام دكتوره فدوى .. الصبر .. الصبر .. و المؤمن مبتلى .

تركت كل ما في يدها و توجهت إلى الباب و منه إلى خارج الجناح .


@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@


الرياض


فيلا الجازي


15 : 2 ظهرًا


ربع ساعة كاملة و أبو فيصل يشرح لها القصة .. حادث ياسر .. وضعه الجديد و تعليمات الطبيب ... قصة حادثٍ مرير شعرت به يعتصر قلبها و هي تتخيل شكله ... تلك العينان الواسعتان بكل الحب و اللطف اللذين تكنزاهما ... نبرات صوت حنونة ترن في أذنيها حتى اللحظة ..... أمان دافئ احتل مساحات من روحها في أحلك الظروف حينما احتواها......... و الآن ذلك الطلب الذي انتفض له قلبها بهلع و تجمعت له دموع ساخنة في مقلتيها جعلتها تطرق برأسها علّها تخفيها عن أبو فيصل الذي سألها بعطف : واش قلتي يا بنتي ؟؟ .

لسانها عاجز عن النطق .. كيف تكون قريبة منه إلى هذا الحد و هو لا يطيق وجودها بقربه ؟؟!! بل الأدهى كيف سيكون موقفها أمام عائلته و هي القادمة الغريبة.. خصوصًا أن مرام ليست هناك لتقف إلى جوارها .

.

شعر أبو فيصل بالدوامة التي تحيط بها من هيئتها المتوترة ، فقال بهدوء : يا بنتي .. أنا أدري بشعورك و خوفك .. يمكن ياسر ما تقبل وجودك .. لكن .. و الله العظيم قلبه أبيض ما تتصورين قد ايش بارّ بأبوه و أمه ..

قد ايش يدور رضاي .. ما عمره بحياته كسر كلمتي .. حتى خواته ما يستغنون عن وجوده .

علّقت بصرها بيديها المرتعدتين و غممت بصوت متخاذل : عـ ـ مي .. صدقني حيتعب زياده .. لأنه وجودي جنبه راح يضايقه كثير ..و إن شاء الله أهله ما حيقصرون معاه .

كان أبو فيصل يدرك هذه الحقيقة جيدًا .. و لكنها الفرصة الوحيدة حتى يجمعهما مع بعضهما البعض تحت سقف واحد ..علّ الله أن يؤلف بين قلبيهما و يسكن كل منهما إلى الآخر ، لذلك قال بنبرة محببة : مو مثل زوجته .

انتفض جسدها من وقع الكلمة .. كلمة غريبة عليها .. زوجته ؟!!!!! لماذا شعرت بحمل ثقيل على أنفاسها عندما سمعتها ؟؟ كأنها تذكرها بأنها زوجة و مسؤولة و عليها أن تقوم بواجباتها على أكمل وجه ..

و لكنه لا يريدها .. فماذا تفعل ؟؟.

ارتجفت شفتاها و صورته تتوهج أمام عينيها ، غممت : و لو ..... لو وافقت ..... أهله يا عمي ... كيف بيكون موقفي بينهم ؟؟؟؟ .

اتسعت ابتسامته الوقورة و قال : لا تشيلين هم هالموضوع .. أنا ناقشت أبوه و علمته إني الوصي عليك و ولو بزوجك ياسر بيتم العقد في المحكمه و ما يبقى عليهم إلا الحفل .

انتفض قلبها أكثر و أردف هو بزفرة حزينة : صدقيني كل شي بيكون مختلف كثير فـ وضع ياسر ... أقصد تقبل أمه لفكرة الزواج هذي ..... لأن الدكتور ما حدد فترة معينة لانتهاء العلاج الطبيعي و متى ممكن يرجع يمشي مره ثانيه .

فرت دمعتها التي حبستها طويلاً .... حملت حزن قلبها الخفي على ذلك الطيب ، نظر أبو فيصل إلى ساعته ثم رفع بصره إليها و قال بحنانه الأبوي : و اش رايك أعطيك وقت تفكرين ؟؟؟ .

و كأنها كانت تبحث عن تلك القشة لتتشبث بها قبل أن تغرق فأومأت برأسها على الفور ، ابتسم و هو يقول : اللي تآمرين به يا بنتي .. بس هاه .. مو أكثر من يوم .

رفعت رأسها بحدة فضحك بمرح : لا تخافين .. عندك وقت طويل تحسبين و تحللين .. و باكر إن شاء الله أنتظر ردك .. و أنا متأكد إن عقلك الواعي بيختار الطريق الصح .

و ازداد حملها ثقلاً ، شعرت برغبة شديدة للبكاء .... تشتهي الدموع الآن ..... تشتهي راحة البكاء ..... طعم الدموع المالحة ..... نهضت من مكانها و هي تلتقط أنفاسها : بعد إذنك يا عمي بشوف الغدا .

أشار لها مرحبًا: خذي راحتك .

أسرعت نحو حجرة الطعام و قلبها يخفق بجنون فالاختيار صعب و المهمة أصعب .


@@@@@@@@@@@@@@@@@@@


الرياض


فيلا أبو ياسر



30 : 1 ظهرًا


رفعت حاجبيها في دهشة و هي تجلس إلى جوار والدتها في الجلسة الأنيقة التي احتلت منتصف الصالة الواسعة ، هتفت متسائلة : ممرض ؟؟ ليه ؟؟ .

تنهدت والدتها و هي تطرز قطعة من القماش : أخوك اللي أصر .

صمتت عروب للحظة ثم قالت في خفوت : أكيد منحرج يمه .. يعني .. لازم أحد يوديه للحمام و يساعده يلبس .. أبوي موب متفرغ .. و مروان بعده صغير .

تهدج صوت والدتها و يداها ترتخيان : الله يشفيه ويعافيه .. و يكافي اللي أطلق عليه .. حسبي الله عليه و نعم الوكيل .. حسبي الله عليه و نعم الوكيل.

ربتت عروب على كفها في تعاطف .. لم يخبرهم والدها بتفاصيل الحادث .. بل أخبرهم أن هنالك من أطلق عليه في غفلة منه و فقط ، همست بحنان: لا تخافين يمه .. بيآخذ جزاؤه من العظيم كامل و موفى .

أومأت والدتها برأسها و الهم حفر علاماته على وجهها : ونعم بالله .

مالت عروب على أذنها و قالت برقة : و لا تنسين إن باكر أول يوم رمـــضـــان و يا محلا الدعاء فـ الشهر الفضيل .

ارتسمت ابتسامة عريضة على شفتي والدتها فرحةً بقدوم الشهر : الحمد لله .

تصاعد رنين هاتف عروب ، ارتسمت على شفتيها ابتسامة باهتة : من اللي يحبني و راسلـ

انقطعت حروفها عندما رأت اسم المرسل


--------------- من صافي الروح --------------


ما ألوم نفسي فيك


لو كثر شوقي عليك


من حس بصفا قلبك


ملزوم يوله عليك


~~ عزام ~~


-----------------------------


توردت وجنتاها خجلاً و

: منهو ؟؟ .

رفعت رأسها بارتباك إلى والدتها : هاه ..لا أبد .. رساله .

سحبت والدتها الخيط الطويل بمهارة و هي تقول : أدري إنها رساله .. منهو اللي راسلها ؟؟ .

أجابها الصمت المطبق فالتفتت إلى حيث تجلس عروب : يـ

حركت بصرها في المكان الخالي بحيرة : هوّ .. وين سارت البنيه ؟؟ .

تجمدت ملامحها للحظه قبل أن تبتسم بحب: و من غيره اللي يخلي وجهك مثل الطماط .


.



.


.



وضعت يدها على قلبها و هي تلهث من الركض و من شدة الإحراج الذي ألمّ بها ، أضافت عبير رقمه إلى هاتفها المحمول منذ فترة و حثّتها على مفاجئته و لكنها كانت ترفض .. و الآن سبقها و بعث إليها بتلك الرسالة ، التهمت أحرفها بعينيها مجددًا ربما كانت الكلمات قليلة و لكن المعنى بالنسبة لها ..... كبير .

مسحت على شعرها بحيرة .. هل ترسل له أيضًا .. أم لا ؟؟ .

عضت على شفتها السفلى بحرج و الدماء الحارة تلهب عقلها و

شهقت بهلع ، وضعت يدها على فاها .. فأمامها كانت شاشة الجوال تومض و اسمه يزينها ، ضغطت على الصامت مباشرةً و هي تتلفت حولها بخجل شديد ..كانت تفضل أن تتجاهله حتى يملّ و لكنها .. ذكّرت نفسها بالاتفاق ..حاولت أن تصفي صوتها و .. ضغطت على السماعة الخضراء هامسةً : ألو .

أتاها صوته المرح : يا هلا و الله .. عاش من سمع هالصوت .

ازدردت لعابها في توتر و هي تحاول عبثًا أن تجمع حروفها المبعثرة ، هتف مجددًا : ألووووووووووووووو .

ترددت خفقات قلبها في أذنها مثل الطبول و هي عاجزة عن النطق ، هتف أخرى متسائلاً : عروووووووب!!!.فيه أحد هنا ؟؟!!

استنشقت كمية كبيرة من الأكسجين قبل أن تنطق : هــ ـــ ــلا .

أتاها صوت ضحكه : أخييييييييييييييرًا .. ما بغينا .. يبيلك جائزه على هالثلاث حروف .

وضعت كفها على عينيها من شدة الخجل و قال بهدوء حنون : ما بطول عليك .. أدري صوتي مزعج .. بسسس ..حبيت أتطمن عليك .. ووو .. أقلك إن خالتي بتعزمكم باكر على العشا بمناسبة الملكة .

رفعت حاجبيها في دهشة و أردف هو ليطمئنها : علمت عمي .. و ... العشا مقصور على عماني و حريمهم و خالتي و زوجها .

طرقت الأرض برجلها في ارتباك شديد .. إنها خالته الوحيدة وداد ، في العقد الثالث من عمرها .. امرأة حنونة .. هي مثال للطهارة و النقاء .. لم تُرزق بأبناء و تعيش وحيدةً مع زوجها في مدينة الطائف .

هتف متسائلاً : هاه .. و اش قلتي ؟؟ .

تمتمت بخجل : أبشر باللي تبيه .

هتف في مرح : خفي عليّ يا بنت الناس .. تراني ما أتحمل .

عضت على شفتها و صفعت نفسها عندما أدركت الكلمات التي نطقت بها ** يا لمجنوووووووونه .. و اشلون قلتي كذاااااااااااااااااا؟؟؟؟!!!!!!!! .. **

شعرت بدموع الحرج تكاد تنساب من عينيها عندما قال : يلا يا قلبي .. توصيني على شي .

جرت خصلة من شعرها بحنق : سـ .. سلامتك .

وأغلقت السماعة على الفور ، أخذت تقفز في مكانها بقهر : يالهبلللللللله يا عروووووووووووووووووووب .


.


.


.


.

.


أوصلت الخبر لوالدتها التي سُعدت به و لم تعارض .... ، ذهنها مشتت ... و تفكر في أكثر من قضية ... ماذا سترتدي ..... و إن اضطرت إلى لقائه فماذا ستقول ؟؟؟!!!... عقصت شعرها الطويل ثم جمعته في كعكة كبيرة و همّت بالدخول إلى جناحها

: عـروب .

انتفض جسدها و هي تلتفت للخلف هاتفة : ياسر ؟؟!!!!.

كان يجلس بهدوء على كرسيه الطبي و يتطلّع إليها بعينين خاويتين : تعالي .. أبيك شوي .

تركت مقبض الباب و الدموع توجع عينيها ..... لقد عاد ليتحدث إليها وحيدةً .... و لكن لماذا تشعر بهذا الخوف ..... تشعر أنه هنالك مصيبة خلف الأمر ....

أدار ظهره لها و حرك الكرسي بجهاز التحكم ليعيده إلى جناحه ، سارت خلفه في إذعان و التوتر يكتسح روحها لأبعد مدى .

دلف إلى حجرة الجلوس الخاصة به و دخلت هي بعده و أغلقت الباب في صمتٍ قَلِقْ ، أدار كرسيه لمواجهتها و قال ببرود : اجلسي قدامي .

قبضت على أصابعها و روحها تنتفض كورقة في مهب الريح ..... لاشك أنه متعلق بفارس ..... لاشك .... لاشك ، *** يارب ** همست بها و هي تجلس على الأريكة أمامه ، تنفس الصعداء ثم قال بحروف قاسية لم تعهدها منه يومًا : ما توقعتك فـ يوم تكذبين علي ... لكن الظاهر طلعت غلطان و طلعتي مخبيه مصايب ما يدري عنها أحد ..... والله أعلم واش قصة السايق و هل اللي قلتيه كان صـ

صرخت في انهيار و هي ترفع رأسها المبلل بالدموع : لاااااااااااااااااااااااا .

و هزت رأسها بعنف و هي تشهق : لااااااا يــــــــــــــــــا يـــــــــــــــــــــاســــــــــــر .. لاااااااااااااااااا .

قبض على قلبه بإرادة من حديد و هو يصيح عليها بعصبية : و لــــــــــــــــيـــــش خــــــــــبــــيــتــي عـــــــــنــي الـــــــــــبلـــــــــوى الـــــــــــلــي صـــــــــــــارتـــلــك مـــــــــع فـــــــــارس يـــــــــوم الــــــــعــــــــزااااااااااااااا ؟؟!!!!!!!!!!! ... تكـــــــــــــــــــلمــــــــــي !!!.

تشنجت أعصابها من صاعقة السؤال التي وقعت على رأسها فأحالت قلبها إلى رمــــــــــــــــاد!! عيناها متسعتان في ذهول ..... فكها المرتعد يرسم أقسى صورة لصدمة مذعورة ..... و لم يرف له جفن ... بل قبض على يدي كرسيه بقهر شديد و صاح مجددًا : تــــــــكـلـــــــــمي .. يــــــــــــــالــلــي اســــــــتـــغـفـلـتـيـنـي و ضحــــكــتــي علــــــــــي بــــدمـــــعــــــــــــتــيـن و أنـــــــــــــــا جــــــــــــــاي لـــــــــحــــــــدك ذاك الــــــــــيــوم و أســـــــــألك يـــــــا عــــــــــروب فـــــــيــه شـــــي مـــخــبــيــتــه عــنـي !!!!!!!!!!!!!! .

و حرك كرسيه نحوها ليجرها مع يدها و يصرخ : فــــــــــــــهميني الــــــــــــقصه الحـــــــــــــــيييين .

تفجرت دموعها الصريعة و بكت بانهيار : أنــــــــــا مــــــــا اســــــــــــتــــغــفـــلــتــك لااااااااااااااااااااا .... أنـــا مـــا بــــــــغـيـــت أعــــــــــذب عـــــمــي أبــــــــو فـــيـــصــل زود .. يــــــــكــفــيــه عـــــذابــــه .. يــــكـــفــي الـــــــقـــطـــيــعـه اللــــــي صــــارت بـــيــن جــــدي و عـــمــي الــــولـــيـــد يـــكــفــي ...... أبــــلــع الـــمـــر و أســـــكـــت ...... أحـــــــاول أحـــمــي نـــــــفـــســـي بـــنـــفـــســي لــكـــــــــن مــــــا أكــــــــون ســــــبـــب فــ قـــــــطـــيـــعه جــــديــده ... يــــــكــفــي الـــلـــي صــــــار يــــا أخـــوي ... يـــكــفــي الـــلــي صــار والـــلــي رحـــــت أنـــا ضـــحـــيــتــه يـــوم عــلــقــتـــونــي بـــتــركــي ســـنــيــن و بــعــدهــا يــفــســخ الــمــوضــوع و اش بــيــكــون الــســبــب إلا قــلــوب مـــا تــصــافــت بــعــد الــلــي صــار ... فــهــــــــــــــمني .. علمـــــــــــني .

قبض على فكيها بقسوة و أنفاسه هو الآخر تتسارع من وقع كلماتها المدمر : علميني باللي صار لك مع فارس بسرعه .. واش القصه .. الحين أبي أعرف .

أغرقت دموعها كفه .... و همست بنشيجها المخنوق : تحرش فيني .

شــــــــــــــــــــــــــــــهـــقـــت بعنف من قوة الصفعة التي حطمت فكيها و صرخة دمرت مشاعرها : يا حــــــــــــــــــقــــــــــــــــــــــــــــيـ ـره .

جرها مع شعرها بلا تفكير .... صدمة تشله ..... صدمة دمرته هو الآخر : ولـــــــــــــــــيـــــش مــــــــــــــا تــكـــــلــمــتــي ... لـــيـــش مـــــــــا عـــــــــلـــمــتــينــي .. .لـــــــــــــييييييييييييييييييييييييييييييييييي شا ما خـــلــيـــتـــنــي أشـــــــــــرب مـــــــــن دمــــــــه ..... أحـــــــــرقــــــــــه بــــــــــيــــديـــــــــنــي ... أقـــــــطـــعـــه بـــــــــــأســـــنـــانــي لــــــــــــــــــــــــييييييييييييييييييييييييي يييييييييييييش ؟؟؟!! .

بكت في جنون و يداها على جانبي رأسها : والـــــــــــلــي يـخـــــــلــيــك خــــــــــــلااااااااااااااااااااص ...... لــــيـــش أحـــــــــــرق قـــلــب عــمــي أكـــثــر ...... لـــيــش وهــــو الــلـــي يـــحـــن عـــلــيــنــا أكـــثــر مــن أبــــونـــــــا ... لــــــــــــيييييييش يــا يـــاســر ؟!!!!!!!!!!! ..... اللـــي صـــار صـــار و أنـــا مـــالـــي يـــد فــيــه ...سرق يومها جوال مروان و أرسلي منه رساله يقلي إنه في الدور الثالث و تعبان و يوم ركضت له كممني فارس و جلست أصارعه و ما قدر يسويلي شي لأن ربى نادتني و قدرت أشرد منه .

تركها و يده تنتفض من شدة الغضب ... يريد أن يحرقها .... يمزقها : و لــــــــــــيش ؟؟؟ ... واش معنى انتــــــــــي من بين الــــــــــــــــكــل ؟؟؟؟.. طلعي كل اللي مخبيته بــــــــــــــسرعه .

وضعت كفها على شفتيها بامتعاض شديد ، أغلقت عينيها و هي تستغفر ثم همست : شفته ..

بترت عبارتها و جسدها يرتعد .. أطرقت برأسها و الشعور بالغثيان يزحف لجوفها ، قبض على ذراعها بشدة و عيناه متسعتان في ترقب : شفتيه وين .. تــــــــــــــكــــــــــلــمــي .

صكت على أسنانها و همست بكلمات مبهمة لم يتلقط منها سوى : مضاوي .

رفع حاجبيه في صدمة و قد بدأت الصورة تتضح في عقله ، اعتصر ذراعها بقسوة أكبر و هزها هاتفًا : واشـــــــــــــبـــهــا .. انــــــــــــــــــطقي .

صرخت بانهيار : شــــــــــــــــــفـــتـــهــم مــــــــــع بــعــض .

و انفجرت تبكي بصورة أشد ، اتسعت عيناه و أردفت هي من وسط دموعها : غلط معها و دخلت عليهم بالصدفه فـ بيت عمتي و انتبهلي .. لكني هربت و ما قدر يلحقني يومها .

اختنقت أحرفه في حلقه ، و همست هي بتوجع : سترت عليهم و جازوني بالسم .. لكن ربي حسيبهم .

غطت وجهها بين كفيها و أدنت جسدها إلى فخذيها و هي تتلوى من شدة البكاء ، لم يعلق ...... و لا يدري كيف يعلق ..... أي كلمات ستسعف الخبر !! .... أيحملها هي الخطأ ؟؟!! .. أم يصب جامه على ذلك السافل ؟؟!!!.... و لكن أيضًا ..و إن كان عمهما و يحبانه ...... ليس لها أن تتركه يهرب بعد أن عبث بالعرض و الشرف ...... و لم يكتفي ...... بل أرسل لها ذلك السائق لأنها رأته في الحرام !!!!!!!! ... لو أخبرته بالقصة منذ ذلك الوقت لما تعقدت الأمور بهذا الشكل العصيب ...... لما كان مقعدًا الآن على هذا الكرسي ..... استغفر ربه .... إنه قضاؤه و قدره و لا اعتراض ، أشاح بوجهه مغممًا بجفاء : و درى عنك عزام و تضارب معه فـ العزا بسببك ... طلعت مصيبتك قدام ولد عمك من قبل ما يخطبك .

صرخت بعنف من هول المصيبة الأخرى : لاااااااااااااااااااااااااااااااااااااا .

أشاح بوجهه و حرك كرسيه إلى حجرته في صمت ...... حمرة الغضب تعلوه و الحدة تستكين في مآقيه .... أخفى ألمًا يشعر به لأجلها .. و أغلق باب حجرته خلفه ليتركها تعاني وحدها ... تتحمل جزء كبيرًا من الخطأ .. و هذا أقل عقاب يقوم به .


@@@@@@@@@@@@@@@@@@


جده


القصر


35 : 1 ظـــــــــهرًا


جلست على كرسي من المعدن الفضي و هي تبتسم لمديرة القصر : تسلمين مس ليليان .. بس والله ماني جيعانه .. القهوه تكفي .

اتسعت ابتسامة ليليان المعجبة بجمال سيدتها و قالت وهي تومئ برأسها احترام : متل ما بدك مدام .

ثم عادت لتتم أعمالها ، زفرت رهف و هي تلتفت إلى النافذة أمامها .... زجاجية ضخمة تبتلع معظم الحائط .. تطل على المسبح الذي يزين الحديقة .

.

جلست صامتة .. شاردة الذهن و على الطاولة أمامها كوب من القهوة .......

ماذا تفعل ؟؟ كيف تتحدث إليه ؟؟ كيف تقترب منه ؟؟ و هي تشعر أنه يحاول التهّرب منها فلم تره حتى الآن .. لماذا إذًا اصطحبها إلى هنا ؟؟ لماذا لم يتركها تجلس مع فدوى في البيت الأخضر ؟؟ .

اليأس يكبت على أنفاسها و الإحباط يجعلها تتجرع مر الشراب ، انسابت دموعها رغمًا عنها .. شقت طريقها على وجنتيها لتكون الدليل الأكبر على ما يعتمر في نفسها من المشاعر الملتهبة ، رفعت كفها و تحسست عنقها بأصابعها الرقيقة .. لا زال الألم معربدًا هناك و لكنه بسيط .. إذ ما قورن بألم قلبها .


.


نهضت من مكانها ثم توجهت إلى النافذة الزجاجية وقفت أمامها و لاحظت ذلك المقبض الفضي الصغير و حدود الباب الخفية ، حركت المقبض و خرجت إلى الحديقة المشمسة ..... استنشقت الهواء بعمق .. ما أروعها من رائحة و ما أجمله من منظر و ..

شهقت بعنف و هي تضع يديها على جانبي رأسها ، شعرت بتيار كهربائي قوي يخترق عقلها .و بصور مختلفة تختلط في خلاياه .. أصوات .. مناظر ..


■ ■ ■ ■


: الله .. ريحة فل .


: فل و ريحان .. و كل الورود اللي تحبينها .. تعالي أوريك.


■ ■ ■ ■


صرخت بألم شديد : آآآآآآآآآآآآآآآآآآآآه .

جثت على ركبتيها و جسدها يرتعد في عنف ، بكت في حرقة و قلبها يكاد يقفز من بين ضلوعها و أنفاسها متلاحقة ، زمت شفتيها بألم و هزت رأسها بقوة : يا ربييييي .. .يا الله .

غطت وجهها بكفيها و انتحبت في ألم : راسييييي .. هذاك صوت مين .. مين اللي كلمتنيييييييييييي ..

ميييييييييييييين ؟؟ .

تذكرت تعليمات فدوى الصارمة بأن تبلغها بأي شيء تتذكره أو يندفع إلى عقلها فجأة ..... عليها أن تنهض لتحادثها .... و لكن الأرض تميد من تحتها ، رفعت رأسها بخوف و تأملت الحديقة الخالية قبل أن تنهض من مكانها بهلع و تركض خارج المكان .

.



.



.



: خلاص كلم ياسين .. ايوه ...... يلا سلام .

أنهى المكالمة و هو يزفر بضجر انعطف نحو اليمين و...... شعر بجسد يصطدم به ، تراجع إلى الخلف و نظر إلى ما أمامه بدهشة : رهف ؟؟!!!!!!!!!!!!!!!! .

تراجعت دونما إرادة منها .. تراجعت إلى الخلف .. خطوة .. خطوة .. ، جسدها ينتفض و دموعها تغرق وجهها بغزارة ، شهقت و هي تضم يديها إلى صدرها : فدوىااااااا .

زوى ما بين حاجبيه فهتفت بانهيار تام : فدوىاااااااااااا .. ودينييييييييي .. أبغى أكلمهاااا .

غممّ بقلق لم يستطع كبته : اشبك تبكين ؟؟ .

همّت بالحديث و لكن الخادمة دلفت إلى المكان و في يدها صينية تحمل كوبًا من بالبوضة : Sir..the icecream h

قطعت حروفها صرخة مدوية انطلقت من بين شفتي رهف .. صرخة ضجّ بها القصر ، اقشعّر جسد الخادمة و هي ترى جسد رهف ينهار أرضًا و تركي يندفع نحوها و يتلقفها بين ذراعيه قبل أن تلامس البلاط ، لم


يدر بماذا ينطق و هو يضعها أرضًا جاثية على ركبتيها ، صرخت و ملامح وجهها تنم عن ألم ضعيف : مـ ..مـــــــــــــــــــــرااااااااااااااااااااااااا اااااااااام .

ارتد جسده بعنف و همس بصدمة : مـرام ؟؟!!!!!.

أنّت بصوت كسير كأن آلام الدنيا كلها تهاجم جسدها ، و ندّت من بين شفتيها حروف متقطعة قطّعها الإعياء .. و عذبتها قسوة الألم ، فتحت عينيها بضعف شديد و همست و هي ممسكة بثوبه : تركي .. راسي.. اش هذا اللي يسيرلي ؟؟ .

أرخى بصره إلى وجهها يهم بالرد عليها و ....... تـــــــــــــاهــــــت أحرفه ..... تناثرت لآلئ نظمه .... تفرقت بحزن رهيب و صدمة عــــــمــر لم يذق مثلها يومًا ....... قطعة زجاجية تدلت من رقبتها بسلسال رفيع ...... تحررت من مخبأها إثر سقطة منهارة .... غرست خنجر رقتها في قلبه ....... خنقت أنفاسه في حلقه ...... ثبتت عينيه على ذلك العقد و لهيب أنفاسها يحرق عنقه ...... لم ترفع بصرها إليه و أحاسيسها قد فُضحت أمامه .... لا تملك سوى صمت خجول مؤلم ....... لمع في عينيها و زاد من فيض دموعها ........ تركت ثوبه و تراجعت إلى الخلف و هي تطبق على الصورة بكفها هامسة بنبرات متحشرجة : آسفه .

همّت بالنهوض و لكن قدماها خذلتاها فاستكانت حيث هي ..... تستعيد شيئًا من أنفاسها المخطوفة ..... تحاول السيطرة على نبضات قلبها المجنونة ....... و لماذا تشعر بذلك ؟؟ .. أليس هذا ما تريده هي !! ... أن تعلمه بمقدار حبها له .... ربما تتغير معاملته .. أو تعود إلى ماضٍ لا تذكره لكنها تأمل فيه خيرًا .... وضعت كفها على جبينها ...... متى سيدعها هذا الصداع و شأنها ... متى ؟؟!!!!.

شهـــــــــــــقت و اتسعت عيناها المتعبتين : تـــركي !!!!!!!!.

حملها كريشة خفيفة ..... و سار بها نحو المصعد و أحاسيسه تنهار شيئًا فشيئًا ..... تتساقط بدموع الندم تحت قدميه ...... ليدهسها ... يقضي عليها بصواعق أنين تكويه بنيرانها ...... ماذا فعلت به بعد أن ملأت القسوة قلبه ؟؟...... قسوة ملئت أخاديد الجراح ...... وحدة يسعى إليها دائمًا ... برود يكسو ملامحه كما يفعل الآن ..... ماذا فعلت به ؟؟!!! ....لأول مرة في حياته يشعر بهذا التخبط .... التردد ..... الحيرة المميتة ..... لأول مرة في حياته يتمنى لو أنه لم يكن .......

دلف إلى المصعد .... و لم يكد يغلق الباب عليهما حتى أغمض عينيه و هي تضع رأسها المنهك على صدره ...... لتغرس عذابها في شرايينه و أوردته ..... تذيقه علقمًا مغمّسًا بالدم و الذل ... تذيب قلبه كمدًا .. تفجر كل رصيد الآلام المتراكمة في قلبه .

خرج من المصعد و قطع المسافة إلى جناحها بخطوات واسعة لينهي ألم قربها بأسرع مدى ..... وضعها على سريرها ، فتحت عينيها بضعف هامسة : شكرًا .

اعتدل واقفًا مشيحًا بوجهه : دحين أطلبلك الدكتوره فدوى .

و رحل بهدوء ...... يوازي ما سكن أفكارها من مشاعر جميلة جعلتها ..... تبتسم .


@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@


الرياض


الشركة


مكتب أبو فيصل


00 : 9 مساءً



رفع سماعة الهاتف بضجر : ألو .

اعتدل في جلسته عندما سمع صوت المتحدث و قال مُرحبًا : هلا بعزام ..... هلا و الله ....... لا يا ولدي ....... ايه أنا اللي طلبت الملفات ..أبي منها كم ورقه..... ايه ...... خلاص ....... انتظر اتصالي ..

.. يلا .. سلام .

أغلق السماعة و أخذ يقلب أوراق الملف بعصبية شديدة : أعووووووذ بالله .. وين ألاقي ذاك العقد ؟؟ .

و صل إلى آخر ورقة في الملف و لم يجد ما يريد ، تراجع في مقعده و هو يلقيه جانبًا بغضب: وين ممكن يكون يا خالد .. وييييييين ؟؟؟!!.

فرك يديه و هو يفكر بعمق صك على أسنانه بغيض عندما لم يجد حلاً ثم رفع سماعة الهاتف مجددًا : أسأل أبو ياسـ

قطع عبارته و هتف وقد تألقت عيناه : المستودع .


@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@



الرياض


فيلا مزنه


00 : 10 مساءً



ركضت إلى جناحها الذي تنبعث منه موسيقى صاخبة ، حركت شعرها القصير و هي تتأفف : يوووو ... طول عمري أنساه في حجرتي .

رفعت هاتفها المحمول و رفعت حاجبيها هاتفة : هممممم ... رقم غريب !!!!.

ابتسمت و همست بخبث : خلينا نتعرف على أصوات جديده .. واش ورانا ؟؟؟.

وضعت السماعة على أذنها و هتفت بدلال شديد : ألووووووووو .

وصل إليها الصوت الضعيف : مضاوي .

شهقت متفاجأة و هتفت : فـــــــــااااااارس ؟؟!!!!!!!.

غمم بصوته المبحوح : ايه .. نسيتيني يا حبي ؟؟؟.

جلست على سريرها الوثير و هتفت بدلال : أفاااا عليك ... واشلون أنسى حياتي و روحي و زوجي المستقبلي بعد .. قلي واشلون ؟؟!.

ضحك في خفة و قال : واضح .. والدليل إني ما سمعت صوتك من شهر .

رفعت حاجبيها و هي تنهض من مكانها لتغلق الباب : إلا ليه الدنيا قايمه عليك ؟؟؟.. كل ما أعدي من عند البقره أمي أسمع طراطيش كلام عنك .. انتي تخانقت مع أحد ؟؟!!!.

تلعثم و هو يقول : هاه .... لـ ..لا أبد .. بس تدرين طولت فـ الإجازه و ما رجعت للشغل للحين و أبوي السم مقوم الدنيا فوق راسي .

أوصدت الباب و هي تهتف : آهاااااا .

ثم ضحكت قائلةً : بقره و سم .. أعوذ بالله منهم .. أخوان و كل واحد منهم ألعن من الثاني .

تنحنح و غير دفة الموضوع : المهم .. بغيت أقلك إن هذا رقمي الجديد الحين .. تلفون ثابت لأني مقفل كل جوالاتي .. و إياني و إياك تعطينه أحد .

همست بغنج : أمووووووت و لا أعطيه لمخلوق يا حبي انت .

ثم أردفت بحيرة و هي تجلس على سريرها أخرى : إلا .. ليش أحس صوتك تعبان ؟؟.

هتف على الفور : لا أبدًا .. بس شوية زكام .. المهم .. أقدر أقابلك اليوم أو باكر ؟؟!!!.

مطت شفتيها بضيق و همست : لااااا .. صعب .. صديقاتي مسويين حفله كبيره باكر و لازم أجهز .

غمم بضيق : وتفضلينهم علي يا مضاوي ؟؟!.

صبغت صوتها بنبرة البكاء : لا لا لا ..والله لا يا قلبي بس من زمااان و أنا أنتظر هالحفله .. أوعدك أو عدك أوعدك بعدها أفضي نفسي يوم كامل عشان أقضيه معك ...... الله يخليك يا فرّوووس وافق .

غمم بانزعاج : زين زين لا تقعدين تصيحين .... بس لا تتأخرين علي مضاوي .. تراك واحشتني موت .

ضحكت في دلال قائلةً : و انت أكثر يا بعدي .

هتف ينشد إنهاء المكالمة : لا تنسين اللي وصيتك .. الرقم ما يوصل لأحد فـــهمتي ؟؟!!.

هتفت على الفور : اييييييييييييه .

غمم بحنق : مع السلامه .

أنهت المكالمة و هي تنهض من مكانها ، ألقت الهاتف جانبًا و فتحت خزانة ثيابها الكبيرة ..... جالت بعينيها في الفساتين الكثيرة التي تملؤها ... ، مطت شفتيها و هي تقلب يدها فيها بعصبية : لا ... مو حلو .. و ذا بعد ... و ذا لازم أرميه و

بترت عبارتها و هي تتطلّع إلى ذلك الفستان الأسود ، رفعت حاجبيها بخبث و تمتمت : هممممم .. ايه صح .. و اشلون نسيت .

.. و اتسعت ابتسامتها الخبيثة...


@@@@@@@@@@@@@@@@@@@


الرياض


فيلا أبو ياسر


جناح الوالدين


00 : 11 مساءًا



رفعت حاجبيها بصدمة وهتفت : واشّو ؟؟!!!!!!.

رمقها زوجها بنظرة صارمة كعادته و قال : اللي سمعتيه .

تطلّعت إليه و هو يعلق – شماغه و عقاله – على المشجب و هتفت بلا تفكير : ما في أحد بيزوج ولدي غيري .

خلع ثوبه و هو يقول بصرامة : أنا ما جيت آخذ شورك .. أنا أعطيك العلم و بس .

هوى قلبها بين ضلوعها و نهضت من مقعدها هاتفةً بصدمة : أبو ياسر.. واش هالكلام الله يهديك ... يعني بتحرمني أفرح بولدي ؟؟؟.

جلس على سريره و ظهره مواجه لها و غمم : لا تطلعين كلام ما قلته يا مره .. أنا قلت البنيه اختارها أبو فيصل و ما برده .

و التفت إليها مردفًا : بعدين انتي شايفه حال ولدك الحين ... واشلون بتخطبيله من بنات القصور اللي مالين راسك الناشف ؟؟ .

هتفت باندفاع و نبرة البكاء تختلط بكلماتها : إن شاء الله بيرجع يمشي قريب و بختارله بنت شيوخ ما مثل حسنها أحد .

استلقى على السرير وضغط على كلماته : قلتلك البنيه اختارها أبو فيصل و أنا واثق فـ كلمة أخوي و ما بكسرها ..... يعني انتهت السالفه .

و غطى نفسه باللحاف ليطعنها في الصميم : طفي النور .

شهقت و رمشت عيناها و الدموع تنساب منهما و في داخلها شيء ينهار ، إنه ابنها البكر ..... و هم من يحددون زفافه ؟؟!!..... و من من ؟؟!!!... يتيمة لا تعرف عنها شيئًا ..... قد تكون قبيحة .... بربرية بالية و يتزوجها ابنها البكر ؟!!!! ... لن تحتمل ذلك أبدًا ...... من المستحيل أن تتخيل ياسر مع أنثى بهذا الشكل .....

أطفأت الضوء و خرجت من حجرة النوم تمسح دموعها ... و في داخلها رفض كبير و كره أكبر ينمو و ينمو عليهما و على .... تلك المجهولة .


.



.



.


في جناح ياسر


تطلّع إلى الرسالة القديمة تحت اسم ،، العهد ،، ليذكره بوعد قطعه على عمه و تركي بحفظها إن وسوس له الشيطان يومًا بمضايقتها ...... ، ارتسمت على شفتيه ابتسامة باهتة .. فهو يدرك الآن أن هذا آخر ما يفكر فيه .. أصبح النظر إلى اسمها و الرحيل مع ذكرياتها هو متنفسه الذي يروّح به عن نفسه ، زفر و وضع هاتفه إلى جواره ، جر اللحاف إلى منتصف صدره .... هل يرد عليها أم لا ؟؟!!! ... و إن أرسل ماذا سيخط ... العفو ؟؟؟!.. ابتسم بسخرية ..... كم هي غريبة هذه العلاقة التي تجمعهما ..... لمعت عيناه تحت الإضاءة الضعيفة .... ما هي مشاعرها نحوه قبل كل شيء ؟؟؟!! ... تكرهه ؟؟!! .... لا ... فروحها النقية تلك لا تحتمل كرهًا بين جنبيها ..... لكنها بالتأكيد لا تحبه فلم يفعل ما يستحق ، شعر بشيء من اليأس يتسلل إلى نفسه .. لوم و عتب لأنه لم يتعرف عليها أكثر عندما كان صحيحًا معافىً .. هز رأسه نفيًا و تلا بخفوت : ( إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ).

ثم تنهد قائلاً : خلك الحين فـ مصيبة أختك يا ياسر .

أغمض عينيه مردفًا : واش أسوي ؟؟!!.. أكلم عزام ؟؟!! .. لا .... المفروض ما أدخل نفسي بينهم .

وابتسم بمرارة : بعدين هو تزوجها و عارف بالقصه .

شعر بتيار يخترق قلبه .. مجرد التفكير في أنه ارتبط بشقيقته و هو يشك بها ولو بمثقال ذرة يلهب خلايا عقله ، اعتدل في جلسته يلتقط أنفاسًًا شعر بها تضيق ، أسند ظهره إلى حاجز السرير و رفع بصره إلى الباب الذي يُطرق : تــــفــضل .

فّتح الباب .... و أطلت من خلفه تلك الباكية المعذبة ، أشاح بوجهه عنها مرغمًا .. ألمه يزداد إن رآها .. قالت بصوت متحشرج : آسفه على إزعاجك .. بس ما بطول .

قبض على أصابعه .... كيف أصبحت علاقتهما الآن ؟؟!... لم تحتوي يومًا على هذه المصطلحات الغريبة ... طرقت مسامعه كلماتها العصيبة : و اللي يخليك لا تعلم عزام بشي من اللي قلته لك .

شهقت بعنف مردفة : أنا اللي بحل كل شي بروحي .

و خرجت من المكان مغلقة الباب خلفها ، وضع يده على قلبه المنقبض و حدقتاه تعتصران اللوعة و الأسى .... لا زالت نقية كما كانت .... ولكنه يطلب المزيد من الوقت ...... فبركان غضبه لم يخمد بعد ..... ، رفع بصره إلى الأعلى هامسًا : حسبي الله عليك يا فارس و ين ما كنت .. لو اختفيت عن العالم وين بتروح من رب العالمين ؟؟!.


@@@@@@@@@@@@@@@@@@@

جده


القصر



00 : 1 صباحًا


ابتسم الشاب العشريني و قال : وصلت المعلومه يا أستاذ تركي .

ربت تركي على كتفه قائلاً : و زي ما نبهتك .. راقب من مسافة بعيده ... إذا حصل لا قدر الله و لمحتهم على طول اتصل على عمر و بلغه بالقصه و حاول تلحقهم عشان تعرف المكان .

أومأ الشاب برأسه أخرى : كله مفهوم .

تنفس تركي الصعداء و هو يتحرك إلى سيارته : بالتوفيق يا يزن .


.



.



.


في الطريق


لم تعرف دموعها للجفاف معنىً و لا قلبها للراحة طريقًا .. إذًا فصديقتها و طبيبتها الحبيبة في المستشفى ؛ لأن ابنها تعرض لحادث سير شديد !!!!!!!.

أخبرها بذلك و أصرت باكية راجية على الذهاب لرؤيتها ... لم يشأ أن يحطمها أكثر .... فلبى طلبها و أرسل رسالة لعمر ليبلغه بأنه ذاهب للمستشفى .

انعطف إلى طريق جانبي اختصارًا للمسافة الطويلة كان مظلمًا إلا من إضاءات خافتة ، مخيفًا ، ساكنًا .. توسطت السيارة الطريق و سارت لمسافة لا بأس بها و ..

تــــــــــــــعــــــــــالــــــــى صرير إطارات ما في المكان .. نقل تركي قدمه إلى المكابح مباشرةً لتتوقف السيارة بشكل عنيف ، شهقت رهف و هي تندفع إلى الأمام و عيناها معلقتان بالسيارة التي اعترضت طريقهما .. همّ تركي بالتراجع على الفور و قد دب القلق في صدره .. و لكنه التفت في حدة إلى باب السيارة الذي انفتح من جهة رهف وذلك الملثم يصرخ بـ: انـــــــــــــــزلـــــيييييييييييييييييي .

همّ بتحريك السيارة و

: لا تتحرك .

تصلب في مكانه .. ليس لرؤيته ذلك السلاح الذي رفعه الرجل في وجهه بل لتلك النبرة المألوفة التي انطلقت من خلفه ، صرخت رهف بذعر و الرجل يسحبها إلى خارج السيارة : انزليييييي .

قبض تركي على أصابعه بحنق و هو يستمع إلى الحديث الموجه إليه : حيا الله تركي بن الوليد و الله .. حيا الله زوج بنتي .. حياك يا أبو رحم .

حافظ تركي على هدوء أعصابه و هو يقول ببرود : الله لا يحيك يالخبيث .

ضحك حسن بانتصار : أقوووول لا تأخرني .. انزل بسرعه .. ترى أي حركه منك بتخليني أطُخك باللي معايا .

نزل تركي من السيارة و على شفتيه ابتسامة تحدٍ : متأكد انك بتقتلني و الملف عندي .

لم يتمكن من رؤية الاحمرار الشديد الذي كسا وجه حسن من شدة الغضب نظرًاً للثام الذي يغطي وجهه و لكنه تمكن من التقاط صوته المنفعل : طــــم فـــمــك و ارفــــع يـــديــنــك فــــوق و لاّ

قاطعه تركي بصرامة : مو انتا اللي تهددني يا

قاطعه حسن بعصبية و هو يشير بسلاحه إلى رهف التي كبّلها مراد : هيا اللي بتودع .

ثم انفجر بالضحك : تدري انها زي جزمتي .. يعني مو هامتني .

نقل تركي بصره إليها .. كانت تبكي .. ذعرًا و هلعًا و هي لا تعي شيئًا عما يجري حولها و لا تفهم شيئًا مما تبادلاه من حوار ... يداها مقيدتان بإحكام و مراد يمسك بها بقسوة .. كم أحنقه المنظر ... تمنى لحظتها أن يعتصر عنق ذلك الحقير بكلتا يديه.

: تــــــــــــــــــــــركييييييييييي .

صرخت باسمه في لوعة أثارت حواسه فصفعها مراد على وجهها بشدة : قفليييييي فمك .

و وضع سلاحه على صدغها تحت مرأى تركي الذي تطلّع إليه بحقد الدنيا كلها .. ضحك حسن مرةً أخرى : الهبله .. الظاهر لسا ما عرفتني .

ثم استطرد بصرامة : هاه يا ولد الوليد .. تقاوم و نقتلها و لاّ ؟؟.

لم يكن من الصعب على تركي أن يحطم فكيهما حتى لو كانت حياته هي الثمن .. فليس لديه شيء يقلق بشأنه .. جوري تزوجت و البراء برفقتها ، و الشرطة تبحث عن حسن و الآخرين و مصيرهم هو السجن لا محالة .. و بهذا يكون قد انتهى من مهمته .. و لكن ضميره هو الذي منعه من ذلك .. ضميره الذي ارتبط بتلك فلم يقوى على فراقها .. حطمها و جعلها ضحية لا ذنب لها ... لم يكن يهتم بحياته أبدًا .. و لكن تمردّه سيعني القضاء على حياتها هي لذلك حسم أمره على الفور ، غمم ببرود شديد : اش اللي تبغاه بالضبط ؟؟.

تقدم حسن نحوه : أربّطك أول و أي حركه .. بتودع الحبيبه .

و بالفعل .. كبّله حسن بسرعة كبيرة و أمام عيني رهف التي تبكي في انهيار تام ، أشار حسن إلى مراد : يلا .

استقل مراد سيارة تركي و أوقفها في مكان مناسب حتى لا يثير أية شكوك ثم نزل منها و لحق بحسن الذي دفع تركي إلى المقعد الخلفي للسيارة و إلى جواره جلس مراد و بيده السلاح ، أما في المقعدين الأماميين فقد أجبر رهف على الجلوس عنوة على أحدهما و هو يصيح : انـــــــــــطــقــي هــنــا يـــالبـــقــر .

شهقت في حرقة و حسن يحرك سيارته الصغيرة إلى مكان آخر .

و لمحتهم تلك العينان الحذرتان من وسط الظلام ...... حرك سيارته ببطء و هو يهمس : سبحان الله .. كنت حاس يا أستاذ تركي ... أهم شي دحين إني بلغت عمر.


@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@



المملكة المتحدة


لندن


منزل أحمد


حجرة البراء


في نفس اللحظات


ابتسمت بلطف و هي تجلس برفقته على السجاد العريق و تمسح بالزيت على صدره الصغير ، كان وجهه مرهقًا .. و شعره بدأ رحلة التساقط بسبب العلاج الكيماوي ، همست له بلطف : حلو الزيت .. صح ؟؟.

نظر بفضول إلى ذلك الشيء اللزج الذي يلمع تحت الإضاءة ، أخذ يتحسسه بفضول أكبر : اش هدا ؟؟!!.

أدخلت يدها في العلبة لتأخذ كمية أخرى من الزيت ثم عادت لتدهن ظهره و موضع الجراحة و ذراعيه : هذا زيت .. نحطه على البراء عشان إن شاء الله يصير بطل .

رفع بصره إليها ثم إلى العلبة ، مد يده هاتفًا : أنا أبغى .

ابتسمت بحنان و مدت له بالعلبة : شويه بس .

أدخل يده و اقشعر جسده من ملمس السائل الغريب ، عاث بأصابعه قليلاً فهتفت محذرة و هي تبعد العلبة عنه : برّووووو .. خلاص.

ضحك في مرح من تلك الكمية التي علقت بيده .. قربها من شفتيه و هتف متسائلاً : آكل ؟؟ .

هزت رأسها نفيًا و هي تمسك بيده : لا .. هذا مو للأكل .. أعطيك ملعقة من العلبه الثانيه بعدين .. اتفقنا ؟؟.

وغمزت له بعينها فضحك مجددًا ، أمسكت بقميص – بجامته – الزرقاء و ساعدته على ارتداءها .. هذا الصبي يعلمها الكثير في كل مرة ...... علمها مقاومة الألم .. علمها أن لا تستلم .. يضحك و يلعب و ينشغل بما حوله كأنه سليم معافى رغم قلة حديثه ..... همست بـ : ما شاء الله .

ثم مسحت على شعره و عيناها ترسمان آيات عظيمة من الحزن و الفقد .. أغمضت عينيها وابتسمت عندما شعرت به يقبل وجنتها ، التفتت إليه هاتفة : نورتنا دكتور أحمد .

ابتسم بحب و هو يجلس إلى جوارها قائلاً : بوجود حبايبي الدنيا كلها منوره .

و مد يديه يلاعب البراء : هاه يا بطل .. كيفك دحين ؟؟!.

أجابه البراء بكلمة جديدة تعلمها : الحمد لله .

ضحك أحمد و جوري و تبادلا نظرة مرحة ، عبث أحمد بشعره هاتفًا : آآآآآه يا ناااس على الشطّار .

دفع البراء يده و هو يتراجع للخلف ضاحكًا ، نهضت جوري من مكانها و هي تقول : أروح أجهزلك العشا .

أمسكها أحمد مع يدها و جذبها أخرى : ما أبغى عشا دحين .. اجلسي.

ابتسمت و هي تنقل بصرها من البراء إليه : الرجال يفرك عيونه و مسلّم النِّمر ... نطلع برا أحسن .


نهض أحمد و حمل البراء بين يديه هاتفًا : خلاص أنا أنومه اليوم .

هزت كتفيها و خرجت من الحجرة .. ألقت نظرة على حجرة الممرضة .. أنهكها التعب اليوم فعرضت عليها النوم باكرًا ، سارت إلى المطبخ الأنيق ، فتحت كتاب الطبخ الكبير و قلبت الصفحات حتى وصلت إلى ما تريد ، ابتسمت بحنان و أخذت تعد ما تحتاجه ، انشغلت حتى أذنيها في الــــهـــوايــــة الــــجـــديــــدة و في كل زاوية تظهر صورتها .... في كل ثانية تسمع صوتها ، أغمضت عينيها و تلك الآية تتردد في عقلها : ( وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا * وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيرًا ) .

ابتلعت غصتها و هو يضع كفيه على كتفيها ، همست باكية : ماني قادره أنساها .. أشوفها فـ كل مكان .. حتى فـ أحلامي .

أدارها لتواجهه و احتواها بصمت .. و هذا ما كانت تحتاجه ... مساحة لتفرغ دموعها .. و دفء يحتويها ، مسح على شعرها و ظهرها ...... منحها وقتًا لتستكين ، ثم همس بمرح : شكلي بحرق دجاجك اليوم .

شهقت و هي تتراجع للخلف : نـــسيته !!.

و اندفعت إلى قدرها الذي وضعته على النار هاتفةً : دب !! .. ترا تنام بدون عشا اليوم .

ضحك قائلاً : والله إنتي اللي محرمه عليا آكل من المطاعم و أنا ما أقدر أردلك طلب .

ابتسمت بحب و هي تطمئن على ما أعدت : و أنا ما أرتاح إذا ما أكلت من يدي .

اقترب منها و توقف خلفها ثم مال هامسًا على أذنها : و أنا بروح أجهز الطاوله و الشموع .

ضحكت رغمًا عنها فاعتدل واقفًا و هو يقول بابتسامة واسعة : يا بــــــاســـط !!.

التفتت إليه هاتفة من وسط ضحكها : تذكرت لما قلبت الطاوله على راسك فـ حفلة نجاحك من المتوسط انتا وتركي .

مد يديه و أخذ يدغدغها هاتفــًا : أنـــــــــا الـــلــي بــقــلــب مــودك دحـيـن .

انفجرت بالضحك و هي تدفعه : أحـــــــــــــــــــــمــد!!!!


@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@






الرياض


قصر أبو خالد


في نفس الللحظات



سار أبو فيصل في الصالة الرئيسية و عيناه تجولان في أركان القصر الخالي و بجواره عزام .. لم تطأه أقدامهما منذ وفاة الجد و انتهاء العزاء ، استقلا المصعد إلى الدور الثالث و منه إلى حجرة المستودع التي اعتاد أبو خالد أن يضع فيها أوراقه المهمة ، صحيح أنه قد تم جردها قبل تقسيم الورث .. و لكن بقي فيها مجموعة من الملفات ليست ذا أهمية كبرى ، مد يده نحو المقبض و حركه .. تطايرت ذرات الغبار و أزكمت أنفيهما .. لم يتمكنا من التقاط شيء ببصرهما من وسط الظلام ، مد أبو فيصل يده إلى اليمين و أشعل الضوء .. تأملا الحجرة الواسعة .. كئيبة ، مخيفة .. كل ركن منها يحتوي على أرفف مملوءة بالمستندات و الملفات و الأوراق و يتوسط الحجرة طاولة رخامية – عنابية - مستديرة تحيط بها أربعة كراسي من جهات مختلفة ، تقدم إلى الداخل ببطء .. و هو يقول باستنكار : واش ذا الغبار ؟؟؟ .

انتبه لحظتها إلى النافذة المفتوحة عقد حاجبيه بضيق و توجه إليها قبل أن يغلقها بإحكام ، استدار مواجهّا الأرفف مرةً أخرى مغممًا : الله يعين .. الظاهر بنتعب كثير .. واشلون نطلع العقد من بين هالأكوام ؟؟!!.

ابتسم عزام مشجعًا : نبحث اليوم و إذا ما لقينا شي .. باكر نتصل على رعد و الباقين يجون يكملون .

أومأ عمه برأسه موافقًا و بدآ في عملية البحث .. ينتقلان من اليمين إلى اليسار ، و من رف سفلي إلى رف علوي ، من الجلوس على الأرض إلى الجلوس إلى الطاولة .


.



.



.


زفر أبو فيصل في حنق شديد و هو ينظر إلى ساعته.. مرت ساعة كاملة و لا أثر للعقد ، التقط ملفًا آخر .. فتح صفحته الأولى .. و سرت رعدة قوية في أطرافه و هو يحدق في الصورة التي أمامه ..كانت صورة لشقيقه الــــــــــــــــولـــيــد ، تمتم بخفوت : هذي واش جابها هنا ؟؟؟!!!.

نظر عزام إلى الصورة و لم ينبس ببنت شفه .. بل عاد إلى مطالعة ما في يده مجددًا ، أطلق أبو فيصل زفرة حارة من أعمق أعماق صدره جعلت عزام يلتفت إليه بقلق هاتفًا : عمي ؟؟!!!..

تحسس أبو فيصل الصورة بأصابعه و همس : الله يرحمك يا ولدي .

زوى عزام ما بين حاجبيه و هتف : ولدك ؟؟؟!!!!!!..

رسم أبو فيصل على شفتيه ابتسامة باهتة مجيبًا : ايه .. كنت أعتبره مثل ولدي .. أنا اللي ربيته و اعتنيت فيه ..كان أقرب لي من أي إنسان ثاني .. لكن ..

اختنقت الكلمات في صدره من فرط التأثر و لم يرق ذلك لعزام الذي شعر بالقهر و الغيظ يشحنان صدره .. كانت الكلمات تشتعل في حنايا قلبه و تهمّ بالانطلاق من بين شفتيه و لكن عمه أردف: أنا ما عارضت زواجه .. بالعكس .. وقفت جنبه فـ وجه أبوي الله يرحمه و ساعدته قد ما أقدر .

تطلّع إليه عزام في دهشة و أبو فيصل شارد ببصره .. يحكي كأنه في عالم آخر : تميت أواسيه بعد طرد أبوي له .. لكنه سافر و ترك كل شي .

شبك يديه و ضعهما تحت ذقته و هو يردف بصوت عميق : يا الله .. قد ايش تعبت وقتها و قلقت عليه .. أربعه و عشرين سنه انتظرته .. و الحمد لله .. رجع وشفته .

سأله عزام بدهشة : أربعه و عشرين سنه ؟؟؟؟!!!!!! ما سمعت صوته و لا شفته .. معقول ؟؟ .

ابتسم أبو فيصل و هو يسترخي في مقعده : لا .. كان يكلمني من فتره لفتره و يرسلي رسايل لكني .. ما كنت أشوفه .

ثم التفت إلى عزام هاتفًا: ليش مستغرب .. كنك ما تعرف بهالموضوع ؟؟!!.

هز عزام رأسه نفيًا : لا .. أنا ما أعرف تفاصيله .

رفع أبو فيصل أحد حاجبيه و هو يهتف : من جدك انت ؟؟ ما تعرف سبب المشكله اللي حدت أبوي يطرد الوليد ؟؟!.

كان عزام يعرفها و يحفظها عن ظهر قلب فتركي أخبره بكل شي .. لكنه آثر أن يتظاهر بالتجاهل ؛ فمشاعر عمه تجاه الوليد تبدو غريبة و لا تمّت للحقد بصله ، ابتسم بلطف قائلاً : ودي أسمعها .

هز أبو فيصل رأسه و هو يتراجع في مقعده و يغمم : بترجعني سنين ورا يا عزام .. لكن أحكيلك .

صمت للحظات يسترجع فيها ذكريات من الماضي السحيق ثم ابتدأ : الوليد الله يرحمه كان أذكى واحد فينا حنا العيال .. و يوم بدا يشتغل فـ الشركه .. قدر يكسب اعجاب أبوي و اعجاب كل الموظفين .. و بعد فتره .. سوى لنفسه شركه خاصه فيه.. أبوي ما عارض و خلاّه على راحته .. و مرت سنين و سنين و صار للوليد سمعته و اسمه في السوق ..و ما صار محتاج لوجود أبوي فـ حياته .. لكن رغم كل هذا .. كان بارّ و ما قطع صلته فيه .

لم يعتقد عزام أن عمه سيبدأ القصة من هذا الزمن الــــــــــبــــــــــعــيــد الذي لا يعرف عنه الكثير ، لذلك سأله باهتمام : وعقب ؟؟.

نهض أبو فيصل من مجلسه و توقف أمام النافذة و يداه معقودتان خلف ظهره مردفًا بذات النبرات الثابتة : إلين جا ذاك اليوم اللي كلمني فيه الوليد عن ... ولد عمنا .. حامد سعود .

زوى عزام ما بين حاجبيه هاتفًا بحيرة : سعود؟؟!!! .. هذا أخو جدي الله يرحمه من الأبو .. صح ؟؟ .

أومأ أبو فيصل برأسه : ايه أخو أبوي من الأبو .. الله يرحمهم أجمعين .

صمت للحظة ثم تابع : الله يغفرلهم .. كانت بينهم قطيعه كبيره بسبب الورث .. و ما كان أبوي يبغى سيرته .

تنهد أبو فيصل ثم أردف : المهم الوليد كلمني عن حامد و إنه قابله بالصدفه و تعرف عليه ، وانه رجال طيب و سمعته زينه و .. ليش نقاطعه ؟؟.. حِرت فـ الاجابه .. خصوصًا إني ما أعرف حامد و فـ نفس الوقت أبوي ممكن يقلب الدنيا على روسنا لو دري بأن واحد فينا يكلمه أو له علاقه فيه .. سكت عن الموضوع و ما فاتحني فيه الوليد بعدها .. و مع كذا استمر فـ علاقته مع حامد بدون علم أبوي .

هز عزام رأسه في ترقب شديد و أبو فيصل يتم القصة: حامد .. كانت له أخت وحيده يعيلها بعد وفاة عمي و زوجته.. و بالرغم من غنى عمي .. لكنه ما خلاها تدرس .. فكانت أمّيه ما تعرف تقرا ولا تكتب .. و كان عندها صعوبه فـ التعلّم ..يعني .. ضعيفه و تايهه و على نياتها .

أرهف عزام سمعه للحديث جيدًا فهنا المحك الرئيسي للحادثة كلها ، استحثّه بحذر : طيب ؟؟!!! .

أخذ أبو فيصل يسير في الحجرة الواسعة ببطء : حامد الله يرحمه صابته جلطة في القلب و تنوم في المستشفى .. و لمّا حس بحالته تسوء وصّى الوليد على أخته الوحيده .

تأمله عزام للحظة ثم قال : و تزوجها عمي ؟؟؟.

هز أبو فيصل رأسه نفيًا و هو يلتفت إليه : ما كان الموضوع بهذي السهوله و هي بنت المرحوم سعود .

قطب عزام حاجبيه في ضيق مغممًا : حتى بعد وفاته .. جدي ما سامحه .

أجابه أبو فيصل : الله يغفر له .. كنت دوم أحس إن الموضوع أكبر من الورث .. لكني ما عرفت أكثر من هالشي .. الشاهد .. يوم كلمني الوليد ما عارضته .. بالعكس و قفت بجبنه وشجّعته يكلم أبوي .

نهض عزام من مقعده و جلس على الطاولة و هو يتابع القصة بشغف شديد : و رفض ؟؟؟ .

جرّ عمه كرسيًا و جلس عليه : و بشده .. صرخ على الوليد .. كيف يتزوج مثل ذي البنت و أصلاً ليه كانت له علاقه مع حامد ؟؟!... حاول الوليد يليّن قلبه و إن أخوها مريض و إنها وحيده و مالها أحد .. لكنه ظل على رفضه و هدده لو تزوجها لا هو ولده ولا يعرفه .

شعر بغصة مريرة في حلقه و هو يتذكر تلك اللحظات العصيبة ..ذلك الشجار العنيف بن والده و شقيقه و الذي انتهى بخروج الوليد من القصر غاضبًا غير آبه بتهديدات والده .

هز كتفيه متمّمًا: و تزوجها .. و بعدها بيوم توفى حامد.

ثم رفع بصره إلى عزام و هو يزفر : و هذي كل القصه .

شبك عزام أصابعه و هو يسأله بحيرة : لكن .. ليش غير اسمه بعد ما رجع من السفر ؟؟؟؟!.

غمّم عمه بحيرة مماثلة: هذا هو السؤال الوحيد اللي ودي أعرف إجابته يا عزام .. صارح الكل بأن السبب إنه ينهي علاقته مع أبوي .. لكني ما صدقته و ضغطت عليه لجل يعلمني بالحقيقه .. لكنه أصرّ على نفس الاجابه .

و حرك رأسه في حيرة أكبر و هو يردف : و أتوقع والله أعلم .. إنه غيره من يوم ما سافر .. يعني عاش سنين طويله باسمه الجديد .. و بكذا كون نفسه باسم الوليد .

تأمله عزام للحظات و رغبة شديدة بالحديث تثور في صدره .. عليه أن يكبتها و لكنه لا يقدر ، و هتف بها : عمي !! .

التفت إليه أبو فيصل : سم .

نظر إليه عزام بترقب شديد و قلبه يخفق بصورة أشد ، ضغط على حروفه و هو يلقي بقنبلته : دامك كنت تعزه هالكثر .. ليش حاولتم تحطمون شغله ؟؟؟!.

قطب عمه حاجبيه في غضب : نحطم شغله .. واش هالكلام يا عزام ؟؟ .

قبض عزام على أصابعه بقهر و هو يقول باندفاع : أجل فـ رأيك واش سبب انقلاب تركي عليكم فجأه ؟؟!!!.

صمت أبو فيصل للحظات و هو يرمق عزام بنظرات غريبة ..غضب .. إنكار .. حيرة ، أطبق عزام شفتيه في انتظار القادم .. استدار أبو فيصل بكامل جسده لمواجهة ابن أخيه : تركي شاف نفسه على الكل بعد وفاة أبوه .. موب أكثر و صار يطلع عنا كلام بأننا نكره أبوه و نعاديه و انت شفت بنفسك كيف كان يصدنا كل ما حاولنا نكلمه.

انقبض قلب عزام في قهر و هو يضغط على كلماته : لا .. لا يا عمي و سامحني ع الكلمه .

رفع أبو فيصل حاجبيه في دهشة فاستطرد عزام في ألم : تركي ما عاملكم إلا مثل ما عاملتوه .

صاح أبو فيصل في عصبية : عــــــــــــــــزام واش هــــالــــــــكـــلام الـــفـــاضـــي ؟؟!!! .

تراجع عزام في مقعده هاتفًا : و أكرم جبران .. صبحي وفيق و هيثم حمّاد .. واش كانت شغلتهم ؟؟ .

سأله عمه في حيرة عصبية : مِن ؟؟؟؟!!!!!!!!!!!!!! .

فغر عزام فاه في صدمة ثم تمتم : ما تعرفهم ؟؟؟؟؟؟!!!!!..

لوح أبو فيصل بيده في حنق : أول مره أسمعبهم .. مِن ذول ؟؟.

حدّق عزام فيه بصدمة و أبو فيصل يكرر تساؤله في عصبية أكبر : عــــــــزام .. تكلم و فهـــمــنــي الــقــصـه .

التقط عزام أنفاسه .. ثم قال : اللي شغلتوهم جواسيس فـ شركة عمي الوليد الله يرحمه قبل وفاته .

هب أبو فيصل من مقعده في غضب جارف : عــــــــــزام .. انـــــــــــت مــــــــــــن ويـــــــــن جــــــــــــأيــب هــــــــــالــكــلام ؟؟؟؟؟؟؟!!!!!!!!!

انقبض قلب عزام في شدة و هو يغمم : الظاهر انك مخدوع يا عمي .. و ما تدري عن بلاوي أخوانك .. و جدي الله يرحمه .


@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@



الرياض


فيلا أبو ياسر


جناح عروب


في نفس اللحظات



أغمضت عينيها و هي تستكين تحت شلال الماء الدافئ ، أي قوة تلك التي تداعب روحها الآن ... أهي الطعنات المتتالية ؟؟ .. أم هو مر الواقع و سم الذكرى ؟؟ .

رفعت وجهها ليستقبل أكبر كمية من السيل الذي تتصاعد أبخرته ، شعور مريح يذيب آلامها ... أغلقت صنبور المياه ، خرجت من الحمام بعد أن لفت جسدها بثوب الاستحمام الوردي ... و جمعت شعرها تحت منشفة خاصة بذات اللون ، جلست أمام المرآة و همست و بصرها يشرد في الفراغ : أخذتني و انت شاك فيني يا ولد عمي !! .

أغروقت عيناها بالدموع و هي تردف : لا تخاف ... باكر بينتهي كل شي .


@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@


جده


أحد الأحياء النائية


مخبأ مراد


40 : 1 صباحًا



دفع تركي بقسوة داخل المنزل و أغلق الباب خلفه ، ضحك بشماتة و هو يقول : شفت يالـ##### .. مو أنا اللي ينلعب معايا بالنار .

لم ينبس تركي ببنت شفه و هو يتطلّع إلى حسن بكل برود ، كانت رهف ملقاة على الأرض ..تبكي و غطاءها لا يزال على وجهها .. توجه إليها حسن و نزع الغطاء عنها صائحًا: هــــاه يالـــــــــــبـــقره .. نــــســـّاك الــكــلـــــــــب أبـــوكِ .

صرخت في ذعر و هي تحاول أن تخفي وجهها باستماتة : حــــــــــــــــــــــــــــــرااااااااااااااام .

ضحك في سخرية و هو يجرّها مع ذراعها : حراااام ؟؟!!! اش اللي حرام ؟؟؟!!حرام يشوف أبوكِ وجهك يالعاااااااااقه ؟؟؟؟؟!!.

شهقت بعنف و هي تصرخ : كــــــــــــــــــــــذاااااب .. ابـــــــــــــــعـــد عــــنـــييييييييي .. أنـــــا أبــــــــــويـــا مــــــــــــيـــت .. مـــــــــــــــــــييــيت .

زوى ما بين حاجبيه للحظه و رمق تركي بنظرةٍ سريعة قبل أن يحدثها مجددًا بصرامة : طالعي فـ وجهي .

لم ترد عليه بل اكتفت بإطراق رأسها لأقصى مدى علّها تمنعه من رؤية وجهها ، تراجع مراد إلى الخلف واستند بظهره إلى الجدار و هو يتابع الموقف في استمتاع ، صرخ حسن بعصبية وهو ينزع طرحتها من فوق رأسها : أقــــــــــــــــــــــول طــــــــــــــــــالـــعـــي فــــــــــــــــيــــنــيييييي .

بكت في حرقة و هي تصيح : لااااااااااااااااااااا .

جرّها مع شعرها بقسوة و أجبرها على مواجهته ، كانت عيناها تسبحان في نهر من الدموع و شفتاها ترتعدان من هول الموقف ، حدّق فيها للحظة لــــــــــــتــلــتــقــي نـــظـــراتــهــمــا وسط شتات الأولى و حقد الآخر ...... حركت حدقتيها برهبة أمام هذا الوجه الخبيث ...... من هو ؟؟؟.. من ؟؟ لا تدري .... ، زمجر بحنق و أنفاسه تلفح وجهها: أنا أبوك يالملعو** .. حسن ناااااصر .. غسل مخك الكلـ* وخلاكِ تنسين أهلك .. خلاكِ تنسين المجنون ولد خالتك اللي كنت تعشقيييينه .

خفق قلبها بعنف و كلماته تلسعها لسعًا ، هتفت بصوت مخنوق و هي تضيق عينيها : انتا كذاااب .. كذااااااب .. أنا أبويه مات .. مات .. مااااات .

صفعها على وجهها بقــــــــــــــسوة صرخت بألم و تهاوى جسدها على الأرض الباردة ، اندفع يركلها في بطنها صائحًا : يــــــــــــــــــالـــــــــــحـيـوا** .. مـــــــــــــــــو أنــــا الـــــــــغبـــي الـــلــي تـــمــشــي عـــلــيــا لــعــبــتــكــم و تــــــــــــــــمـثـــيـــــــــلــك الــغـــــــــــــبـــييييييي .

تعالى صوت صرخاتها الموجوعة و أنينها المعذب ... و هنا .. لم يحتمل تركي المشهد أكثر لأن ضميره صاح مؤنبًا : يـــا حـــــــــــــــــــــقــــيييييييييييييييييييييير .

التفت إليه حسن و هو يلهث من شدة العصبية ثم توجه نحوه و عيناه متسعتان بحنق : مـــــــــــــــــيـــن الـــــــــــــــــحــقــيـــر يـــا ولـــــد الـ###### .

رد عليه تركي بصرامة : لم لسانك يالــــقــــذر .

لــــكـــــــمــــــــه حسن على وجهه بقسوة : انتا اللي تطم فــــمـــك .

اعتدل مراد في وقفته عندما وصل الأمر إلى هذا الحد و قد بدأ القلق يفتك به ، رفع تركي رأسه و خيط من الدماء يسيل من جانب شفتيه ، قال بصرامة : يلا .. اقتلني يالمجرم .

زمجر حسن بعصبية : كيف وصلت للملف ؟؟.

ابتسم تركي قاصدًا إغاظته : مو شغلك .

همّ حسن بلكمه مجددًا و

: لا تمد يدك .

تسمرت يده في الهواء عندما نطق تركي بتلك الكلمات بصرامة عجيبة ، أردف تركي قائلاً بثقة و نظراته المهيبة تحرق حسن حرقًا : صدقني .. ما هميتني لا إنتا و لا تهديدك و لا حتى عاشقة جاسم و الصور اللي أرسلتها لك أكبر دليل ... و لعلمك أنا ما راح أخسر شي حتى لو قتلتني لأني مرتب أموري تمام .. لكن انتا ..

كذا ولاّ كذا مصيرك السجن .

ثم صك على أسنانه و هو يقول مهددًا : مد يدك .. و احلم بالملف .

عقد مراد حاجبيه بضيق شديد و اكتفى بالصمت أما حسن فقد أعاد يده إلى جواره بعد أن حلل الكلمات بسرعة : وين الملف ؟؟ .

ابتسم تركي عندما أصابت كلماته الهدف الذي ينشده و هو إعلام حسن بأن رهف سلعة رخيصة لا تعني شيئًا ؛ ليصرف التفكير في قتلها عن اللعبة تمامًا .. اعتدل في جلسته : في الشركه .. و ما في أحد يقدر يطلعه إلا بأمري .

عقد حسن يديه أمام صدره و هو يتأمل تركي بشك : و المعنى ؟؟؟؟.

هز تركي كتفيه ببساطة : المعنى واضح و مو محتاج أي تفسير .

صمت حسن للحظة و الشك يزرع بذوره في نفسه ..


.


شعر مراد بالعرق يبلل جبهته .. لا يدري لماذا يشعر بهذا الخوف الشديد كأن تركي سيطعنه الآن بسكين ليقضي عليه .. تأمله .. هذا هو ابن شقيقته .. شقيقته من أبيه .. كم كان يكرهها .. كم كان يحقد عليها و كل ذلك .. لأن والده الميت كان يفرق بينهم و لا يعدل .. فكل الأموال .. و كل الاهتمام .. كان يذهب لتلك الشقيقة و أخيها حامد .. أما هو و والدته .. فلا شيء لهم سوى المعاملة السيئة .. و هكذا .. نما الحقد .. و نبتت أوراقه و أشواكه بكل عناية .. سنة بعد سنة .. يسقيه .. حديث والدته القاسي عن أبيه .. و أنه الظالم .. الذي لا يعدل .. و عندما تزوجت شقيقته من ذلك الرجل الغني الذي يحسب له الكل ألف حساب .. جن جنونه و ثارت ثائرته .. و قرر أن يحطمها كما تحطمت حياته .. رغم ضعفها وقلة حيلتها ..و لكنه خطط مع حسن و مسعود .. ونفذ ..

انتفض جسده بعنف عندما اصطدم بصره بعيني تركي و أشاح بوجهه على الفور و كلمات حسن تصدح في المكان : دحين تدق على واحد منهم .. و تخليه يحط الملف ف المكتبه القريبه من هنا .. و بكذا آخذه .

رفع تركي أحد حاجبيه قائلاً بسخرية : أعتقد المكتبات مقفله الآن .

زمجر حسن بغيض : نفذ اللي أقلك عليه و بسسسس .. حتى لو يحطّه بكره الصباح ..أهم شي تعطيه خبر .

أجابه تركي ببساطة : كيفك .. جوالي فـ جيبي .. طلّعه و أنا أتكلم معاه .

اقترب منه حسن و تركي يقول بابتسامة شامتة : الجيب اليمين .

رمقه حسن بنظرة نارية و هو يدخل يده في الجيب الأيمن ، التقط الهاتف المحمول : اش اسمه ؟؟؟.

: عمر الـ*****.

بحث عن الاسم حتى وجده ثم رفع بصره إلى تركي مهددًا : لا تحاول تتلاعب .. راح أتصل عليه و أشغل السبيكر و تكلمه قدامي .. لو حاولت توصلّه أي شي عن وضعك أو مكانك .. همممم .. ما راح أقتلك .. لا .. ممكن أقطعلك رجل أو يد .. و بكذا أفش غلّي فيك و بالمره أأدبك .

قال له تركي بجفاء : اش اسم المكتبه ؟؟.

همّ حسن بإجابته لكن قاطعه مراد بتوتر : حسن .. اختار مكتبه بعيده عن هذا المكان .

التفت إليه حسن بحدة فاستطرد مراد على الفور : الاحتياط واجب .. قلتلك هذا شيطان .

ابتسم تركي بسخرية و حسن يقول له بنفاد صبر : مكتبة المهيري اللي فـ شارع الأربعين .

تطلّع إليه تركي بنظرة خاوية ثم قال : اتصل .

ضغط حسن زر الاتصال و لم تمض رنتان إلا و أتاه الصوت : حيا الله تركي .

قرّب حسن الهاتف من تركي الذي قال بنبرة عادية : أبو مساعد .. انتا وينك .

: ...... و الله قريب من البيت ..... آمرني يالشيخ .

رفع تركي بصره إلى حسن و قال بهدوء : تتذكر الملف اللي خليته عندك .. اللي مكتوب عليه ناصر بن عيد الـ*****.

أتاه صوت عمر الهادئ : ايوه .. أتذكره .

تابع تركي حديثه بذات النبرات: اسمعني .. أبغاك بكره الصباح تحطه فـ مكتبه المهيري اللي فـ شارع الأربعين.. خليه هناك باسمي .. و أنا بجي أستلمه لأني ما راح أمر على الشركه .

سأله عمر : أستناك هناك ؟؟؟.


حرك حسن إصبعه بلا و عيناه تحملان ألف تهديد فأجابه تركي : لا .

قال عمر أخيرًا : تآمر يالشيخ .. بكره إن شاء الله بيكون هناك .

برقت عيناه حسن في انتصار و تركي يقول : يلا سلام .

أغلق حسن الهاتف و ألقاه بكل قوته إلى الحائط فتفككت أجزائه إلى قطع متناثرة ، ابتسم باستهزاء : ما راح تحتاجه بعد كذا .

ثم نهض واقفًا على قدميه و استدار مواجهًا رهف .. كانت مكومة على نفسها .. آلام تحاصر جسدها و صداع يعصف برأسها ، و خوف يشل حركتها ... جرّها حسن مع شعرها و هو يصرخ في وجهها : و انــــــــــــــتــــي الـــــــــثــــانــــــــــيـه .. حـــســابــك عــســيــر .. اذا مـــا كــســرت راســـك و رمــيــتــك لــلــكــلاب مــا أكـــون أنــا حــســن .. لــكــن خــلــيــنــي أتــأكــد مــن مـــوضـــوع الــمــلــف أول ..و بــعــديــن أوريـــك الـــــــــــعــــــذاب .

لم تحاول أن تبدي أية ردة فعل لأنها لم تكن تراه فالدموع .. كونت غشاوة على عينيها و الصداع .. حوّل صراخه إلى كلمات مبهمة .. قلبها فقط بخفقاته القوية .. كان يشعرها بأنها حية ، دفعها بقسوة فاصطدم ظهرها بالحائط .. أطلقت آهة خافتة و سقطت على الأرض مجددًا .. متهالكة لا تقوى على الحراك ، احتقن وجه تركي و تحدث مراد بتوتر : حسن كفايه ضرب .. راح تقتلها و الملف لسا ما وصل .

تجاهل حسن عبارته و هو يقول : انطق عندهم هنا .. أنا تعبان و أبغى أريح جسمي شويه .. ليّا كم يوم ما أذوق طعم النوم .

ارتبك مراد و ازدرد لعابه بخوف : كيف يعني .. بتسيبني لوحدي ؟؟؟.

أمسكه حسن مع تلابيبه بحنق : يالجبااان .. بنام في الغرفه الثانيه .. لا تخاف .. محد بيقدر يعرف هذا المكان .. و إذا حسيت بشي صحيني .

أومأ مراد برأسه على الفور فتركه حسن و توجه إلى الداخل لينعم بقسط من النوم .


@@@@@@@@@@@





الرياض


قصر أبو خالد


في نفس اللحظات



: عــــــــــــــمــــــــــــييييي .

صرخ بها عزام و هو يهب لاسناد عمه الذي انهار أرضًا ، لهث أبو خالد بإعياء : عـ ـزام .. يا ولدي .. تركي .. تركي .

انتفض قلب عزام في خوف و هو يشاهد وجه عمه الذي بدأ في الشحوب و أنفاسه المتلاحقة، شفتاه اللتين تميلا إلى الزرقة ، هتف بتوتر : لحظه يا عمي .. بجيب الاسعاف لحظه .

رفع هاتفه على الفور و اتصل على الحارس : بسرعه الاسعاف .. عمي طا

و انقطعت حروفه و هو يرى جحوظ عينا عمه ، صرخ بهلع : عــــــــــــــمـــــــــــــي !!!!!!!!!!!!!!!!!


.@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@


جده


مخبأ مراد


30 :2 صباحًا



فرك مراد يديه في توتر كان يشعر باختناق شديد جراء وجوده مع تركي في مكان واحد ، شعر بضغط دمه يرتفع شيئًا فشيئًا خصوصًا مع هدوء تركي ، أرخى بصره بحنق


■ ■ ■ ■


جـــــــده


جماد الأولى


1409 هـ


ابتسم و هو يرى الذعر الشديد المرتسم في عينيها .. تقدم للداخل قائلاً : بدري .... هذا كله عشان تفتحين الباب ؟؟!!.

ارتجفت شفتاها و قالت بتلعثم : مـ..مـ ..مراد .. ز..زوجي موب موجود الحين .

ضحك و هو يغلق الباب خلفه : أدري إنه مو موجود .. غريبه طلع وخلاكِ و مالكم إلا أسبوعين راجعين من الدمام .

قبضت على أصابعها بخوف و تمتمت : طـ ..ط.. عـ ..عنده شغل .

هز رأسه بسخرية و أخرج من جيبه مجموعة من الأوراق ، لوح بها أمام وجهها و هتف : تدرين هذي ايش ؟؟!.

هزت رأسها نفيًا فقال بقسوة : هذي رسايل من عمي أبو خالد .

زوت ما بين حاجبيها في حيرة و هو يردف بقسوة أكبر : بسببك سلطان بعد عن أهله و تخاصم معاهم لأنه تزوجك .... و دحين أبوه حلف يتبرأ منه لو ما رجع و رد على اتصالاته ... تدرين ليش ؟؟.

هزت رأسها نفيًا مجددًا و الدموع تتساقط من عينيها بغزارة : لـ ..لا لا .

تقدم منها أكثر مستطردًا بخبث : لأنهم اكتشفوا إنك أخته من الرضاعه .

جحظت عيناها في هلع و أردف هو ليقصم ظهرها : طلب مني أوصله هذي الرسايل اللي تشرحله القصه لأنه مطنشهم ولا يرد على اتصالاتهم .

بكت في انهيار و هي تتراجع للخلف : لـ ..لا ..لـ ..لا ..كـ .. كيف كيف ؟؟!.

صرخ في عصبية : مـــــــــــــالـــكــ دخــــل كــيــف .... الــمــهــم إنــك طــلــعــتــي أخــتــه مــن الــرضــاعــه و لازم يــطــلــقــك لأن جــلــوســكــم مــع بـــعــض بــهــذي الــصــفــه حــــــــــــــــــــرااااام مــا يــســيــر يــلــمــســك و لا يــقــرب مــنـك .

وضعت يديها على جانبي رأسها و شهقت بحرقة : بـ .. بـ

قاطعها بصوت مخيف : ما في بس .... لو أعطيته الرسايل و ما رد على عمي أبو خالد ممكن يقتله .

جحظت عيناها برعب أكبر ، و نظر هو إلى ساعته بتوتر ثم رفع بصره إليها و استطرد : أنا ممكن أساعدك وما أعطيه الرسايل اللي طلب مني عمي أوصلها له و بقله إني ما لقيته .... بس بشرط ....... إنك تحضريلي كم مليون خلال يومين و أجي أنا و آخذها منك ... أو ..... راح أرسله الرسايل .. و كملي حياتك معاه براحتك.

لم تنبس ببنت شفه فصاح عليها بقسوة : فـــــــــــــــــهمـــــــــــــــــــتي ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟!!!!!!!!!!!!!!!!.

انتفضت في هلع و هزت رأسها موافقة .. فابتسم بانتصار و غمم : كويس يا بقره .. الظاهر عقلك المتخلف تحسن شويه .

ورفع إصبعه قبل أن يخرج : بتصل عليك قريب عشان أشوف ردك ، و إن شاء الله ما يرد عليا سلطان .

و انفجر بالضحك و هو يرى الرعب المتفجر على وجهها .


■ ■ ■ ■


رفع بصره ببطء فهبط قلبه بين ضلوعه عندما شاهد نظرات تركي الباردة .. همّ بالإشاحة بوجهه و لكن

جمدت عروقه تلك الكلمات الصارمة: راضي عن اللي سويته ف حياتك .. يا ..

و أتم بسخرية : خالي .

ارتعش جسد مراد و تعرقت يداه ، ضغط على أسنانه و رد بارتباك شديد : قــ ـفل فمك .. مو من حقك تتكلم .

رد عليه تركي بصرامة مخيفة : لا من حقي .. من حقي أطلع روحك .

انتفض مراد بعصبية و صاح بحنق : طــــــــم فمك .

استكان تركي في مكانه و هو يسند ظهره للجدار بأريحية تامة ، اشتد غيظ مراد فهتف : مسكين .. محروووووووووووووووق من جوا بس تكابر .. انتا تستاهل أكثر من كذا يا شيطان .

لم يتمالك تركي نفسه و ندت من بين شفتيه ضحكة قصيرة زادت من عصبية مراد ، استطرد تركي بثقة : و ليش أنحرق ؟؟.. أنا كذا و الحمد لله خلصت انتقامي .

و ضغط على كلماته أكثر : انتا عارف كيف راح يكون مصيرك لما تقبض عليك الشرطة .. مو أقل من 20 سنه سجن .. هذا غير الغرامات و شوف مين اللي بيستقبلك بعد ما تخرج .. و انتا منّتف بدون فلس واحد .

زمجر مراد في حنق و هو يندفع نحو تركي صائحًا : و مـــيـــن قــــال ؟؟.. دحــيــن أنـــظـــف جـــــــيــوبـــــــك .

رفع تركي أحد حاجبيه بسخرية و مراد يمد يديه نحو جيوب ثوبه بانفعال شديد : تاكل تبن و تسكت .. و وريني إذا تقدر تسوي شي .

لم يكد صوته يتلاشى حتى طرق باب الشقة بشدة ، سقطت الأغراض من يد مراد و تسمّر في مكانه من شدة الفزع .. و : مــــــــــــــراااااااد .. افــتـه .. بــســرعـه .

ركض مراد نحو الباب و فتحه صائحًا : مــــرعي !!!!!!!!!!!!

دلف إلى الداخل صبي أسمر رث الثياب كان يلهث في ذعر : سـ ــرطه .. سـ ـرطـه في ايجي .. بسرعه .

زمجر مراد في عصبية و دفع الصبي بعنف إلى الخارج قبل أن يغلق الباب صائحًا: حــــــــــــــســــاااااااااااااااااان .

اندفع حسن من الحجرة المجاورة و صرخ : اشـــــــــــــــــــــفــيييييييه .

ركض نحوه مراد و هو يصرخ : بــــــــــــــــــــــســــرعـــــــــــــــه الــــشـــرطــه جـــأيــه .

لم يفهم حسن شيئًا و مراد يجرّه للباب الخلفي و يصرخ : بــــــــــــــــــســرعـــــــــــــه الـــــــــشــرطــــــــه جــــــــــــــايـــه .

صرخ عليه حسن وهو يدفعه جانبًا : شـــــــــــــــــرطـــة مـــيـــن ؟؟ و كــــــــــيـــف عـــــــــــــرفــــــــوا الــمــكــان ؟؟؟؟؟؟؟؟.

صرخ مراد في رعب و هو يحاول الفرار : مـــرعــي عــلــمــنـي .. الـــــــــــــــــحيـــوا* .. يــمــكــن خــلــى أحــد يــراقــبــه .

ركض مراد على الفور و حسن لا يزال غير مصدق و هو يتطلع إلى تركي المبتسم في برود ، صرخ بجنون كاد أن يمزق حباله الصوتية : يـــــــــــــــــــا مـلــــــــــــــــــــــــــــــعــــــو* .

اشتعل قلبه .. قهرًا و حقدًا .. غضبًا و غيضًا .. حسرةً و مرارة .. يريد أن يقتله و لكن عليه أن يهرب ..أمسك بزجاجة المشروب الغازي الملقاة على الأرض و رماها على وجه تركي صائحًا : يالـ######## .

خفض تركي وجهه على الفور واصطدمت الزجاجة بجبينه في عنف فتناثرت قطعها في كل مكان ، هرب .. حسن مع الباب الخلفي مثل مراد تمامًا ، انسابت الدماء الحمراء من جبين تركي نزولاً إلى آخر وجهه ، ضغط على أسنانه بحنق و هو يرفع رأسه مجددًا إلى حيث هربا و لم تمر لحظة حتى فُتح الباب بقوة شديدة في نفس الوقت الذي اندفع فيه رجال من الشرطة من إحدى النوافذ ، صاح بهم تركي : شــــــــــــــــــــردوا مـــــــــــــع الــــــــــــــــــبــــاب الـــــــــــــــلـي ورا .. الـــــــــــــــــــحــقــــوهـــــم .

استمع مجموعة منهم للنداء و قام آخران بمعاونة تركي على التخلص من قيوده ، كان أحدهم على وشك الاقتراب من رهف فصرخ على الفور : خـــــــــــلّـــــوهـــا .

توقف الشرطي في صدمة و هو يلتفت إلى تركي ، الذي قال بمرارة : هذولي أهلي .

ابتعد الرجل على الفور وهو محرج و أدار البقية ظهورهم لها ، نهض تركي من مكانه بعد أن حل وثاقه و توجه إلى رهف و هو يستمع إلى تعليمات رئيس الفرقة : فتشوا المكان شبر شبر .. هتّان و يامن الحقوا بـ

لم يحاول أن ينتبه إلى باقي الكلمات و هو ينحني إلى رهف .. الدموع تبلل وجهها البريء و الألم بادٍ على محياها الحزين .. رفع رأسها عن الأرض و غطاه بطرحتها الملقاة جانبًا ..

: أستاذ تركي .

التفت إلى الوراء ليجد رئيس الضباط الذي قال : جرحك يحتاج لتضميد و لازم نسعف الأهل .

أومأ برأسه في صمت و عاد ينظر إليها ، اندفع عمر من بين الجمع هاتفًا في لهفة : تـــــــــــــــــركــــــــي .

وضع الغطاء على وجهها و هو يقول لعمر : بخير .. لا تخاف .

حملها بين ذراعيه و غادر المكان برفقة عدد من رجال الشرطة الذين طلبوا سيارة الإسعاف .. لم يمض كثير حتى نقلوها بالسيارة إلى المستشفى و عمر يظن أنها شقيقته جوري ، التفت إلى تركي الذي لُف رأسه بالشاش الأبيض و قال : كانت فكرتك ذكيه .. على طول دق عليا يزن و أنا فهمت من كلمة أبو مساعد إنهم قبضوا عليك.

أجابه تركي و هو يتحسس الضمادة : ما خطر على بالي إني أكلم يزن إلا اليوم ،.. كان كل همي إنهم يقبضون عليه لو حاول يوصل للملف .

ابتسم عمر براحة شديدة : الحمد لله .. انتهت الأمور على خير .

حاول تركي أن يبتسم و لكنه لم يقدر .. فباله منشغل الآن .. منشغل .. جدًا .


@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@


الرياض


المستشفى


00 : 3 صباحًا


جلس على أحد الكراسي البيضاء أمام حجرة عمه : ألو .. هلا نواف.... ايه ....

.........صوتي ؟؟؟ .. .. لا ... بس تعبان شوي ..... المهم .. اسمعني زين ... عمي أبو فيصل تعب .. و أنا الآن معه ف المستشفى و ..................ايه .. طيب .. طيب .. أزمه تنفسيه و الحمد لله عدت ......... لا .... ما يحتاج .......... .... ايه .. قلهم طيب .. ........... احتمال باكر ... أنا بجلس عنده .........و

بتر عبارته ثم أردف بصوت مرتفع كأنه تذكر شيئًا :نـــــــــــــــواف .. ياسر لا يدري بشي ......لا أحد يعلمه .. ايه ........................يلا ....... في أمان الله .

أنهى المكالمة و أعاد هاتفه إلى جيبه قبل أن يضع رأسه بين يديه و هو يزفر : يا حبيبي يا عمي .

ترقرقت دموع في عينيه و هو يتذكر وجهه الملتوي بألم و حروفه المتقطعة تهتف باسم تركي في إعياء شديد ، هز رأسه في قهر متمتمًا : الله يسامحك يا جدي .. الله يسامحك يا أبوي ..الله يسامحكم كلكم ..كلكم .



@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@


الرياض


فيلا الجازي


في نفس اللحظات



وضعت كفها على النافذة الزجاجية المظللة ، عيناها تعانقان القمر في سكون ، تتوهجان بفيض من دموع الفقد و الغربة .. من يصدق ؟؟!!! .. رمضان العام الماضي كانت تجلس برفقة والدتها .. و الآن يطرق الشهر بابها وحيدةً بلا رفقة .. تناقص أفراد عائلتها الواحد تلو الآخر .. رحلوا جميعهم .. رقدت أجسادهم تحت التراب و لم يبق سواها فوق الأرض ، لا زالت تذكرهم .. لا زالت أطيافهم الحبيبة تسكن روحها .. عيناها .. أفكارها .. كل شيء من حولها .. لا زالت تذكر اجتماعهم على سفرة الإفطار .. تلك البسمات .. تلك الضحكات .. والدها الحنون عندما يرفع كفيه ليدعو .. أمها الحبيبة و هي تسكب لهم الشوربة ، مشاكسات عادل لها .... اجتماعهم الأسري عند السحور .... هذا عادل يفرك عينيه من شدة النعاس .. و أمها تمد لها بصحن السلطة لتأكل .. و والدها يحدثهم عن ذكرياته القديمة .

انخرطت في بكاء حار .. جلست على المقعد خلفها و شهقاتها تفر بحرقة ...... احتضنت وجهها بين كفيها .. غدًا كذلك عليها أن تقدم القرار القاطع ببقائها هنا أو بخوض مغامرة غير محمودة العواقب بين أناس لا تعرفهم .... ماذا تفعل ؟؟!!... أين أمها لتستشيرها ؟؟؟!! ... أين عادل لتأخذ برأيه ؟؟!!... أين والدها ليحتويها من البعيد بنظرات حنونة محبة ؟؟؟... أين هم ؟؟!!.

تساقطت القطرات الدافئة من بين كفيها .... اهتز جسدها من فرط النشيج : خلاص يا تساهير .. تعوذي بالله من الشيطان .. انتي استخرتي و خلاص .. الحمدلله .. الحمدلله .

رفعت كفيها لتمسح سيل الدموع ، رفعت بصرها إلى السماء و ابتسامة ضعيفة تخترق حزن الدموع ، همست : يا ربي لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك و عظيم سلطانك .

مدت يدها إلى الرف المجاور و أمسكت بمصحفها لتبث إلى قلبها المزيد من الراحة بتلاوة آيات العظيم .

@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@


جده


الحي النائي


قرب مخبأ مراد


في نفس اللحظات


اقترب من المكان بتوجس شديد و أخذ يراقب بعينيه رجال الشرطة القريبين من المخبأ ، صك على أسنانه بغيظ فعقله يفكر في طريقة يخبر بها والده بهذا الأمر .. أن المخبأ الذي يؤجرونه محاط برجال الشرطة ، تأفف في حنق و هو يتساءل عن موعد رحيلهم من المكان و

: لو سمحت .

شهق الصبي في ذعر و تراجع إلى الخلف ، ابتسم الواقف أمامه بهدوء : لا تخاف .. ما راح أسويلك شي .

توقف الصبي في مكانه للحظة و هو يتأمل الوسيم الذي أمامه .. بالضمادة البيضاء على رأسه و الكدمة المؤلمة في طرف شفتيه ، ذلك الوسيم الذي قال بلطف : انتا مرعي .. صح ؟؟ .

تراجع الصبي أخرى و هو يومئ برأسه ، أدخل الوسيم يده في جيبه و أخرج محفظته مغممًا : انتا تستاهل هديه .

زوى الصبي ما بين حاجبيه و هو ينظر إلى تلك الأوراق النقدية الكثيرة التي يمسك بها الشاب ..كانت كلها من فئة الـ 500 ريال ، رفعها الوسيم قائلاً : هذي كلها لك .. بس بشرط .

صمت الصبي و هو يرمقه بترقب ، استطرد الشاب بجدية : تقلي وين راح مراد .

رفع الصبي حاجبيه في دهشة بالغة و هو ينظر إلى ......

... تركي ...

الذي اقترب منه ببطء متسائلاً بحذر: انتا تعرف وين راح .. صح ؟؟ .

هز الصبي رأسه نفيًا على الفور و قد سلب المال لبه ، مد إليه تركي ورقة بـ 500 ريال و هتف ببساطة: خذها .

تأمله الصبي في توجس فألح عليه تركي : خذها.. والله لك .. لأمك و أخوانك .

مد الصبي يده و التقطها بسرعة كبيرة وهمّ بالهرب .. و لكن تركي توقف أمامه على الفور هاتفًا : لحظة .. ما خلصنا كلام .

توهج الخوف في عيني مرعي و تركي يقول : علمني بس وين مكانه .. و كل هذي الفلوس بتصير لك .

و لوح بالمبلغ في يده ...نقل مرعي بصره بين الأوراق النقدية و وجه تركي اللطيف .. و بعد ثوانٍ حائرة .. نطق بخفوت : أنا ما يئرف هوا فين .. بس

استحثه تركي بلهفة : بس ايش ؟؟؟.

تلفت مرعي حوله بريبة .. ثم قال بخفوت : أنا في يئرف مكان واهد تاني ، رجال كبير ( و حرك يديه مشيرًا إلى ضخامته ) صديق مراد .

زوى تركي ما بين حاجبيه و سأله بخفوت مماثل : هوا جا هنا قبل ؟؟.

أومأ مرعي برأسه على الفور : ايوه .. في ايجي هنا .. بعدين في روه مع سياره .. هدا رجال كلـ* في أوّر أُيون( عيون ) أنا .

و أشار إلى عينيه بتوجع ، صمت تركي للحظة و هو يفكر في هوية هذا الرجل ،تمتم بخفوت : يمكن مسعود ؟؟.

زفر في حرارة و قدم إلى مرعي ورقة نقدية أخرى : وصلني للمكان .. بسرعه .


@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@



__________________________________________________ __


*مرجع المعلومات : موقع طريق الإسلام (الإيدز AIDS .. عقوبة إلهية )

** هناك العديد من التعاريف لصعوبات التعلم، ومن أشهرها الحالة التي يظهر صاحبها مشكلة أو أكثر في الجوانب التالية:
القدرة على استخدام اللغة أو فهمها، أو القدرة على الإصغاء والتفكير والكلام أو القراءة أو الكتابة أو العمليات الحسابية البسيطة، وقد تظهر هذه المظاهر مجتمعة وقد تظهر منفردة. أو قد يكون لدى الطفل مشكلة في اثنتين أو ثلاث مما ذكر. ( المصدر : موقع ذوي الاحتياجات الخاصة )


الفصل الــــــــــــثــــــــــــــــــالـــــــــــث عــــــــــــشـــر


~~~~~~~~~



~ نــــــــــــيـــــــــــــــرانُ الـــــــــــــــهــــــــــــلاك ~




******************



إلَـــــــى الـــــدّيـــانِ يَـــوم الــحَــشْــرِ نَــمْـضـِي .. و عـــِنْــــدَ اللهِ تَـــجْـــتَــمِــعُ الــخُــصــُومُ



*************************


جده


أحد شوارعها المظلمة


30 : 3 صباحًا


لهث في شدة و هو يستند إلى أحد الجدران : الله يـ ـ ـآ ـخـ ـ ـ ـذه .

لهث مراد بدوره و هو يستند إلى جواره و الدموع تتجمع في عينيه المذهولتين ، لم يشعر حسن في حياته بمثل هذا الإحباط و القهر ، كل شي يتداعى أمام عينيه و كل مخططاته تنهار خلف بعضها البعض ، انسل بجسده على الأرض في إرهاق شديد و همس بيأس : اش أسوي دحين ؟؟ .

ندت من بين شفتي مراد شهقة مكتومة و هو ينسل إلى جواره .. و ما مضى يلوح أمام عينيه


■ ■ ■ ■


جده


1409 هـ


انفجر الاثنان بالضحك حتى دمعت أعينهما و هما ينظران إلى الثالث النحيل الذي يتبختر بالعباءة السوداء و يهتف بصوت يشبه النساء : لا تضحكون عليا .. قولولي اش رايكم ؟؟؟ .

استلقى حسن على ظهره من شدة الضحك ، و أمسك مسعود ببطنه في توجع و هو عاجز عن إيقاف ضحكه الشديد : الله يآخذك يا ##### .. خلاص .. بطنييييي .

رفع مراد أحد حاجبيه و التفت إليهما و هو يعدل من وضع العباءة فوق رأسه : الظاهر صدقتوا أعماركم .. أنا دحين أقلكم اضحكوا ولا أعطوني رأيكم ؟؟؟؟.

مسح حسن دموع الضحك و هو يعتدل جالسًا : تحففففففففففه .. وربي تحفه .. الحمد لله إنه دوري شي ثاني .

و قهقه مجددًا و مسعود يرمقه بنظرة حاقدة : اش فيها لو شاركتك ؟؟!.

ضربه حسن على كتفه صائحًا : لا يا حبيبي .. احنا سوينا قرعه و طلع اسمي .. بعدين لا تنسى إنك بتراقب الوضع من برا إلين ما نخلص .

اقترب منهما مراد و هو يخلع العباءة قائلاً : خلونا نراجع الخطه دحين آخر مره .

و جلس إلى جوارهما و هو يلقي العباءة جانبًا ، ثم غمم : بكره الليل نخلص من التصوير .. و اليوم اللي بعده على طول أروح أكلمها على الرسايل .

ثم أردف بسخرية مقيتة : و أكيد الخبله ما راح تفتح فمها وتقله على الفلوس .. يسير نكلم زوجها وبعدها أودي الظرف .. حلو ؟؟!.

مط مسعود شفتيه و هو يشيح بوجهه : والله قهر .. الأدوار الخطيره لك انتا و إياه .. و أنا شغلتي أراقب وبس .

رفع حسن حاجبيه في غرور هاتفًا : لازم الصور تطلع حلوه .. و ما بتصير حلوه إلا بوجودي أنا الوسيم .

رفع مسعود حاجبيه في استنكار صائحًا : لا يا شيـــخ .. كثر منها .. قال وسيم قال .

و استطرد ساخرًا : قبايل القرود كلهم أطلق من طختك .

ضربه حسن بقوة على ظهره لينفجر الأول ضاحكًا ، سأله مراد بضيق : جهزت الدوا المنوم ؟؟!.

أومأ مسعود برأسه : إيوه .. جاهز يا صديقتي .

قهقه حسن و هو يضرب يده على طريقة ( كفك ) ، رفع مراد حاجبيه بحنق و نهض من مكانه قائلاً : تخــــلف !! .


■ ■ ■ ■


انتفض في مكانه من شدة نحيب حسن الذي هتف : اش نسوي دحين ؟؟!

تحسس مراد جيب ثوبه و قال في صوت أقرب إلى البكاء : معايا كم قرش .. خليني أدور على تلفون عمومي و أكلم جلال يجي يطلعنا من هنا بأي طريقه .

التفت إليه حسن هاتفً في أمل : و الله .. يقدر ؟؟ .

أومأ مراد برأسه و هو يتلفت حوله في خوف شديد : ايوه سواهـ

وبتر عبارته على الفور ثم أردف بنبرات مختلجة : أقصد هوا الوحيد اللي يقدر يساعدنا دحين .. و موجود فـ جده على حسب علمي .

قبض حسن على ثوب مراد هاتفًا برجاء : بسرعه .



.


.


.



و لم تمض ربع ساعة إلا و تمكن مراد من محادثة جلال الذي وافق على استقبالهم في شقته و اعتذر منهم لتواجده خارج المنزل ، أخبرهم أن المفتاح الاحتياطي لدى صديقه الذي يسكن في الشقة المجاورة و سيحادثه بخصوص الأمر .



.



.



انطلقا على الفور مشيًا على الأقدام فلم تكن الشقة بعيدة كثيرًا عن مكانهما ...... و عندما وصلا ، أشار مراد بيده في لهفة : هذي هيا العماره .

كانت كما مضى قائمة في حي جديد و حولها الكثير من المباني في طور الإنشاء و الكثير أيضًا من الأراضي الخالية ، حتى أن الكهرباء لا تغطي كل المنطقة ، تنفس حسن الصعداء ثم همس : طيب بسرعه خلينا نجري .. ترى أشكالنا تخلي الناس يشكون فينا .

و ركضا بسرعة إلى مدخل المبنى ...


.


.



.



و هناك..

من على مسافة قريبة و في تلك السيارة السوداء .... رآهم تركي الذي تمتم : و لقيتكم يالقتله .


@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@


جده


البحر


35 : 3 صباحًا


ضحك في خفة و هو ينفث دخان سيجارته : تراب فـ حلقك يا لثور .

ضحك رفيقه الذي يجلس أمامه : مالثور إلا انتا يا أبو جلمبو .

اقترب منهما شاب في العشرين من عمره كث الشعر أسوده ، هتف في ضيق : جـــــلال .

التفتا إليه و هتف جلال : انتا لسا ما نمت ؟؟ .

تأفف الشاب في حنق و هو يمد إليه بهاتفٍ محمول : كيف أنام و العله ذا رجني بس يرن .

ضحك جلال و هو يأخذ منه الهاتف: سوري يالحبيب .. يلا انقلع وكمل نومك .. كلها كم ساعه و نحرّك .

قلده الشاب في غيظ : كم ساعه و نحرّك .

و أردف حانقًا و هو يعود أدراجه : أصلاً الغلط عليا أنا اللي جيت معاكم .. و ين الواحد ينام فـ سياره ؟؟؟ .

تحدث رفيق جلال الآخر : دحين 3 جوالات يالمفتري !!!!!!!.

ابتسم جلال بسخرية قائلاً : كل واحد لناس .. اثنين فـ الجيب .. و حق المزعجين دايمًا أرميه فـ السياره .

~ تعالى صوت رسالة جديدة~

ضحك رفيقه و هو يشرب من كوب الشاي : أكيد البقره النايمه منهم .

همّ جلال بالتعليق و لكن وجهه امتقع وهو يقرأ الرسالة التي وصلته ، شهق في ذعر و هب من مكانه كالمجنون ، صاح رفيقه في هلع و هو يقفز من مكانه : اشـــــــــــــــــــفـــــييييييييييه !!!!!!!!!!.

لم يلتفت إليه جلال بل ركب السيارة و غادر المكان بأقصى سرعة .


@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@


جده


شقة جلال


40 : 3 صباحًا


ألقى بجسده على أول مقعد صادفه و أشار إلى مراد بيده هاتفًا بإعياء : انقلع و جيبلي مويه ... بموت من العطش .

حك مراد رأسه بغيظ و غمم : أفففففففف .. أبغى الحمام .

رمقه حسن بنظرات مرعبة و هو يقول : أقول المويه أول .

انتفض جسد مراد من حدة النظرات المصوبة عليه ، و هتف على الفور : طيب .

تلفت حوله يبحث عن المطبخ ، كانت الشقة صغيرة و لكنها مرتبة و نظيفة ، استطاع أن يلمحه في طرفها الأيمن فتوجه إليه على الفور .

أغمض حسن عينيه في إرهاق و همّ بالغط في نوم عميق و لكن

: جـــــــــــــلال !! .

هب حسن من مقعده في صدمة و التفت إلى مصدر الصوت ليجد .. ... آخر شخص يتوقعه ......


@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@


جده


سيارة جلال


في نفس اللحظات



شهق في صدمة و هو يحاول أن يتمسك بأي شي ، صرخ بخوف : جــــــــــــــــــــــــــــــلاااااااااااااااااا ل خـــــــــــفـــــــــــــــــف الـــــــــــــــــــــســـرعــــــــــــــــــــه شـــــــــــــــــــويـــــــــــه .

زاد جلال من سرعته و هو يصرخ : انـــــــــــــــــــــــطــــــــــــــمممممممم .. فـــــــــــــــــي جــــــــــــــــــــريــــمــه حــــــــــــــــــتــصـــيــر لـــــــــــــــو مـــــــــــا تـــــــــــحـــركــت بــســرعــه .

اشتدت أعصابه و هو يتذكر تلك المحادثة الأخيرة بينهما في السيارة


■ ■ ■ ■

جده

1429 هـ

رفع حاجبيه بصدمة و هو يلتفت إليه : لهذي الدرجه كنت شايل عليه فـ قلبك ؟!!!!!.

تأفف مسعود وهو يتابع الطريق ببصره في حذر : و أكثر عساه بالبلى اللي يهده و يرسله على المقبره الحيوا* الـ######.

حرك جلال السيارة عندما أضاءت الإشارة الخضراء و غمم : كويس إنكم ما انحجزتم فـ زنزانه وحده.

عقد مسعود حاجبيه هاتفًا بحنق : عشان واحد فينا ينقتل ؟؟.


■ ■ ■ ■



انتفض جسده و هو يزيد من سرعته ، و شاشة هاتفه تظلم على تلك الرسالة :


---------------------- من م ---------------------


جلال .. من أول أدق عليك ما ترد ..

أنا رجعت من القريات لأن أمان اللي يقدر يساعدني عشان أطلع للأردن مسافر و احتمال يرجع الأسبوع الجاي .

أنا رايح لشقتك .. معايا المفتاح اللي أعطيتني إياه .. لا تشيل هم .


~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~


صاح في قهر و هو يعاود الاتصال بجوال مسعود و لكنه مغلق و كذلك جوال جاره الذي يبدو أنه نائم ،ضرب على مقود السيارة : ياااااااااااارب .


@@@@@@@@@@@@@@@@@


جده


شقة جلال


41 : 3 صباحًا


التقت العينان بكل ما فيهما من الصدمة القاتلة ، صمت مهيب خيم على المكان .. لكنه لم يدم طويلاً ؛ لأن حسن أطلق صــــــيحته الوحشية : انـــــــــــــــــــــــتــا يـــــــــــــــــــا حــــــــــــــــــــيــوا* .

صاح مسعود بشراسة : ابـــــــــــــــــــــــــلــع لـــــــــــــــســانــــــــــــك أحــــــــســــلــــــــــك يا ####### .

اندفع نحوه حسن صائحًا : يــــــــــــــــــــــــــــــا خــــــــــــــــــــــــايــــــــــــــن .

اشتبك الاثنان في معركة حامية انتفض لوقعها جسد مراد في المطبخ ، ركض برعب وشاهد القتال ، شهق في صدمة و هو يرى الدماء التي بدت تتساقط من شفتي حسن و من وجه مسعود ، صرخ حسن بهستيريا وهو يرفس مسعود بقدمه : يــــــــــــــــــــــــا ####### و الله لــتـــــــــــــــــنــحــرق تـــــــــــــــــــحــــــــــــت يــــــــــــدي .

دفعه مسعود بقسوة أكبر و هو يصيح : انـــــــــــــتــــــــا الـــــــــــــلـــي راح تـــــــــــــــــــــــــــودّع أول .

ركض مراد إلى داخل المطبخ و جسده يرتعد ، هتف بصوت باكي : يا ربيييييييييييي .. اش أسوي ؟؟؟؟؟.

كانت الأفكار قد أخذته إلى مكان بعيد ..لو قُتل أحدهما فلن يسلم هو من القاتل .. لذلك لا بد أن يفر .. و لكن كيف ؟؟!!

: آآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآه

انتفض جسده عندما سمع صرخة مسعود و مال برأسه إلى الصالة ، صرخ مسعود في غضب هادر و يده على عينه : يـــــــــــــــــــــــــــــــــــــا كـــــــــــــــــــــــــــلـــ* .

لوح حسن بيده في عصبية و هو يلهث : و الله لأعــــــــــــــــــــــــــــــدمـــــــــــــــ لــك الــــــــــــــــــثــانـــيــه .

و اندفع نحوه مجددًا و هو يطلق صيحة عصبية ، ركض مراد إلى إحدى زوايا المطبخ و أخذ يفتح الأدراج واحدًا تلو الآخر يبحث عن شي ما و صراخهما يثقب طبلتي إذنه .

رفع حاجبيه برهبة و رفع ذلك الشيء الطويل بيدين مرتعدتين مصفرتين ، ازدرد لعابه و سار به إلى الخارج و كل مبتغاه أن يهرب من بينهما ، أغمض عينه من شدة الصيحات و مسعود يسقط أمامه على الأرض الصلبة و حسن يجثو فوقه ليلكمه بكل ما أوتي من قوة : مــــــــــــــــوتك على يــــــــــــدي اليـــــــــــــــــوم .

ركض من جوارهما بسرعة و .. اصـــــــــــــــــطدم به حسن إثر دفعة مسعود ، صرخ بذعر و هو يهوى أرضًا و الـــساطور يفًلت من بين أصابعه : لااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااا.

تراجع مراد إلى الخلف في هلع و عيناه تبحثان بجنون عن الساطور و لم يكد يجده حتى همّ برفعه و لكن حسن صرخ بجنون : هـــــــــــــاتــــــــــــــــــــــــــــه .

وقع كفاهما عليه في وقت واحد حاول مراد أن يجره لجهته و قلبه بين قدميه و لكن حسن جرّه بقوة أكبر صائحًا : أقــــــــــ

شهق بعنف عندما اندفع نحوه مسعود و في يده قطعة حادة ، رفــــــــــــــــع الساطور بحركة حادة لــــــــــــــيـــخـــتـــرق ذلك العنق : آآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآ آآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآ آآآآآآآه

انطلقت تلك الــــــــــــــــــــــــصــــرخة ، صــــرخـــة قوية زلزلت المكان و تفجرت لها الدماء ، حمراء غـــــــــــزيرة .. دماء مراد ، تناثرت الدماء على وجه حسن و ثيابه وكذلك ثياب مسعود الذي تسمّر في مكانه ، شخصت عينا مراد للأعلى و هو يجاهد لالتقاط أنفاسه ..و لكن هيهات فالعنق تمزق و الدماء أنهار متفجرة ..

انهار جسده على الأرض الصلبة و حشرجة غريبة تخرج من بين شفتيه ، جحظت عينا حسن في ذهول و صرخ مسعود بهستيريا : قــــتـــــــــــــــــــــلــــــــــــــــــــــ ته ... قــــــــــــــــــــــتــلــتــه يــــــــــــــــالـــمـــجـــرم !!!!!.

أفاق حسن من صدمته و أدار رأسه بحدة إلى مسعود الذي اصفرّ وجهه من هول الموقف و هو يصيح : مـــــــــــــــا راح أخــــــــــــــــــــــلـــيــك تـــقــــتــــلـــنـــي أنــــا الــــــثـــــانـــي .

همّ بالهرب و لكن يد حسن كانت أسبق ، أمسكت بقدمه و أوقعته أرضًا على وجهه ، صرخ مسعود في رعب حقيقي : لاااااااااااااااااا .. ابــــــــــــــــــــــــعــــــــــــــــد عـــــــــــــــــــنــــــــــــي يــــــــــــــــــالــــــــــــــمــــــــــــــ ــجرررررررم .

هب من مكانه و في يده القطعة الحادة التي جرحت يده و لونتها بلون أحمر قاتم ، واجه حسن بها و هو ينتفض و يـــــــــصرخ : ابـــــــــــــــــــــــــــــــعـــد عـــــــــــــــــــــنــي .

أخذ يسير نحو الباب ببطء و وجه حسن الملطخ بالدماء يتابعه بنظرات مخيفة ، مصدومة .. حائرة .. ذاهلة ، لم يتمالك مسعود نفسه أكثر فصرخ بجنون : و الله لــــــــــــــــــــــيــقـُـصــــــــــــــونـــ ــــــــك .

و اندفع نحو الباب بسرعة و

: آآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآ آآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآه

انطلقت الصرخة الثانية ، صرخة أقوى من سابقتها .. صرخة أعنف و أشد ، صرخة رهيبة .. حملت ألمًا عظيمًا و رعبًا شديدًا .

سقطت القطعة الحادة على الأرض و أصدرت رنينًا مزعجًا ، تصلب صاحبها للحظات و جسده ينبض ، عيناه الجاحظتان تعانقان البلاط و لعاب مختلط بالدماء يسيل من فمه المفتوح ، سقط جسده الضخم على الأرض و أصبح وجهه الشاحب مواجهًا لقاتله .. حسن الذي كان واقفًا يلهث بشكل عجيب ، وجهه مسود و عيناه جاحظتان ، الدماء تغرق جسده و بين يديه الساطور الثقيل .

تعلقت عينا مسعود به للحظات و جسده لا زال ينبض بحركة خفيفة ، توقف بعدها عن الحركة و من ظهره تسيل دماء الحياة الغزيرة التي كونت بركة مخيفة .

سقط الساطور من يد حسن محدثًا رنينًا عجيبًا ، تلفت حوله بهستيريا .. جثة مراد الممزق العنق على يمينه .. و جثة مسعود مثقوب الظهر أمامه .. و في كل شبر قطرات من الدماء و ...... شقة خالية .

كان جسده ينتفض و ينتفض ، صرخ في جنون و ركض نحو الباب الخارجي لتنغمر قدماه ببركة الدماء الكبيرة ، فتح باب الشقة نزولاً عبر الدرج و منه إلى الشارع الخارجي .


.


.


.



.



هتف تركي بغيظ : يا الله يا عبد العزيز وينكم ؟؟ .!!!!

كان ينتظر الضابط و مجموعته داخل السيارة ، عاد ينظر إلى المبنى السكني و اتـــــــــــســـعــــت عيناه في صدمة عندما شاهد حسن يركض كالمجنون و الدماء تغطي ثوبه وجسده و أمارات الرعب تعلو وجهه بكل قسوة ، انطلق كالريح إلى خلف المبنى حيث الظلام ، و بلا تفكير فتح تركي باب السيارة صائحًا: لااااا .. مــــــــــا راح تــــــــــــــشــــــــــــــــــــرد .

ركض هو الآخر خلف حسن غير مبالٍ بحياته ؛ عليه أن يتم انتقامه بأي شكل .. بأي صورة .. لا يهمه مالذي حصل في الأعلى و لكن دلائل الجريمة واضحة على وجه حسن ، ركض و ركض و ركض و طيف والده أمام عينيه ..



■ ■ ■ ■

جده

1426 هـ

سعل بشدة و هو يهتف بصوت مخنوق : تركي .. حسن ناصر .. و .. و شركائه .. مـ ـسعود .. و خالك .. ... خـ ـ ــالك مـ ـراد ..هما اللي قتلوا أمك .. انتقم منهم يا تركي .. وصيتي لك .. انتقم منهم يا ولدي .. حسن ناصر .. حسـ


قبض تركي على كف والده و الدموع تتجمع في عينيه : أبويه .. أمي ماتت مقتوله .. أمي أنا انقتلت ؟؟؟!!!!.


■ ■ ■ ■


أغروقت عيناه بالدموع و هو يركض و يركض و يركض و فقد ذلك الحضن الدافئ يتأجج في صدره بنيران القهر ** أمي أمي أمي ** لمح حسن من تحت ضوء القمر و بعض الاضاءات الخفيفة من مبانٍ مجاورة

صرخ بكل قهر الدنيا و آلامها ، صرخ بكل عذابها و نيرانها : حـــــــــــــســـــــــــــــــاااااااااااااااااا ااااااااااااااااااااااااااااااااااااان .

انتفض جسد حسن المجنون و التفت إلى الوراء في صدمة و انفلتت من بين شفتيه تلك الصرخة : آآآآآآآآآآآآآآآآآآآآه .

تــــــــــــجـــــمـــــد تركي في مكانه و خفق قلبه في عنف و هو يتطلع إلى الأفق الخالي بعينين متسعتين .. اختفى حسن من أمامه فجأة !!!!!!!!!!!!!!! لم يتمكن من استيعاب الموضوع .. لقد كان أمامه قبل قليل و

: آه .. آه .. آآآآآه .

أثارت حواسه تلك الآهات المخنوقة ، عقد حاجبيه لمسمعها ، حاول أن يدقق النظر و لكنه لم يرى شيئًا .. حزم أمره و قبض على كفيه و هو يسير بحذر باتجاه المكان الذي اختفى فيه حسن و لمح السبب ..

.. خــــزان ماء مفتوح سقط فيه..

و لا زالت الآهات تتوالى .. آهات مخنوقة .. موجوعة ..

اقترب تركي من الــخزان و قد لاحت له أصابع يديّ حسن المتمسكة بحافته من الداخل .. اقترب تركي ببطء

حتى بلغ الـخزان ، و من تحت ضوء القمر .. لمعت عينا حسن المستنجدة بفيض من الدموع .. حدق فيه تركي .. عينان جاحظتان و لسان معقود .. مجرد آهات خائفة متحشرجة تند من بين شفتيه كأنه فقد قدرته على النطق : آه .. آه .. آه ..آآآآه .

لم يحرك تركي ساكنًا و هو ينظر إليه بنظرة خاوية ، تفجرت الدموع من عيني حسن و انسابت على خديه لتغسل الدماء عن وجهه و هو يستنجد تركي بنظراته : آه .. آه .. آه..آآآآآآآه .

و لم يرف له جفن ، و نشوة غريبة تغرق صدره .. بلسم بارد يسيل ببطء على جراحه : ..تـ .. تـــ ـــ ـلكي .. تـ .. تلكي .. آه.

زوى تركي ما بين حاجبيه و هو يستمع إلى تلك اللكنة الغريبة ، تراجع إلى الخلف ببطء و عيناه معلقتان بوجه حسن الشاحب و الذي ازدادت آهاته : آآآآآه .. آآآآآه .

جحظت عيناه كأنهما ستخرجان من محجريهما و انــــــــــــــــــــــزلقت يده ، فارقت الشفا بــــــــــــــــصـــرخـــــــة مـــــــــــــــــــدمـــــــــــــرة : آآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآه.

ترددت الــــــــــــــــــصـــــــــــــــــرخــــة بصدى مهيب في عمق الظلام ، إلى نهاية مجهولة تُرجمت بصوت الماء الغاضب ، تناثرت قطراته حنقًا من جسد مزق سطحه المتماسك .. فسحبه إلى عمقه و أغلق عليه ، تراجع تركي إلى الوراء و الصرخات المفزعة من عمق الـخزان تعلو و تخبو ، تعلو عندما يُخرج رأسه ليلتقط أنفاسه و تخبو بجذب الماء له للعمق أخرى ليندفع الماء إلى جوفه و أنفه ، صرخات رهيبة مخيفة ..

تراجع تركي في صمت و عيناه معلقتان بالخزان المهيب القابع وسط الظلام و حوله الأتربة و أدوات البناء المختلفة ثم تــــوقــف عندما انقطعت الصرخات و هدأت الأجواء .

تحت ضوء القمر .. و النجوم متناثرة في عمق السماء ... في سكون الليل و برودته ، هبت ريح حركت خصلات شعره المتناثرة ..


■ ■ ■ ■

جده

1426 هـ

سعل والده بشدة مردفًا : تركي .. تراهم ما يدرون إن عندي أولاد ، لا تنسى وصيتي .. انتقم يا ولدي منهم و خليني أرتاح .. انتقم منهم يا تركـ

و انخرط في نوبة أخرى من السعال ، هتف تركي بانفعال من شدة صدمته بالخبر : أوعدك يا أبويه .. بس الله يخليك فهمني كيف صـ

شهق في لوعة عندما انهار رأس والده و صرخ : أبـــــــــــــــــــــــــويــــــه .

أخذ يهزه بصدمة : أبويه .. قــــــــــــــــــــــوم .. أبويه .

التفت إلى الوراء في حدة وصاح : دكــــــــــــــــــــتور مــــــــــــــــــــــمــدوح !!!!!!!!!!!!!!!!

اندفع الطبيب من خارج الحجرة إلى السرير و هو يهتف: أبو تركي .. خليك معايا .. أبو تركي ..

....أبـــــــــــــــــــــو تــــــــــــــــركـــــــيييييي .


■ ■ ■ ■



انسابت على وجنته دمعة ساخنة اشتعل لها قلبه و انسلخ لها كيانه ، رن هاتفه المحمول فسرت رعشة باردة في جسده ، أخرج الهاتف و رأى اسم الضابط عبد العزيز يعلو الشاشة ، ألقى نظرة أخيرة على الخزان القابع وسط الظلام المهيب ثم أدار له ظهره و غادر المكان .



.



.



.



.



.



00 : 6 صباحًًا


فتح عبد العزيز باب السيارة و جلس على المقعد المجاور لتركي ثم قال بخفوت : خلصوا من مسرح الجريمه و طلعوا جثة حسن ، تبغى تشوفهم قبل ما ينقلونهم للثلاجات ؟؟.

رفع تركي بصره الجامد إلى زجاج النافذة الأمامي و غمم : تكفيني الصور .

أومأ عبد العزيز برأسه و هو يخرج مع الباب و يغلقه خلفه ، أشاح تركي ببصره إلى الجهة اليسرى ، هاهي ساعات الصباح الأولى تنثر نسماتها الباردة على الكون .. و رمضان جديد يبتدئ بلا أم و لا أب ..... حزن متمكن بين الضلوع .. و عبرات تأبى أن تهل .... التفت إلى الباب الذي فتحه عبد العزيز ، جلس على المقعد و فتح الملف في يده ، ثم أخرج مجموعة من الصور و مدها إلى تركي بصمت ، أمسك بها و تراجع في مقعده ....... هذا خاله بعينيه الشاخصتين و عنقه الممزق و الدماء تغمر المكان من حوله .. خاله ؟؟!!! أي فواجع تلك التي يحملها الواقع ؟؟؟!! كيف سارت الأيام و مضت .. و هدفه أن ينتقم منه ... من شقيق والدته ...، قلب الصورة .. و هذا الآخر ..... الذي لم يعرفه جيدًا .. كل ما في الأمر أن والده قد ذكر اسمه ..... صريع وسط بركة من الدماء ، قلبها هي الأخرى .. إلى صورة والدها !! .. مبتل الجسد .. شاحب الوجه ... و لم يطل النظر .. قلب الصورة على الفور ليعود إلى صورة مراد و مد بالثلاثة إلى عبد العزيز متمتمًا : شكرًا .

أخذها عبد العزيز و أعادها إلى الملف ثم خرج من السيارة و أغلق البال خلفه ...... انتظر تركي للحظات ثم حركها وغادر المكان .... و انشغل باله ..... أفضل ما فعله أولئك الاثنان أنهما لم يكونا عائلة .. فلا زوجة تفجع للمصاب .. و لا أبناء بدمع منساب .

هي تلك فقط من تشغل تفكيره الآن ، فتح درج سيارته و هو مستمر في القيادة ، رمقه بنظرة سريعة و تأكد من وجود القلم و مجموعة من الأوراق ، زفر و صرف بصره للطريق مجددًا و هو يهمس : و انتهى المطاف .


@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@



جده


00 : 7 صباحًا



ابتسم و هو يخرج مع باب المسجد ، توقف في مكانه و مضى يتابع شروق الشمس في الأفق بافتتان شديد .. مزيج من لون البنفسج و زرقة السماء و خيوط الشفق تتعانق في انسجام تام .. و من تحتها تضيء تلك الجوهرة الحارة لتنشر ضوئها الآخاذ على كل البقاع .... تنفس الصعداء و همس بـ : سبحان الله .

اتسعت ابتسامته أكثر و ضحكات ذلك الراحل تتردد في عقله ، همس أخرى : الله يرحمك يا أبو تركي .. كان عشقك و جنونك منظر الشروق .

أطرق برأسه و خفقاته المتسارعة تثير دهشته ، رفع حاجبيه للحظة .... ثم ابتسم في مرارة : أكيد نسيت أقفل المكتب .

و تنهد بأنفاس كالجمر : و ذاك الشريط وسط الدرج من ثلاث سنوات .

أغمض عينيه بألم


■ ■ ■ ■


جده


1409 هـ


.


الأحد


15 : 1 صباحًا


.



صاح في عصبية : يا سلــطان خــــــــــــاف ربــــــــــك فـــيــهـا هـــذي الــمــســكــيــنـه .. لا أم و لا أبـــــو .. و لا حــــتــى أخ و إنـــتـــا تـــعـــامـــلـــهــا كـــأنـــهــا مــجــرمــه .. اش ذنــبــهــا ؟؟!! .. يـــاخــي انــتــا رجـــال و مــا فــي أحـــد بــيــفــتــح فــــمـه لــو أخـــذت عــلــيــها ثــانــيـه وثـــالــثــه و رابـــعــه .. لــكــن حــسّــن مــعــامــلــتــك مــعــاهــا شـــويـــه .

وضع سلطان وجهه بين كفيه و هو يغمم بصوت مهموم : يا عبد الله ماني قادر .. إلى اليوم و بعد هذي السنين كلها ماني قادر أبلعها .. والله لو موب أخوها اللي وصاني كان قطيتها فـ الشارع و افتكيت .

صاح عبد الله في عصبيه و هو يجلس إلى جواره : ســــــــــلـــطـــــان ؟؟!!!!!!!!!!!.

أشاح سلطان بوجهه قائلاً بخفوت : ما توقعت فـ حياتي إن زوجتي تكون غبيه و ضعيفه بهذا الشكل .. كان حلمي فـ إنسانه قويه أناقشها وتناقشني .. نساعد بعضنا و نبني حياتنا مع بعض .. لكن

و تنهد بحنق ، قبض عبد الله على أصابعه و هو يهتف : يا خي تزوج .. ما في أحد بيقلك لااا .. المهم إنك تحسن معاملتك معاها .. سلطان .. اتقي الله هذي مريضه و مالها ذنب .. تراها إنسان يحس و يتألم .. يمكن هيا كمان تعاني معاك بس مي قادره تشرح أو تتكلم .

شرد سلطان ببصره للحظات كأنه يتذكرها .. ، دنى منه عبد الله و قال بخفوت : ترضاها على وحده من أخواتك .. إنه زوجها يهمّشها كذا و يعاملها بالطريقه اللي تعامل فيها بنت عمك ؟؟!.

هتف بحمية و هو يلتفت إليه : أقـــــــــــتله !! .

هز عبد الله كتفيه و هو يتراجع للخلف : و هذي بنت عمك يا سلطــــان .. انتا عزوتها و سندها حتى لو ما كنت زوجها .

قبض سلطان على يديه بغضب دفين و وجهه يشحب .. ثم ما لبث أن همس باقتضاب : الظاهر إنك صادق .. هي مالها ذنب فـ شي .. و أنا الغلطان فـ حقها .

ارتسمت على شفتي عبد الله ابتسامة باهتة و هو يقول : و مالها بعد الله غيرك فـ هذي الدنيا .

تنفس سلطان الصعداء ثم زفر ما في صدره من الهموم و عيناه تلمعان بوهج غريب : بحاول قد ما أقدر .. و الله يعين .

ربت عبد الله على كتفه بحنو : روح الحين و قابلها بوجهك الطيب .. إذا مو عشانها .. عشان ولدكم تركي .

التفت إليه في حدة ثم نهض على الفور و هو يهتف : خير .. خير .


■ ■ ■ ■


تنهد أخرى و هو يهتف : آآآآآخ يا سلطان .. يا ليتك فهمت كلامي ذاك اليوم و ما تهورت و سويت اللي سويته .

و أردف و هو يسير باتجاه بيته : لكن اش يفيد الكلام و كل شي انتهى ؟؟؟ .


@@@@@@@@@@@@@@@@@


الرياض


المستشفى


00 : 10 صباحًا


لم يسمح لأحدِ بزيارته .. حتى زوجته و ابناه ، كان جل ما يريده أن يبقى وحيدًا تقطعه سياط الألم و تفتك بروحه أشواك الصدمة .

من كان يتصور ؟؟!!!!!!!.. والده متعب .. شقيقاه أبو نواف و أبو ياسر ؟؟!!!!..

كلهم .. كانوا متآمرين على الوليد !!!.


.


بعد أن عاد الوليد من غيابه الطويل ..الذي دام لـ 24 عامًا ، جثا عند قدمي والده طالبًا الصفح و السماح ، كم كانت فرحته كبيرة عندما رأى الصلح بين والده و أعزّ أشقائه ، حلم .. راوده لسنوات طوال يتحقق أخيرًا .


.


و كم كانت الفرحة أكبر .. بوجود تركي ..الشاب الوسيم ، الذكي المحنك .. الذي انسجم سريعًا مع أبناء عمومته و بدؤوا بالعمل معًا في الرياض بأمر من الوليد الذي أصر أن يتفرغ تركي كليًا للعمل مع جده و أعمامه .

لا ينكر أنه شعر بحزن على تلك المريضة المتوفاة ، لكن الأمر في نظره أسلم .. و هو ما سهّل الصلح بين والده و شقيقه .. فلا أحد من نسل ســـعود في الصورة .

لكنه لم يعلم حينها أن والده متعب .. لم يصفو قلبه على ابنه .. بل وضع جواسيس في شركته ليجعلها تخسر كل صفقة و تنهار شيئًا فشيئًا ، سنتان و العمل في تداعٍ .. حتى سقط شقيقه من شدة الخسائر التي أثقلت كاهله .

عاد تركي من الرياض ليقف إلى جوار والده ، ليقوم بعمله ، درس الأمور و المجريات و الخسائر و أدرك أن في الأمر تلاعبًا ما .

.


هنا ..

استعان بعدد من العملاء المقرّبين ليراقب كل شاردة و ورادة تحدث في الشركة ، ابتداءً بالداخل و الخارج و انتهاءً بأجهزة الكومبيوتر و المحاسبات .. و كُشف الثلاثة .. أكرم جبران ، هيثم حمّاد ، و صبحي وفيق .

قبض عليهم تركي و حاصرهم باستجواب قاسي و بعد الضغط الشديد .. اعترف الثلاثة بكل شيء .. بأنهم مجندون من قبل أبو خالد و أبنائه ( بدون تحديد ) ..و كم كانت صدمة تركي كبيرة و مؤلمة .

في نفس اللحظة .. لحظة تلقيه لتلك الصدمة .. أتاه ذلك الاتصال من صديق والده ( عبد الله صلاح ) ليخبره بأن والده ُمتعب جدًا .

ركض ليتلقى وصية والده ..الذي مات من دون أن يعلم شيئًا عن مؤامرة والده و أخويه.


.



و أبو فيصل .. خارج اللعبة لا يدري عن كنهها شيء ، و لم يكن من الصعب عليه أن يستنتج السبب .. سبب بسيط يكمن في أنه هو الوحيد الذي كان سيعارضهم و بشتى الصور لأن الوليد شقيقه الحبيب.. الذي اهتم بتربيته و تنشأته .. و من خلفه و بدون علمه خططوا و نفذوا ، و بسببهم شُرخ صرح العلاقة بين تركي و أهل والده فيما عدا .. عزام .. الذي آلمه تغير تركي المفاجئ و انقطاعه الغريب فذهب إليه و حادثه ..ناقشه .. حتى أخبره تركي بكل شيء .

و كانت أيضًا صدمة عزام .. الذي قطع على نفسه وعدًا يومها .. بأنه لن يترك ابن عمه وحيدًا في المواجهة .


.



.



نقل أبو فيصل بصره للباب الذي فُتح و أطل من خلفه عزام بابتسامة حنون : السلام عليكم .

رد عليه أبو فيصل السلام في خفوت و هو يرخي عينيه ، أغلق عزام الباب خلفه و جلس على الكرسي المجاور لسرير عمه قائلاً : هاه عمي .. و اشلونك اليوم ؟؟ .

رد عليه عمه بصوت مبحوح : الحمد لله .

أومأ عزام برأسه في تفهم و التزم الصمت و قلبه يتألم لحال عمه ، مد أبو فيصل يده بضعف فتلقفها عزام بيديه و ضغط عليها بحنو هاتفًا: سم يالغالي .

تمتم أبو فيصل بوجهه الشاحب: يا ولدي .. صحتي الحين ما بتساعدني أواجه أبوك و عمك الله

بتر عبارته و لم يتم دعاءه عليهما و شعر عزام بحرقته .. شعر بألمه .. بحنقه .. فضغط على كفه أكثر ، استطرد أبو فيصل و هو ينقل بصره بضعف إلى ابن أخيه : ودي أشوف تركي يا عزام ، اليوم قبل باكر .. أرجوك يا ولدي .. أرجوك .

لمعت عينا عزام في تأثر شديد و ابتسم برقة : كلمته يا عمي و انت نايم .. تلاقيه الحين فـ الطياره .

انسابت الدمعة .. دمعة حارة .. حارة .. انسابت على وجنة أبو فيصل ، دمعة امتنان .. دمعة شكر .. دمعة ضعف .. ، مسحها عزام على الفور و قبل رأس عمه هاتفًا : الله لا يحرمنا منك يا أبو فيصل .


@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@


جده


المستشفى


قبل الزمن الحالي بربع ساعة



توقف أمام حجرتها في صمت ، إنه الــــلــــقـــاء الأخــيــر ... من المفترض أن يريحه الأمر .. و لكن لماذا لا يشعر بتلك الراحة التي ينشدها ؟؟!!! .. لماذا يشعر بشيء آخر ... نفس الشعور الذي اكتسحه عند لقائهما في البيت الأخضر .. و لكنه الآن أشد .... ثقل يجثم على أنفاسه .. تبًا !! .. ألن يتركه هذا العذاب و شأنه ؟؟!!!!.. سيعيدها إلى عائلتها الآن ... ستصبح حرةً بعد قيد غليظ كبّل حركتها .. و ماذا بعد ؟؟!! ... فاقدة للذاكرة و أنت السبب ؟!!! .

اعتصر هاتفه المحمول في يده حتى اصفرت ** أهم شي رجعتها لأهلها ** رفع بصره حمدًا لله على هذا الرنين .. اتصال سيعطيه متنفسًا بعد جلده لذاته الذي لا ينتهي !!

: ألو .

أتاه صوت عزام المرحب : السلام عليكم و رحمة الله .

تحسس الضمادة التي تحيط بجبينه : و عليكم السلام و رحمة الله و بركاته .. هلا عزام .

: كل عام و انت بخير .

صمت للحظة كأنه يبحث عن سبب العبارة .. ثم ما لبث أن تذكر !! ، ارتسمت على شفتيه ابتسامة باهتة و هو يقول : و انتا بصحه و سلامه .

حول عزام نبراته إلى قالب من الجدية : عندي لك موضوع ضروري يخص عمي الوليد الله يرحمه .

زوى ما بين حاجبيه و هتف و هو يدير ظهره للباب : أبويه ؟؟!!!!!!!!.

أجابه عزام على الفور : إيه .. ما أقدر أشرح لك فـ التلفون .. ضروري ضروري تطلع الرياض بأسرع وقت .

خفق قلب تركي وهو يسأله بتوتر : عزام اش القصه بالضبط ؟؟!!.

تنهد عزام و أجابه : تركي .. عمي أبو فيصل

جلس تركي على المقعد أمام الحجرة و جبينه ينعقد مع سيل الكلمات الذي انساب إلى عقله ..... ســحقت جدران قلبه كلمات / غــريبة أنتي يا دنيا ! / .



.



.



.



فتحت عينيها بإعياء هامسة : أنا وين ؟؟!!! .

ظلت الصورة مهتزة حتى استقرت حدقتاها على السقف الأبيض ، كانت تشعر بصداع شديد في رأسها يمتد إلى رقبتها و كتفيها ، لا تدري كم من الوقت قضتهو هي نائمة ، أغمضت عينيها مجددًا تريد أن تتذكر سببًا وضعها في هذا المكان ، شهقت و فتحت عينيها و هي تهب جالسة في مكانها ، هتفت بخفقات قلبها الثائرة : تـــــــــــركـي !!.

قبضت على لحافها الخفيف و صورة ذلك الخبيث الضخم تتوهج أمامها ، عضت على شفتها و قلبها ينتفض خوفًا و هلعًا على زوجها .. ، ذلك الحقير المعتدي الذي أوشك أن يقتلها .... شعرت بأنها تموت تحت وطأة ضربه الشرس .. ، همست بحرقة : حسبي الله عليك يا مجرم .

انهمرت دموعها و هي تحاول أن تنهض من مكانها .. رفعت رأسها بحدة إلى الباب الذي فُتح و أطل من خلفه ذلك الوسيم بوجهه المرهق ، قفز قلبها إلى حنجرتها .. شــــــــوقًـــا و لهـــفــةً .. راحة المحب عند روية حبيبه سالمًا معافى ، تفجرت دموعها أكثر و عيناه الساحرتان تعانقان عينيها ، سار نحوها و كل المناظر تتلاشى من حوله .. هي فقط من احتلت تفكيره .. خيّمت بفتنتها الساحرة على روحه المرهقة .. غسلت بدموعها تلك قلقًا دمره من خوفه عليها .. لكنها بخير الآن و الحمد لله .. لم ينل منها الحقير شيئًا .. لا زالت أمامه .

وقف على مقربة منها و حدقتاه مثبتتان عليها بحزن خفي ، شهقت بحرقة و هي تنهض و تلقي بنفسها بين ذراعيه ، تسمر جسده و دموعها تخنقه .. يداها الملتفتان حول رقبته تعدمانه على منصة الهلاك .. علق عينيه بالفراغ خلف ظهرها و لم يحرك ساكنًا ، شهقت و هي تدفن وجهها في صدره أكثر كأنها تخشى أن تفقده في أي لحظة : تركييي .. مين هذوليك .. لـ .. ليش سووا فينا كذا .. ليش ضربوني و ربّطوك ؟؟؟؟.

رمشت عيناه و هو عاجز عن النطق .... صورة حسن قبل وفاته تشل تفكيره و تأبى أن تفارقه .

تراجعت إلى الخلف خوفًا من صمته ، نظرت إلى وجهه .. مرهق .. متعب .. شفتاه متورمتا الجانب و شاش أبيض يلف رأسه و من تحته تبدو خصلات شعره السوداء المهذبة .


تعالت خفقات قلبه و حدقتاه معلقتان بوجهها الملائكي .. أنفها المحمر و دموعها الغزيرة ، همست باكية و هي تضع كفها الرقيق على وجنته : اش بك ؟؟ تعبان ؟؟.

احترق فؤاده ..... ذاب كمدًا لتلك النبرة و تلك الدموع .. قبض بلا شعور على عضديها ، فأردفت برقة باكية : تركي ؟؟!!! حبــيـبـي فيه شي ؟؟ .

لا ..

يكفي .....

يكفي .....

إلى هنا و فقط .....

حـــبــيـبـك ؟؟!!!! .. جلاّدك الصامت أصبح حبيبك ؟؟!!! .. جلاّدك القاسي .. من داس على قلبك .. عذب جسدك الرقيق .. حرمك الأهل و الأصحاب .. ألقاك وحيدةً تائهة على السرير الأبيض دون لقاء أو سؤال .. جرّعك مرارة الألم .. أسقاك من كؤوس السموم .. طعن قلبك لينزف الدم .. ليبكي الحرقة و الألم .. جلاّدك .. جبل الجليد الذي لم يحرك ساكنًا .. أصبح حــبـــيـــبــك ؟؟!!!! .

قاوم غصته و هو يعيدها برفق لتجلس على السرير ، ثم همس بصوت مخنوق : ارتاحي .

جلست و عيناها لا تفارقان وجهه ، جلس على المقعد المقابل لها و أطرق برأسه ، التقط شيئًا من الهواء و همّ بفتح فمه ليعتصر كلماته في حلقه .. كفها الذي احتضن كفه في حنان شديد .

أطبق على شفتيه و دموع غريبة توجع مقلتيه .... نسي البكاء منذ زمن بعيد .. حتى عند اختلاءه بنفسه لا يجد إليه طريقًا .. كأن عينيه قد جفتا من بحار الملوحة التي أروته في ليالي طفولته .. و الآن .. هذه الرقة التائهة تنعش تلك البحار بعبق طهرها ، و نعومة لمساتها ، و دفء كلماتها .

حاول أن يدفع كل مشاعره جانبًا و هو يغمم : رهف .. أنا جيتك اليوم .. عشان .. أعلمكِ بالحقيقه .

زوت مابين حاجبيها في حيرة و همست : حقيقة ؟؟!!! .

اعتدل في جلسته و حرر كفه بطريقة عفوية ، رفع بصره إليها و قال بنبرات امتزج فيها الرجاء بهدوء محبب : رهف قبل كل شي أبغاكِ .. تسامحيني .

وضعت كفها على قلبها في قلق شديد و همست بخوف : تركي .. خوفتني .

كم آلمه قلبه .. إنها صورة مجسدة أمامه .. صورة للضياع .. الوحدة .. الحيرة .. و الخوف .

عيناها الجميلتان تائهتان ، و شفتاها الورديتان مرتعدتان ، و أنفها المحمر .. دليل على مرارة دموعها .

حاول أن يحافظ على قوة صوته قدر الإمكان : أنا زوجك صحيح .. و هذا شي كنت صادق معاكِ فيه .. لكن .. انتي مو وحيده يا رهف ، انتي لكِ عايله كبيره .

اتسعت عيناها في صدمة شديدة عقدت لسانها ، أردف ببطء و هو يتطلّع إليها : عايله .. دحين راح تزورك و تشوفينها .. انتي لك أخوات .. أمك متوفيه و .. أبوكِ .. أبوكِ توفى قريب .

شهقت في حرقة و اهتز جسدها من فرط البكاء و عيناها تنظران إليه بخوف قاسٍ و رعب رهيب ، أشاح بوجهه ليغرس رمحه المصقول في عقر أحاسيسها : أبوكِ .. هوا اللي .. اللي ضربك أمس .

: لااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااا ااااااااااااا .

انتفض لصرختها التي زلزلت كيانه ، هزت رأسها نفيًا و أنفاسها مخنوقة في صدرها ، نهض من مكانه و هو يرى وجهها الذي كسته حمرة عجيبة و هتف بقلق : رهف .. خذي نفس .

التقطت أنفاسها لتنخرط في بكاء حار ، بكاء يكتنز كل العذاب و الوحدة .. و الصدمة ، هزت رأسها نفيًا مجددًا و هي تصرخ بلا هدى : لـــــــــــــــــــــــــــــــيييييييييييييييييي ييييييش يــــــــــــــــــــــــا تـــــــــــــــركــــــــــــي .. لــــــــــــــــــــــــــــــــــــييييييييييييي يييش ؟؟؟؟؟؟؟!!!!!!!!!!!!!! .

أخذت تردد هذه الكلمة و هي تنظر إليه .. تنتظر تفسيره .. تبريره .

.


و من أين يبدأ ؟؟


و من أين ينتهي ؟؟


أي قصة سيحكي ؟؟


و إلى أي ماضٍِ سيعود ؟؟


.


قال بهدوء شديد .. اكتسبه من حنينه لأمه ، حنين خفف من وطأة ندمه و تأنيب ضميره : كان بيننا ثأر .. و دحين انتهى .


.



أو تكفي تلك الكلمات لتطفئ حرارة قلبها ؟؟


لتخمد نيران صدرها ؟؟


أو تكفي تلك الكلمات لتعيد الأمان إليها ؟؟.


لتعيد الراحة إلى نفسها ؟؟



.


وضعت وجهها بين كفيها و انتحبت بعنف


.


ماذا تفعل ؟؟


ماذا تقول ؟؟


لا تقوى حتى على السؤال أو الاستفسار ؛ فمن هي في الأساس ؟؟


إنها حتى لا تعلم عن نفسها الكثير ..


لا تعلم من هي رهف ..


لا تعلم ما هو ماضيها .. ما هو حاضرها ..


لا تعلم عن حقيقة هذا الإنسان الذي يجلس أمامها و الذي يقول .. أنه زوجها ...


من تصدق ؟؟


و أي شيء تصدق ؟؟


.


كيانها مبعثر ، ذهنها مشتت ، و قلبها ... مرهق .


.



أدخل يده في جيب ثوبه و أخرج مظروفًا أبيض اللون وضعه على الفراش بجوارها مغممًا : هذي الرساله .. فيها كل شي .. بتشرحلك كل شي ما قدرت أقوله .

نهض من مكانه فرفعت بصرها إليه على الفور .. مهما كانت الحقيقة ، و كيفما كانت مجريات الأمور .. يبقى سندها الوحيد بعد الله ، يبقى الرجل الذي أروى قلبها عشقًا ، بث إلى روحها اليتيمة نبضًا من الحب انتشلها من غمرة الضياع المخيف ، هتفت في حرقة : وين ؟؟ .. وين بتروح و تخليني ؟؟.

.. سمّرته كلماتها ..

بعد كل هذا .. بعد كل تلك الاعترافات .. أيضًا .. تريده أن يبقى ؟؟!!!!!!!!!! .

يالـ روحها الحبيبة .. يالـ همساتها العذبة .. تلك الهمسات التي ترهقه ... تلك الدموع التي تغرقه في بحار فتنتها .. ، شلت تفكيره كما تفعل في كل مرة .. أي سحر ذاك الذي تملكه كلماتها لتوقف الزمن من حوله .

نقلت بصرها إلى الباب الذي فّتح و

: رهــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــف !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!

انطلقت تلك الصيحة في المكان ، صيحة أنثوية ملتاعة مشتاقة ، صرخة جعلته يتراجع إلى الخلف و يترك المجال لتلك المرأة التي ركضت نحو السرير و هي تصيح : يـــــــــــــــــــا حـــــبــيــبــتــي يـــــــــا أخـــــــــتـــــــيييييييييييي !!!!!!!!!.

احتضنت رهف بين ذراعيها ، رهف المسكينة التي لم تشعر بها .. لأن بصرها .. قد لحق بذلك الوسيم الذي تراجع في هدوء و ترك المكان .. في هدوء .


.



.



.



: أستاذ مازن .

رمقه بنظرات حاقدة و هو يهتف : خييييير ؟!!!!!.. فيه مصيبه ثانيه ما سويتها ؟؟ .

تجاهل تركي عبارته و غمم : تكاليف المستشفى اندفعت .. و السواق راح يوصّل دكتورتها لبيتكم اليوم العصر .

أشاح مازن بوجهه عن تركي في حنق شديد بوده فقط لو يقتله .. لم يخبرهم إلا منذ سويعات بأنها فقدت ذاكرتها ... إذًا فقد استغفله و المسكينة لا تعي شيئًا مما حولها ، انتفض لتلك العبارة التي نطق بها تركي : و .. ورقة الطلاق راح توصلكم بكره .

التفت إليه مازن في حده و صاح : يـــعــنــي بــعــد مــا ســويـــت الــلــي فـ راســـك و حــطــمــتــها تــبــغــى تــرمــيــهــا ؟؟؟!! و لاّ عــشــان أبــوهــا مـــات انــتــهــت مــصـــالــحــك و تــبــغــى تــنــفــك مــنـّــهـا ؟؟!!.

حافظ تركي على هدوءه و بروده و هو يقول : بطاقة البنك بتوصلكم مع ورقة الطلاق و راح ينزلّها فيه مبلغ شهري كتعويض عن كل اللي صار ، و تكاليف الدكتوره كلها مدفوعه .

هتف مازن و الغضب يزلزل أركانه : يالخسيس .. لسا أبوها اليوم اللي مات .. منتا قادر تستنى و لا يوم ؟؟ .

تنفس تركي الصعداء ثم قال : الله يوفقها يا أستاذ مازن .. رجعتها لكم زي ما أخذتها و ألف مين يتمناها.

اتسعت عينا مازن في صدمة ، مد له تركي بطاقة صغيرة قائلاً : هذا رقمي فـ حال احتجتم أي شيء .

تناول مازن البطاقة و الصدمة لم تفارقه بعد ، أدار له ظهره بعد أن ألقى السلام و .. سار في طريقه نحو المصعد ، دلف إليه و هو يشعر بشيء غريب .. ضيق خانق ، و هم كئيب ..ضغط على المفتاح المطلوب ثم مسح على رأسه بإرهاق و أدخل يده في جيب ثوبه ليخرج هاتفه و لم يكد يرى شاشته حتى رن الجهاز ، زفر و هو يضع السماعة على أذنه : ايوه يا عمر .

: السلام عليكم .

خرج تركي من المصعد و هو يقول : و عليكم السلام و رحمة الله و بركاته .

سأله عمر بقلق : كيفك اليوم .. عساك طيب ؟؟ .

فرك تركي عينيه في إرهاق مغممًا : بخير و عافيه .. هاه في شي جديد ؟؟.

أجابه عمر على الفور : ايوه .. اليوم جاني طرد باسمك و مكتوب عليه يصل بأقصى سرعة للأستاذ تركي بن الوليد .

زوى تركي ما بين حاجبيه و قال بتوجس : مين المرسل ؟؟ .

هتف عمر بقوله : و الله ما أدري .. رشيد أعطاني إياه .. يقول إنه فيه رجال غريب سلمه له و مشي .

توجه تركي لباب المستشفى الخارجي مغممًا : خلاص وصله للقصر و خليهم يحطونه على مكتبي .. و أنا إذا رجعت من الرياض شيّكت عليه .

: على أمرك .. توصي شي ؟؟.

سقطت أشعة الشمس على وجهه و هو ينزل الدرجات : سلامتك .. مع السلامه .

توجه إلى سيارته و الهواء الحار يلفحه ، استقلها و هو يتمتم بقلق : و الله يا خوفي يكون منك يا عبّاس .

كان يتمنى أن يعود ليرى الطرد المفاجئ و لكنه قد وعد عزام بحضوره المبكر للرياض ، حرك سيارته و انطلق إلى المطار .


@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@



الرياض


40 : 12 ظهرًا


فيلا أبو ياسر


هزت رأسها بأسف و هي تغلق باب جناح ابنها الأكبر كانت دموعها وشيكة : يمه ؟؟!!! .

رفعت رأسها لترى عبير تقف بنظراتها القلقة و يدها على بطنها : علامك يمه ؟؟!!.

مسحتها أمها دمعةً متمردة و هي تسير إلى المصعد : أخوك موب راضي يطلع معنا للطايف .. يبي يجلس بلحاله .

ربتت عبير عليها و هي تسير إلى جوارها : يا قلبي .. لا تشيلين همه ، صدقيني كلها كم يوم و بيتعدل حاله .

رفعت الأم الحزينة كفيها : يا رب .. يا رب إنك تفرج عنه .. يا رب إنك تشفيه و ترزقه باللي يسره .. يا رب .


.



.



و في مطبخ الدور الأول ، هتفت عبير و هي تساعد والدتها في إعداد بعض المتطلبات : يعني أكد أبوي الحجز على بعد الفطور .

أومأت والدتها برأسها و هي تقول : و يمكن نشيل تمرتنا في السياره و نطلع للمطار .

ابتسمت عبير و هي تجلس إلى طاولة المطبخ ، أخيرًا جعلتها تصرف التفكير قليلاً عن موضوع زواج ياسر الذي أقض مضجعها ، و أشغلتها بعروب و عشاء الليلة ، هتفت بمرح : والله غريبه يا أم ياسر ترضين بالكركبه فـ أول يوم رمضان .. أخبرك تكرهينها و ما تحبين تفطرين إلا فـ بيتك .

ابتسمت والدتها و هي تفتح الثلاجة: أكرهها .. بس وداد غاليه علي و ما بردلها طلب .. و ودي عروب تغير جو و تقابل عزام فـ مكان ثاني.

رفعت عبير حاجبيها و هي تسترخي في مقعدها : والله !! بتخلينها تقابله ؟؟!!! ما درى عنك أبوي .

التفتت إليها والدتها هاتفة : أقول اركدي .. ما فضّالك الجو انتي و نواف إلا أمك .

قهقهت عبير و هي تمسك ببطنها : الله يسلم قلبك يا أحلى أم .

التفتت إلى هاتفها الذي أضاء لقدوم رسالة جديدة ، رفعت الهاتف و أمها تقول : ابعديه عنك لا يضر ولدك .. أنا من يومي أكرهها هالتلفونات .

ابتسمت عبير و هي تفتح الرساله : و اش دعـ

عقدت حاجبيها و هي تقرأ تلك الكلمات القادمة من ذلك الرقم الغريب


---------- *******056----------------


امسكي زوجك يالمسكينه ياللي ما تدرين عن بلاويه .. ما خلا بنت فـ الرياض إلا و######### و انتي يا متخلفه نايمه في الأحلام و لا تدرين عنه .


----------------------------------------------


: عــبير ؟!!.

انتفضت ورفعت بصرها إلى والدتها التي قالت : علامك لاوية وجهك .. عسى ما شر ؟؟.

اغتصبت ابتسامة بسيطة و هي تنهض من مكانها هاتفة : سلامتك يا قلبي .. بطلع أشوف عروب وش جهزت .

و خرجت من المطبخ و أفكار مختلفة تنهشها ، نفخت بشكل متواصل ثم همست لنفسها و هي تحث الخطى للمصعد : تعوذي بالله من الشيطان يا عبير .. أكيد أحد يبي يخرب بيتك .

دلفت إلى داخل المصعد و همست متسائلة : أوريها لنواف أولا ؟؟!!!!!!!.

عضت على شفتها بحنق و هي تمسح الرسالة مغممة : و فـ نهار رمضان ياللي ما تخافون الله .

.



.



.



أمام جناح عروب


فتحت باب الجناح هاتفة : عروب ؟؟! .

تجاوزت حجرة الجلوس و دلفت إلى حجرة النوم لتجدها تعبث في خزانة ثيابها ، ابتسمت عبير و هي تقول : بالله شي محتشم .. ما نبي الرجال يخق من طوله .

لم تعلق عروب عليها و لم تلتفت أيضًا ، جلست عبير على أول مقعد صادفها و هتفت : الحين وراك ما تردين .. أكلم جدار أنا ؟؟!.

تأففت عروب و هي تقلب ملابسها بعصبية : عبيييير واللي يعافيك ما لي خلق أكلم أحد .

و أشاحت بوجهها إلى النافذة ، هتفت بعصبية و هي تسير إليها : راسي يدور و إلى الآن ما طلعت شي ألبسه .

ابتسمت عبير بتفهم و نهضت من مكانها قائلةً : و ليش العصبيه .. عادي بتقابلينه و بس .. موب أول مره .

أغروقت عينا عروب بالدموع و هي تهمس : آخر مره .

لم تسمعها عبير و هي تخرج طقمًا أنيقًا بكل سهولة : الحين هذا ما اشتريته لك قبل شهر ؟؟ وراك ما تلبسينه ؟؟!.

رمقته عروب بنظرة سريعة ثم عادت إلى المنظر خارج النافذة مغممة : أكره اللون الأسود .

زوت عبير ما بين حاجبيها و هي تغلق الخزانة باليد الأخرى : مين قال أسود لحاله ؟؟ .. فيه أبيض .. و بعدين شوفي الشك الفخم و التطريز الناعم اللي عليه .. و مع الاكسسوار و المكياج بيطلع روعه .

زفرت عروب و هي تعبث بشعرها في ضجر : ييييييييوووووووه .. عبير هو عشا بسيط .. مو زواج !!!!!!.

تقدمت منها عبير وضربتها بخفة على ظهرها هاتفة بحنق : و انــــــــتــي عــــروسه !! و لازم تطلعين قدام أهل زوجك بمنظر حلو .. بعدين خاله وداد برستيج و أنيقه مره .. بتطلعين قدامها بسبور عادي ؟؟؟!!!!!!!!.

زفرت عروب أخرى و هتفت مستسلمة : أوكي .. بلبسه .

اتسعت ابتسامة عبير و هي تسير للخارج : أوكي .. و أنا بخليهم يكوونه لك .

و أغلقت الباب خلفها ، علقت عروب نظرها بالحديقة الخارجية و همست : متى يجي باكر مثل هالوقت ..... بكون مرتاحه من الهم اللي مضيق صدري الحين .

التفتت إلى سريرها البارد و همّت بالاستلقاء عليه لولا أن فاجأتها عـــــبير و هي تدلف مجددًا و تصيح : أنا قـــــــــلـتلك إن عمي أبو فيصل بيزوّج يــــــــــــــــــــاسر ؟؟!!!!!!!!!!!!!.


.


.



.




في داخل جناح ياسر


مستلقٍ على سريره وسط الظلام ، ذراعه على جبينه و الوجوم مخيم على ملامحه .

رغم محاولات أمه العديدة لإقناعه في الذهاب معهم إلى الطائف لم يوافق ، أصبح محبًا للوحدة و العزلة و لا يريد أن يفارقهما البتة .

لن يفهم أحد ما يشعر به و لن يفهم أحد ما يفكر فيه و

التفت برأسه إلى اليمين ليجد جهازه المحمول يهتز قطعًا لأفكاره ، رفعه على الفور .. زوى ما بين حاجبيه عندما رأى اسم عمه أبو فيصل و مكالمة من الجيل الثالث ، و رغمًا عنه ابتسم ، ضغط السماعة الخضراء و قال : ألو .

ظهرت له صورة عمه على الشاشة : ياسر .. و اشلونك يبه ؟؟ .

ضحك ياسر و هو يرى صورة عمه : بخير و عافيه الله يسلمك .. مبروك ما سويتم .

ضحك عمه بخفة و هو ينظر إلى عزام : الخَبل .. الظاهر ما يعرف كيف يشغل صورته .

انفجر عزام ضاحكًا هذه المرة : لا يا لغالي .. بس الظاهر جالس فـ الظلمه .

اقترب عزام من محيط الشاشة حتى أصبحت صورته ظاهرة لياسر ثم قال : أبو رحم .. خلنا نشوفـ صورتك .


ابتسم ياسر و مد يده إلى الرف الصغيرة إلى جواره ، ضغط على المفتاح فاشتعلت الأضواء دفعة واحدة ، هتف أبو فيصل : اييييه .. كذا الصوره أحلى .

ابتسم ياسر بمرح و لكن ما لبثت ابتسامته أن تلاشت و هو يشاهد الإعياء الواضح على وجه عمه ، هتف بقلق : يبه علامك .. تعبان ؟؟.

ابتسم عمه في حنان قائلاً : لا يا ولدي .. نعسااان و ودي أنام .. بس المقرود عوير جابلي ذي الشريحه الجديده و لزّم عليّ إلا أجربها .. قلت خلاص أستفتحها بوجهك .

هتف عزام بصوت مرتفع : اللهم إني صائـــــــــم .

ضحك ياسر و هو يقول لعمه : الله يسلم عمرك يالغالي .

رفع أبو فيصل بصره إلى عزام : يلا انقلع .

وصل إلى ياسر صوت ضحكات عزام : طيييييب .. الحين اللي معاد تبينا .. بس تبشر يا وجه الخير .

تابعه أبو فيصل بنظره حتى خرج ثم عاد إلى ياسر و قال : يبه ..عندي لك كلمتين بقولهم واسمعهم مني زين .

خفق قلب ياسر بخوف : سم .

اعتدل أبو فيصل في جلسته : اليوم إن شاء الله بعد التراويح في ضيف عزيز عليّ بيعودك ..أبيك تستقبله أحسن استقبال .. و تراك تعرفه زين و موب غريب.. يعني استقبله فـ حجرتك.

زوى ياسر ما بين حاجبيه في حيرة و هتف : ضيف أعرفه ؟؟!!!..

أومأ أبو فيصل برأسه : ايييه .. ضيف عزيز و غالي .. هالله هالله فيه يا ياسر .. حطه فـ عيونك يا ولدي ، كنت مخطط أجي معه .. لكن مدري الوقت بيكفيني اليوم أو لا .. احتمال تطلعلي كم شغله ضروريه .. المهم .. لا أوصيك عليه .

سأله ياسر بحيرة أشد : من هو ؟؟؟.

همّ أبو فيصل بإجابته و لكن عيناه تعلقتا بالباب فهتف في سرعة : فيه رجال جاي .. مع السلامه .

و أنهى المكالمة ، قطب ياسر حاجبيه في ضيق و هتف : عمييييييي !!!!!!!!!!.

وضع الهاتف بحنق على الطاولة ثم أغلق النور و عاد إلى الاسترخاء في سريره : ضيف أعرفه ؟؟ و عزيز وغالي عليه بعد ؟؟!!!!!!! مِنْ ؟؟؟؟؟.



@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@


الرياض


فيلا أبو فيصل


45 : 12 ظهرًا


في إحدى حجرات الضيوف في الدور الأول ، نهض من السرير رغم تعليمات الطبيب التي نبهته بضرورة إعطاء جسده الراحة الكافية و عدم إرهاقه بأي مؤثر لمدة 3 أيام على الأقل ، وقف في توتر شديد .. إنه ابن أخيه ذلك الذي سيقدم عليه ، ابن الوليد .. تركي ..، و لكن الوضع الآن مختلف .. كل شيء مختلف ؛ فالأوراق كُشفت و أضحى كل شيء واضحًا لكليهما .

الحال تغير و أصبح المجال مفتوحًا لكثير من الاعترافات و النقاشات .

.


هتف عزام مرحبًا و هو يقود الضيف إلى الحجرة : تــــــــــــــفضل يا تركي حياك .

دلف إلى الداخل و هتف في عتاب : عـــمــي .. وراك قمت ؟؟ .

لم يستمع أبو فيصل لعبارته ؛ لأن بصره تعلق بالقادم الجديد خلف عزام ، ذلك الشاب الذي توقف لينظر إلى عمه الأكبر ، ذلك الوسيم الذي تضعف عند النظر إلى عينيه .. بسحرهما و قوتهما ، و مزيج الحزن و الغموض الغريب فيهما ، ذلك القادم الذي كان الإرهاق واضحًا على ملامحه كأنه لم يذق طعم النوم منذ فترة طويلة .

لم يدري أبو فيصل بِمَ ينطق و كذلك تركي ، و عزام الذي نقل بصره بينهما للحظة قبل أن يفضل الانسحاب مغممًا : بعد إذنكم .


.



.


و كسر حاجز الصمت أبو فيصل الذي حاول أن يصفي صوته من قطرات دموع وشيكة : تفضل يا ولدي .. حياك .

أشار إلى الأريكة الوثيرة إلى جانبه ، اقترب منها تركي و .. قبض أبو فيصل على ذراعه ، التفت تركي و لم يشعر إلا و هو بين ذراعي عمه .. ضـــــــــــــــمــــــــــه أبو فيصل .. ضمّة الشقيق الذي قتله الشوق إلى شقيقه .. ضمة الشقيق الذي آلمه الفقد و عذبت روحه مشاعر الفراق ، و تساقطت الدموع ، دموعه الساخنة تساقطت على كتف تركي الذي تمتم بدهشة : عمي ؟؟!!! .

و هنا .. بكى أبو فيصل .. بــــــــــــــكـــى و هو يـــــضــمــه إلى صدره أكثر: انت قطعه من الغالي يا تركي .. قطعه من الوليد .. قطعه من ولدي اللي ربيته و اعتنيت فيه .

و اختنق صوته من فرط الدموع ، أغمض تركي عينيه و هو يتذكر والده ..نفس الحضن ، نفس الدفء ، نفس الحنان .. و لم يتمالك نفسه أكثر .. مد يديه و بادل عمه تلك الــــضــمــة هاتفًا : فديتك يا عمي .

و ازدادت دموع أبو فيصل و هو يهتف : سامحني يا ولدي .. سامحني يا تركي .. سامحني .. أنا اللي كان المفروض يقف بجنبك .. لكـن

قاطعه تركي و هو يبتعد عنه و عيناه تحبسان أنهارًا من الدموع : مو غلطتك يا عمي .. لا .. هذي غلطتي أنا .

ربت أبو فيصل عليه في حنان بالغ قائلاً : الله يحفظك .. الله يبارك فيك و يحفظك .. يكفي انك بريت ببوك حتى بعد وفاته و ما رضيت عليه بالكلمه .

ابتسم تركي فبادله عمه الابتسامة و هو يشير إليه بالجلوس ، جلس و جلس عمه إلى جواره قريبًا منه ، مسح أبو فيصل دموعه على الفور .. دموع .. لم تتساقط بهذه الغزارة منذ سنوات .. منذ وفاة الوليد ، وضع يده على ذراع تركي و هو يقول : و الحين .. أبيك تعلمني بكل اللي عندك .. علمني بكل اللي تبيه .

هز تركي رأسه نفيًا : سلامتك عمي .. مو ناقصني شي .

همّ أبو فيصل بالاعتراض و لكن قاطعه ذلك السؤال : ليه ما تعلمه عن عباس رأفت و الشريط ؟؟ .

التفت تركي بحدة إلى عزام و قد اتسعت عيناه ، ابتسم عزام و قال مبررًا : كل الناس شايلين همك و خايفين عليك .. و فيه شخص طلب مني أساعدك شخصيًا لجل توصل لشريط مجهول .. حرت كيف .. بس طالما عمي أبو فيصل موجود .. فالحل بإذن الله موجود .

رمقه تركي بنظرة نارية .. وقد أدرك أنها مــــــرام .. و كم حــــقـــد عليها في تلك اللحظة ، تجاهل عزام نظراته و هو يقول : عمي يقدر يساعدك فـ هذا الموضوع بكل بساطه.

تنحنح تركي و هو يوجه حديثه إلى عمه متجاهلاً عزام : الله يعطيك الصحة و العافيه يا أبو فيصل .. لكن أموري الخاصه أحب أحلها بنفسي .

ثم نهض من مكانه : بعد إذنك يالغـ

بتر عبارته عندما أمسك عمه بثوبه ، نظر إليه تركي بتساؤل فقال أبو فيصل بحزم : عباس رأفت أنا اللي أعرف كيف اللعب معه يا تركي .. صديق أبوك من فتره طويلة .. من قبل ما يتزوج أمك .. هو الوحيد اللي كنت أعارض الوليد على صداقته .. خله علي .. أنا اللي أقدر أواجه هالأشكال .

زوى تركي ما بين حاجبيه و هو يستمع إلى بقية الحديث : بعد الفطور نطلع الطياره لجده .. أدري انك مستعجل و ما ودك تأخر الموضوع أكثر.

همّ عزام بالاعتراض و لكن أبو فيصل أشار إليه بيده : عزام .. توكل على الله و امشي للطايف و لا تشيل همي .. صحتي الحين بخير و الحمد لله .. و ما أبيك تفتح فمك بكلمه لا انت و لا تركي .. هذا شي يخصني مثل ما يخصه .. خلوني أسوي شي للوليد بعد وفاته .. خلوني أريح قلب ولده .

لم ينبس تركي ببنت شفه و كذلك عزام ؛ لأن الحزم و الصرامة اللذين يلمعان في عيني أبو فيصل لن يقف أمامهما .. أي اعتراض .

و لكنه ما لبث أن عاد إلى طبيعته اللطيفة و هو يقول لتركي : و الحين.. حط راسك ونام في ذي الغرفه ، وعقب نصحيك للصلاه .

عقد عزام يديه أمام صدره هاتفًا بدعابة: ول ول ول .. الحين كل الاهتمام راح لتركي و أنا ولد البطه السودا ؟؟!!.

لوح أبو فيصل بيده و هو يقول : أقول رح يالطماع .. انت و ياسر شبعتم دلال ، دللتكم أكثر من كل عيال عمانكم .. يلا .. ضف وجهك والحق بمرتك .. تلاقيهم الحين يجهّزون للطلعه وانت المفروض تسبقهم لهناك .. يلااا .

هز عزام رأسه في أسف : عشنا و شفنا .. أبو فيصل يطردنا .

ثم سار حتى اقترب من تركي و لكزه في ذراعه ، التفت إليه تركي فابتسم عزام بفرحة صادق : اتهّنى يا عم .. ما في أحلى من دلع أبو فيصل .

و خرج مع الباب هاتفًا : فــــــــــــــــــــي أمــــــــــــــان الله .

نهض أبو فيصل من مكانه مغممًا : الخبل ذا هو و ولد عمك ياسر .

تنحنح تركي ثم قال بحرج : عمي .. انت ارتاح هنا و أنا آخذلي غرفه فـ

قاطعه أبو فيصل بحدة : أفاااا .. أفـــا يا ولدي .. تنام فـ هالفنادق و بيت عمك مفتوح ؟؟!! لا تخليني أزعل عليك .. وبيني و بينك .

ثم اقترب من تركي وهو يهمس ضاحكًا : ما شفت أم العيال من يوم عتبت باب البيت .

ابتسم تركي بهدوئه المعتاد فربت عمه على كتفه : نوم العوافي .. و اذا بغيت شي لا يردك إلا لسانك .

ثم استطرد مداعبًا : و لو ردك .. قصيته لك .

أومأ تركي برأسه فابتسم أبو فيصل برضا ثم توجه إلى الباب ..و قبل أن يخرج ألقى نظرة حانية على ابن شقيقه ثم أغلقه خلفه .

أما تركي فقد ألقى بجسده على السرير الوثير ، أغمض عينيه و هو يزفر بحنق : اش أسوي فيكِ يا مرام ؟؟؟ .. ليش علمتيه؟؟ .. اش اللي تبغينه بالضبط ؟؟ ما كفاكِ اللي سويتيه ؟؟؟؟.

اعتصر اللحاف بين يديه .. و هو يحاول إقناع نفسه بأن الغضب لن يجدي شيئًا .. فقد كُشف الأمر و انتهى .. و لكن .. هل تعرف مرام بما في الشريط ؟؟!! .. بالتأكيد تعرف .. فقد قالت له يومها أنه سيعرف بالحقيقة .. هل أخبرت عزام ؟؟!!.. كلا .. فقد قال المجهول .. ثم لو أنه علم بأي شيء فسيخبره على الفور .. ابن عمه و يعرفه جيدًا .

كان النوم يداعب جفنيه و لكن رنين هاتفه حرمه تلك المتعة .. تأفف في انزعاج و رفع هاتفه بعينين نصف مفتوحتين .. و لم يكد يرى الرقم حتى هبّ جالسًا في مكانه : اللهم اجعله خير .

وضع السماعة على أذنه هاتفًا : هلا أستاذ مازن .

استمع للحظات لتلك الكلمات المقتضبة الباردة ، زوى ما بين حاجبيه و قلبه يخفق : محتاجين الدكتوره دحين ؟!!


@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@


جده


منزل هديل


30 : 1 ظهرًا



في حجرة نوم ابنة هديل .. مستلقية على بطنها فوق السرير و آهاتها و نشيج بكاءها الحزين يخيمان على المكان .. و في يدها أوراق بيضاء حملت بين طياتها كلماتٍ .. زادت عذابها .. عذابًا


▒▐ ▓▐ ▒▐▓▐▒▐▓▐

رهف


سلام الله عليكِ و رحمته و بركاته



رسالتي هذه تحمل إليكِ تبريرًا .. و اعتذارًا ..


.



رغم أني لم أُظهر لأي شخص هذه الحقيقة .. لكن أنتِ من حقك أن تعرفي .


.



كم كنت أحب أمي رغم أني لا أذكر عنها الكثير ، لكن لا يزال حنانها كامنًا في نفسي ، لا يزال حبها مستقرًا في ذاكرتي و لن يمحيه أبدًا غبار الأيام .

و فجأة .. و من دون سابق إنذار ..أفاجئ بأبي يأتي و يحتضنني بين ذراعيه و الدموع أنهار على وجنتيه ليخبرني أن أمي ماتت .. ماتت؟؟؟!!!!! أمي أنا ماتت ؟؟ حبيبتي .. ماتت ؟؟!!!. .

لم يحتمل عقلي ذا الـثمانية أعوام مر الخبر .. أيعقل أنني لن أراها مجددًا ؟؟!! أيعقل أنني لن أحادثها و ألعب معها مجددًا ؟؟.

.


بذل أبي قصارى جهده قبل زواجه الثاني لينسيني رحيلها .. و لكنها أمي .. فكيف لي أن أنسى عذاب الفراق ؟؟!!.


.


و مضت السنون و الأيام حتى وصلت إلى الـ 26 من العمر ، و عندها فقط و قبل وفاة أبي على فراشه .. أخبرني بالفاجعة .. أن أمي ماتت مقتولة .. و أن قاتليها هم و الدك وشريكاه مراد وَ مسعود .

لم أتمكن من استيعاب الخبر و ظللت أسأله و لكن أجله كان قريبًا فأسلم الروح إلى باريها قبل أن يشفي غليل تساؤلاتي .

و كانت هذه وصيته الأخيرة .. أن أنتقم من قتلة أمي و أنا إلى الــــيــــوم .. لا أعـــلـــم لماذا انتظر ليخبرني بالأمر قبيل احتضاره ؟؟!! لماذا لم يثأر منهم منذ البداية ؟؟!! و لا إجابة .


.



أصبح كل همي بعدها أن أحقق وصيته .. و بدأت فورًا بالتنفيذ ، تعرفت على والدك حسن و كنت أعرف حينها أن لديه ابنة لم تتزوج .. أوهمته أنني أريد إقامة شراكة معه و كم فرح والدك وقتها و وافق على الفور .


.



كنت قد وضعت جواسيس في شركته ليخبروني بكل شاردة و واردة ؛ لثقتي الكبيرة من أنني سأجد شيئًا أدينه به ؛ فسمعته كانت سيئةً جدًا في سوق العمل.

و بعد أن مضت الأمور بيننا و زادت العلاقات قربًا .. تقدمت لخطبتك و كل همي أن أحرق قلبه بتعذيبك ؛ لأن أبي .. كرر اسم حسن مراتٍ عدة فأدركت أنه المسؤول وليكون زواجي منك اللبنة الأولى في انتقامي من الثلاثة جميعًا .


.



دعاني والدك إلى رؤيتك .. و بالفعل .. قدمت في ذلك اليوم .. رأيتك و كنتِ تبكين .. متعبة ، مرهقة .. لا زلت أذكر .. و لم أكن أعلم حينها .. أنك خُطبتِ لابن خالتك جاسم و هذا ما حطم فؤادك عند قدومي كما يبدو .

و بعد خروجك من المكان قدمت موافقتي المباشرة إلى حسن و لم يمضِ الكثير حتى تم عقد القرآن بيني و بين والدك و عدد من الشهود .. كنت أخطط أن أقدمك لمجتمعي كزوجة و أنا أعذبك ببرودي و جبروتي .. و لكن حنقي على والدك كان أكبر فغيرت رأيي ، و عندها فقط و بعد أن استلمت الصك.. توجهت إلى منزله لأختطفك من هناك بكل قسوة .. بل و استأجرت من قامت بتعذيبك و هذا ما سبب تلك الآثار في جسدك .

كل ذلك .. لأحرق قلب والدك .


.



صورّتك و أرسلت صورك إليه و مباشرةً قدمت بلاغًا عنه .. يفضح كل المعاملات و الصفقات المزورة التي قام بها و أخذت الشرطة تبحث عنه و من معه ، و لم يمض كثير حتى قُبض عليه .


.


و في السجن .. كشفت له عن حقيقتي و أنني ابن الرجل الذي قتلوا زوجته و كم كانت صدمته كبيرة ؛ لأنه و شركائه لم يعلموا أن لأبي ابنًا.


.


و بعدها .. استطاعت خالة أبي و صديقتك التي ذكرتِ اسمها قبلاً .. مرام .. أن تصل إليك و تخرجك من القبو الذي تعذبتِ فيه .

سمحت لها بذلك و بقيتي في القصر برفقتها حتى أتى ذلك اليوم الذي رأيتك فيه تركضين عبر الحديقة متوجهةً إلى باب القصر الخارجي فاعتقدت أنك تحاولين الهرب ، و الحقيقة أنك كنت تحاولين اللحاق بشقيقك من الرضاعة .. مازن ..و هناك .. اصطدمت بك تلك السيارة فـ فقدتِ الذاكرة .

و من هنا .. لا زلتِ تحتفظين في داخلك بكل حدث .


.



ضميري يؤنبني لأنني اتخذتك أداة للانتقام ، و ما كان ليؤنبني إلا لأن والدك لم يبد أي اهتمام لما حصل لك ..حتى صورك لم تؤثر فيه ، و هذا ما جعلني أشعر بفداحة ما ارتكبت .


.



و الآن .. أعدتك إلى عائلتك لتعيشي حياتك كما يجب .. و لا تقلقي .. فالطبيبة فدوى ستكون إلى جوارك دائمًا إلى أن تستعيدي ذاكرتك كاملةً بإذن الله .


.



و قبل أن أختم رسالتي ..

جدك يا رهف .. والد حسن ..

أثناء تخطيطي لإقامة شراكة مع والدك كنت أجمع كل المعلومات عنه و عرفت أن لديه والدًا مسنًا.. يقيم في أحد أحياء جدة العتيقة .

ذهبت إليه و حقدي على والدك يزداد ؛ فمع كل ثروته يعيش والده في تلك المنطقة الفقيرة و في منزل متهالك بالٍ .

قابلته و جلست معه ، رجل مسن طيب ، كم شعرت بالحنين نحوه .. و مع كلماته اللطيفة نسيت كل ما يربطني بحسن و جعلت علاقتي معه هو و حسب .. و منه .. علمت أنك الابنة الصغرى و علمت كذلك أن حسن انقطع عن زيارته منذ سنوات عديدة .. حتى رائد شقيقك الطيب عندما سألته مرةً عن جده .. والد حسن .. أتعلمين ماذا قال لي ؟؟؟؟. قال : مات .. منذ فترة .

كان يظن جده ميتًا و كل ذلك .. لكذبة من والدك.

جدك الذي ازددت تعلقًا به كان مشتاقًا لرؤيتك و لرؤية رائد بل كل شقيقاتك و طلب مني مرارًا أن أحدث رائد و أطلب منه القدوم لكني لم أفعل خشية أن يهدم ذلك مخططي مع حسن .

و بعد فترة .. صارحته برغبتي في خطبتك و قد كان يعلم وقتها أنني شريك والدك ففرح و استبشر .

و في ليلة ظلماء ..قدمت إلى منزله كالمعتاد ..منزله الذي أبى أن يفارقه رغم محاولاتي معه ، فوجدته قد فارق الحياة .. و في يده ملف أبيض يحمل عدد من الصكوك التي تثبت ملكيته لقطع من الأراضي المتفرقة في المملكة.. و كم فوجئت حينها .. ليس لامتلاكه هذه الثروة فقط .. بل لأن كل الممتلكات كانت باسم ... رهف بنت حسن الـ *****

باسمك ِ، هبة قدمها لكِ ..

أخذت الملف و احتفظت به حتى لا يصل إليه والدك أبدًا ، ذلك الملف سيصلك غدًا بإذن الله و معه ورقة الطلاق التي تجعلك حرة طليقة .

.


هذا كل ما لدي و كل ما يمكنني قوله لكِ ، أطلبك السماح و الصفح و أعتذر منك عن كل شيء .. و إن كان الاعتذار لا يكفي .


تركي


▒▐ ▓▐ ▒▐▓▐▒▐▓▐



تفجرت صيحة باكية من صدرها اعتصرت على إثرها الأوراق في يدها اعتصارًا .. و ضمت الوسادة بيدها الأخرى إلى قلبها المكلوم .. كأنها ستغلق جراح الألم .

.


أي شيء هذا الذي تشعر به ؟؟؟أي مشاعر تلك التي تكتسح قلبها و روحها ؟؟؟ شيء غريب .. لا تستطيع أن تحدد كنهه .. و لا أن تعلم مبتغاه .

ثورة هائلة في خلايا عقلها جعلت الصور تتداخل و الأحداث تتعارض ، و بركان مهيب في جدران قلبها زاد من وجعها و نزف جراحها .

.

تسللت الدموع إلى جوفها لتشعرها بمرارة اللحظة و صعوبة الموقف .


.


شعرت بيدين حانيتين على ظهرها .. شهقت و رفعت رأسها عن الوسادة ، همست من بين دموعها : دكتوره فدوى ؟؟!!!!!!!!! .

ابتسمت تلك الأم الحنون و ضمتها إلى صدرها بعمق هاتفة : أيوه يا حببتي .

و بكل ما يعتمر في صدر رهف سكبت كل دموعها بين ذراعي طبيبتها التي أخذت تربت على ظهرها في إشفاق : معلش يا حببتي .. اصبري يا رهوفه .

شهقت رهف بعنف و هي تبتعد عنها : دكـ ـ ــتوره فـــ ــــ ـــ ـــ ـدوى .. تــ ـركي .. تـــ ــركــ ـي تــــــــ

خنقتها دموعها الغزيرة فمسحت فدوى على شعرها و ظهرها بتعاطف : عارفه .. عارفه يا روحي .. عارفه ..

اهدي شويه عشان نعرف نتكلم .

و كأنما أطاعتها رهف فمالت برأسها على كتف فدوى .. تبث إلى نفسها .. القليل من الأمان .


@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@


الرياض


محل للهدايا


00 : 2 ظهرًا



ابتسم في سعادة و هو يتابع الرجل الذي يغلف صندوق الهدية بدقة تامة ، هتف قائلاً : ألف ألف ألف شكر يا حكيم عشان في يفتح محل و سوي هديه .

ضحك الرجل و هو مستمر في عمله : ما في مشكل مستر أزّام انتا صديق كويس ميه ميه عشان كدا أنا في يفته مهل .

أومأ عزام برأسه ثم رفع هاتفه الذي يرن و قال للمتصل : خلاص .. كلها نص ساعه و أكون في المطار .

اقترب من الباب ليرى ما خلفه حيث الشمس المحرقة تلسع كل ما حولها : واش أسوي لأبوي ؟؟ هو اللي أخرها كم مره إلين صارت طيارتنا مختلفه .. يلا .. أهم شي نتقابل فـ الطايف بالسلامه .

هز رأسه في أسف و قال : نوااااااااافووووووووه انت حتى برمضـــــــــان ما تمسك لــــسانك .

استغفر ربه و أنهى المكالمة و هو يبتسم : تنفع مدرس خصوصي للمقبلين على الزواج .

: مـــــستر أزّام .

التفت إلى الرجل الذي رفع الهدية الكبيرة بيديه و هو يقول بابتسامة عريضة : جــــــــــــاهــــز .


@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@


جده


منزل هديل


30 : 3 ظهرًا


ربتت فدوى على كتفها و هي تقول : و بكدا انتي فهمتي كل الحكايه .

أشاحت رهف بوجهها و هي تمسح دموعًا لم تتوقف عن الانهمار منذ الصباح : ماني قادره أفكر .. ما ني قادره أسوي شي .. أحس .. أحس كل الدنيا مقلوبه فوق راسي .

نهضت فدوى من على السرير و قالت و هي تضع يديها على كتفي رهف : ارتاحي .

هزت رهف رأسها نفيًا و قالت باكية : ما راح أقدر أنام .

أجبرتها فدوى على الاستلقاء برفق و هي تقول : قسمك محتاق للراحه .

غطتها باللحاف ثم جلست على ركبتيها فوق السجاد البسيط و أخذت تمسح على شعر رهف و هي تقول : رهف .. يمكن صعب عليكِ تفكري في الوأت الحالي .. لكن اللي عوزاكِ تفهميه كويس إنه علائتك مع الأستاز تركي حتنتهي .

تلوت ملامح رهف و هي تدفن وجهها في الوسادة و تنفجر باكية بعنف ، زفرت فدوى و هي تمسح على ظهرها من فوق اللحاف : معلش يا حببتي .

كانت تشعر ببراكين من الغضب تتفجر في داخلها لتصرف تركي .. ما ذنبها تلك المسكينة ليدخلها في هذه اللعبة ، و إن كان ليتم انتقامه ذاك فلماذا ظهر أمامها ؟؟.. لماذا لم يختفي من الوجود إلى آخر لحظة ؟؟.. لماذا جعلها تتعلق به .... تفكر فيه .. ينمو حبها له يومًا بعد يوم ؟؟.

شهقت رهف و هي تقول : حياتي منقلبه فوق تحت يا دكتوره فدوى .. أبو ما أتذكر عنه شي إلا إنه ضربني و كسّر عظامي عشان شي ما أعرفه ، و عايله جديده ما كنت أدري عنها لازم أتعرف عليها .... و .. و

شرخت حلقها تلك الغصة العميقة ، تجاوزتها بصعوبة و أردفت : و زوج دخلني فـ لعبه انتقام و دحين اختفى .

و انهارت باكية بصورة أشد : و ذاكرتي للآن مي راضيه ترجع .. حاسه نفسي بموووووت .. بموووووت يا دكتوره فدوى .. بموووووووووووووت .

هبت فدوى من مكانها و رفعتها عن السرير لتضمها إلى صدرها هاتفةً : لا يا رهووفه .. ما يصحش إللي بتعمليه .. الحمد لله أهلك موقودين .. و أنا موقوده .. و كلنا راح نوئف قنبك.

صاحت رهف بتوجع و في داخلها سؤال عظيم يتفجر .. و ماذا عنه ؟؟!!! ذلك الذي تركها صريعة بعد أن انتزع وجوده من كيانها برحيله .... ماذا عنه ؟؟!.. مشاعرها غير مستقرة نحوه ..... عذّبها ...... يريد أن ينتقم من والدها و لن تلومه .. فأمه المقتولة ..... و لكن ...... لماذا عاملها بذلك الحنان حينًا ؟؟؟!! لماذا ؟؟!! .. أهو تأنيب الضمير كما قال أم شيء آخر ؟؟!! ... و لماذا تعقد الآمال السرابية وطلاقها قريب ... لا .... كيف تفكر في ذلك و والدها هو هدف انتقامه ... و لكنه يكرهها أيضًا .. ولا يهمه سوى المال كما يبدو و

صرخت و هي تضع يديها على جانبي رأسها : خلاااااااااااااااااااااااص .. ماني قادره أفكر خلااااااااااااااااااااااااااااص .

ضمتها فدوى أكثر و هي تربت عليها و تهمس في أذنها : ما تفكريش .. كل حاقه حتتصلح إن شاء الله .. ريحي قسمك .. ريحي دماغك .. و كلنا حنساعدك .. كلنا موقودين ماتخافيش .

استكانت للحظة بين ذراعيها و فدوى تكرر كلماتها المهدئة بنبرات تعلو و تخبو بطريقة معينة ، رفعت بصرها إلى الباب ورأت هديل تقف بوجهها المحمر و هي ممسكة بعباءتها ، أشارت لها فدوى في الخفاء أن انتظري .. فأومأت برأسها و غادرت الحجرة .

جلست فدوى إلى جوارها قرابة النصف ساعة حتى نامت بين ذراعيها بإعياء تام ، جعلت جسدها يستلقي برفق على السرير ، نهضت من مكانها ببطء ثم غطتها باللحاف و خرجت إلى حيث هديل التي تنتظرها قرب الباب : أيوه يا هديل ؟؟.

اقتربت منها هديل و هي تمسح دموعها و همست : نامت ؟؟!.

ربتت الطبيبة على كتفها و هي تقول : أيوه و الحمد لله .

ازدردت هديل لعابها ثم همست و عيناها معلقتان بباب الحجرة كأنها تخشى أن تسمعها رهف : بنروح نسلم على أبويا قبل الدفن ، بعد شويه بيوصّلون الجثمان لبيت أختي منى .

خفق قلب فدوى بعنف عندما تناست هذا الأمر ، .. ليس لوفاة والدهم .. بل خشيةُ من أن يكون تركي هو القاتل ... وضعت يدها على قلبها بخوف ... رهف لم تري تلك الرسالة لأحد سواها ..... أدركت أن القصة كلها تكمن في الثأر .. و لكنها مصيبة إن كان تركي هو القاتل ...!! ، همست بدورها : آه .. ممكن أسألك في البدايه .

أومأت هديل برأسها و هي تضم عباءتها إلى جسدها : إيوه .

أغلقت فدوى باب حجرة رهف بلطف و همست : عفوًا .. آسفه لسؤالي بس ... ازاي مات؟؟؟.

أشاحت هديل بوجهها و هي تحاول أن تكبت دموعها : لقيوه غرقان فـ خزان فـ منطقه بِنى .

رفعت فدوى حاجبيها و خوفها يزداد ، التفتت إليها هديل هامسة : دحين تقدر تروح معانا ؟؟!! لازم نحرك الآن .

ترددت فدوى للحظة ثم قالت : ممكن تئقلوها ( تئجلوها ) ساعتين على الأقل .. هيا لسا ما بتعرفش إنه مات و .... صعبه أوعيها دلوأتي و أبلغها بالخبر على طول .

مسحت هديل دموعها بعباءتها السوداء ثم همست و هي تتحرك للخارج : بكلم مازن و أردلك .

رفعت فدوى بصرها للأعلى و همست : يا ربي يا رحمن يا رحيم .. يا ربي ارحم ضعفها و قلة حيلتها يا رب .


@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@




الرياض


فيلا الجازي


00 : 5 عصرًا


هتفت و هي تجلس على السرير : بعد التراويح طالعه .. بس

قاطعها صوت مرام الحازم : لا بس ولا شي .. خليكِ شجاعه و ادخلي فـ عيونه ، و الله لو دار الدنيا و حفي ما راح يلاقي وحده زيك .

حركت تساهير رجلها في توتر و هي تغمم : و .. و .. إذا رفض ؟؟!.

ردت عليها مرام فورًا : ياسر و أنا أعرفه .. صدقيني .. بعد التهزيء اللي أخذه مني أفكاره تغيرت.. ياسر قلبه أبيض و يفكر ستين مره قبل ما يسوي شي .. و أنا متأكده إنه طول الأيام اللي راحت وهوا يفكر فيكِ.

ابتسمت تساهير بسخرية مريرة و همست : إن شاء الله خير .

هتفت مرام : على المغرب تخلين الخدامات ينزلون الشنط للسياره .. و لما توصلين بالسلامه سوي اللي قلتلك عليه ، اليبت فاضي و بتآخذين راحتك .

تمتمت تساهير : شنط ايه .. بس بآخذ معايا شنطه صغيره و الباقي بخليه هنا .

صاحت مرام في استنكار : ايــــــــــــــــــــــــيييييييييه ؟؟؟؟؟؟؟؟؟!!.

لم تقوى تساهير على النطق فدموعها تكبت على أنفاسها بشدة ، عاد صوت مرام ينساب في أذنها بلطف : براحتك .

و صمتت للحظه ثم استدركت : عارفه يا تساهير .. كنت فـ موقفك فـ يوم من الأيام و سوسو الله يسعدها قالتلي أحاول و إذا ما قدرت أكمل ليا بيت أرجعله ، و هذا نفس وضعك .. فيلا الجازي لك .. خلاص صارت باسمك .. يعني لا تخافين ..انتي اللي بتسوينه محاولة مو أكثر .

أومأت تساهير برأسها متمتمة: أحاول .. أوعدك اني احاول .

قالت مرام برضا : ايوه .. كذا أبغاكِ .. يلا يا قلبي .. قومي دحين و جهزي اللي بتلبسينه عشان لا تتأخرين .

هتفت تساهير و هي تهم بإنهاء المكالمة : إن شاء الله .. يلا .. مع السلامه .

وضعت هاتفها جانبًا و نظرت إلى وجهها المحمر في المرآة ، مسحت دموعها الغزيرة : هذا تحدي يا تساهير .. و لازم تنجحين فيه .. ..انتي ما ارتكبتي شي غلط .. ليش خايفه ؟؟ .

التفتت إلى سريرها و نظرت إلى الثياب الأنيقة التي سترتديها ، همست بخوف : يا رب .. أعني يا الله .


@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@



جده


منزل منى


30 : 6 مــساءًا



تصلبت قدماها و هي تقف عند باب المنزل و أصوات البكاء تصل إليها من الداخل ، مالت فدوى على أذنها من الخلف هامسة : رهف ؟؟.

رفعت بصرها ببطء إلى الأمام و جسدها ينتفض ، مات ؟؟!!! .. من هو ؟؟!!!! .. يقولون بأنه والدها ..... ذلك الذي ضربها ...... لا تشعر نحوه الآن سوى بالكره ... تلاشى قليلاً عندما علمت بوفاته و .. ولكنها لا تريد أن تظلمه ...... ربما كان طيبًا معها في طفولتها أو بعد ذلك .. و .. لماذا لا تسأل تلك المسماة هديل ؟؟!! .. و لماذا تسألها و قد مات ... أللحظة واحدة ستسلم فيها عليه قبل أن يدفنوه ؟!!.

خطت خطوة إلى الداخل و فدوى بجوارها ، ابتلعت ريقها و الأصوات تزداد و من خلفها صوت رجل مألوف : يا بنات استهدوا بالله .. و انتبهوا لأختكم .

التفتت إلى الوراء ببطء .. إنه ذلك الشاب الذي اصطحبهم من المستشفى .. و لكن لماذا ليس تركي ؟؟ .

انتفض قلبها بين ضلوعها و هي تضع يدها على جبينها و تهمس : راسي .

قبضت فدوى على كتفيها بحنان : اخلعي الغطا عن وشك .

رفعت يدها ببطء لتزيل الغطاء عن وجهها .. تجاوزت الممر الصغير ببطء لتصل إلى صالة متواضعة ، سمعت صوت إغلاق باب الشقة خلفها .. تلاه صوت فدوى و هي تهمس : يلا يا رهف .

التفتت ببطء إلى اليسار و اقــــــــشـــعــر جسدها .. شعرت بروحها تطفو على جمر محرق تتغلغل حرارته الموجعة في شرايينها و أوردتها لتستقر بين ضلوعها .. ذلك المخبأ .. منبع آلامها و آمالها .. حبها و أحزانها .. كادت أن تقع أرضًا لولا أن أمسكت بها فدوى هاتفة : رهــــــف !! .

التفت إليها أخواتها و ركضت هديل نحوها و هي تهتف باكية : رهــــف .. حـبـيـبـتـي .

لم تلتفت إلى واحدة منهن و عيناها معلقتان بذلك النعش الطويل .. يحمل جثة ضخمة عريضة مغطاة بـ - مشلح – بني اللون .... كُشف الوجه قليلاً ليبدي عن ملامح لا زالت تذكرها ..... سببت لها جراح غائرة لم تندمل بعد .. فاضت عيناها بسيول مغرقة و هديل تساعدها على الجلوس على الأريكة بمعاونة فدوى : حبيبتي .. ارتاحي .

لم تكن تشعر بهم .. لا تشعر بلمساتهم الحانية .. و لا بكلماتهم المهدئة .. شعرت بروحها تخرج من جسدها .. تفارقها .. جسدها يغرق في دوامة ليس لها قرار و

: رهـــــف .. رهــــــــــــــــف!!

تطلّعت بنظرة خاوية إلى تلك التي تصفع وجهها ، ملامح غريبة لا تعرفها .. لكنها تشبه تلك التي تراها دائمًا في المرآة ... إنها تحرك شفتيها .. لكنها لا تستطيع التركيز فيما تقول .. ذهنها مشوش .. و الدنيا من حولها تدور ، قبضت بقوة على تلك الكف التي تمسك بها و همست بصوت لاهث : طلعيني من هنا .. بــ ـسـ ـرعـ ـه .

و أغمضت عينيها بقوة ثم هزت رأسها بعنف و هي تصيح باكية: ما أبـــــــــــــــــغى أسمـــــــــــــــــــع شي .. ما أبــــــــــغى أشووووووووووووووووووف .. طـــــلــــعــــــونيييييييييييييييييييييييييييييي .

و انخرطت في بكاء حار و هي تدفن وجهها بين كفيها : ما أبغى .. ما أفتكر شي .. ما أعرف شي .. مو فاهمه شي .. ارحموني .. ارحموني و طلعوني من هنا الله يخليكم .. أنا تعبانه .. يكفي ... يكـــــــــــــــــــفـــــــــــيييييييي .

تبادلت شقيقاتها نظرات متألمة باكية و فدوى تربت عليها هامسة : حاضر يا حببتي .. يلا .. يلا أومي .

ساعدتها على النهوض و قادتها إلى الباب الخارجي .

هزت منى رأسها بحنق و هتفت : حسبي الله عليك يا النذل .. حسبي الله عليك اللي ضيعتها كذا .. حسبي الله عليك .

احتضنتها غدير لتنفجر الاثنتان بالبكاء و تجثوان بجوار النعش الطويل ، شهقت هديل بحرقة و ركضت إلى باب الشقة الذي خرجت منه رهف ، هتف منادية من خلف الباب: مــــــــــــــــــــازن .

التفت إليها و اقترب منها قائلاً : نعم يا هديل .

ابتلعت غصتها و همست : انتا روح ودي رهف البيت .. و نادي زوج منى عشان يطلعون النعش .. يلا .. عشان تلحقون توصلونه للمسجد .

أجابها باقتضاب : خير .. أنا نازل و افتحوا طريق للرجال .


.



.



.



استندت على فدوى و هي تنزل الدرجات خطوة خطوة .... والدها مات ؟!!! ... كيف ؟؟!! ... كيف مات ؟؟!!! .. تركي تحدث عن انتقام .. فهل من الممكن أن

شهقت بعنف شديد و هي تفقد الشعور بقدميها ، أمسكتها فدوى بقوة و قلبها يتمزق .. لن تـــحــتـمـل رهف هذا الألم .. لن تــحــتــمــل هذه الحقائق التي تندفع إليها بشراسة بعد راحة طويلة....

همست بصوت متحشرج و هي تغلق عينيها : ماني قادره أمشي .. حطيح .

رفعت فدوى بصرها لمسمع تلك الخطوات القريبة و إذ بمازن يقف في أعلى الدرج ، رفع حاجبيه قائلاً : اشــبها ؟؟!!!.

أجابته فدوى بخفوت : تعبانه شويه .

نزل على الفور و أمسك بعضدها بلطف : تعالي أشيلك .

صرخت بعصبية مرهقة و هي تبتعد عنه و تلتصق بفدوى : ابـــــــــــعد عنـــــــــــــــي .

تجمدت ملامحه و هو يتطلّع إليها .. تنتفض خوفًا منه و هو شقيقها ؟؟!!!! سمع الأخرى تهمس : رهوفه حببتي .. دا أخوكِ مازن .

هزت رهف رأسها رفضًا .. لا تريد ... لا تريد أن يمسها رجل ... لا تريد .... هي لــه فقط .... ولكن كيف ؟؟!!! .. ربما قتل والدها ؟؟!!! ..

فرت من بين شفتيها صيحة باكية أخيرة ثم انهارت فاقدة الوعي ، شهقت الطبيبة و هي تمسك بها : يا حببتي .

حدق مازن فيها للحظة و تفسير وحيد يومض في عقله لما يجري .. لما يحدث لها .. يرهقها .. يبعثر كيانها .. يجعلها تنفر من الانغماس في حياتها الجديدة مع عائلتها الحقيقية .

تنهد في حرارة و قال و هو ينحني ليحملها : يلا .. الرجال بينزلون .

وحملها بين ذراعيه و امتطى باقي السلالم و فدوى تسير خلفهما .


@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@


الطائرة


في الطريق إلى جدة


00 : 9 مساءً


رفع أبو فيصل حاجبيه و هو يمسك بكوب العصير و هتف باستنكار : قتلهم الثنين ؟؟!! حتى مراد ؟؟!!.

أومأ تركي برأسه و هو يتراجع في مقعده : إيوه .

انتفض قلب أبو فيصل و هو يتراجع في مقعده بدوره ، فمراد يصبح ابن عمه .. ، ولّى وجهه شطر المقعد أمامه و زفر في حرارة ... غريبة هي الدنيا !!.. كئيبة موجعة !!.. ابن عمه الذي لم يره في حياته يموت مقتولاً ولا يعلم عنه شيئًا .. ربما كان هذا سبب اتصالات إخوته التي تجاهلها اليوم .. ابن عمٍ منحط خسيس هدم حياة شقيقته و لم يبالي ..... ، هز رأسه في أسى .. شحناء و بغضاء انتشرت كانتشار النار في الهشيم بين أبناء العمومة .. الإخوة و الأشقاء .. الآباء و الأبناء .. ابتلع غصته عندما تذكر فارس و همس بألم : يا ربي رحمتك .

التفت مجددًا إلى تركي الذي تعلق بصره بالمنظر خارج النافذة في هدوء تام .. أي شيء يخفيه في صدره ؟؟!! .. يشعر بأنه يحمل هموم الدنيا كلها بين جنبيه .. يعاني سمًا زعافًا يسري في جسده كسريان الدم في العروق .. و لكنه لا يظهر شيئًا .. و لا ينطق إلا بالقليل .. أي شاب هو ؟؟؟!! .. كيف استطاع أن يواجه تلك المصائب رغم سنه الذي لم يتجاوز العقد الثاني ؟؟!! .. صدمته بأعمامه الذين من المفترض أن يقفوا إلى جانبه .. و بعدها مباشرةً تلك الوصية الرهيبة .. و أخيرًا وفاة والده !! .

عاد ينظر إلى كوب العصير في يده و هو يغرق في تفكيره ..... رغم كل ما حصل لم ينس شقيقته الوحيدة .. لم يجازيها بما اقترفته والدتها .. بل سعى لحمايتها و تزويجها من الرجل الكفء ، لا يبالي بسعادته .. بل المهم سعادة من يحبهم فقط .

وضع كفه على جبينه من كثرة الأخبار التي طرحها عليه تركي ، ثم غمم و هو يضع الكوب على الطاولة : انت دريت باللي صار لياسر ؟؟؟.

التفت إليه تركي بحاجبيه المعقودين : لا .. خير .. عسى ما شر !!.

تنهد أبو فيصل مجيبًا : جاته طلقه من واحد مجهول و انشلت رجوله .

اتسعت عينا تركي في صدمة و هتف : مـتـــــــــــى هــــــــــــــــذا الــــــــــــكـــلام ؟؟!!!!!!!.

غمم أبو فيصل و هو يلتفت إليه : قبل شهر تقريبًا .. أكيد عزام ما خبرك لأنه انشغل بملكته و بنت عمه و .. صدمة ياسر .

سأله تركي على الفور : و تساهير عنده ؟؟!!.

ابتسم أبو فيصل و هو ينظر إلى ساعته : يمكن بعد ساعه أو ساعه و نص تكون عنده .

رفع تركي أحد حاجبيه في توجس و قال : ما فهمت ؟؟!.

ربت عمه على كتفه و قال بهدوء : صحيح ياسر ارتبط فيها .. لكن تقديمها لأهله على إنها زوجته يحتاج لوقت .

هتف تركي بلا تفكير و الغضب يمس ملامحه : يعني إلى الآن ما أحد يدري إنها زوجته ؟؟.

ضحك أبو فيصل و هو يقول : : هذي مشكلتك يا تركي .. مثل أبوك .. متهور ومتعجل .

رفع تركي أحد حاجبيه بضيق و أبو فيصل يقول : أنا ودي تكون بجنبه اليوم قبل باكر .. لكن الأمور ما تنحل بهذه السرعه ، يعني انت احسبها من كل النواحي .. هو الولد البكر .. و انت تدري بأخلاق أبوه .. لا بد نقدم له الموضوع بطريقه ذكيه عشان لا يعصب و يقّوم الدنيا و ممكن يجبره على طلاقها .

قبض تركي على يد المقعد في عصبية و غمم بهدوء لا يصف ما في داخله : و الحل ؟؟؟.

ابتسم أبو فيصل و هو يربت عليه مجددًا : اسألني بالأول ليش مهتم في البنيه و عقب قلي و الحل .


@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@



الرياض


فيلا أبو ياسر


30 : 9 مساءً



اقشعّر جسدها خوفًا و رهبة و ازداد خفقان قلبها المرتعد ، لم تقوى قدماها على السير أكثر فتوقفت في مكانها .. كل شيء الآن أصبح حقيقة ..

هذا ما دار في خلدها و هي تقف أمام الباب الرئيسي للفيلا ، فيلا أبو ياسر .

.


ُفتح الباب .انتفض جسدها و همت أن تهرب ..

: تفضل مدام .

دققت النظر في الخادمة المبتسمة التي تقف عند الباب و هي تقول : تفضل .

ابتلعت ريقها و أنفاسها تتسارع أكثر فأكثر ..** ليتني رفضت .. اش الغباء هذا اللي خلاني أوافق ؟؟؟

اش الجراءه هذي ؟؟ ..كان انتظرت أبو فيصل على الأقل .. **

شعرت بكل شجاعتها تنهار و بروحها تضعف و إذ بهاتفها يرن ، رفعته على الفور و إذ بالماء البارد ينسكب على نيران صدرها : ألو عمي .

أتاها صوت أبو فيصل الوقور : تساهير .. هاه يا بنتي وينك الحين ؟؟ .

قبضت على أصابعها الباردة ثم شهقت بخفوت لتنهار دموع غزيرة من عينيها ، لا تقوى .. لا تقوى على المواصلة .. لا تقوى على مواجهته .. لا تقوى الجلوس بقربه و هو الذي لا يطيقها ، فكيف بمواجهة


مجتمعه وعائلته ، تحدث أبو فيصل بحنو : بنتي ؟؟ .

أتاه صوتها المتحشرج : عمي .. أنا خايفه .. ما أقدر .. ما أقدر .

هتف بحنان أبوي : يا بنتي .. أنا معك .

هزت رأسها نفيًا و دموعها تغرق وجهها : صـــ ــعــ ـب .

زفر في حرارة : أوعدك .. اذا ما ارتحتي بترجعين لفيلا الجازي ، و ما بضغط عليك مره ثانيه .

استنشقت كمية كبيرة من الأكسجين قبل أن تتمتم : طيب .

قال بلطف : يلا .. وريه إنك القويه اللي بتملك قلبه .

خفق قلبها بعنف و أبو فيصل يستطرد : أحاول أكلمك من فتره لفتره .. و إذا احتجتي أي شي .. لو بس تبين تفضفضين دقي علي ولا يردك إلا لسانك .

و تذكر كلمته المعتادة : و لو ردك قصيته لك .

ابتسمت بامتنان و هي تهمس : تسلم يا عمي .

و دعها بقوله : الله يوفقك يا بنتي و ييسر لك أمرك .. مع السلامه .

همست : مع السلامه .

أنهت المكالمة و قبضت على شريط حقيبتها و هي تسير ، امتطت الدرجات الأربع ثم دلفت إلى داخل الفيلا ، خلعت غطاءها عن وجهها و الطرحة من فوق رأسها ، ابتسمت الخادمة و قالت : بابا كالد قول طلع انتا فوق عند بابا ياسر .

ابتسمت لها تساهير بارتباك و هي تمد يدها لمصافحتها : أهلاً .. اش اسمك ؟؟ .

اتسعت ابتسامة الخادمة و هي تصافحها : نسيمه .

أعادت تساهير يدها إلى جوارها و سألتها : طيب يا نسيمه و ين غرفه بابا ياسر ؟؟.

أشارت لها الخادمة : تفضل مدام .

تأملت تساهير المكان من حولها في توجس .. كان الهدوء يغلف المكان و الأناقة تنطق في كل ركن من أركانه ، سارت مع نسميه حتى وصلتا إلى باب أنيق مربع الشكل ، توقفت تساهير و هي تنظر إلى الخادمة بقلق ، أشارت الخادمة إلى الباب قائلةً : هدا قرفه بابا ياسر .

شكرتها تساهير باقتضاب فغادرت الخادمة المكان على الفور نزولاً إلى الدور الأول ، التقطت تساهير أنفاسها المخطوفة وهي تشعر بالدنيا تميد من تحت قدميها ، وضعت كفيها على جانبي رأسها و هتفت بصوت لاهث : يا رب .. يا رب قويني يا رب .

انتظرت لدقائق و هي ترسم صورًا بشعة لما سيحدث في الداخل .. تدرك يقينًا أنها ستخرج من المكان محطمة الفؤاد .. لكنها على الأقل لن تلوم نفسها على عدم المحاولة .. مدت يدها المرتعدة و طرقت الباب ، انتظرت للحظة .. ولكن لم يأتها أي رد ، طرقته أخرى و هي تحاول أن تسيطر على أعصابها و

: تـــــــــــــــفــــــــــضــل .

ارتعدت فرائصها رغمًا عنها و اختنقت أنفاسها في صدرها و صوته يزيد من ثورة مشاعرها: تــفضل يالضيف .. حياك .

تساقطت دموع الرهبة من عينيها و اصفرّ وجهها .. و لكنها قاومت .. قاومت باستماتة و هي تمسك بمقبض الباب .. فتحته في هدوء ، اصطدمت بروحها رائحة العود و جمدت أطرافها برودة المكان .

كان أمامها جدار مزين بأجمل اللوحات و على الجانبين .. مدخلان مصممان على الطريقة المغربية ، لم تدر إلى أين تتجه و لكنها سمعت صوته القوي مجددًا : يمينك يالطيب .. تفضل .

استنشقت كمية أخرى من الأكسجين و قلبها يوشك على الانفجار ، تقدمت ببطء و اتخذت الناحية اليمنى .. ممر بسيط و في آخره يبدو لها جزء من حجرة أنيقة .. لمحت لون أثاثها البحري الهادئ .. توجهت إلى الداخل و هي تذكر الله في كل خطوة ، أغمضت عينيها بقوة و هي تقترب ** يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث .. أصلح لي شأني كله و لا تكلني إلى نفسي طرفة عين **

فتحتهما و هي ترفع رأسها ولوجًا إلى المكان : السلام عليكم


.



تصلب وجهه و تسمرت يداه .. و تعلقت عيناه بالـ *ـضيف* الذي أمره عمه باستقباله .



.



ارتبكت لمنظره ..


.


يجلس على السرير بقميصه الأنيق ذا اللون الرمادي و خلف ظهره عدد كبير من الوسائد ، شعره الأسود مصفف بعناية و ملامحه اللطيفة تشف عن صدمة مفاجئة .


.



وضعت خصلة من شعرها خلف أذنها و هي تهمس بارتباك : الحمد لله على سلامتك .. ما تشوف شر إن شاء الله .

ثم أطرقت برأسها و أصابعها الرقيقة تداعب طرحتها : آسفه إذا فاجأتك .. أنا عارفه إنك ما تبغى تشوفني ..

و إنه وجودي يضايقك .. لكن .. حبيت أتحمد لك بالسلامه .

عضت على شفتها بخوف .. تنتظر منه كلمة .. حرفًا .. لكن .. لا إجابة ، قبضت على طرحتها قبل أن ترفع رأسها مجددًا .. لتجد جانب وجهه مقابلاً لها و عيناه معلقتان بالجدار الذي أمامه ، أغروقت عيناها بالدموع .. تتمنى أن تعرف السبب .. سبب كرهه لها بهذا الشكل .. هزت رأسها بتفهم دون أن تنطق و أدارت ظهرها له و لم يخفى صوتها المتهدج : مع السلامه .

و لم تكد تخطو خطوة إلا ..

: لـــــــــــــــــــــحظة .

انتفضت في مكانها ولم تتحرك و صوته القوي يعود ليملاً المكان : اجلسي .. لازم ننهي الموضوع اللي بينا اليوم .

اقشعرّ جسدها .. أي موضوع هذا ؟؟ .. هل يعني الطلاق ؟؟ .. أم شيئًا آخر ؟؟ ..

لن تعارضه إن قرر الانفصال .. بل على العكس .. سترتاح نفسيتها أكثر .. سوف تشعر أنها حرة و ليست مرتبطة بإنسان يكرهها .

.


التفتت ببطء و لمحت المقعد القريب من السرير ، سارت إليه و هو يراقبها .... و قلبه يرفرف بسعادة لا متناهية .... أحلم هو ؟؟!! .. سراب .... أم واقع ؟؟.... تقف أمامه .. في حجرته .. أيعقل ؟؟!! .

جلست بكل هدوء ، فأشاح ببصره و في نيته أن يعلم بكوامن نفسها الآن ، حضورها إلى هنا يعني الكثير .. لكنه لن يعلق آمالاً قد تحطمه فيما بعد ، فهو عاجز .. سألها بقوله : اش اللي تبغينه مني بالضبط ؟؟ .

صعقها سؤاله فرفعت رأسها بحدة و هتفت بحرقة : اش اللي أبغاه منك ؟؟ مو ناقصني شي اذا قصدك فلوس .. شكرًا .. أبو فيصل مغطيني بخيره .. و ما ني محتاجه منك أي شي .

التفت إليها فأشاحت بوجهها على الفور تمسح دموعها المتساقطة ، ابتسم في داخله .. تمنى لحظتها لو يلتقط دموعها بقبلة رقيقة على وجنتها ، سألها بكل هدوء : واش الداعي للبكا ؟؟ .

زمت شفتيها بألم و أغمضت عينيها بقهر .. قلبها لم يعد يحتمل ، لم يعد يحتمل المزيد ، شهقت و هي تجيبه : اش الداعي ؟؟!! تسألني اش الداعي ؟؟!! ما أعتقد إنك ما تحس لهذي الدرجه و إنتا اللي شايل عليا في قلبك ، أبغى أعرف اش اللي سويته لك عشان تكرهني لهذي الدرجه .. صدقني .. ما أبغى منك شي .. حتى لو طلقتني و الله ما راح أقول لا و لا أهتم ..لكن اللي يهمني .. إننا نكون متصافين ، ما أبغى أحد يشيل عليا فـ نفسه.

التقطت أنفاسها و استطردت باكيه :أنا .. أنا ما خططت للي صار ،هما اللي نوموني و رموني عليك .. و بعدين كنت مضطره أساعد أمي .. أسوي أي شي عشان أطلعها ،اش كنت تبغاني أسوي .. أتركها و لا أسأل ؟؟؟.. أخليها تتعذب و أنا هنا .. كنت أقدر أكذب على أبو فيصل و أقله إن أمي ماتت عشان أتمتع بالفلوس .. لكن لا .. أمي كانت أهم عندي من نفسي .. و لو الدنيا كلها انقلبت عليا ما راح أخليها ،أحارب الدنيا كلها عشانها هيا و بس .. و الحمد لله .

و اختنق صوتها و هي تتمتم : راحت للي أرحم مني و من كل مخلوق.

اعتصر قلبه لكلماتها .. قبض على لحافه خفية .. إذًا فقد أتت لذلك الحلم الذي راوده ؟؟!! .. أتت لتعيش معه ؟؟!! .. ولكنه عاجــز .. كم يوجع أحاسيسه هذا الأمر !!.

رفع بصره إليها عندما نهضت هاتفة : الطلاق أرحم لي و لك ، و إذا على أبو فيصل .. بقله إن أنا اللي طلبت الطلاق .. ارتباطي فيك ما بيقدم أو يأخر شي .

كتم ابتسامته و غمم بخفوت : اجلسي .

رمقته بنظرة موجوعة و قالت : اش تبغى؟؟ .

أشار إلى المقعد قائلاً : اجلسي .. قلتي اللي عندك و انتهيتي .. الحين جا دوري .

أخرجت منديلاً من حقيبتها و أخذت تمسح دموعها و هي تجلس هاتفة بنبرة طفولية محببة : نعم ؟؟ .

شبك أصابع يده ، يرتب لكلمات طويلة .. يريدها أن تجلس بقربه لفترة أطول : موضوع الطلاق انسيه حاليًا . اتسعت عيناها في صدمة و هو يستطرد بهدوء : مثل ما كانت هامتك صحة أمك الله يرحمها .. أنا بالمثل تهمني صحة عمي أبو فيصل .. و هو اللي طلب مني أخليك على ذمتي .. ما رديتله فـ حياتي طلب و مو مستعد أرده هالمره .

اضطربت أنفاسها .. إذًا .. ستظل معلقة به ؟؟!!.

تنفس الصعداء ثم قال و على وجهه ارتباك خفيف : أنا ..

تنحنح و قلبه يخفق أملاً بين أضلعه ، ثم أردف : .. أنا .. مستعد أبدأ معك صفحه جديده .. لكني .. عاجز الحين مثل ما تشوفين و ما بقدر أقدملك شي .. فالخيار لك ، إما إنك تمثلين دور الزوجه التعيسه قدام عمي و هلي و تكون لك حجرتك و حياتك الخاصه إلين يتأكد عمي إن حياتنا مع بعض مستحيله و بكذا أطلقك .. أو ..

و زفر في حرارة مؤلمة و هو يغمم بالكلمات بصعوبة : ترضين تعيشين معي بوضعي الحالي .. و انتي شايفتني و الموضوع موب محتاج أي توضيح .

رمقها بنظرة خفية ، يريدها أن تنطق الآن .... يريدها أن تقولها .. علّ السعادة الحقيقة تطرق باب قلبه بعد انقطاع طويل .

لم يدري أن الخجل الشديد عقد لسانها ، و بأن الخدر انتشر في أطرافها .. أتبكي ؟؟!! .. تريد أن تبكي .. فلا مانع لديه من تناسي الماضي و البدء من جديد ؟؟!! .. لم تخطئ في فهم شخصيته .... إنه بالحنان الذي توقعته .. بالرقة التي شعرت بها ..... إنه .. ما تمنته في الخفاء .

مسح على رأسه بارتباك و قلق رهيب يزحف إلى روحه لأنها لم تنطق : هلي بيرجعون باكر إن شاء الله .. عمي أكيد بيخبرهم إني عقدت عليك ، و احتمال يزورونك فـ الجازي .. فحضري نفسك لجل تقابلينهم بالصوره اللي تبينها و اللي اخترتيها .

خفق قلبها بعنف و احمرت وجنتاها خجلاً و لم يلحظ ذلك ؛ لأن هو الآخر قد علق بصره بجهة أخرى و خفقات قلبه تسابق نبضاتها .

فركت يديها للحظة ..عليها أن تنهي الموضوع الآن .. لا تريد الانتظار أكثر ، لا تريد مساحات جديدة للتفكير و الوسوسة ، ستكون جريئة إن نطقت .. و لكنه قرار و عليها أن تكون شجاعة بما يكفي لاتخاذه ، أسبلت عينيها و همست : الله يحيهم فـ أي وقت .

التفت إليها في تساؤل متلهف فازدادت انكماشًا على نفسها و هي تهمس : أنا اللي يهمني قلب الإنسان اللي برتبط فيه .. و كل شي ثاني مو مهم بالنسبة ليا.

انتفض ما بين أضلعه .. و شردت عيناه في شعرها الطويل الملموم بعناية ، و وجهها المصطبغ بحمرة الخجل ، و عينيها اللتين تعانقان طرف الفراش بنعومة آسرة ، أشاح بوجهه و زفر براحة وهو يغمض عينيه .. ما أجمل ذلك الشعور ... لم يداعب أحاسيسه يومًا .. ها هو الآن ينعش نواقيس الفرح بعد سبات طويل ، لاح شبح ابتسامة على شفتيه و غمم يبتغي مشاكستها : أكيد هذا آخر قرار .. ترا خواتي يتراجعون كثير و يمكن انتي مثلهم .

رفعت بصرها فاصطدم ببصره .. اندفع الدم إلى عروقها بغزارة و هي تبعثر بصرها في المكان : أ.. أكيد .. آخر قرار.

استكان في مكانه و حمد ربه في سره ، ثم هتف بابتسامة عريضة : تم يا حرم ياسر الـ***** ، الله يحيك فـ غرفة رجلك .. و لا .. انتم فـ تبوك تقولون زوجك ؟؟؟!.

ابتسمت بمرح دون أن تنظر إليه و يداها تنتفضان خجلاً و فرحة : رجلك زوجك .. اللي يعجبك .

رن هاتفه المحمول .. فمد يده و ضحك بخفة و هو ينظر إلى الرقم ، تطلّعت إليه بتساؤل فمد الجهاز إليها قائلاً : تفضلي .. ردي بالنيابه عني .

زوت ما بين حاجبيها بحيرة فبادلها بنظرة مشجعة و هو يقول : عمي أبو فيصل .

أخذت الهاتف من يده و ضغطت على المفتاح لأخضر : ألو .

سمعت صوت أبو فيصل الملتلهف: هاه يا ولدي .. بشرني عن الضيف؟؟؟؟!!.

ابتسمت و هي تهتف : مبسوط يا عمي .

شهق أبو فيصل بصدمة : تــســــــــــــــــــــاهـيـــــــــــر ؟؟!!!!!!!! ..

لم تتمالك نفسها فأطلقت ضحكة مرحة قصيرة ، ابتسم على إثرها ياسر و قال : شغلي الاسبيكر .

أطاعته فسمع صوت عمه المتهلل الأسارير : يا بعد حيي يا يمه .. سرقتي جواله و لا عطاك اياه ؟؟!.

تحدث ياسر بالنيابة عنها هذه المرة و قال بابتسامته الواسعة : لا يالغالي .. أنا قلتلها تكلمك .. تمنيت أفرّح قلبك الطيب .

صمت أبو فيصل للحظة .. كأنه يلتقط أنفاسه و يصفي صوته من دموع الفرح ثم هتف بصوت حنون متهدج : الله يبشرك بالخير يا ولدي .. الله يجمع بينكم على خير و لا يفرقكم ..قولوا آمين .

نطق بها ياسر على الفور أما هي فأطرقت برأسها في خجل ، صاح أبو فيصل بفرحة : هَوّ!!.. نسيت أعلم أبوك .. خلني أفر راسه هو و أمك الحين .

ضحك ياسر : و أنا بقفل جوالي .

ضحك أبو فيصل بدوره : خذ راحتك يا ولدي .

ذابت تساهير من شدة الخجل و بدأت يدها ترتعد و لم يغب ذلك عن ياسر الذي أخذ الهاتف من يدها و قال لعمه : متى تبيهم يزورونها يا عمي ؟؟ .

هتف أبو فيصل بمرح : العروس اللي تقرر .

التفت إليها ياسر باسمًا فأشاحت بوجهها خجلاً ، و هو يقول : انزين .. آخذ العلم منها و أخبركم ، توصي شي يالغالي ؟؟.

هتف أبو فيصل : أبد الله يسلمك .. يلا يا ولدي .. في حفظ الله .

: مع السلامه .

أنهى المكالمة .. ثم أغلق هاتفه .. لأنه ..لا يملك أية إجابات لأمه و والده في الوقت الحالي .. سيفكر في ما سيقوله و يحضر الإجابات لمواجهة الغد ، التفت إليها قائلاً برقة : ممكن أطلبك طلب ؟؟ .

تظاهرت بالانشغال بحقيبتها و هي تتمتم : تفضل .

ابتسم و قال : تتسحرين هنا الليله ؟؟.

ارتجفت شفتاها .. كيف تجلس إلى جواره طوال هذا الوقت ؟؟!! أمر محرج قد يصيبها بالجنون ،

شعر بخوفها و ارتباكها الشديدين ، فقال مطمئنًا : طيب .. نخليها عشا بس .

ابتسمت بخفة ، فأمسك بسماعة الهاتف الثابت قائلاً : ساعه و نص إن شاء الله و يوصل .

هم بطلب الرقم و لكنه التفت إليها متسائلاً : ما سألتك واش تحبين تاكلين ؟؟ .

أمسكت بأذنها في ارتباك و تمتمت : أي شي .

هز رأسه و هو يطلب الرقم : الــبنات و ما أدراك مالبنات .

رفعت بصرها بحذر إليه .. تخشى أن يمسكها بالجرم المشهود ، انشغل بحديثه مع السائق .. وانشغلت هي بتأمله .. لا زال كما تذكره .. عيناه الواسعتان .. لحيته السوداء المهذبة .. أنفه الطويل الذي يشبه أنف عمه .. و لكن يبدو أنه فقد البعض من وزنه .. فوجهه يبدو شاحبًا قليلاً .. خفضت عينيها على الفور عندما أغلق السماعة ، التفت إليها باسمًا و قبل أن يفتح فمه تعالى طرق باب الجناح الخارجي ، التفتت في حدة قلقة فقال على الفور : لا تخافين .. مافي أحد .. هذي أكيد الخدامه جايبه الضيافه .

رفعت حاجبيها بتفهم و رأتها و هي تدلف من البعيد ، ليست معتادة على هذا الشيء .. نظرت إليه ثم نهضت من مكانها و تحركت باتجاه الخادمة قائلةً : بعد إذنك .

رفع حاجبيه بدهشة و هو يتابعها ، اختفت من أمامه للحظة .. ثم عادت و هي تحمل كوبي العصير .. قدمت أحدهما إليه بهمس خفيف : تفضل .

كتم ضحكته و هو يمد يده ليأخذ الكوب : يزيد فضلك .

ابتسمت بسعادة و هي تعود للجلوس في مكانها .. و إن كانت تتساءل في نفسها عن سبب ذاك التصرف .. المهم أن لا تدلف امرأة أخرى إلى حجرته ، كتمت ضحكة خجولة غريبة تداعبها من الداخل و هو يقول : و كيف أيامك فــ فيلا الجازي ؟؟؟.


@@@@@@@@@@@@@@@@@@



جده


أحد شوارعها


00 : 10 مساءً


سأل عمه و عيناه معلقتان بالطريق : دحين ممكن تقلي وين تبغانا نروح ؟؟؟؟.

ابتسم أبو فيصل الجالس في المقعد المجاور : انت ما عندك صبر ؟؟.. يا خي كلها كم دقيقه و تعرف .

انعطف تركي بالسيارة مغممًا : عمي .. كان ودي نروح لعباس رأفت على طول .

هز عمه رأسه نفيًا : مشكله مسألة وراثة الطباع هذي .

التفت إليه تركي سريعًا ثم عاد ببصره إلى الطريق ، ضحك أبو فيصل في مرح ثم قال بجدية : يا ولدي .. مو كل الأمور تنحل بالقوه .. الواحد لابد يفكر اذا كان في طرق ثانيه أسهل توصله للمطلوب .

لم يعلق تركي و أبو فيصل يشير بيده إلى اليمين : لف هنا .

أطاعه تركي ، فأردف عمه و هو يشير بحماس : ذا اللي لونه رمادي .. ايه .... ثاني بيت .

أوقف تركي السيارة أمام فيلا أنيقة رمادية اللون ، فتح أبو فيصل باب السيارة هاتفًا : يلا .

نزل تركي و لحق بعمه في صمت ، توقفا أمام باب المنزل ، مد أبو فيصل يده و ضغط على مفتاح الجرس و لم تمض ثانيتين .. إلا و : يا هـــــــــــــــــلا يـــــــــــــــــا هــــــلا .

زوى تركي ما بين حاجبيه ؛ فالصوت مألوف له ، فُتح الباب و أطل منه ذلك الوجه الباسم الوقور : حيا الله أبو فيصل و حيا الله ولد الغالي .

اتسعت ابتسامة أبو فيصل و هو يدلف إلى داخل الفيلا : الله يحيك يا أبو مشعل .

أما تركي فقد حركت الدهشة الدماء في عروقه ، همس بدهشة : عبد الله صلاح ؟؟!!!!!!!!!.


.


.



.



.



امتقع وجهه عندما فرغ أبو فيصل من حديثه و ظهر ذلك جليًا في صوته : آه .. و الله يا أبو فيصل .. ما عندي أي خبر عن هذا الشريط .

نظر تركي إلى عمه الذي قال : أبو مشعل .. انت رجال و النعم فيك ، و لو ما أعرف قدرك و قيمتك ما كنت جيتك .

رد عليه أبو مشعل في احترام : ما عليك زود يا أبو فيصل .. بس والله مالي علم بالشريط و الحقيقه ..

و تنحنح قليلاً ثم أردف : عباس كان أقرب للوليد مني .. و أكيد يعرف أشياء كثيره ما أعرف عنها شي .

شبك أبو فيصل يديه و طرح سؤاله : انزين يا أبو مشعل .. أنا ودي أسألك سؤال و متأكد إن إجابته عندك .

تطلّع إليه أبو مشعل بقلق : تفضل يا أبو فيصل .

طرح أبو فيصل سؤاله بحذر : ليش سلطان غيّر اسمه ؟؟؟؟!!!! .

تراجع أبو مشعل في مقعده في صدمة لم يستطع أن يخفيها : اسمه ؟؟ .

أومأ أبو فيصل برأسه : ايه .. ليه غيره للوليد .. واش السبب ؟؟.

حار أبو مشعل في الإجابة التي سيلقيها و تعرقت يداه في ارتباك شديد : هوا ما علمكم ؟؟.

أجابه أبو فيصل بوضوح : امبلى .. لكني بسمع السبب منك .

ظهر الارتباك بصورة أشد على وجه أبو مشعل ..و هنا شعر تركي بأن هناك ما ينبغي أن يقوله .. شيء لا بد أن يُطرح في صلب النقاش ، هتف قائلاً : دريت باللي صار لحسن و شركائه يا أبو مشعل ؟؟؟.

التفت إليه أبو مشعل في حدة : حسن ناصر ؟؟!!!!! .

ثم صمت عندما أوقع نفسه في الفخ ، ابتسم تركي بغموض قائلاً : ايوه .. حسن ناصر .. الحمد لله إنك ميزته من بين الكل .. إلا .. إذا قريت الخبر فـ الجريده .

هز أبو مشعل رأسه نفيًا : ما أقرا الجرايد كثير .. و علاقتي بالتفزيون مي قويه .

قال تركي بهدوء : قتل مسعود فايز و مراد سعود .. و لقيوه غريق فـ خـزان .

اتسعت عينا أبو مشعل في صدمة : لا حول و لا قوة إلا بالله .

اعتدل تركي في جلسته : انتا أكيد عارف بالوصيه يا أبو مشعل .. لأنك و عباس كنتوا عند أبويه قبل وفاته .. و حسب ما عرفت إنك سمعت الوصيه قبلي .

قطب أبو مشعل حاجبيه : وصية ؟؟ أية وصيه ؟؟!!!!!! .

أجابه تركي في صرامة : الوصيه اللي سمعتها انتا و عباس .

تحدث أبو مشعل في اندفاع : يا ولدي ما دار بيني و بين أبوك أي شي مهم ذاك اليوم ، عباس اللي كان عنده و أول ما جيت انتا طلع ، و أظنك تتذكر إني ما كنت في الغرفه وقتها .

تراجع تركي في مقعده و هو يتأمله غير مصدقِ لحديثه ، وضع أبو مشعل يده على الطاولة أمامه مردفًا : صحيح كنت عنده ذاك اليوم لكن أول ما جا الدكتور طلّعوني و بعدها بشويه دخل عباس بطلب من أبوك شخصيًا .

ساله تركي في حيرة : يعنـ

قاطعه أبو مشعل و قلبه يخفق بخوف : تركي .. اش كانت الوصيه إذا .. ممكن أعرف .

التفت أبو فيصل إلى تركي .. تركي الذي قبض على ذراعي مقعده بشدة كأن قنبلة قريبة ستنفجر في وجهه و هو يغمم : أبويه .. طلب مني أنتقم من حسن و اللي معاه لأنهم قتلوا أمي .

هوى قلب أبو مشعل بين ضلوعه و جحظت عيناه في صدمة مدمرة و هو يتراجع في مقعده كالمصعوق ، هــــب تركي من مجلسه هاتفًا بحدة : أبــــــــــــــو مـــــــــــــشــعـل ؟؟ اش الـــــــــــــــلـي تــــــــــــعــرفـه ؟؟؟؟ عـــــــــــــــلــــــــــمـــــــنـــــي دحــــــيــن .


حدق أبو مشعل فيه .. لسانه معقود و صدمته عظيمة ، قلبه يخفق في جنون و عقله عاجز عن التصديق .

هتف أبو فيصل بقلق : أبــــــــــــــــــــو مــــــــــشــــــعــل ؟؟!!!!!!!!..

انتفض أبو مشعل في مجلسه و كأنما استيقظ من كابوس مزعج ، قبض تركي على كفه بحنق و هو يصيح : اش فــــيـــــــــك ؟؟؟؟... ليــــش ســــــــاكت ؟؟؟؟.. انـــــــــــــطــــــــــــــــق .

نهض أبو مشعل من مقعده بصعوبة و صدمة الخبر لم تفارقه ، توجه إلى مكتبه القريب و الرجلان يراقبانه ، أخرج سلسلة مفاتيحه من جيبه و استخدم أحد المفاتيح في ثقب الدرج الأول ، فتحه ثم مد يده و التقط شيئًا ما لُف في كيس أبيض ، خفق قلب تركي في انفعال شديد و هو يغمم بتوجس : اش هذا ؟؟ .

توجه أبو مشعل إليه و عيناه تتوهجان بدموع وشيكة ، نهض أبو فيصل في مقعده خوفًا من القادم ، توقف أبو مشعل أمام تركي و يداه ترتعدان ، قال بنبرات متوترة : خذ .. أبوك خلاه عندي و طلب مني أحتفظ فيه ..

رفضت و أصريت على رفضي ، قلي يمكن تحتاجه في يوم .. ما فهمت قصده .. لكنه ترجاني أحتفظ فيه .

مد تركي يده ليلتقط ذلك الشيء و هو يسأله بقلق : اش هوا ؟؟ .

هتف أبو مشعل : تــــركـــي .

رفع بصره إليه بتساؤل ، ابتلع أبو مشعل ريقه قبل أن يقول : أبوك اللي قتل أمك .

ارتــــــــــــــــــــد تركي في ذهــــــول و صاح أبو فيصل بصدمة : واش تــــــقـــــــــــول ؟؟!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!! .

تنهد أبو مشعل و قد غلبته دموعه و هو عاجز عن النظر إلى تركي : القصه طويله .

لم يرف لتركي جفن و قد تعلقت عيناه بأبو مشعل الذي لم تقوى قدماه على الوقوف فتهالك جسده على المقعد القريب : بعد المشكله اللي صارت بين أبوك وجدك.. تزوج أبوك و سافر للدمام ،علاقته معاها ما كانت تمام لأنه ما كان متقبلها بسبب مرضها و ضعف شخصيتها و إحساسه إنها أمانه ثقيله عليه ، كان قاسي معاها و جاف .. المهم .. خلاها على ذمته و وولدت هناك ، و كملوا حياتهم فـ الدمام إلين صار عمرك 8 سنين .. بعدها رجع لجده و استقر فيها .. هذيك الفتره كانت تجيه اتصالات من ناس غرباء إن زوجته الريم تخونه و إنها تدخل رجال للبيت لما يكون برا .. حاولت أحذره كم مره إنه ما يسمع كلامهم .. لكنه أصر يسوي شي عشان يتخلص من الوساوس .. و.. ركب كاميرات تصوير في البيت كله بدون علم أمك ، و مره فـ الليل جا يزورني و أنبته على اللي يسويه فيها و هيا المريضه اللي مالها أحد فـ الدنيا .. دار بيننا كلام كثير إلين دمعت عيون أبوك وحس بغلطته .

لم يبدي تركي أي حركة و أبو مشعل يتلقط أنفاسه و يردف : وعدني إنه بيعدل معاملته لها و رجع بيته .. دخل و .... لقى ظرف عند أمك .. جلست تبكي و تقله إنها أخته من الرضاعه و الدليل في الظرف اللي دخله واحد من تحت باب الفيلا .. ما فهم شي من اللي قالته إلين فتح الظرف و لقى أوراق .. مدبّس عليها

التزم تركي الصمت كأنه فقد الإحساس بكل ما حوله .. فقط .. صوت أبو مشعل هو ما كان يشعره أنه على قيد الحياة ، استحثه أبو فيصل في عصبية : ايــــــــــــــش ؟؟ .

هز أبو مشعل رأسه و هو يروي بصوت متهدج : صور خليعه لأ.. لها مع رجال غريب .

اقشعرّ جسد أبو فيصل و انعقد لسانه في جوفه ، استطرد أبو مشعل بصوت مخنوق : و .. و .. عصب و .. و قـتلـ

انفصلت روح تركي عن جسده .. و ذكرى غريبة لم تغب عن ذهنه تـــــــــــــــعود



■ ■ ■ ■


1409 هـ


: تــــركي .

فتح عينيه و هتف بضيق : هممممممم .

حمله والده بين ذراعيه و هو يهتف : شكله المكيف حق غرفتك خِرب .. أنزلك تحت عشان تنام في المجلس .

عقد حاجبيه و غمم بخفوت : باباااا ؟؟!!.

نزل والده مع السلالم و وجهه ممتقع : معليش .. بس شويه إلين يتصلح و أرجع أطلعك .

و بعد أن وصلا وضعه على أطول أريكة في المكان و منحه نظرة مطمئنة و هو يقول : لا تطلع إلين أقلك .. العمال طالعين نازلين عشان يصلحون و أخاف عليك إذا جلست هناك .. فهمت ؟؟!.

أومأ برأسه في طاعة و خوف و والده يغلق الباب ...... و لم يفكر طويلاً .. لأنه مرهق .. و غط في سبات عميق .





■ ■ ■ ■


لم يتمكن أبو مشعل من إتمام كلماته و تساقطت دموعه غزيرة : بعدها .. فاق و خرج من المكان و علمنا بالخبر ، عصبت عليه وقتها و انفجرت فيه و ليه ما استنى عشان يتأكد ، لكن و ين يتأكد و الصور توضح كل شي .

ابتلع شهقاته و أردف : قدر يخرّج نفسه من الموضوع بمساعدة عباس و اندفنت أمك بدون علم أحد ، خصوصًا انه مالها عايله تسأل عنها و مــ .. مراد أخوها ما يسأل عنها .. و لا يدري هيا وين ، بعدها غير أبوك اسمه كأنه يبغى ينسى سلطان و يبدأ حياه جديده و .. هذا اللي معاك .. الشريط اللي فيه .. فيه .. فيه تصوير الحادث .

خنقته غصة مريرة وسط ذهول أبو فيصل و صمت تركي الغريب ، أغمض أبو مشعل عينيه و غمم بصعوبة : أخذه سلطان و احتفظ فيه و .. قبل وفاته بيومين .. جاله اتصال من رقم غريب .. قله .. إن حسن و مراد و مسعود هما اللي كانوا يزعجونه و إنه .. واحد فيهم لبس عبايه على إنه حرمه ودق على أمك لما أبوك كان برا البيت.. أوهمها إنه حرمه كبيره في السن و مسكينه فدخّلتها أمك الطيبه و ما أدري كيف قدر يحطلها منوم في شي شربته .. صوروها و .... المهم إنهم كانوا يتصلون عليها و يهددونها و هما اللي ضحكوا عليها وقالولها انها تسير أخته من الرضاعه و عندهم الدليل .. و لازم تعلمه و تنهي الزواج و لاّ بيقولون لسلطان إنها عارفه من البدايه و ما تكلمت و

و ضع أبو مشعل يديه على رأسه : يا كثر كذبهم اللي كذبوه ، و أمك الله يرحمها كانت متدينه لكنها في نفس الوقت ضعيفة الشخصيه و ينضحك عليها بسهوله و .. أميّه .

ابتلع ريقه ثم استطرد : أبوك ما صدق المتصل و قفل السماعه فـ وجهه .. بس كان حاس انه في شي بيصير .. فأعطاني الشريط و اليوم الثاني .. وصله عن طريق مجهول تسجيل لحسن و اللي معاه و هما يتكلمون عن كل الحادثه بتفاصيلها كأنهم يحكونها لواحد و بعدها .. انهار أبوك .

سقط أبو فيصل على مقعده في انهيار تام و انخرط أبو مشعل في بكاء حار : الله يهديك يا سلطان .. الله يهديك .

أما تركي .. فلم ينبس ببنت شفه و لم تنم ملامحه عن أدنى تأثر ، تحركت قدماه نحو الباب ، فهتف أبو فيصل بضعف من شدة صدمته : تركي !! .

و لم يبدو عليه أنه سمعه بل واصل سيره نحو الباب و أبو فيصل يتمنى أن يلحق به لكن قدماه لم تسعفانه ، هتف بضعف شديد : أبو مشعل ... الحقه و اللي يخليك .. لا يـــســــوي بـــعـــمـــره شـــــي .

هب أبو مشعل من مقعده ليركض خلف تركي الذي غادر المكان : تـــــــــــــــــــــركــــــــــــــــــــــــــ ــــي !!.

رغم سنوات عمره التي تجاوزت الستين حاول أن يركض .. يركض و هو يصيح : يا ولدي يا تركي استنى لحظه .. تركي .

وصل إلى ساحة الفيلا الخارجية و إذا بصوت السيارة تغادر المكان ، صاح أبو مشعل بصوت منفعل : تـــــــــــــــركـــــــــــــــــي !!!!!!!!!!!.

اندفع نحو الباب الخارجي بطاقته المتبقية و إذا بأنوار السيارة تلوح من البعيد فهمس بعجز : لا .. لا يا ولدي .. لا لا .


@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@


الطائف


فيلا وداد


00 : 11 مساءً



كانت تبتسم للمتواجدين و تحدثهم برقة ، تحاول أن تخفي ما في نفسها .. لا تريد أن يشعر به أحد .. ، هاهي ربى تجلس على مقربة !! .. هي من أخبرته بما حصل ولا شك .. و لكن لماذا ؟؟!! لماذا لم تصمت ؟؟!! لماذا أفشت الأمر له ... لماذا لم تتحدث معها في الموضوع على الأقل قبل أن تفعل ؟؟.. هي السبب .. هي من صدتها مرارًا و لم ترد على اتصالاتها .. و لم تجد بدًا من محادثة عزام .

رمقت ساعتها الأنيقة بحركة سريعة .. ثم عادت ببصرها للنسوة و الفتيات " 00 : 11 مساءً " ؟؟!! .. متأكدة بأنه سيطلب رؤيتها .. و لكن متى ؟؟؟ .

: عـــروب .

التفتت إلى مصدر الصوت و كذلك والدتها ، ابتسمت وداد بسعادة و قالت : ممكن تساعديني شويه ؟؟.

نهضت عروب من مكانها على الفور هاتفة : أبشري .

سارت برفقة وداد نحو المطبخ و شعرها الحريري يتحرك خلفها بنعومة ، ابتسمت أم نواف و هي تقول بصوت مرتفع : بسم الله عليك يا نظر عيني .. الله يحفظك و يخليك لعزام .

احمرت وجنتا عروب من شدة الخجل ، التفتت إليها بسرعة و على شفتيها ابتسامة شكر خجولة ثم دلفت إلى المطبخ و الابتسامة تموت على شفتيها ، رفعت حاجبيها بإعجاب و هي ترى أطباق الحلوى الملونة المرتبة على الطاولة : ما شاء الله تبارك الله .. روعه.

ضحكت وداد و هي تمسكها مع كفها : لا تخافين راح أبقيلك .. تعالي دحين .

و فتحت باب المطبخ المؤدي للخارج فطالعتهما سلالم طويلة زوت عروب ما بين حاجبيها ، فربتت وداد على كتفها و همست : أخذت الإذن من الوالده .

سألتها عروب في حيرة : إذن ؟؟ .

ابتسمت وداد و هي تنادي : يــا عـــــريـــــــــــــــس .

: ســـمّــــي .

شهقت عروب في خفوت و هي ترى عزام يقف في أعلى السلالم و الابتسامة تعلو محياه ، أمسكت بها وداد و دفعتها للخارج برفق : ساعه و ما في زياده .

التفتت عروب إليها في ذهول : و اشو ؟؟ .

شهقت عندما جذبها مع يدها : تسلمين يا خالتي والله .. نردها لك فـ الأفراح إن شاء الله .

ضحكت وداد بمرح و أغلقت الباب خلفها ، صعدا السلالم و هي عاجزة عن النطق و هناك .. في الأعلى طالعهما ذاك المكان الشاعري المرتب .

.


فيلا وداد على مرتفع جبلي .. و من هذا المرتفع الآخر يبدو المنظر أكثر جمالاً و شاعرية .

ليلية من ليالي مدينة الطائف الهادئة الساحرة ، حيث الأنوار البعيدة على امتداد النظر و الجو العليل ينعش الروح و يجبرها على الابتسام .

تحركت خصلات شعرها و عيناها تعانقان الأفق ، أسرتها روعة المنظر و سلب لبها عطر الزهور الذي تحمله النسمات الباردة .

: عــروب .

التفتت إليه و قد تذكرت ما خططت له ، خفق قلبه .. فابتسم لِحُسنها : منذو مبطي و الطايف تحن تبيك .. و اليوم منوره بطلتك .

أطرقت برأسها و قلبها يخفق بانفعال شديد .. عليها أن تبدأ .. تخلع هذا القناع الزائف الذي يرتديه ، رفعت بصرها إليه بنظرات غريبة و قالت بلا مقدمات : ليش ارتبطت فيني يا عزام ؟؟.

لم ترق له نظراتها .. لأول مرة يرى عينيها النجلاوين تنطقان بتلك الرسائل الغريبة ، رسم على شفتيه ابتسامة خفيفة و قال : ما فهمت سؤالك .

ابتسمت بسخرية و هي تعقد يديها أمام صدرها : لا .. انت فاهمه و بكل وضوح .. ما أتوقع إنك بتتزوجني برضاك .. إلا .. إذا عمي أبو نواف أجبرك .

عقد حاجبيه .. ما بالها ؟؟!! .. ما هذا الأسلوب الغريب الذي تتحدث به ؟؟!! .. أله علاقة بذلك الموضوع ؟؟ .. ألياسر يد فيه ؟؟ ... ، تحدث بصرامة وهو يسلخها بنظراته القوية : هاتي اللب بدون لف و دوران .

لم تتصور نفسها في يوم من الأيام قادرة على مواجهة هذه النظرات القاسية .. لكن هاهي الآن تقف أمامه بثبات .. و إن كانت روحها تنتفض كورقة خريفية ، رصت على كلماتها و هي تقول : مستحيل الرجــــال يتزوج وحده شاك فيها إلا إذا كان مجبور .

و أردفت بسخرية : مسكين يا حبيب البابا .. لهذي الدرجه خفت منه و ما قدرت ترفـ

شهقت عندما جرها مع يدها بقسوة ، ارتعدت شفتاها و هو يتطلع إليها بعينين غاضبتين و أنفاسه تحرق وجهها : احفظي لسانك يا عروب .. احفظي لسانك يا بنت عمي ، و صدقيني .. أبوي لو زعل علي أسبوع بيرضى الأسبوع اللي بعده و السالفه ما تسوى .

أغروقت عيناها بالدموع أخيرًا .. إذاً فكانت محقة !!.. تزوجها بإجبار من والده .. ليس من أجلها فقط .. كان يعلم بحقيقة ما حصل لها مع فارس منذ البداية و لم ينطق .. و هي الغبية التي كانت تظن العكس .. كان تريد أن تصمت عن ما مضى و تبدأ معه حياة جديدة خالية من الشكوك .. بالتأكيد سيشك .. و ربى من قالت له .. و كيف لا يشك و هناك من رآها بين ذراعي ابن عمه ؟؟!!!. إذًا لماذا صمت إلى هذه اللحظة و لم يفاتحها في الموضوع ؟؟.. أيخدعها بالكلام المعسول و الوعود الكاذبة حتى توافق على البقاء بقربه إرضاءً لوالده ثم يكشر عن أنيابه بعد الزفاف و يصب اللوم عليها إن وقع الطلاق ؟؟ .... بالتأكيد هذا ما يفكر فيه .. فمن ذا الذي يقبل الزواج بمن يشك بها ؟؟؟ .

نفض يده قائلاً بصرامة : لو أبي أطلع منك الكلام بطلعه بالغصب و ما علي فـ أحد .. ما يكفي إنك خبيتي الموضوع عن ياسر .

هوى قلبها بين قدميها و هي تتراجع للخلف و كل اللوعة تنبثق من عينيها ، انقبض قلبه لمرآها .. ما كان ينبغي أن يكون جافًا فضًا بهذه الصورة و لكنها تستفزه ، أشاح بوجهه مغممًا : انسي كل اللي قلناه و خلينا نبدأ من جديـ

: طلـــقني .

التفت إليها في حدة هاتفًا : انتي ما عندك إلا طلقني طلقني .. تراك كبيره و عاقله و فاهمه إن الطلاق مو لعب .

كبتت على دموعها بإرادة من حديد و هي تتجاهل عبارته مغممة : لكن قبل ما ننفصل أحب أوضحلك الشي اللي انت فاهمه غلط .. لأن الإنسانه اللي واقفه قدامك تفضل النحر ولا يمس شرفها كلـــمه .

ابتسم باستنكار هاتفًا : عرضي و عرضك واحد يا بنت العم و

قاطعته على الفور و هي تدير ظهرها له خشية من أن يرى دموعها : الخسيس المنحط ولد عمك اللي سترت عليه هو و الخبيثه الثانيه على الغلطه اللي سووها ، أرسلي من جوال مروان رساله ذاك اليوم يقلي إنه تعبان و ينتظرني فـ الدور الثالث.. طلعت له ركض .. ومسكني فارس اللي كان سارق جوال أخوي و

شهقت و هي تشعر بجسدها يدور للجهة الأخرى و صرخة مدمرة تتفجر في وجهها : و اش سوالــــــــــــــــــــــــك ؟؟!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!

حدقت في وجهه المحمر من شدة الغضب و يداه تقبضان على ساعديها بقوة ، تمتمت بشفتين مرتعدتين و دموعها تتساقط : كمم فمي و هو يذكرني بالحادث و يأكدلي انه السبب و

قاطعها و عيناه متسعتان في غضب هادر : حـــــــــــــــــــــادث ؟؟؟؟؟؟!!!!!!!!!!!!!!.

همست بصوت متحشرج : هو اللي خطط مع السواق .

شعرت بجسده يتصلب .. و في ملامحه يشتعل كل غــــضب الدنيا ، شعرت بخوف يعتريها لعمق تلك المشاعر التي طغت على وجهه .. وضعت كفها بخوف على يده التي تقبض على ذراعها بشدة و هي تهمس : ياسر كشف الخدامه اللي اشتركت فـ اللعبه معهم و اعترفت بكل شي .. و كل هذا عشان لا أفضحه .

و ضيقت عينيها بحنق من ضعفها الشديد أمام تلك النظرات : هدني .. أنا اللي بكلم أبوي و بصر على الطلاق ..و بعدين .. انت مصدق عمرك اني بعيش معك ؟؟؟؟.

ثم جرت يدها بعصبية و هي تبكي : أنا عـــــــفت الرجال كلهم .. مالك أمان .. حتى أخوي و عزوتي شك فيني و حملني خطا ما ارتكبته .

دارت على عقبيها إلى السور .. توقفت أمامه و هي تمسح دموعها الغزيرة و جسدها ينتفض .. كيف ستنزل الآن أمامهم ؟؟!! .. عليها أن تلتقط أنفاسها أولاً .. و لكن ليس أمامه .. إذًا أين ؟؟!.

.


.



إذًا هذا هو سبب اختفاء فارس المفاجئ ؟؟!! .. ذلك الـ ##### .. ما من كلمات تصف مجونه .. فسقه و طغيانه .. ألا قلب له ؟؟!!... أهذا أمر يفعله عاقل في ابنة عمه ؟؟!!! من يبغي أن يذود عن عرضها بروحه و دمه ؟؟!!!!!!!!.

قبض على أصابعه .... أين يجده ؟؟!! أين من الممكن أن يجده و عمه يبحث عنه منذ فترة طويلة ؟؟!!! .

نقل بصره إلى السلالم و رآها تهم بالنزول ... يريد أن ينطق باسمها .... لكنه لا يقدر ..... الغصة تخنقه لصدمة الخبر .

نزلت أول درجة ...... و كانت هي الشجاعة بكلماتها الهادئة : رجاءً إذا فاتحوك فـ الموضوع قلهم إننا ما اتفقنا ، ولا تربط نفسك فيني أكثر عشان حياتك لا تسير جحيم مع وحده معقده نفسيًا .

و غابت عن عينيه خلف السور المصمت ، تاركة إياه فاغر فاه .. ، أشاح بوجهه عندما سمع صوت الباب وهو يُفتح و اقترب من السور في صمت تام .. أغلق عينه و الباب يغلق أخرى ثم فتحهما مجددًا و هو يهمس بحنق : و هدمت المخطط كله .

ضرب على السور بقبضته بعصبية : ويـــــــــــــن ألاقــــــــــــيــه هـــــــذاك الــــــــ ###### .. ويــــــــــن ألاقـــــــــــــيـــه ؟؟!!!! و ربــــــــــــــي مــــــا بــــــــــرحــــــــــمـــــــه لـــــــــــو طـــــــاح فـــــــ يـــــــــــدي .

أدخل يديه في خصلات شعره و قلبه ينتفض قهرًا و لوعة : يالله يا ياسر .. كيف قدرت تخفي قهرك و حرقة قلبك .. كـــــــــــــــــــيـــف ؟!!!!!!!!!!.

زفر بحرارة ملتهبة : لازم أدور عنه من يوم ما أرجع الرياض ... و ...

صمت و هو يخرج من جيبه جورية حمراء كانت سيهديها لها ، تحسس أوراقها بأصابعه .. و ابتسم بمرارة حينما تذكرها بفستانها الأحمر في ذلك اليوم .. كانت ضعيفة محطمة ، منهارة لم تقوى على كبت دموع الخوف .. ، ما بالها الآن ؟؟!! .. حاولت أن تتجلد بقوة زائفة لم تخفي شيئًا من ضعفها و رقتها .. ، هي السموم .. الطعنات .. حينما يعتادها القلب .. إن لم تقتله .. تقويّه .... ، شعور غريب في داخله يتصارع للظهور ... يريد أن يحتويها .. يضمها إلى صدره .. يخبرها بأنه سيكون بجوارها دومًا .. يمحي أحزانها .. يمسح دموعها .. يحتضن قلبها بكل الحب و الاهتمام ...... ولا يدري لِم ؟؟! ..... أهي صلة الدم ؟؟!! .. أهو ضعف كرهه في عينيها ؟؟؟ .. أهو شفقة على حالها عندما اغتيلت غدرًا ؟؟!!! .. لا ينكر أنه يشعر بقهر شديد على أن مــــسّـهـــا غيره .... و لكن مضى زمن التفكير في ذلك .. فقد أقدم على العلاقة و قد روض نفسه على تناسي تلك المشتتات.. علم بالحقيقة فقط .. و تناثر الشك الذي كان يؤرقه بحقيقة مرة .....


■ ■ ■ ■


..و بعدين .. انت مصدق عمرك اني بعيش معك ؟؟؟؟.


■ ■ ■ ■


رفع بصره إلى الأفق و همس : إيه .. مصدق يا عروب .

رمق الطاولة التي أخفى تحتها تلك الهدية ، ثم تنهد و هو يرفع هاتفه ، بحث عن الرقم .. ثم وضع السماعة على أذنه و هتف : ألو ... كيفك يا أبو رحم ؟؟!



.



.



.




وقفت عند مدخل دورة المياه بإضاءته الصفراء و مغاسله الرخامية ، وضعت يدها على صدرها و أنفاسها تتسارع .. حتى خفقات قلبها تتردد في أذنيها ، رفعت هاتفها مجددًا و نظرت إلى تلك الرسائل الثلاثة التي أتت خلف بعضها البعض من أرقام مختلفة لا تشبه ذاك الرقم



---------------------- *******059 -------------------------


تحسبين نواف يحبك !! ، ما تدرين إنه خاين و يلعب من وراك .. يضحك عليكِ بذاك الكلام و انتي مثل الهبله تصدقينه .


-----------------------------------------------------------------



.



---------------------- *******055 -------------------------


مصدقه حبه لك يالغبيه ، ما تدرين إنه من يوم ما يطلع من عندك يمر على الحبايب و ########


--------------------------------------------------------------


.


---------------------- *******059 -------------------------


حتى فـ رمضان مكمل الزيارات معانا ، انتبهي بس لا ينقلك مرض من كثر عشيقاته ..


--------------------------------------------------------------


.



كبت الضيق على أنفاسها ، وضعت يدها على بطنها و همست : لا يا عبير .. لا تصدقينهم و لا تخربين بيتك بيدك .

ازدردت لعابها ثم ضغطت مفتاح الاتصال على زوجها : المهم أبلغ نواف .


@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@



الرياض


فيلا أبو ياسر


في نفس اللحظات



رفع حاجبيه و هو ينظر إليها : يا بنت الناس الخدامه تجي و تشيلها لا تتعبين عمرك .

هزت رأسها نفيًا و هي تقرب طاولة الطعام المتوسطة من سريره : لا تعب و لا شي ، ارتاح انتا بس .

و خرجت من الحجرة لتحضر أطباق العشاء التي أوصلتها الخادمة للمدخل ، ابتسم و التفت إلى الطاولة .. ضغط بيديه على السرير تمامًا كما كان يفعل في تمارين العلاج الطبيعي و زحف قليلاً نحو الطرف .. ثم أمسك بإحدى رجليه و رفعها ليضعها على الأرض ، عادت مجددًا و توقفت مكانها و هي تراه يضع رجله الأخرى على الأرض كذلك .. ضيقت حدقتيها بحزن على حاله و إذ به يلتفت إليها .. محت النظرة مباشرة و هي تقترب وتضع الأطباق على الطاولة ، أخذت ترتبها بتفاني و هو يراقبها و يقول بمرح : الحين انتي الضيفه و أنا المفروض أضيفك .


اتسعت ابتسامتها و قالت بصوت خجول : خيركم سابق ، بس راحتك أهم .

و جلست على الكرسي المقابل له ، أشار إليها بيده : سمي .

خفضت عينيها بخجل ، فهز رأسه بابتسامة لم يمحيها .. أمسك بشوكته الفضية و أخذ قطعة صغيرة من طبق - المشاوي – المشكلة ثم رفعها إليها قائلاً بخفوت : من يدي .

اشتعلت نفسها بحرج لا مثيل لها و تحولت وجنتاها إلى جمرتين متوهجتين ، فركت أصابعها بتوتر شديد و هي تصك على أسنانها .. أردف قائلاً : يلا .. عشان تنفتح نفسي و آكل .

تصاعدت أبخرة الخجل من أذنيها و هي ترفع كفها ببطء لتمسك بالشوكة ، ابتسم و لم يعلق .. لم يشأ أن يحرجها أكثر و هي زيارتها الأولى .. لذلك تركها تأخذها .. ثم صرف بصره إلى طعامه و أمسك بالملعقة و هو يقول : إن شاء الله باكر بتشوفين هلي .

شعرت بإحباط غريب و خوف مبهم ، رمقها بنظرة سريعة .. و فُضحت روحها الشفافة كالمعتاد .. عاد إلى طعامه و أردف بمرح بعد أن تناول لقمة بسيطة : أمي من أطيب الناس .. صدقيني بتحبينها و هي بعد بتآخذك بالأحضان .

لمعت في عينيها لمحة أمل ، و أتم حديثه و عيناه معلقتان بها : و بالنسبه لخواتي فهم ثنتين ..عبير الكبيره .. متزوجه نواف و لدي عمي ، و عروب الصغيره مملكه على عزام أخو نواف .. و أخيرًا أخوي مروان عمره 10 سنوات يعني رابع ابتدائي .. عاد هذا أبو النكت و بتموتين من الضحك على سوالفه .

ابتسمت .. و لم تسأل عن شيء .. و في خلدها تدور دوامة من الأسئلة ..هل سيتقبّلونها حقًا ؟؟ أم أنهم سيحتقرونها لأنها بلا عائلة حاليًا ؟؟ أو .. لأن أصلها من عائلة بسيطة .

لاحظ الوجوم البادي على وجهها ، فهتف بخفوت : توتو .

انتفضت لصوته .. بل .. للاسم الذي نطقه ،رفعت بصرها الخجول إليه فقال بحزم حاني : أنا بجنبك .

خفق قلبها و اندفع الدم بغزارة إلى وجنتيها فقال بمرح لينتشلها من غمرة الخجل : و الحين ممكن تعطيني الشطه ؟؟؟.

ضحكت برقة و هي تمد له بطلبه : تفضل .


@@@@@@@@@@@@@@@@@@@






جده


أحد الفنادق الفاخرة


10 : 11 مساءً


زفر في حرارة و هو يستلقي على السرير ، ليست لديه أي رغبة في أن يسمع صوت شقيقه أبو ياسر و حتى أبو نواف .. فلم يصفي حسابه معهما بعد .. لابد أن يواجههما بالأمر ؛ ليطفئ النار المستعرة في صدره .. لذلك اكتفى بإرسال رسالة إلى أبو ياسر يخبره فيها بأنه أتم موضوع زواج ياسر و تبقى عليهم فقط زيارة العروس و الإعداد للزفاف .

.


لم يحاول أن يلحق بتركي .. لكنه اتصل بعزام و طلب منه بنبرة عادية جدًا أن يتأكد من وجود تركي في القصر .. لأنهما افترقا و جواله مغلق .. و بالفعل .. قام عزام بمحادثة عمر و تأكد من أن تركي قد وصل إلى القصر سالمًا .

لا يدري ما هو حال ابن أخيه الآن .. هو نفسه صــــدمـــتـــــه القصة .. فكيف بتركي ؟؟؟؟!!! مالذي سيفعله الآن و كل ما سعى لأجله كان ســـــــــــــــــــــــــرابـــــــــــــًا ؟؟!!.

فكر .. إن كان من المستحسن أن يقابل عباس رأفت وحيدًا ليأخذ الشريط المجهول و لكن قلبه كان يخفق خشيةً من مصيبة جديدة و خبر مفزع آخر .

انشغل .. بقلب تركي .. هل سيتحمل صدمة أخرى ، صدمة مريرة كسابقتها ؟؟.

نهض من مكانه و هو يزفر .. توضأ ثم استقبل القبلة و صلى ركعتين ، و في كل سجدة لم يتوقف لسانه عن الدعاء لتركي .. فهذا هو سلاحه الوحيد الآن .


@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@



جده


القصر


مكتب تركي


30 : 11 مساءً



ظلام كئيب يخيم على المكان .. فقط الأضواء التي تسللت من النافذة الزجاجية الضخمة التي تبتلع معظم الحائط ...أنارت جزءًا من المكان .


.


.




ما من كلمات تصف ثورة مشاعره .. ما من كلمات تصف حالته .. ما من كلمات تصف ملامح وجهه .. ثلاث سنوات و هو يبحث ، و يخطط ، و يعمل .

سعى بكل إصرار ، و عمل بكل تفاني .. و كم سبب هذا الألم للكثيرين .


.



ثلاث سنوات قضاها لتحقيق وصية والده .. و بعدها .. تظهر له هذه الحقيقة المرة !!!! .


.



ثلاث سنوات عاشها في ضيق شديد ، و في داخله تثور آلام الواقع و صدمة الماضي .



.



ثلاث سنوات لم يشارك أحد همه ، لم يشارك أحد هدفه و مهمته .. بل كتم كل ذلك في قلبه .. قلبه البائس الحزين ، و أخفى الألم عن أقرب المقربين إليه .. و الآن .. ظهرت الحقيقة ، و كُشفت الأوراق ، و انقشعت الغيوم عن سماء الحادثة و أصل الجريمة .


.



كيف ؟؟ .

كيف رضي والده أن يكذب عليه بهذه الصورة المريرة ؟؟!!



.



لماذا أخفى عنه بأنه القاتل ؟؟ قاتل أمه !!!!!!!!!.

لماذا وارى الجريمة بحسن و من معه ؟؟ .

حتى لو كانت لهم اليد الطولى في الموضوع .. لكنه يبقى القاتل .. القاتل .



.



لماذا أخفى عنه الحقيقة ؟؟ لماذا ؟؟ .


.



كم تعذب بعد وفاة والدته ، كم عانى حينما قرر والده الزواج من ساميه ، كم عانى من تحريضها لوالده عليه ، كم عانى من ضربه و تأنيبه المتواصل ، و لكنه آثر الصبر و التحمل .. خصوصًا بعد تعرفه على أحمد ..الذي وقف إلى جانبه طويلاً و كان خير معين له بعد الله عز و جل .



.



كَبُر .. و أصبحت له شخصيته القوية الصارمة ، و هنا تغيرت علاقته مع والده قليلاً فأصبح الاحترام هو اللغة المتبادلة بينهما و ازدادت مكانته و قيمته عند والده ، حتى أن ساميه أصبحت لا تجرؤ على مخاطبته بوقاحتها المعتادة بل أصبحت تخشى هيبته و تتحاشى الالتقاء به .


.



وفي تلك الفترة فقط ..شعر بحب والده له .. ذلك الحب الذي افتقده زمنًا طويلاً ، و لكنه لم يفرح بذلك الشعور كثيرًا .. لأن والده كان قد رحل عن الدنيا بعد أيام قليلة .


.


.


و الآن ..لا يملك ما يقول .. و لا يعرف ماذا يقول .. أيشعر بالسخط على والده .. أم ماذا يفعل ؟؟ .


.



يشعر بجمود غريب في قلبه ، و جليد ثقيل يغلف مشاعره ، و بصيص من الأمل .. بصيص ضعيف في أن عبد الله قد أخطأ في قصته .. أخطأ في روايته لحدث واحد قد يغير مجرى البقية .



.



نهض من مكانه وفتح الكيس بأصابع مرتجفة ، تطلّع إلى الشريط الأسود بخوف عجيب .. تقدم ببطء و أدخله في جهاز الفيديو ثم تراجع إلى الخلف .. و قلبه يخفق .. و يخفق .. و يخفق .

كانت الشاشة زرقاء صافية ثم ما لبثت أن تبدلت إلى مشهد .. انـــــــــــــــــــــــــتـــفــــض لـــــــــــــــــه قلــــبه.


.



صحيح أن التصوير كان ضعيفًا نوعًا ما ؛ فـ 20 عامًا مرت على التسجيل .. و لكنه تمكن من تحديد المكان .. و كيف له أن ينسى حجرة نوم والديه القديمة ؟؟.

جلس على المقعد بلا تفكير و عيناه لم تفارقا الشاشة ، انتصب رأسه و هو يرى امرأة تدلف إلى الحجرة و لم يخفى عليه أنها أمه .. الــــــــــــــــــــــــــريــــــم .

ُأغلقت الأضواء فأظلم المشهد أمامه للحظة و يبدو أن الشريط قد قطع ؛ فقد تحول المشهد مباشرةً إلى الحجرة مجددًا .. إلا أن الأضواء قد غمرتها و والده يقف عند الباب ، أما أمه فهي واقفة .. مسندة ظهرها إلى الجدار .


.


تمنى فقط أن يستمع الحوار الذي يدور بينهما و لكن الشريط كان ينقل الصورة فقط بدون أدنى صوت .


.


خفق قلبه و هو يتابع الأحداث التي سمعها من عبد الله ، يتابع المشهد القديم ..


~~ الــــــــــــــــــذي اســـــــــــــتـــهــلــت بـــــه الــروايــــة ~~


حديثه معها .. هربها منه .. سقوطها على الأرض و إشارتها إلى الظرف و من ثم اطلاّع والده عليه .. و هنا فقط .. بدأت بوادر الجريمة .


.


اشتدت أعصاب تركي و قلبه يرتعد من شدة الفزع ، سقطت أمه مغشيًا عليها بعد دفعة والده و لم تمض لحظات حتى عاد والده إلى الحجرة بحركة عصبية و هو يحمل في يده سلاحًا ناريًا ، همس تركي برعب : لا يا أبويه .. لا .. لا .


.


و كيف سيسمعك يا تركي ؟؟ .


.


توقف بجانب أمه التي يبدو أنها استعادة وعيها و أخذت تحرك يديها في هلع شديد و .. لمع ضوء النار من السلاح

: لااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااا ااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااا

صرخ بها تركي و هو يرى الدماء تتفجر من جسد والدته و .. انقطع المشهد ..لتعود الشاشة الزرقاء للظهور مجددًا .


.


.


و مات الأمل ..


مات ..


مات ..


مات ..


و اندفن..


تحت ثرى المنظر و بشاعة الصورة ..


و انتهت أمامه ..


جريمة الماضي ..


جريمة ..


كانت ..


قبل 20 عامًا ..



.



وضع كفيه على وجهه و .. انــــــــــــــــفـــــــــــــجـــــــــــــر في بكاء مرير صاحبته شهقات مخنوقة ..

.


بكاء .. حبسه في صدره مدةً طويلة ..


.



بكاء .. سالت له دموع الفقد و لوعة الخبر ..


.



بكاء .. سالت له دموع ساخنة ..


.



بكاء .. التهب له قلب جريح ..



.



بكاء .. انهار لأجله كيان شامخ ..


.



بكى تركي .. ألمًا و حرقة ..



.



بكى .. لوعةً و ذهولاً ..



.



بكى .. قهرًا و حسرةً ..



.



تساقطت دموعه على ثوبه و بللت كفيه ، غسلت وجهه المرهق و أججت النيران في صدره ..الآن فهم سبب تلك الذكرى الغريبة التي وافقت خبر مقتل والدته ، لقد أراد أن يبعده عن مكان الجريمة ليتمها ، صاح بقهر مدمر و هو يهب من مكانه على غير هدى و يحرك بصره في المكان بشكل هستيري .. لا ديري ماذا يريد .. لا يدري ماذا يفعل .. ماذا يقول ... و ...... لمح الـــــــــــــــــــــــــــطـــرد الذي أخبره عنه عمر ..

~اندفعت إلى عقله صورة عباس و ضحكته الخبيثة ~

ركض نحوه و مزق الغلاف بعصبية و ظهرت له الفاجعة ..

شريط آخر ..

شــــــــــــريــــــــــــط آخـــــــــــر ..

انتفض جسده بانفعال شديد و دموعه لم تتوقف عن الانهمار بعد ، التفت في حدة إلى جهاز الفيديو .. عاد إليه مسرعًا ..أدخل الشريط و



.




: السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .. كيفك يا تركي .. اشخبارك يا ولدي .. عساك طيب ؟؟.

اتسعت عيناه في ذهول و هو يرى والده .. الوليد ( سلطان ) يجلس على مقعد وثير في حجرة مكتبه في القصر القديم و يبدو الإرهاق الشديد على وجهه الشاحب ، اغتصب ابتسامة و هو يقول : إذا كنت تشوف هذا الشريط .. مـ .. معناته إني ودعت الدنيا و .. إنـ .. إنك نفذت وصيتي اللي وصيتك بها ، و .. أثبت إنك ولدي اللي أعزّه و أحـ .. أحبه أكثر من أي شي ثاني .

نبضت عروق تركي من شدة الغضب و الغيظ و هو يستمع إلى الحديث المتبقي ، التقط والده أنفاسه الضعيفة ثم أردف : تركي .. دحين صرت رجال و .. لك سـ ..سمعتك و وزنك فـ المجتمع ، خاصة مع الثروة اللي انكتبت أغلبها باسمك ، و هـ .. هذا اللي ...... تستاهله يا ولدي ، و ...... دحين ... دحين أبغى أحكيلك قصه .

سعل بشدة ، ثم جاهد ليلتقط أنفاسه و هو يقول : مـ ..ما كنت أبغى أقولها لك .. لكن .. حسيت ... حسيت إنه واجب عليا أعلمك بها ؛ لأنها ...... تخصك و تعنيك بالدرجه الأولى ، و لأني ......... ما أبغى أخلي أي سر ورايا بعد .......... موتي .


.


اضطربت أنفاس تركي و هو يتمنى أن يكون السر هو نفسه الذي يعرفه .. فلن تحتمل أعصابه المزيد .


.



تنفس والده الصعداء قبل أن يقول : تركي .. انـــتــا مـــو ولـــــدي .


.


.

طعنة في حين غفله .. ويا كبر طعن الظهور

غافلك وأثبت سهامه .. بخنجر وسط الصدر

وارتميت وما قويت .. وصارت الدنيا تدور

في عيونك كيف خانك .. في نهايات العمر!!

.


الساعة الآن : 08:05 AM

Powered by vBulletin
Copyright ©2000 - 2013, Jelsoft Enterprises Ltd.