زايد والصيد بالصقور
يقول صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله عن رياضة الصيد بالصقور
أنها الرياضة المحببة عند أهل الجزيرة العربية منذ عصر الجاهلية وما زالت حتى اليوم
..
وتمثل الصدارة في مقدمة الرياضات العربية الأصيلة التي يمارسها أهل المنطقة وقد برع
الأهالي في دولة الإمارات في تدريب الطيور وتوارثوها عن الأجداد جيلا بعد جيل .
ويفضل صاحب السمو الشيخ زايد رحمه الله رياضة الصيد بالصقور عن غيرها من جميع أنواع
الصيد الاخرى .. وحب الشيخ زايد لهذه الرياضة التي تعتبر من أقدم الرياضات العربية
نابع من أنها رياضة تسودها روح الجماعة اكثر من غيرها .
ويقول سموه في وصف هذه الرياضة :
أنها تمارس ضمن مجموعات وفى رحلات جماعية طويلة تضم من الرجال الملك أو الحاكم أو
الأمير أو التاجر الكبير ومنهم الرجل العادي أيضا جمع بينهم حب الهواية , حيث يشعر
كل فرد منهم بالتسلية وصفاء النفس بعيدا عن ضجيج ورتابة الحياة اليومية ..
وفى اختلاط هذه المجموعة ببعضهم البعض , ثم اختلاطهم بولي الأمر ومجالسته لهم
ومعايشته اليومية معهم , يأكلون ويشربون من طعام واحد يتيح لكل فرد أن يعبر عن
أفكاره ويتكلم بما يريد فيتاح للمسئول أن يتعرف على رغبات شعبه , ويدرك ما يجول في
نفوسهم , كما تبدو خلال هذه الرحلات الجماعية التي تدوم ليالي وأياما , يكتسب
الرجال خبرة عظيمة في حياة الصحارى والقفار, ويتعودون الصبر والجلد وتكيف النفس على
الموازنة بين معيشة البر وحياة المدن .
واهتمام صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله برياضة الصيد بالصقور
وتطويرها لا يخفى على أحد خاصة المهتمين بهذا النوع من الرياضة , فقد سجل تاريخ هذه
الرياضة لسموه انعقاد أول مؤتمر دولي للصيد بالصقور في أبوظبي خلال عام 1976 حضره
حشد كبير يضم نخبة ممتازة من علماء التاريخ والأطباء المتخصصين في الطيور والأساتذة
المهتمين بالطيور وعلماء المتاحف وكل المهتمين بتربية الطيور على اختلافها لبحث
كيفية تطوير هذه الرياضة والحفاظ على الصقور ومعالجتها واثراء قوانين هذه الرياضة
وتقاليدها , ولتبادل الخبرات في كل ما يتعلق برياضة الصيد بالصقور .
ويعتبر الشيخ زايد رحمه الله في مجال هذه الرياضة خبيرا كبيرا في معرفة فنونها
وأصولها وآدابها ومرجعا هاما لتاريخها حيث ظل يمارسها منذ أن كان عمره 12 سنة حتى
أصبح أحد كبار الهواة فيها , وأحد الذين يمتلكون أندر مجموعات الصقور
وحب الشيخ زايد لهذه الرياضة نابع أيضا من أنها تظهر ابن البادية بما وهبه الله من
فطرة ومقدرة على ترويض هذا الطير الجارح وتأنيسه وتأديبه مما يمكنه من أن يأمره
فيطيعه ويناديه فيحضر مسرعا إليه , وكيف انه عندما يطلقه وراء الطريدة وبعد أن يلحق
بها ويمسكها تكون صيدا لذيذا له ولمدربه .
كما أن كتاب صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله عن “رياضة الصيد
بالصقور” وهو الكتاب الصادر عام 1976 يعتبر مرجعا مهما في هذه الرياضة , ولعله أوسع
هذه المراجع , وأكثرها دقة لان المعلومات التي يشملها الكتاب تأتى عن خبرة وتجربة
وحسن اطلاع .. ولا نغالي إذا قلنا أن كتاب سموه عن الصقور قد قدم ما فيه الكفاية عن
هذا الموضوع , وبحيث تبدو كل محاولة بعد ذلك تكرارا لا لزوم له , أو شرحا لما سبق
إنجازه .
وكتاب صاحب السمو الشيخ زايد , في فصله الأول أشبه بسيرة ذاتية عن العلاقة التي
ربطت سموه بهذه الرياضة منذ الطفولة .. والممتع أن سموه قدم عرضا لتاريخ رياضة
الصيد بالصقور عند العرب.
وقد ورد أن أول من صاد بالصقر ودربه “الحارث بن معاوية بن ثور بن كنده”
وفى الكتاب حديث مطول عن آداب الصيد عند العرب ومنها الكف عن صيد الحيوانات التي
تلجأ إليهم من شدة الجوع أو شدة العطش أو البرد القارس , وأن يكون الصيد بعد مطاردة
الفريسة ومنازلتها , وإلا تحول الأمر إلى مجرد القتل , كذلك من آدابه تهادى لحمه
وبذله.
وفى الكتاب وصف تفصيلي لأنواع الصقور ومواصفات المدرب وغير ذلك مما يهم عشاق هذه
الرياضة .
قصيدة
ياطير وظبتك بتدريب
................ لــــــي طارن الربد المهاريب
القف الهن عساك ما أتخيب
............... خمة إبراســـــــــه خمه الذيب
أو خل الهبوب اتروح واتييب
............... الي سبج طيره بـــــــلا طيب
عند اخويانا والاصاحيب
............... أولي مـا ضوي ودولة الجيب
أبغي أصاوع بك هدادي
................ لي ذايرات مـــــــن العوادي
وأقصد القايدهن عنادي
................ أو عليك مـــــــا ظني هبادي
ريش شعي عقب المصادي
................ بيتم في حزمــــــــــه اينادي
كل ابخبره بايسادي
................ بإذهــــــاب والطبخة عتادي
ذكريات الصيد
يقول زايد رحمه الله في كتابه عن رياضة الصيد بالصقور:
عندما كان عمري حوالي اثنى عشر عاما كنت أتصيد بالبندقية, وأذكر وقتها أنني لصغر
سني كنت لا أقوى على حملها كثيرا بل كنت اعتمد حينما اضرب بالبندقية على ساتر أو أي
شئ آخر , لقد أحببت “القنص” وأخذت أمارسه واخرج كثيرا للصيد مع من هم أكبر منى سنا
وأتعلم منهم, وحينما بلغت السادسة عشرة, كنت قد تعلمت الصيد “بالصقور” فشرعت أزاول
الصيد بالاثنين معا, بالبندقية حينا والصقر حينا آخر.
وحين بلغت من العمر الخامسة والعشرين كنت قد تعلمت أصول الصيد وفنونه, في هذا الوقت
فضلت الصيد بالصقر على ما عداه وأقلعت عن استخدام البندقية في صيد الحيوان وكان
لهذا التحول سبب في نفسي.
ذات يوم ذهبت لرحلة صيد في البراري وكانت الطرائد قطيعا وافرا من الظباء يملأ
المكان من كل ناحية فجعلت أطارد الظباء وارميها وبعد حوالي ثلاث ساعات قمت اعد ما
رميته من الظباء فوجدتها أربعة عشر ظبيا, عندئذ فكرت في الأمر طويلا وأحسست أن
الصيد بالبندقية إنما هو حملة على الحيوان وسبب سريع يؤدى إلى انقراضه, فعدلت عن
هذا الأمر واكتفيت بالصيد بالصقر.
وشئ آخر هام جدا أغراني بحب هذه الرياضة , ذلك أنها رياضة جماعية اكثر من كل أنواع
الرياضات الأخرى.
إن رحلة الصيد بالصقر تضم مجموعة من الرجال لاتزيد على ستين شخصا ولاتقل عن عشرة
أشخاص, وتكون الرحلة طويلة أحيانا لاتقل عن أسبوع أو أكثر وهؤلاء الرجال بينهم
الملك أو الحاكم أو الأمير, ومنهم التاجر الكبير, ومنهم أيضا الرجل العادي ولكن جمع
بينهم حب الهواية والألفة والرغبة في التمتع بالقنص. واختلاط هذه المجموعة من الناس
بعضهم ببعض ثم اختلاطهم بولي الأمر الذي معهم سواء كان ملكا أو حاكما أو أميرا
ومجالسته لهم ومعايشته اليومية معهم يأكلون من طعام واحد ويشربون ويتحركون معا في
كل مكان هذا الاختلاط يتيح لكل فرد من أفراد المجموعة أن يتكلم بما يريد ويعبر عن
أفكاره وخواطره دون تكلف أو قيود, فيتاح للمسئول أن يتعرف على رغبات شعبه ويدرك ما
يجول في نفوسهم, ويقف على حقيقة آرائهم فيحيط بها ويبادر إلى إصلاح شأن الناس عن
دراية وفهم وعن معرفة صادقة وعميقة بأحوال الناس.
وفى رحلات القنص هذه تبدو الطباع على حقيقتها فتظهر السجايا النبيلة والخصال الطيبة
والأخلاق الحميدة, كما تظهر الطباع السيئة والأخلاق الرديئة, فيكون هذا الاختلاط في
رحلات القنص مجالا واسعا لاختبار الرجال وتمييز الطيب عن غيره من الناس, يضاف إلى
ذلك ما يجنيه القانص من الرياضة النفسية والبدنية والأنس الذي لاينسى.