رعاية كبار السن في الإسلام
تقوم رعاية المسنين في الإسلام على العديد من المرتكزات وتنطلق منها جميع أوجه
رعاية الإسلام لهم ومن أهم هذه المرتكزات تكريم الإسلام للإنسان ومنحه المكانة
المرموقة، ولا أدل على ذلك من سجود الإكرام والاحترام الذي سجدته الملائكة لآدم
عليه السلام قال تعالى : اذ قال ربك للملائكة إني خالق بشراً من طين فإذا سويته
ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين (سورة ص: الآيتان 71،72) وهذا التكريم يدخل في
نطاقه المسن كغيره من بني البشر.
وثاني هذه المرتكزات تراحم وتماسك المجتمع الإسلامي يقوم تعالى : محمد رسول الله
والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم (في الآية 29 من سورة الفتح). ويقول صلى
الله عليه وسلم : ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى
منه عضو تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى. فهذا التراحم الذي يعيشه المجتمع
الإسلامي يقطف ثماره جميع أبنائه بما فيهم المسنون.
وثالث هذه المرتكزات المكانة التي ينالها المؤمن المسن عند الله حيث لا يزاد له في
عمره إلا كان خيراً له، يقول صلى الله عليه وسلم : لا يتمنى أحدكم الموت ولا يدع به
من قبل أن يأتيه إنه إذا مات أحدكم انقطع عمله وانه لا يزيد المؤمن عمره إلا خيراً.
كما قال ألا أنبئكم بخياركم قالوا بلى يا رسول الله قال خياركم أطولكم أعماراً إذا
سددوا.
ورابع هذه المرتكزات ان احترام الكبير وتوقيره وإكرامه سمة من سمات المجتمع المسلم
قال صلى الله عليه وسلم : ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا.
وللإسلام رأيه الشامل في حقوق الإنسان وهو يمنح المسنين حقوقاً إضافية بمقتضى
حاجتهم للرعاية الأخلاقية والاجتماعية كما يؤكد تماماً. والى أقصى حد. عنصر الرعاية
العائلية لهم، وهذا ما يبدو في نصوص قرآنية متعددة بهذا الصدد، وهي كما يلي :
أ- النصوص العامة حول الوالدين ومنها قوله تعالى : وإذا أخذنا ميثاق بني إسرائيل
لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحساناً وذي القربى واليتامى والمساكين وقالوا للناس
حُسناً وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ثم توليتم إلا قليلاً منكم وأنتم معرضون (الآية
83 من سورة البقرة).
واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً وبذي القربى واليتامى
والمساكين والجار ذي القربى والجار الجُنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت
إيمانكم ان الله لا يحب من كان مختالاً فخورا (الآية 36 من سورة النساء).
قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً ولا
تقتلوا أولادكم كم أملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن
ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون (الآية 151
من سورة الأنعام).
وقد تعدد الآيات التي توصي الإنسان بالبر والإحسان إلى والديه وتذكره بالمصائب التي
واجهتهما.
ب- النص الذي يذكر مرحلة الكبر ويشدد على الإنسان التسليم لأوامرهما وعدم الرد
عليهما مطلقاً : وهو قوله تعالى : وقضى ربك ألا تعبدوا إلا أياه وبالوالدين
إحساناً إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل
لهما قولاً كريماً واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا(
الآيتان 23 و 24 من سورة الإسراء ).
وهذه النصوص تظهر بما لا يحتاج إلى توضيح مدى اهتمام الإسلام بالوالدين وخصوصا عند
بلوغهما مرحلة الكبر والشيخوخة. ويبدو هذا التأكيد من خلال :
1- مجيء التوصية بذلك في التعاليم الإلهية المقدسة.
2- اقتران الإحسان إلى الوالدين بأهم موضوع في عقيدة المسلم وهو عدم الشرك بالله
تعالى.
3- النهي عن التأفيف وهو أول مراحل التضجر والأمر بالقول الكريم وخفض جناح الذل (وهو
أروع تشبيه) وطلب الرحمة من الله تعالى. والملاحظ أن الوالدين عندما يبلغان مرحلة
الكبر وتزداد أعباؤهما على الفرد تتوافر أرضية التضجر والبرم أحياناً، وهنا ينبري
القرآن الكريم للإنذار والنهي ليؤكد عنصر الاحترام المتواصل والرحمة والذل أمام
الوالدين المسنين، فهي إذن طاقة دفع جديدة لضمان الاحترام المستمر.
4- دعوة الإسلام إلى رعاية صديق الوالدين وهو من باب بر الوالدين بعد وفاتهما قال
صلى الله عليه وسلم : من البر ان تصل صديق أبيك ومما لاشك فيه ان صديق الوالدين
يكون في الغالبية مسنا وبذلك فإن المسلم حيث يصل صديق والديه فإنه يقوم بجانب بره
بوالديه برعاية مسن في المجتمع.
أما بالنسبة لحقوقهم بصورة عامة فالذي يلاحظ في النصوص الشريفة تأكيد ما يلي :
أولاً منح الشيوخ المسنين غاية الاحترام :
والنصوص هنا كثيرة نختار منها ما يلي :
1- روى عنه (صلى الله عليه وسلم) أنه قال : ( ما أكرم شاب شيخاً لسنه إلا قيض الله
له من يكرمه عند سنه)، وقوله عليه الصلاة والسلام : (البركة مع أكابركم)، وقوله
أيضاً : (من إكرام جلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم)، وكذلك قوله عليه الصلاة
والسلام : (ليس منا مَن لم يرحم صغيرنا ولم يوقر كبيرنا).
2- وروي عنه (صلى الله عليه وسلم) قوله : (ان الله تعالى جواد يحب الجواد ومعالي
الأمور ويكره سفسافها، وإن من عظم جلال الله إكرام ثلاثة : ذي الشيبة في الإسلام،
والإمام العادل، وحامل القرآن غير الغالي فيه ولا الجافي عنه).
3- أمر ان يسلم الصغير على الكبير وإلقاء الصغير للسلام أولا يدل على احترام الكبير،
بل وفي الكلام أيضا أُمر الصغير يفسح المجال للكبير، وكذلك في الشرب أمر الرسول صلى
الله عليه وسلم بتقديمه للأكابر، ففي الحديث أنه إذا سقي صلى الله عليه وسلم قال :
ابدؤوا بالكبراء أو قال الأكابر.
ثانياً : ضمان ما يحتاجه المسن :
وهو من القواعد المسلمة، لدى المسلمين.
ثالثاً : حمايتهم من الأذى في النزاعات المسلحة :
إذ كانت عادة الرسول عليه الصلاة والسلام والقادة المسلمين إنهم إذا بعثوا سرية أو
كتيبة حربية خصوها بالتعليمات اللازمة. فرسول الله كان إذا بعث سرية دعا أميرها
فأجلسه إلى جنبه وأجلس أصحابه، بين يديه ثم قال : ( لا تغلوا ولا تمثلوا به ولا
تغدروا ولا تقتلوا شيخاً فانياً، ولا صبياً ولا امرأة ).
رابعاً : الأحكام التخفيفية :
والإسلام احتوى على أنواع من التخفيف عن الشيخ بالنسبة للأحكام التكليفية فإنه إذا
عجز أو كان الأمر شاقاً عليه خففت عنه بعض الأحكام. فإذا كان شيخاً كبيراً سقطت عنه
صلاة الجمعة. وسقط عنه الصوم وجاز له التعجيل بطواف الحج وغير ذلك.
أهداف رعاية المسنين في الإسلام
1- تحقيق الكرامة الإنسانية للمسن.
2- تحقيق شروط الكفاية المعيشية للمسنين، وذلك طبقا لميزان العدالة والإنصاف،
فالإسلام يوجب على أفراد الأمة أن يؤمنوا لبعضهم البعض الحد الأدنى من الكفاف
المعيشي.
لذا عاش المسن في المجتمع الإسلامي في كنف أفراده وحظي بمعاملة خاصة تميزه عن
الآخرين بل حظي بهذه الرعاية المسن غير المسلم، ولا أدل على ذلك من موقف الفاروق
رضي الله عنه مع اليهودي الذي رآه يسأل وكان ضريراً، فقال عمر لمسؤول بين المال
أنظر هذا وضرباءه فوالله ما أنصفناه إذا أكلنا شيبته ثم نخذله عند الهرم، وقرأ (إنما
الصدقات للفقراء والمساكين) وأمر بوضع الجزية عنه وعن أمثاله.