عنوان المقال : الأسرة ورعاية كبار السن

الأسرة ورعاية كبار السن


الأسرة هي الجماعة الأولية الأساسية والمجال الطبيعي لنمو الشخصية، ويظل الفرد عضواً في الأسرة مرتبطا بها طالما استمرت به الحياة، فلا يقتصر انتماؤه لها وتفاعله بها على مرحلة معينة من حياته بل يظل التفاعل مستمراً في شتى مراحل عمره مع اختلاف في الدرجة، وتتميز الرعاية الأسرية بما يلي :

- توفير الدفء العائلي والإحساس بالأمن والاستقرار.
- عدم عزل المسن عن بيئته وتجنيبه مشاعر النبذ وتوفير فرص التفاعل الطبيعي له مع الأبناء والأزواج والأقارب.
- عدم تخلي المسن عن أداء العديد من أدواره الاجتماعية داخل الأسرة.
- ممارسة المسن داخل مناخ الأسرة العديد من النشاطات الاسرية المشتركة كتناول الوجبات مع اعضاء الأسرة والزيارات.

ولقد كان المجتمع التقليدي وما زال يتولى عن طريق أجهزته وترتيباته الثقافية الاحتفاظ بالدور النشط والمشارك للمسنين في شؤون المجتمع الإنتاجية وفي توفير المناخ الطبيعي للتساند المشترك لأفراد المجتمع وحاجاته بعضهم بعضا، الأمر الذي يجعل حياة الاستقلال أو حياة الاعتماد على الغير متداخلتين وغير متنافرتين ومن الطبيعي ان يدخل الفرد في مرحلة من عمره يصبح فيها غير قادر على إعالة نفسه ويتعذر عليه الاكتفاء الذاتي ويصبح في حاجة للعون، وكان هذا أمراً مقبولاً في المجتمعات التقليدية حيث كان للمسنين وضع ثابت ومستقر في إطار الأسرة الممتدة أو القبيلة أو الجماعة الأولية.

فعملية التحضر وما يصاحبها عادة من نمو غير عادي في التجمعات السكانية وتباين بين الأفراد نتيجة الاتجاهات إلى تقسيم العمل والتخصصات الدقيقة وتعدد الجماعات الرسمية، تؤدي إلى انحسار فاعلية الجماعات الأولية وتحد من دور القرابة والأسرة والجيرة، وعليه فكلما زادت حدة عملية التحضر في العالم والنمو غير العادي لأحجام المدن برزت مشكلتا دور المسنين النشط في حياة المجتمع، وتوفير المعونة لأعداد المسنين المحتاجين في حياتهم بدنياً واقتصادياً للاعتماد على الغير.

فظاهرة التغيير خاصية من خصائص الحضارة نفسها والتغير الاجتماعي جزء من التغير الحضاري وهو ظاهرة أساسية ومستمرة في كل المجتمعات وهي تتميز بالسرعة والشمول، بحيث أصبح ظهور المشكلات المجتمعية مرتبط بحدوث تغير في تنظيم اجتماعي معين.

وظاهرة التغير الاجتماعي التي يواجهها المجتمع تتمثل في إلغاء أدوار اجتماعية قديمة وخلق أدوار اجتماعية جديدة في كل النواحي وبدرجات متفاوتة مما يشكل ويسبب نوعاً من الصراع بين القديم والجديد، وهنا تبرز الحاجة إلى رعاية المسنين في الأسرة والمجتمع.

وقد ظل المجتمع ولا يزال يعتمد في ترتيباته المجتمعية على التنظيمات غير الرسمية أو الأولية، وفي مقدمتها الأسرة بمفهومها الواسع أو المحدود لرعاية مسنيه. وظلت المكانة الاجتماعية للمسنين في داخل القبيلة أو العشيرة أو الأسرة عالية. فهم مصدر التوجيه والنصح والحكمة تؤهلهم لها خبرات ودراية ومعرفة تراكمت مع مرور السنوات. وظلت التقاليد والمعايير الأخلاقية تحيط هذه المكانة الاجتماعية للمسنين والدور الذي يقومون به في حياة الأسرة والقبيلة باحترام وتوقير قد يصل بعضه إلى حد السمو والقداسة.

وكانت هذه الترتيبات المجتمعية والتقاليد والمعايير الأخلاقية – شأنها شأن أية سمات ثقافية أخرى – تقوم بدور وظيفي هام لتوفير حاجات أفراد المجتمع إلى الترابط بين الأجيال، والقيادة الحكيمة، والأمان للمستقبل، فقد كانت الأسر القديمة بمثابة نظام متكامل يتضمن كل النظم وتقوم بوظائفها فالتعليم والعمل والتربية والحماية وتوفير الأمن كل هذه الحاجات كانت تتوفر بواسطة الأسرة.

غير أن التغير الاجتماعي المرتبط بالتصنيع والتحول السريع الذي طرأ على الثقافة الإنسانية أحدث تغييراً في تركيب الأسرة، التي تأثرت بما يحدث في المجتمع من تغيير في خصائصه الديمغرافية والاقتصادية والاجتماعية. والمعروف أن الأسرة كانت تتكون من الأب والأم وأبنائهما وأزواجهم وأحفادهم وهو ما يعرف بالأسرة الممتدة أو المركبة extended Family فهذه الأسر عادة ما يضم بناؤها أكثر من ثلاثة أجيال، يخضع جميع أفرادها للأب الأكبر أو الأم، اللذين ينسب لهما أعضاء العائلة. وتتميز هذه الأسر بالتماسك والترابط الذي يزيد من قوته وحدة المكان الذي يضمها فهي تشترك في وحدة المسكن والهدف، إذ يشارك كل أفرادها في عمل واحد كالزراعة والرعي، ووحدة الموقف والاتجاه والرأي الذي كان يبدو في مواقفها التعاملية مع الغير. وقد كان للمسنين في هذه الأسر دور القيادة والمكانة العالية بين أفرادها كحلقة التكاتف بين أجزاء هذا الكيان الاجتماعي الممتد.

وبعد هذا الترابط والتواصل تحولت الأسرة في بنائها الاجتماعي The Family Structure إلى الأسر النووية التي تتكون من الزوج والزوجة والأبناء Nuclear Family فعلى الرغم مما وفرته لأفرادها من الاستقلال وتحقيق الذات وما ساهمت به نحو المجتمع من إضعاف للتكتلات والعصبيات، فإن مكانة الأفراد عند الكبر ورعاية هؤلاء الكبار ودورهم في حياة الأسرة النووية صارت مدخلا تصل بمسؤولية الأسرة نحو تكريم ورعاية المسنين بها.

ولم يقتصر تغيير الأسرة على بنائها بل أيضا تبدلت وظائفها، فقد ترتب على الحياة في المجتمع ظهور أنماط الحياة المعاصرة وانتقال بعض وظائف الأسرة إلى وظائف لنظم جديدة كالنظام التعليمي ونظام الحماية العامة للأمن، وفقدت الأسر بعض وظائفها، إلا أنها لم تفقد أهميتها في كونها الخلية الأساسية الأولى في النسيج المجتمعي التي عن طريقها يستمر الوجود الإنساني فما تزال تقوم بدورها في :

1- وظيفة الإنجاب والتناسل لتزويد المجتمع بالعناصر الجديدة.

2- القيام بعمليات التنشئة والتطبيع الاجتماعي خصوصا في مرحلة الطفولة المبكرة والمتأخرة.

3- مواجهة وإشباع الحاجات الأساسية كالحاجة للأمن والحب والانتماء فضلا عن إشباع الحاجات المادية الأساسية كالمسكن والمأكل والملبس والرعاية أثناء المرض والعجز.

4- توفير حد معقول من التعليم والتدريب للطفل على كيفية التعامل مع الآخرين عن طريق توفير مناخ للتفاعل الاجتماعي والعلاقات الاجتماعية التي تنتج عن علاقات الطفل بالأسرة (الأم والأب والأخوة) وهي التي تتزايد مع انتقاله من الأسرة إلى المدرسة ثم إلى العمل.

فمثل هذه الوظائف لم ينجح أي نظام أو نسق آخر في توفيرها لأفراد المجتمع بالكفاءة نفسها ولم تنجح المؤسسات الإيوائية لرعاية اليتامى أو أبناء الأسر المفككة مثلا في ان توفر لهؤلاء الأفراد ما توفره الأسرة عادة لهم بالكفاءة أو الفاعلية نفسها.

أما بالنسبة لمسؤولية الأسرة في رعاية الكبار من أفرادها فقد كانت قيم المجتمع الدينية والحضارية موجهاً للأسرة في تكريم كبار السن، وكان ولازال للكبار في تقاليدنا مكان خاص باعتبارهم مصدر فخرنا وإحساسنا بما يمنحونه من بركة.

ان المسن في كل مكان بالمجتمع له اعتباره واحترامه وتقديره كما انه له الكلمة المسموعة والتوجيه المعقول وبخاصة بين تلك العائلات التي تحتفظ بروابطها الممتدة، وبعلاقاتها المؤثرة على جميع أفراد الأسرة على مدى الأجيال المتتابعة.

فعوامل التحضر والتغيير نتيجة للامتداد العمراني وأثر التصنيع على قوة العلاقات في الأسرة قد حولها من المعرفة الشخصية والتعامل المباشر إلى التعامل غير المباشر، كما أن زيادة حدة التخصصات وتقسيم العمل، جعل الأسرة تعتمد كل الاعتماد على غيرها وليس على تكامل جهود أفرادها.

إن مثل هذه التغيرات أثرت على وضع المسن في الأسرة ومدى الرعاية التي يلقاها من أسرته، الامر الذي دعا بعض المسنين للبحث عن وسيلة أو رعاية بديلة ما دام افراد الأسرة يتخلون عن مسؤولياتهم ومما ساعد على تأكيد الاتجاه :

1- ما طرأ على المجتمع من تغير نتيجة الاتجاه نحو التحول من مجتمع زراعي رعوي إلى مجتمع صناعي.

2- انتشار التعليم وخصوصا تعليم المرأة التي تركت الحياة المنزلية وخرجت إلى العمل وشعرت بكيانها الاقتصادي.

3- الصراع بين الآباء والأبناء، وتمسك الآباء بالعادات والتقاليد القديمة ومقاومة الأبناء لهذا الاتجاه، وزيادة الاختلاف والتباعد بين الطرفين وهو ما يعرف بصراع الأجيال.

4- حجم المسكن الذي أصبح لا يسمح باستيعاب افراد الأسرة الزواجية مما أدى إلى انتقال الأسرة الزواجية إلى مسكن مستقل خاص قد يكون بعيدا عن الحي الذي تقطنه الأسرة الأصلية، وبذلك يتم انفصالها في حياتها عن الأقارب وتتحول علاقات الأسرة من علاقات متسعة إلى نطاق الأسرة المحدودة.

ولكنه لا زالت للأسرة بمفهومها الممتد أو الزواجية مكانتها في المجتمع الإماراتي الأمر الذي يجعل من أولى أهداف العمل الاجتماعي لرعاية المسنين حماية هذا النسق الإنساني الاجتماعي وتوفير كل ما يدعم فاعليته للإبقاء على دوره في رعاية المسنين كأولوية أولى قبل الاتجاه إلى الجهود التي تسعى إلى إيجاد أجهزة رسمية بديلة.

فثمة حقيقة شهيرة تتمثل في أن احترام كبار السن يضعف مع تقدم الحضارة وذلك لأنهم حملوا التقاليد، وهم الذين يتولون نقلها إلى الأجيال الجديدة، فإذا لم يحدث ذلك فإن سلطة التقاليد كضابط للموقف الاجتماعي تنهار أيضا.

والجدير بالذكر أن العائلة في دولة الإمارات لا تزال تحافظ على الترابط الأسري وعلى محبة واحترام ورعاية كبار السن بالرغم من التحولات الكبيرة التي طرأت على دورها ونمط حياة العائلة الإماراتية خلال السنوات الماضية، ومن خلال دراسة إحصائية أجريت عام 2000 على مركز إيواء المسنين تبين ان حوالي (99.5٪) من فئة كبار السن في الإمارات يعيشون بين أسرهم ويلقون كل رعاية واهتمام وأن حوالي (0.5٪) تقوم الدولة برعايتهم من خلال دور لرعاية المسنين، ومن الملاحظ ان غالبية المسنين المقيمين في دور الرعاية يحتاجون إلى خدمات تمريضية غير متوفرة لدى العائلة.

وتلعب الأسرة دوراً هاماً في تحقيق الصحة النفسية للمسن من خلال تفهم التغيرات النفسية والانفعالية التي تطرأ على المسن، والتي تتطلب من الأسرة :

- الأخذ برأي المسن في المواضيع المختلفة.
- تكليفه ببعض المسؤوليات العائلية.
- إشراك المسن بالمناسبات الاجتماعية والعائلية.
- محاولة البحث في أسباب الحزن والضيق ومساندته للتخلص منها.
- إحاطة كبار السن بالرعاية الصحية الشاملة.
- الفحص الدوري للمسن الذي يمكن الطبيب من الكشف المبكر للأمراض المختلفة كضغط الدم والسكري والأورام وأمراض القلب والجهاز العصبي والحركي.
- إشراف الطبيب على المسن يعزز الصحة الجيدة لديه.

كما تلعب الأسرة دوراً حيوياً في الحفاظ على الصحة البدنية للمسن من خلال مراعاة النظافة الجسدية للمسن حتى لا يصاب بالأمراض الجلدية أو المعدية، وكذلك بتوفير البيئة المنزلية، وذلك بترتيب الأثاث والسجاد بطريقة لا يتعثر بها المسن أثناء المشي. وتوفير العكازات والوسائل المعينة كالسماعات والنظارات والأسنان الاصطناعية.

ومن أهم سبل الاهتمام بالصحة الاعتناء بالغذاء المتناول كماً ونوعاً. ويحتاج كل المسنين إلى نفس نوع التغذية، فمع التقدم في العمر تتناقص الحاجة للطاقة، كما ان بعض التغيرات الوظيفية والتي تحدث في الجسم مع تقدم العمر وبعض الحالات المرضية مع تعاطي الأدوية تؤثر على الاحتياجات الغذائية لكبير السن. فلا بد ان يحتوي غذاء المسن على كمية عالية من الألياف الغذائية (الخبز الأسمر – الحبوب – الخضراوات – الفواكه) وذلك لتفادي الإصابة بالإمساك، والتقليل من شرب الشاي والإكثار في المقابل من شرب السوائل والعصائر الطبيعية، وتناول الحليب من 2-3 أكواب يوميا ومشتقاته من الألبان والأجبان لإمداد الجسم بالكالسيوم وفيتامين (د) مع مراعاة الأكل بانتظام، ويفضل ان تكون الوجبات صغيرة ومتتابعة. والتقليل قدر الإمكان من الدهون في الطعام ومن الأطعمة الدسمة المتناولة. ولابد أن تعمل الأسرة على تجهيز طعام المسن بطريقة تساعده في التغلب على مشاكل المضغ والبلع وذلك بسلق الطعام جيدا وتقطيعه إلى أجزاء صغيرة، وتخفيف التوابل والبهارات في الأكل قدر الإمكان حتى لا تتعب معدته وجهازه الهضمي.

وللأسرة دور هام في تشجيع المسن لممارسة أي نشاط رياضي، وتشجيعه على ممارسة بعض الهوايات التي تبعد عنه الملل كالعناية بالنباتات المنزلية ومراقبة حديقة المنزل ..... وغيرها.

والمسن بحاجة إلى أخذ قدر كافي من النوم وأخذ قسط من الراحة في ساعات النهار، خاصة وأن نوم المسن بالليل يتصف بالتقطع وقد يعاني من الأرق، ويستحسن ان يكون فراشه مريحاً بعيداً عن مجرى الهواء.

رابط المقال ::: http://www.alamuae.com/uae/showtopics-828.html
دولة الإمارات العربية المتحدة
http://www.alamuae.com/uae