عنوان المقال : تاريخ الطب العربي والطب في الإمارات (بحث في الجذور)

تاريخ الطب العربي والطب في الإمارات (بحث في الجذور)


قد يكون تتبع نشأة وتطور أي ظاهرة إجتماعية أو سياسية أو اقتصادية امر لا تكتنفه العديد من الصعوبات كما هو الحال عند محاولة تتبع تاريخ أو نشأة وتطور أي مجال من مجالات العلوم، كمحاولة تتبع تاريخ الطب بصفة عامة أو تاريخ الطب عند العرب أو تاريخ الطب في مجتمع الإمارات – الذي هو موضوع هذه الدراسة – وذلك راجع لعدة اسباب لعل من أهمها ما يلي : -
أولاً : تشابك وتداخل العلوم بحث يتعذر أحيانا وضع حدود فاصلة لأي منها عن الآخر، فرغم وضوح مجال كل منها إلا أن هناك درجة من التداخل فيما بينها وتأثير كل منها على الآخر، سواء فيما يتعلق بمجالات العلوم الإنسانية أو العلوم الرياضية والكمية. الأمر الذي يعني ان محاولة بحث وتتبع نشأة وتطور أي منها سوف يقود الباحث بدرجة أو بأخرى إلى البحث عن نشأة وتطور العلوم المرتبطة به وذات العلاقة التبادلية معه (المؤثرة والمتأثرة) به في آن واحد.
ثانيا : كون الفكر الإنساني وحده أقوى وأرحب بكثير من الحدود التي قد تفرضها عوامل الجنس أو الزمان والمكان، فتاريخ أي علم هو في الغالب حصيلة ما توصل إليه الفكر الإنساني عبر الزمان والمكان من تراكمات علمية في مجال ما أو في مجالات علمية ذات صلة ببعضها البعض. الامر الذي يتعذر معه الحسم أحيانا عند محاولة إسناد الفضل في مجال معين من مجالات العلوم الإنسانية لجنس دون غيره.
ومع الاعتراف بهذه الصعوبات التي تعترض مثل هذا النوع من الدراسات إلا إنها ينبغي ان لا تكون عائقا أمام الجهود المبذولة من اجل الاقتراب من الحقيقة العلمية والموضوعية حول هذه الموضوعات، خاصة إذا لم يقف هدف مثل هذه الدراسة عند مجرد معرفة جذور هذا العلم وإسناد الفضل لأهله فحسب – وإن كان ذلك يعد هدفا ساميا في حد ذاته – بل يتجاوزه إلى محاولة معرفة ما حفل به هذا التاريخ من إنجازات وما قدمه من تراكمات علمية ساهمت بدورها في بناء وبلورة حقائق وإضافات جديدة في نفس المجال.
وما هذه الدراسة حول تاريخ الطب في الإمارات إلا محاولة من هذا النوع. محاولة تهدف إلى معرفة جذور ومصادر المعارف والخبرات الطبية التي عرفها وعاشها ومارسها الإنسان في مجتمع الإمارات من جهة. وهي من جهة آخرى تسعى إلى إلقاء الضوء على ما قدمه أبناء هذا المجتمع ممن إشتغلوا بهذه المهنة من إضافات في هذا المجال والى أي مدى تتفق هذه الاضافات مع أصول ونظريات هذا العلم؟
وان أي محاولة جادة للبحث في جذور العلوم والمعارف الطبية في مجتمع الإمارات لابد لها ان تنطلق اولا من البحث عن علاقة هذه العلوم بالطب العربي بإعتباره قد يمثل الرافد الاول لهذه المعارف، لكون مجتمع الإمارات هو واحد من المجتمعات العربية الإسلامية، ولكون إحتمالات إمتداد تأثير خلاصة الفكر العربي والإسلامي في كل ميادين العلوم على الإنسان في مجتمع الامارات أقوى بكثير من إحتمالات إمتداد تأثير أي فكر آخر.
ومع الإعتراف بقوة إحتمال تأثر المعارف الطبية في مجتمع الامارات أو في أي مجتمع عربي آخر بالطب عند العرب، إلا أن الطب عند العرب في حد ذاته قد يثير في ذهن أي باحث أو قارئ في هذا المجال العديد من التساؤلات لعل من أهمها :
هل يمكن القول بأن الطب عند العرب كان طبا عربيا أصيلا؟ وهل هو طب عربي أو إسلامي؟ وهل كان للعرب المسلمون فضل الإبداع والاختراع والاضافة إلى المعارف الطبية، ام هم مجرد حفظه ونقله من خلال عملية الترجمة التي نشطت في بعض المراحل من عمر الدولة العربية الاسلامية، وشملت العديد من العلوم والمؤلفات الاغريقية والفارسية والهندية في كافة مجالات المعارف الانسانية؟
ولعل هذه التساؤلات تضاعف من أهمية دراسة الطب عند العرب ولو بشيء من الايجاز الذي يفي بالغرض من دراسته هنا. إذ كيف يمكن البحث في تاريخ الطب في الامارات ومحاولة إكتشاف جذور المعارف الطبية في هذا المجتمع دون الرجوع إلى أصل هذه المعارف؟ وكيف يمكن التأكد من اصالة الفرع أو الرافد (أي الطب في الإمارات) دون التأكد من اصالة المنبع ؟! .

- أولا : الطب عند العرب : (بحث في الجذور)
من الجدير بالذكر هنا الاشارة إلى انه لا يكون بإستطاعة الباحث في تاريخ أي علم من العلوم ان يقرر بثقة ودونما تردد متى بدأ التفكير النظري حول القضايا المتصلة بالعلم الذي هو بصدد التحدث عن نشأته وتطوره، ولا يعود ذلك أحيانا إلى قلة المصادر حول هذا الموضوع بقدر ما يعود إلى طبيعة المصادر المتوفرة اليوم عن فترة زمنية تعد بعيدة نسبيا كالقرن الاول الهجري على سبيل المثال، هذا إلى جانب كون بعض هذه المصادر أو معظمها قد جمع في مرحلة لاحقة، الامر الذي لابد وأن يلقي بتأثيراته على المادة المجموعة والمدونة إما بحذف أو ضياع بعضها، أو بالخلط فيما بينها خلال عملية التجميع أو الضم، أو الاضافة والتغيير خلال مرحلة التدوين. وكل ذلك قد يساهم بدرجة أو بأخرى في دفع الباحث في هذا المجال إلى التعامل بقدر من الحذر مع المادة المتوفرة لديه اليوم عن مرحلة زمنية بعيدة نسبيا. هذا مع ضرورة الاخذ في الاعتبار ان المادة المتوفرة هي في الغالب مادة مدونة في عدد من المخطوطات التي ظلت باقية بعد ان نكبت الحضارة الإسلامية بالغزو المغولي، وحبس التراث العلمي العربي والاسلامي بعيدا عن النور قرابة ستة قرون إلى ان جاء القرن التاسع عشر فظهر عدد من علماء الغرب والشرق الذين حاولوا التنقيب حول أسس الحضارات القديمة وتاريخها، فحظيت الحضارة العربية الاسلامية ببعض جهودهم غير ان كون معظم من درس أو حاول التنقيب عن الحضارة العربية الاسلامية هم من الغرب أو من غير أبناءها فذلك في حد ذاته يمثل عائقا أمام الوصول إلى الحقيقة الموضوعية حول التراث الفكري العربي وذلك لعدة أسباب.
(أ) ان هذه المخطوطات قد تبعثرت وضاع بعضها خلال حركة نقلها إلى العديد من الدول والعواصم الأجنبية.
(ب) ان هذه المخطوطات قد تبعثرت وضاع بعضها خلال حركة نقلها إلى العديد من الدول والعواصم الاجنبية.
(جـ) صعوبة قراءة تلك المخطوطات أو أجزاء منها لقدمها من ناحية ولكونها تحتاج إلى دراية كافية بفك الخطوط وقراءتها.
(د) لكون معظم ما وصل أو نقل من هذه المخطوطات أو ما كتب حولها هو نتاج لجهد أجنبي (أي غير عربي) انصب حول قراءة هذه المخطوطات وترجمتها الى العديد من اللغات الاجنبية ثم وصل الى العرب مرة أخرى بعد ترجمته من جديد الى اللغة العربية مما يعني إحتمال بعد ما خلصت إليه أعمال الترجمة ولو جزئيا عن حقيقة ما ورد في تلك النصوص او المخطوطات.
ومع الاخذ في الاعتبار كل هذه المحاذير او التحفظات التي قد ترد على ما هو متوافر اليوم حول الطب العربي فإن البحث في هذا الموضوع لا يهدف الى دراسة الامراض التي عرفها او شخصها ودرسها العلماء العرب او طرق العلاج العربي لها – رغم الاعتراف بأهمية مثل هذه الموضوعات – بل يهدف الى البحث في مدى أصالة هذا الطب؟ او بعبارة أخرى هل كان طبا عربيا إسلاميا اصيلا ام كان نقلا وحفظا لمعارف وممارسات وطرق علاجية وأدوية مستقاة من خبرات شعوب آخرى؟
والحقيقة أنه لابد من الاعتراف بداية بتكامل الفكر الإنساني وعدم قابليته للتجزئة والفصل الكامل سواء بين فروعه المختلفة او بين مصادر أي من هذه الفروع. بمعنى عدم القدرة على إرجاع الفضل في علم من العلوم لجنس دون آخر كالقول بأن علم السياسة هو نتاج للفكر اليوناني وان علم الطب هو نتاج للفكر الفارسي او الهندي او المصري او الصيني وحده، بل ان الفضل في هذه العلوم جميعا نظرا للتداخل فيما بينها راجع للفكر الانساني عامة، وذلك لتراكم المعارف الانسانية حول أي من فروعه، وإن بقي إسهام شعب او جنس بذاته أقوى وأكثر وضوحا.
وتجدر الإشارة هنا الى ان حديث الدكتور رضوان السيد عن صعوبة الفصل او القول القاطع في بعض المسائل التي تعود الى مرحلة تاريخية بعيدة نسبيا كان حديث ينصب حول بعض المسائل السياسية نظرا لعدم توفر المادة المرجعية حولها او توفرها وغموض مضامينها في بعض الاحيان، وان الاستشهاد برأي الدكتور رضوان السيد هنا – أي حول ما يتصل بأصالة الطب العربي – إنما يقوم على أساس ان ما يسري على احد جوانب المعرفة فإنه يسري في الغالب على الجوانب الاخرى خاصة وانها تأتي ضمن السياق المكاني والزماني تقريبا.
بعد الاعتراف بهذه الحقيقة يمكننا القول بأن للعرب وللفكر العربي دورا بارزا في بناء الحضارة الانسانية وان في الطب العربي كثيرا من الاصالة، وقد أشار الى ذلك العديد من المفكرين الاجانب فقد أشار الكاتب الطبيب (إدوارد بروان) مؤلف كتاب الطب العربي في إحدى محاضراته التي عرضها في الكتاب السابق الذكر (ان الفكر العربي يتمتع بالصفاء وأنه ذو أسلوب إيجابي) وهو من القائليين بفضل العرب على الحضارة العالمية. حيث يقول (أنشأ العرب حضارة جديدة كثيرة الاختلاف عن الحضارات التي ظهرت قبلهم وتمكنوا من جعل أمم كثيرة على إنتحال دينهم ولغتهم وحضارتهم الجديدة، وقد أبدع العرب حين إستوعبوا حضارة من سبقهم، وأثبتوا منذ ساعة إتصالهم بالعالم الخارجي انهم من ذوي العقول الناضجة المستعدة للتمدن والتمدين) كما شهد للعرب بإسهاماتهم في مجال الطب (جورج سارطون) والدومبيلي (صحيح ان العرب إقتبسوا من طب الأوائل ومن علم من سبقهم من الأمم ولكنهم أضافوا إليه أضعاف ما إقتبسوا).
ومع إعتراف بعض العلماء الاجانب والمستشرقين بإسهامات العرب العلمية إلا أن البعض الآخر قد غالى في رد كل ما حققه العرب من إنجازات وإبداعات علمية الى أصول أعجمية، وزعموا ان كل ميزة حققها العرب إنما هي منقولة عن غيرهم، وذهب البعض في مغالاته الى حد القول بأن الفكر العربي والإسلامي ما هو إلا فكرا وعلما يونانيا او فارسيا خط بالحرف العربي.
ورغم عدم الانفاق مع هذه المغالاة إلا أنه لا يمكن في الوقت ذاته نفي او إنكار إقتباس العلماء والمفكرين العرب من غيرهم من الامم. ولم يقف دورهم عند حد الاقتباس بل قاموا بالاضافة إليها، وكان فضلهم في الاضافة أكبر من إقتباسهم. وكيف يمكن إنكار ما إقتبسه العرب من غيرهم والرسول صلى الله عليه وسلم قد أوصى أمته بطلب العلم وجعله فريضة على كل مسلم ومسلمة وحثهم على مواصلة طلبه من المهد الى اللحد والرحيل في سبيله ولو إلى أقاصي الصين. وليس بإستطاعة أي أمة ان تسند فضل الحضارة والعلم إليها دون الأمم الأخرى، إذ أن الأمم جميعا دائنة ومدينة في تراث الفكر الانساني تعطي وتأخذ من ذلك التراث. وما كان لهذه الحضارات ان تقوم لولا تراكم الفكر الانساني الذي كان عاملا في نشأة الحضارات وتعاقبها وإستمرارها كحضارة إنسانية شاملة حتى وقتنا هذا.
ويمكن بهذا الصدد الاستشهاد بقول الدكتور (قسطنطين زريق) في كتابه (معركة الحضارة) عن الحضارة العربية (إنها في دور نهضتها وعزها فتحت عيونها للتطور أيا كان مبعثه وبسطت عقلها للمعرفة أيا كان أصلها فأخذت وأعطت وأستمدت وأمدت وكان عطاءها جزيلا وإمدادها ثريا).
ويشهد تاريخ العلوم الطبية بأن العرب قد أبدعوا في الطب السريري ودونوا الوقعات السريرية، وإكتشفوا بعض الامراض مثل الجدري والحصبة، وعرفوا إنتشار الاوبئة. وفي مجال الجراحة فقد جعلوا منها علما وفنا بعد أن كان ينظر للجراحة نظرة دونية، وأعدوا لهم الآلات والادوات وفتحوا المستشفيات، ورعوا المرضى، وأدخلوا الكثير من التنظيم على مهنة الطب إذ فرضوا الامتحان على الاطباء، وقاموا بمراقبة مهنة الطب عن طريق ديوان الحسبة.
وإذا كان النقاش السابق قد ألقى ببعض الضوء على إسهامات الامة العربية الاسلامية في الحضارة الانسانية بصفة عامة وفي مجال الطب بصفة خاصة بإعتباره موضوع هذه الدراسة فإن هذا النقاش قد يثير لدى البعض تساؤل آخر متصل بأصالة الفكر العربي الاسلامي ألا وهو هل كان فكرا عربيا في جوهره أم إسلاميا؟ وهل كان المفكرون العرب المسلمون هم عرب حقا أم انهم من أهالي البلاد المفتوحة ودخلوا الاسلام ونطقوا وكتبوا بالعربية؟
الحقيقة ان هناك الكثير من الاسهامات الفكرية العربية يرجع فيها الفضل للمفكرين العرب، ولكن ذلك لا ينقص فضل العديد من المفكرين المسلمين الذين إعتنقوا الاسلام واصبحوا أبناء للدولة الاسلامية التي إتسعت أرجاءها لتضم تحت لوائها جميع أبناء الاقاليم المفتوحة، وان الدولة الاسلامية قد إرتقت وترفعت عن النزعات العنصرية والخلافات الدينية فوق ما إرتفعت أمم من قبلها وأمم من بعدها فهي دولة دينها الإسلام ولسانها عربي. ولذا فإن أي فكر يقوم على أسس متفقة او مستقاة من مبادئ الإسلام هو فكر إسلامي أصيل، وحين يكتب هذا الفكر او يعبر عنه بلسان او حرف عربي فهو في هذه الحالة فكرا عربيا إسلاميا. فاللغة ليست حرفا او كلمة مقروءة او مكتوبة فحسب بل هي منطقا وأسلوبا للتفكير وللتعبير عن ما يجول بداخل العقل البشري من أفكار وتساؤلات. وهذا في حد ذاته ردا على القول بأن الفكر العربي الإسلامي ما هو إلا فكرا لشعوب وأمم أخرى وقد عبر عنه بلسان عربي، فهذا غير صحيح فالفكر الاسلامي العربي في شتى مجالات العلوم يتفق بل ويقوم أساسا على مبادئ مستقاة من الاسلام من جهة وهي من جهة أخرى متسقة مع أسس التفكير العربي او بعبارة أخرى متفقة مع محركات العقل العربي سواء تلك الاسس السابقة لمجيء الاسلام والتي قام الاسلام بتهذيبها وصقلها، او تلك التي كان للاسلام الفضل في جعلها احد مكونات التفكير العربي، ويقصد بها بالتحديد عامل الدين سواء تمثل هذا العامل في نصوص القرآن الكريم او السنة النبوية قولا وممارسة. وإذا كانت هذه الاسس واضحة بعض الشيء في ميادين العلوم الأخرى كعلم الاجتماع وعلم السياسة – حيث بني التفكير او العقل العربي في هذه المجالات على بعض الاسس او المحركات السياسية والاجتماعية والاقتصادية كالقبيلة او العصبية القبلية والغنيمة. وقد عمل الاسلام على تهذيب هذه المحركات وصقلها كتهذيبه لعامل العصبية القبلية وعامل الغنيمة وإضافة لعامل جديد ألا وهو عامل الدين الذي كان له أكبر الاثر في بناء العقلية العربية ومن ثم بناء الحضارة العربية الاسلامية فإنها قد لا تكون بهذا الوضوح في مجالات أخرى كالطب مثلا، ومع ذلك يمكن القول بأن عامل الدين (ويقصد به هنا الدين الاسلامي حيث كان لمجتمع الجزيرة العربية ديانات أخرى كالديانة الوثنية) قد لعب دورا واضحا في نشأة وتطور الطب العربي وكذلك الطب في مجتمع الإمارات. ويمكن إرجاع العديد من الممارسات الطبية العربية وفي مجتمع الامارات الى أصولها الدينية المستقاة من الدين الإسلامي نظرا لإعتماد بعضها على بعض الآيات من القرآن الكريم كقوله تعالى في سورة الإسراء آية رقم (82)  وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين  أو ما كان منها راجعا لشرح بعض الأمور المتعلقة بالطب كعلم الأجنة على سبيل المثال حيث ورد في القرآن الكريم بعض الآيات المفصلة لذلك الموضوع كقوله تعالى في سورة المؤمنون آية رقم (14)  ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين  هذا إلى جانب اشتقاق العديد من الممارسات العلاجية في الطب العربي الاسلامي باعتبار أنها ممارسات أخذت عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن بعضها وخاصة فيما يتعلق بمجال الوقاية أو الصحة العامة فقد جاء فيه حديث صحيح للرسول عليه الصلاة والسلام كقوله (إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في الإناء) - أخرجه البخاري عن أبي قتادة – وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم ( لولا أن اشق على أمتي – على الناس – لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة) – أخرجه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه - .
هذه الممارسات العلاجية أو هذا الفهم لبعض الامور المتعلقة بالصحة العامة لدى العرب والمسلمين بصفة عامة ولدى أبناء الامارات مبنية أساسا على ما جاء في القرآن الكريم من آيات موضحة لها، كما أنها مبنية في الوقت ذاته على ما جاء على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم من تفصيل لهذه الآيات، ومن معالجته لبعض المواقف التي تستدعي منه ذلك، وهذه المعالجة كانت في الغالب إما شرحا لما جاء في بعض الآيات الكريمة وإستعصى على المسلمين فهمه، وإما بناء على ما خصه الله به من وحي وهداية.
وإذا كان التشخيص والعلاج الذي تعارف عليه العرب واستخدموه قد لقي قبولا لديهم نتيجة ما شاع بين الناس حول نجاحه من جهة، وما بني حول هذا النجاح من قصص وحكايات تروي أحيانا قصة المرض أو المريض واستعصاء شفائه، ثم مجيء الشفاء على يد طبيب بارع ملهم. الأمر الذي يساعد على ترويج هذا العلاج وإكساب الطبيب شهرة تزيد من الطلب عليه ومن ثم رواج القصص حول مجال المرض والعلاج والطب بصفة عامة كمحصلة نهائية لكل ذلك. فإن رواج العلاج المبني على اسس مستقاة من الخبرة الإسلامية لدى أبناء الإمارات بصفة خاصة – باعتبارهم محل البحث – سواء في تشخيص المرض أو في علاجه بقراءة بعض الآيات من القرآن الكريم أو بعض الوصفات الطبية التي رويت عن النبي صلى الله عليه وسلم مبني أساسا على تدين الناس وإيمانهم بالله سبحانه وتعالى وأنه وحده القادر على شفائهم وقناعتهم بأن قراءة القرآن عليهم ومسحهم به أو شربهم لماء مقروء فيه بعض الآيات من القرآن الكريم كفيل بشفائهم من أمراضهم كقوله تعالى في سورة الشعراء أية رقم (80)  وإذا مرضت فهو يشفين  .
إلى جانب إعتقادهم بما لدى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم من قدرة أوحى بها الله إليه، ومن ثم رواج الوصفات العلاجية التي وردت على لسان الرسول الله عليه الصلاة والسلام. ولكن هذا لا يعني ان كل ما تعارف عليه الناس سواء في مجتمع الإمارات أو في المجتمع العربي بصفة عامة اليوم باعتباره طبا نبويا أو معالجة جاءت بناء على وصفات عن الرسول صلى الله عليه وسلم هي في حقيقة الأمر كذلك، فربما زيد على هذه المعالجات طوال فترة روايتها من جيل إلى جيل. ويمكن إرجاع ذلك أيضا لإساءة استخدام بعض ممارسي هذه العلاجات ممن يحاولون إرجاع بعض معالجاتهم لأصول دينية كوسيلة لكسب الرواج لها، وإن كانت هي في حقيقة الأمر بعيدة عن ذلك.
وفي هذه الحالة (أي حالة إدعاء ان بعض المعالجات والممارسة من قبل البعض إنما ترجع لأصول دينية أو إيضاحات على لسان الرسول عليه الصلاة والسلام) فإن مدى قبولها أو رفضها من قبل المرضى انما يرجع لعدة أمور لعل من أهمها :
أ- شدة المرض ورغبة المريض في التعليق باي بصيص للأمل وبالشفاء، وتجربته للعديد من المعالجات دون فائدة وعدم تردده في طلب أو قبول أي دواء جديد.
ب- اختلاط الدين لدى البعض ببعض الممارسات الخارجة عنه كالسحر والشعوذة – سواء لدى من مارس هذه المعالجات أو لدى طالبيها أي المرضى – وهي أمور بعيدة كل البعد عن الدين وينبغي تطهيره منها، خاصة وان الدين الاسلامي دين يدعو إلى إعمال العقل ونبذ كل ما هو مناف له.
جـ- تقادم العمل بهذه العلاجات وما يعنيه ذلك من إحتمالات الإضافة إليها خلال عملية تناقلها من جيل إلى جيل ومن ثم رسوخ هذه الإضافات كما هو الحال تماما بالنسبة لرسوخ العديد من الرموز أو الممارسات لجميع الأمور المتصلة بالثقافة التقليدية لأي مجتمع.
ومع الاعتراف بتأثير العوامل إلا أن مسألة قبول أو رفض بعض المعالجات – التي يدعي البعض بأنها معالجات ذات أصول دينية أي مأخوذة من النبي صلى الله عليه وسلم أو من القرآن الكريم في حين انها بعيدة كل البعد عن ذلك – إنما ترجع إلى مدى عقلانية الشخص أو المريض الذي يطلب العلاج وأهله الذين إصطحبوه إلى الطبيب أو الشخص المعالج، فكلما كان المريض عقلانيا ومنطقيا في تفكيره كلما إستطاع التمييز بين ما له صلة بالدين وما هو بعيد عنه والعكس صحيح.
مما تقدم يتضح أن المعالجات التي تعارف عليها أبناء الإمارات هي في واقع الأمر امتداد للطب العربي الذي تم إرجاع أصوله إلى شقين :
الشق الاول يمكن إعتباره حصيلة للخبرة الإنسانية ايا كان منبعها في مجال تشخيص الأمراض وعلاجها وكل ما له صلة بعلم الطب.
والشق الثاني يمكن إرجاعه للطب الإسلامي سواء أرجعت جذوره لما ورد في النصوص القرآنية من آيات متصلة بالصحة العامة، أو تلك المفصلة لبعض الجوانب الطبية كعلم الأجنة أو تلك المؤكدة على ما في الآيات الكريمة من قوة وتأثير في شفاء النفس البشرية أو تلك التي يمكن إرجاع أصولها إلى أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم والتي شرحت بعض الأمراض وقدمت بعض الوصفات كعلاج لها.
بالإضافة إلى تأكيد أن بعض الممارسات العلاجية التي تعارف عليها بعض أبناء المنطقة هي في واقع الأمر لا تنتمي إلى ما تقدم، بل هي في الحقيقة خروج وتجاوز على ما تقدم وميل وإنحراف بالممارسات الطبية إلى أمور متصلة بالسحر والشعوذة في كثير من الأحيان. وإن حدث وكتب الشفاء للبعض عن طريق هذه المعالجات الخارجة عن أصول الطب سواء المستقاه من الخبرة العلمية أو المبنية على أصول ومبادئ دينية. فإن ذلك يحدث في الغالب لأحد أمرين :
1- إنتهاء فترة المرض، فلبعض الامراض بل لمعظمها فترة زمنية وتنقضي سواء بالعلاج أو بدونه.
2- أو بالايحاء حيث ينجح الكثيرون ممن يمارسون هذه المعالجات في الإيحاء للمريض ببراعتهم وقدرتهم على شفائه، ثم إيهامه بعد ذلك بحدوث قدر من التحسن في حالته، وقد يستطيعون بذلك فعلا تحقيق بعض التقدم في علاجه نتيجة لتحسن حالته النفسية. أو بصرف انتباهه إلى مسألة أخرى تأخذ جل اهتمامه مما يقلل من تركيزه على ذاته وعلى إحساسه بمكان الألم. ومما يضاعف من إحتمالات نجاح المعالج في الإيحاء للمريض أو صرف انتباهه بعيدا عن المرض ومن ثم التقليل من إحساسه بالآلم منه كون هذا الإحساس بالألم راجع لأسباب نفسية في كثير من الأحيان الأمر الذي يمكن المعالج من تقليل الإحساس به إذا ما إستطاع صرف انتباه المريض بعيدا عنه.
ومما هو جدير بالذكر هنا أن هذه المعالجات التي عرفها أبناء الإمارات والتي تم وصفها بأنها ممارسات خارجة عن أصول علم الطب هي فيما يتعلق بمسألة المعالجة بالإيحاء تعتبر معالجة لها أصولها العلمية وذات صلة وثيقة بعلم الطب، إذ يمكن إرجاعها للطب النفسي وأن معظم المعالجات سواء قديما أو حديثا تعتمد إلى حد كبير على الجانب النفسي والدوائي للعلاج. ويندرج تحت الجانب النفسي مدى قدرة الطبيب على الاقتراب من المريض وتفهم حالته واكتساب ثقته كخطوة أولى نحو تفهم مشكلته وعلاجها وإقناعه بفائدة وجدوى هذه المعالجة.
ومع الاعتراف بأهمية الإيحاء وصلته بأصول العلاج النفسي إلا ان البعض قد نأى به عن هذه الطريقة أو بالأحرى أساء استخدامه في معالجات بعيدة عن علم الطب.

رابط المقال ::: http://www.alamuae.com/uae/showtopics-865.html
دولة الإمارات العربية المتحدة
http://www.alamuae.com/uae