عنوان المقال : فعل السرد والشخصية في الشكل الروائي - السرد

فعل السرد والشخصية في الشكل الروائي - السرد


ما يميز رواية عن أخرى، تلك الطريقة التي يتم بها عرض الأفكار القصصية .. ومن السهل على المبدع، تخيل طريقة إبداعية، ولكن ما أن يهم بالكتابة حتى يشعر ان ثمة فرقاً واسعاً بين ما تخليه. وبين هذه اللحظة التي يواجه بها اللغة لاختيار الكلمة القصصية المناسبة .. في مكانها المناسب .. عندها، تتدخل عوامل كثيرة ذاتية وموضوعية في هذه الطريقة الابداعية في السرد القصصي، لدى كل مبدع.
كتب جوزيف كونراد في (المقدمة المألوفة) (أعطني الكلمة الصحيحة باللهجة الصحيحة وسوف أحرك العالم). فالكلمة واللهجة لا تفترقان، لان الكلمة يجب ان يكون لها، وراء نقل المعنى الحرفي، إيقاع مناسب. فكل جملة ينبغي ان تسهم في إعلان الكاتب عن العالم الذي يخلق، دون ان يكون ذلك الاعلان مجرد وصف الظواهر أو بيان عن بعض الأفكار، فهي شيء يتجاوز كل ذلك، إنها إعلان عن مشاعره إزاء الحوادث والمواقف..) بالضبط هذه الكلمة الصحيحة، ابداع حقيقي في الرواية، فحين تغرف الجملة القصصية كلماتها .. بصورة صحيحة من عالم اللغة، فان المعنى يتشكل عندها في نسيج صحيح، ويقوم البنيان الروائي عندئذ على أعمدة راسخة، عميقة، وشاهقة، وان هذا البنيان يتعاظم، ويقترب من السمو، كلما اقترب من الانسان، ولامس عقله ومشاعره. والرواية كما عرفها البعض سرد نثري تخيلي ذو طول محدد، ومن هنا بإمكاننا توفير كثير من العناء على أنفسنا، وهو ما يسمح أيضاً بمقدار عظيم من التنويع بين الروايات).
( والسرد هو الصورة اللغوية للحادثة، أي نقل الحادثة من صورتها الواقعية إلى صورة لغوية، فحين نقرأ مثلاً – وجرى نحو الباب وهو يلهث، دفعه في عنف ولكن قواه خارت، فسقط خلف الباب من الاعياء – نلاحظ هذه الافعال: جرى، يلهث، دفع، خار، سقط، فهذه الأفعال هي التي تكون في أذهاننا جزئيات الحادثة .. ولكن السرد الفني لا يكتفي عادة بالافعال، كما يحدث في كتابة التاريخ، بل نلاحظ دائما ان السرد الفني يستخدم العنصر النفسي الذي يصور به هذه الافعال .. – يلهث، في عنف، من الاعياء – وهذا من شأنه ان يكسب السرد حيوية ويجعله لذلك فنياً).
فالسرد هو الطريق الذي يمتد من أول كلمة في الرواية حتى آخ كلمة، كاشفاً حركة الشخصيات وما يصطرع بداخلها حيال الوجود المادي في زمن معين.

* * *

فما عدا رواية (دائما يحدث في الليل) والذي يكون السرد الروائي بلسان ضمير المتكلم، فإن بقية الروايات تعرض بلسان ضمير الغائب ..
وفي رواية (دائما يحدث في الليل) نقرأ الرواية بلسان (خالد) الشخصية الرئيسية، أي بضمير المتكلم، الشاهد على الحدث، والمشارك فيه أغلب الاحيان الا حين يسترجع عن طريق الذاكرة حدثاً فائتاً لشخصية أخرى، لها علاقة بالحدث الآتي.
ونقرأ من أول كلمة في الرواية (بالرغم من ان الخريف دافئ ولطيف، إلا أن صباح اليوم بالذات، اتسم بالبرودة الشديدة، كان يوم إثنين في أواخر شهر نوفمبر – تشرين الثاني – كنت أحاول قتل وقت العمل بتصفح بعض المجلات المصورة لكنني ضجرت منها بعد قليل فنهضت عن كرسي المكتب وخطوات إلى مدخل المتجر آملا ان يزول مللي بمراقبة الشارع الصاخب، وعند المدخل اصطدمت بشاب كان يحاول الدخول، ولما فوجئ بي بادرني بالسؤال وابتسامة تعلو وجهه :
- صباح الخير ... الأخ خالد؟
- نعم
- فمد يده مصافحاً وهو يقول .. إسمي سالم الماجد، هل يمكن ان تعطيني دقائق من وقتك؟
- تفضل .
والسرد في هذه الرواية، جاء بمثل هذا الامتداد الطولي في تناول الاحداث، ولم يستخدم الكاتب تقنيات فنية أخرى في السرد، كالاسترجاع والتداعي، لتكسير أفقية الاحداث الزمنية، الا في مساحات قليلة. حين عاد بنا الراوية إلى أوليات علاقته بمريم.
وبهذه الطريقة في السرد، حين يكون بلسان الشخصية الرئيسية – البطل – فإنه من المحتم ان ترسم الشخصيات الاخرى من خلال البطل وذلك من واقع السيطرة العامة على جو الرواية، والذي يكون زمامه في يد البطل – الراوية.
فسالم كما رأينا في المثال السابق، يأتي بنفسه للتعرف على (خالد). وفي ظرف ذاتي خاص، يوثق خالد صلته بسالم ويعرفه على (الشلة) (عندما جاءني سالم في الصباح لم أكن متحمساً لتوطيد الصلة به إلا إلى حد استعراض براعتي في اللعب) وأيضاً من خلاله نتعرف على احمد ومريم (ولدت صلتي .. بأحمد من أشلاء علاقتي بمريم، فلولا إنهدام ما بيني وبينها، وقبولها الزواج من أبيه، لكان احتمال تعرفي عليه ضئيلا ان لم يكن معدوما) كما ان احمد يلتقي بليلى عن طريق البطل – الراوية (كان المرض العصبي الذي هاجمتني أولى نوباته عشية زيارة أحمد لي لأول مرة، هو السبب وراء التقاء أحمد بليلى ونمو علاقتهما التي انتهت إلى الزواج).
بمعنى ان الشخصية الرئيسية هي مركزية، ومنها يتوزع الاشعاع لكشف الشخصيات المصاحبة وتعريفها ورسم ملامحها داخل السرد الروائي، وتشاء هذه الشخصيات ان تظل مرتبطة حركة وفعلا وقدراً بهذه الشخصية المركزية، وهذا شيء طبيعي، ما دامت السلطة المطلقة في العرض بيد الشخصية الرئيسية.
وبهذه الطريقة في العرض، فان وجهات نظر الشخصيات حول الحياة، والمجتمع وعلاقات أخرى كثيرة نقف عليها في الرواية، تأتي بضوابط يحددها الراوية، كما أن الاحداث التي تبني على وجهات النظر هذه، ترتكز على ما يسمح الراوي نفسه بذلك. فنشعر ان ثمة قيداً خفياً يكبل هذه الشخصيات. فلا تأخذ مداها النفسي والفكري داخل السرد.
ويفلت (سالم) من هذا الاسار في الجزء الثاني من الرواية .. منذ لحظة اغتصاب وقتل الطفل (ياسر) من قبل (جمعة)، حيث يتعاظم دوره في جسد الاحداث المروية عن طريق البطل – الراوية، ونشعر أحياناً ان زمام المبادرة إنتقل من البطل إلى سالم، في عملية إخفاء جريمة قتل جمعة من قبل مريم، ويأخذ هذا المدى أكثر من ثلثي الرواية تقريبا، وهو المدى الذي يتحول فيه السرد إلى ما يشبه تكنيك التعامل البوليسي، مع جريمة يحاول القاتل إخفاءها عن العدالة : (بينما انهمك عوض في حزم أمتعته، غرقت مع سالم في إعداد الخطة بكل تفاصيلها، وبرسم التدابير المضادة لكل الاحتمالات المعاكسة غير المتوقعة، وللمرة الثانية بعد تلك الليلة الرهيبة حين مات ياسر أجد الفرصة لأرى عن قرب الاسلوب الذي يعمل بواسطته عقل سالم : الاخذ بعين الاعتبار أدق وأصغر التفصيلات، انتظار حدوث الأسوأ وفوق هذا كله عدم الانهيار تجاه أي مسألة وثقته الكبيرة بأنه ليس هناك أي عائق لا يمكن تذليله).
يظل السرد بهذا الاطار البوليسي والقضائي، حتى نهاية الرواية، حين تقرر الشخصية الرئيسية ترك الاحداث برمتها، والرحيل خارج البلاد.
ومن حين لآخر، يأخذ الحوار دوراً اسنادياً في كسر الوقع الخاص بذاتية الشخصية الرئيسية ولكن مع ذلك، تظل هذه الشخصية قائمة بيننا، مشاركة في هذا الحوار .. عندها، يكون الحوار معادلا مقابلا للسرد في توضيح مواقف الشخصيات وآرائها في الاحداث الجارية.
خلال الجزء الاول من الرواية والمعنون بـ (رجل الكأس يلتقي رجل السيف وشركاءه) .... نستطلع نقطة مركزية في السرد، ونتخيلها مركز الإشعاع في الرواية، حيث تنبعث منه خيوط من الضوء تنير أحداث الرواية بمنظور فكري ما وتكشف تفسيراً منطقياً للسببية التي تحرك هذه الاحداث ..
يشاء الراوي ان تأتي هذه (النقطة المركزية) على لسان الشخصية فاطمة (يبدو ان جلساتنا التثقيفية هذه لا فائدة منها .. نحن كل ليلة نتحدث عن حرية الانسان وعن صفات المجتمع المتقدم .. الخالي من الاستغلال والعبودية والتسلط .. إلى آخر المثل العريضة التي نثرثر فيها بطريقة شبه يومية، ولكن عندما نتبنى سلوكاً شخصيا ندوس على هذا كله ونعود لارتداء جلودنا العتيقة .. فاذا بكم مستغلون رغم أحاديث المساواة، ومتسلطون رغم التغني بالحرية، ورجال شرقيون رغم ادعاءات حقوق المرأة .. حسناً يا ابن العمة .. أريد ان أجيبك على مشاريع الزواج بالنفي، والنفي والنفي حتى تتغير نظرتك الي .. وعندئذ لكل حادث حديث).
هذه الرواية بوجه عام تمتاز بإيقاع يصعد ويهبط في تناغم مع الحدث، فحين .. يتعرض الراوية لموقف متأزم، فان الكاتب يلجأ إلى الحوار، لكسر حدة الترجمة الذاتية فيفسح المجال للشخصيات الاخرى ان تعبّر عن ذاتها .. ويظل الراوية مشاركاً في الحوار وتكون هذه النقلة من السرد المباشر إلى الحوار موفقة في كثير من الحالات، مما يزيد من متعة التلقي لهذه الرواية .. وأغلب الظن ان هذه الرواية، رغم أنها الاولى والوحيدة حتى الان للكاتب غباش فإنها تعد مؤشراً قويا على عطاء روائي متقدم لهذا الكاتب في ساحة الإمارات .

* * *

في رواية (الاعتراف) للكاتب علي ابو الريش يعترف بلسانه في تقديمه للرواية (بدأت في كتابة هذه الرواية، وبدأت الرواية تكتبني في سطور) وهذا القول له دلالته في الادب، وما يهمنا في الموضوع – السرد .. انفلات كثير من الضوابط المنظمة لطريقة العرض في الرواية، فهي تجمع بين التقريرية من زاوية والواقعية التسجيلية التي تأخذ من الواقع كما هو، بدون انتقاء وفرز وبين توهيمات رومانسية غير واضحة، كتلك التي نراها في سن المراهقة، واحيانا حين لا يتعجل الكاتب .. ويتأمل ما يكتبه يصوغ عبارته بسرد روائي فني له وقعه.
ومن المؤكد ان البناء اللغوي، وللعبارة القصصية أهمية ليس لها حد في تدعيم السرد الروائي. نقرأ هذه الفقرة فاتحة الرواية (كان اليوم صيفا، وقد تشبع الجو بغبار هواء الشمال. دخل (سهيل) الضاحية كعادته يسمر في وقت القيلولة بين الخمائل، وتحت حفيف الاوراق المتدلية من النخيل بأنواعه المتباينة، واللوز الأحمر والابيض، يلتقط لوزة من هنا، ويمضغ حبة بلح من هناك .. مال ناحية الحوض. وغسل يديه، ثم مد ساقيه حين استشعر الراحة وغمرته السعادة وماء الحوض البارد يداعب شعيرات ساقيه النحيفتين .. قام وافترش ملاءة كان يتأبطها، واستلقى على .. ظهره وأسند رأسه على ذراعه، وأخذته نشوة الجو الهاديء، الذي إمتزج بزمجرة ماكينة الحوض، فبدت تقرع أذنيه كموسيقى الطبول أيام الاعراس .. وأخذ يترنم بصوت رجولي ساحر ويردد كلمات أنشودة كثيراً .. ما يغنيها أبناء المنطقة الجبلية في رأس الخيمة و(القيض ما طول زمانه .. شهرين والغالي مشوبه).
وما كاد ينهي أنشودته، حتى شعر سهيل بقبضة حديدية تضغط على عنقه، حاول أن يعتدل ليرى هذا الكابوس المزعج المؤلم، لكنه لم يستطع ان يتحرك فقد وثب جسم ضخم على صدره لا يرى منه سوى عينين .. كالجمر بلونيهما وشهيق وزفير ينفض طرف اللثام على ثغر صاحبه .. زعق سهيل بصوت وئيد إلا أنه سرعان ما انطفأ كرمية الصخر في كثبان من الرمل .. استل الملثم خنجره من محزمة وطعنه في بطنه وأخرى في صدره وهرول شارداً، حيث أطلق ساقيه للريح مستغلا خلو المكان من الناس .. تاركاً سهيل يسبح في دمه وقد فارق الحياة.
المؤلف يفاجئنا بهذا الحدث العنيف، في لوحة فنية جميلة ما تكاد تظهر فيها شخصية .. (سهيل) والد صارم، حتى تنطفيء، وان يبقى ظلالها ممتدا في الرواية.
ومن هذه اللوحة القصصية، وان لم ترسم لغوياً بشكل أنيق، يختصر الكاتب فيها اشياء كثيرة عن شخصية سهيل نقرأ ملامحها فيما بعد .. وواضح أنها تمثل براءة غير عادية في بيئة الرواية وبدت هذه الفقرة، وقد قطعها، السرد زمنياً عن جسد الرواية. وكأنها قطعة فنية منفصلة ومعلقة، وقد لا نجد لوحة اخرى تماثلها، حيث يقوم الراوي بسرد أحداث الرواية بزمنية عادية وافقية.
ومع أن استخدام ضمير الغائب في السرد، يتيح للراوي عادة الغوص أكثر في أعماق الشخصيات ونبش مواقفها وأبعادها النفسية والفكرية، غير ان السرد هنا، يصور شخصيات ضبابية حالمة وموقفها تجاه أحداث الرواية، تجاه احداثها، لا يتسم بالجدية فالراوية .. يظل يدفع هذه الاحداث زمناً وراء زمن تاركاً معاناة شخصياته على نحو غير مقنع على الرغم من العرض المأساوي المتأزم الذي يلجأ إليه الراوية في سرد الاحداث .. والتي جاءت في محورين، منفصلين تقريباً، ليس بينهما ترابط درامي ولا يتصلان ببعضهما بوشائج منطقية، فالحدث الأول : توتر (صارم) المأساوي على مقتل أبيه، يعرضه الراوية بوضع، نعتقد وقتها انه سيواصل بحثه عن مقتل ابيه غير ان هذا التوتر يذوب. ليبدأ توتر مأساوي جديد في قصة حب، ومعاناة طفولية : وهذه المرة يكون بطلها (صارم) و (محمد) وتنتهي بزواجهما، وتنتهي الرواية.
وفي السرد، نعثر على مفردات كثيرة زائدة، وليس لها أي خدمة فنية، مثلا في (وقال بالنسبة لي انا شخصيا اعتبر مسألة الرسوب مجرد عاصفة وقتية ولابد انها ستزول). مفردات : (أنا شخصيا) ، (مجرد) (وقتية) (ولابد، أنها). هذه يمكن الاستغناء عنها في السرد، ويظل المعنى المطلوب من الجملة القصصية قائما ولكن في إيقاع فني مختلف ...
كذلك (إغرورقت عينا – صارم – وانسحبت على وجنتيه بشرة قاتمة وشت عن احساس بالفجيعة والالم والحزن، وجلس غارساً سبابته في خده شارد الفكر مسلوب اللب مفجوع الوجدان ولكي تأتي السيدة بسيرة رحاب يحس بإنصهار أعصابه وذوبان قلبه شوقا ووجدا ولا يجد منها فكاكا .. تأفف في ضيق وضجر وتأوه في زئير مخيف لقلب السيدة) ترى كم مفردة يمكن الاستغناء عنها ؟!

* * *

وفي رواية (السيف والزهرة) تتطور أدوات الكاتب على ابو الريش، فيتطور السرد .. الروائي تبعا لذلك، وبضمير الغائب، يسرد الراوية مواقف شخصيات تجاه (فكرة) اجتماعية واحدة وهي ضغط العمالة الوافدة على المجتمع المحلي، ويتعرض الراوية في مساحة زمنية، تأخذ في كثير من الاحيان العمق الرأسي في تصويره للشخصيات .. لمختلف الآراء حول هذه الفكرة – القضية.
ويكون استخدام ضمير الغائب، هنا أكثر فعالية في سبر أغوار شخصيات الرواية .. وكذلك في إيجاد إيقاعات تلطف حدة الجري الزمني .. وملاحقته للقضية. فكر سلطان .. ما أبهى وأجمل شخصية المدير وهو يضغط على جرس المطبخ، فيهبط عليه الساعي بصينية الشاي مخفضا رأسه، ويقدم الاكواب بكل تواضع وخشوع).
كما أن الكاتب يحاول هنا، التخلص من الواقعية التسجيلية، فهو طوراً يلجأ إلى الطبيعة في إشراكها بقضيته المطروحة في الرواية .. (امتعض – أبو صالح – لحديث – سلطان – وقال في لهجة حزينة، البحر والارض سيظلان حضنينا الأبديين، مهما قسيا فهما الموئل الاخير، والموطن الذي لا تنام عيوننا إلا بين يديه) أو يلجأ إلى الذاكرة، واسترجاع صور قديمة، (ثم يرى صورة والده، هو يقف قبالته وبين يديه يحمل إناء يمتلئ بالماء يسكبه على الرمل اليابس).
والراوي يحاول بقدر نضج ادواته الفنية، اتباع السرد المتوافق مع توترات القضية، فحين يسترخي الزمن، ويتكاسل في سيره، ليعطي مساحة أكبر لنقاش القضية، يستجيب السرد في جمل طويلة، هادئة وحين تشتد الازمة، ينكمش السرد وتتقلص الجملة القصصية، وتضطرب، وتزداد الاسئلة (فوجيء سلطان بالأوراق التي تتكدس على مكتبه. الطلبات تنهال عليه من كل حدب وصوب، الناس بدأوا يتقدمون بطلب خدمات، وسائقي سيارات خاصة واجرة .. الشقراء تقف قبالته تشيعه بنظرات عذبة رمقها بنظرة ضاحكة .. ماذا جرى لعقول البشر، الناس يتهافتون بطلباتهم أكثر من ركضهم وراء .. الصلاة هل أعلن المواطنون الصوم الابدي عن العمل وأوكلوا خدماتهم للخادمين.
ضحكت الشقراء ضحكة مجلجلة .. الم اقل لك بأن الايام ستثبت أهمية الأيدي العاملة في البلد).
كما ان السرد في هذه الرواية يتعامل مع فكرتها، بطريقة درامية متصاعدة حتى أعلى نقطة تتحملها المعالجة الفنية الفكرية .. فنلاحظ ان هذا التصاعد الدرامي، يولد شوقا في ذات المتلقي لمعرفة النهاية .. ومن الطبيعي وكان الكاتب موفقا، انه لا نهاية واضحة في معالجة هذه الفكرة. الواقعية، ولكنه سبر غورها في إطار نقدي من خلال الشخوص، وترك النهاية مفتوحة، متلفعة بالحيرة .. وكانت نهاية مقنعة جدا، وواقعية، وأعتقد ان ليس ثمة نهاية أفضل منها.
ففاتحة الرواية تشير إلى ان هذه البقعة من العالم. يسودها الهدوء والامن وهي رابضة في أحضان الطبيعة، رغم ما تعانيه منها .. (البحر يبتلع الشاطئ والشمس تصوب شظايا حارقة على الشارع الصغير المتفرج بجانب الشاطيء الملتهب. كل شيء يلهث، يسح بالعرق وكأن جهنم فتحت أبوابها على هذه البقعة الضيقة في العالم. البيوت المنخفضة ذات الجدران المبنية من سعف النخل تتلاصق أبوابها، تعانق بعضها البعض، صراخ الأطفال، وزمجرة الكبار وزعيق ربات البيوت لا تخفيه حواجز، لان الجدران منخفضة، والافنية واسعة والابواب مفتوحة ليل نهار) في هذا الجو الهاديء، الآمن والقاسي في نفس الوقت، كانت المدينة تعيش مرحلة إقتصادية وإجتماعية لا يشوبها قلق، حيث نقرأ مباشرة بعد تلك الفقرة (وقف خلفان بجانب الشاطئ رافعا ازراره وهو يستعد لدخول البحر .. خلفان قبل ان تغطس قدماه في الماء بسمل وقرأ سورتي (الفاتحة) (والناس) ثم شق طريقه إلى قاربه الصغير المسمى بالقاهر).
ويأخذ السرد طريقه عبر الشخصيات وقضيتها، إلى نهاية الرواية (لم يطق سلطان هذا الصمت، والخوف من المجهول ينتزع قطرات الدم المتبقية في شرايين قلبه .. صاح بصوت مشروخ وهو يضغط على رأسه بعنف .. اه كم أنا حائر ومتعب ..).
وأعتقد ان الكاتب في هذه النهاية المفتوحة، قد ترك مجالاً للقارئ يتمم الرواية (وعلى الكاتب ان يعطي القارئ محمولات تمكنه من إتمام الرواية .. وهذا أمر يتعلق بالوقع الروائي، فالوقع هو المعادل اللفظي أو التجسيد اللفظي لزاوية الرؤية عند الروائي أو موقفه السردي).
وأعتقد أيضاً ان الكاتب، قد أعطى محمولات كثيرة في رواية (السيف والزهرة) تنير الطريق للقارئ لإتمام الرواية على ضوء القضية المطروحة فيها.

* * *

السرد في رواية (شاهندة) أكثر العناصر الفنية، تواجدا في الرواية، حيث يعرض الراوية بلسان ضمير الغائب، قصة شاهندة، الفتاة التي تقع أسيرة الشرف، تصل إلى مرتبة السيدة الملكة، ولكن، لا يعني ذلك، ان السرد بلغ مدى روائياً فنيا، ذلك، ان (مضمون) الرواية والتي تخطت في تخليها حدود الفن الممكن .. قد أثر على عناصر الشكل الفني ومنها السرد .. وهو ما جعلني استبعد هذه الرواية عن الريادة الفنية مع احتفاظها بريادتها التاريخية فقط.
والسرد يعرضه راو ماهر بلا شك، مقارنة بكثير من الروايات المحلية الاخرى، من حيث تركيب المفردة في الجملة القصصية .. ولكنه راو شكلي ومفتعل وغير مفعم بالحياة والواقع (واستخدام مفهوم الراوي الشاهد كتقنية سردية في عالم يتسق بمناخه العام، ببنية وبحركة العلاقات بين عناصر هذه البيئة، كما بوظيفة هذه العناصر داخل البنية .. أو ان استخدام مفهوم الراوي في عالم لا يتسق والمرجعية التي يحيل عليها، أو الحاضرة فيه، من حيث هي مرجعية معها تتعامل القراءة وبها تقوم .. ان مثل هذا الاستخدام هو استخدام شكلي بالمعنى النقلي والافتعالي للشكل .. لذا فهو يفقده الكثير من فنيته، أي جماليته، المولد بها، والمولدة به، بنية ينسج الكاتب عالمها، ويصوغ قولها قوله وتمنحها القراءة الحياة).
والحوار في الرواية، درامي مسرحي وبشكله الكلاسيكي في معظمه، ولولا وجود راوية يكمل المساحة بين الحوارات، لاعتقدنا اننا امام عمل مسرحي، (يا صديقي .. هل دب فيك الكسل حتى لا تريد ان تأتي معي للحصول على الاكفان، انهض .. فهنا يموت الانسان جوعاً وجثث الموتى تتساقط في شوارع القرية وداخل البيوت .. إنهض وإلا بعض يومين سوف تصبح جثة بلا كفن .. انهض فلابد ان نعيش).
والسرد هنا. بالكاد يعطي صورة خارجية للشخصيات، دون ان يلتفت إلى معاناتها، فشاهندة وهي الشخصية المحورية، لا تتذكر وصفاً يعلق في أذهاننا، خارجياً أو داخلياً، على الرغم من انها تواجه أشكال العبودية، وهي اخطر قضية إنسانية .. ومع ذلك فإن الراوي لا يقترب من جوهر القضية ولا يترك مجالا للشخصيات ان تتعرض لهذه القضية بقوة وإرادة .. إنما هو معني بالحدث بشكله الروائي البسيط .. تهمه الحكاية بالدرجة الاولى، فنراه يدفع بالحدث دون ان يخلف أثراً عن موقف أو قول، أو تصارع له دلالته، أو اسقاطاته المعاصرة. هذا إضافة إلى محاولة الراوي الدؤوبة في تغيب الواقع الفعلي وعلاقاته، والقوى المحركة له، عن الواقع الروائي، (إن ما يعنى به الادب كل العناية هو الحياة كما يحياها البشر، فالشاعر يعرض عواطف يشعر بها الناس، والروائي والمسرحي يعرضان علينا شخصيات تتصرف وتتفاعل إبتغاء إعطائنا إحساسا بالواقع، خلاصة مركزة للوقائع النفسية المادية كما جرت في حياة الناس، قد لا تكون الوقائع صحيحة بمعنى أنها قد وقعت فعلا في وقت ما الا انها يجب ان تعين تصنيف العمل ادبا، ان تكون صادقة مع النموذج، صادقة مع حسنا بالاحتمال اضافة إلى انها ينبغي ان تكون منظمة تنظيماً يتفق مع إحساسنا بما هو دائم وذو دلالة في الوجود).

* * *

في رواية (احداث مدينة على الشاطئ) للحربي يفتقد السرد إلى نسق فني من اول الرواية إلى آخرها، وقد توزع السرد على نحو مضطرب ما بين المؤلف والراوي والشخصيات المتحاورة داخل الرواية، وهذا الاضطراب حتماً سيقود إلى اسقاط العمل في إرتباك، سواء باحداثه أو في حركة الشخصيات.
ونجد صعوبة ونحن نقرأ الرواية في وضع حدود بين ما يقوله كل من المؤلف، والراوي، والشخصيات، هذه الحدود التي لا غنى عنها. في السرد الفني تضع المتلقي أمام بنيان روائي له وقعه، وايقاعه الغنائي. يقول بول ويست (حقاً إنه لروائي مضطرب، ذاك الذي لا يستطيع إعانة القارئ على الفصل بين تعليق المؤلف وبين النماذج المطروحة) كما أن هذا الخلط الذي تم بين تعليق المؤلف، وكلام الراوي، وحوار الشخصيات، أوقع السرد في حركة لاهثة، سريعة مكثفة ومختصرة، بحيث افقد العمل خصائص روائية وجعله أقرب إلى السرد الفني للقصة القصيرة، وقطعاً الرواية بخصائصها الفنية، وبخاصة في السرد غيرها في القصة القصيرة – اذ لابد أن تمتلئ الشخصية بروح الزمن، والحركة الروائية بالنضج والامتلاء. نقرأ من أول كلمة في الرواية (شعور هذا اليوم الحزيراني لا يختلف كثيراً عن شعور أمس، لكنه الامل، تلك القوة التي لا يعرفها الإنسان كيف تسري في جسده فتجعله أكثر تفاؤلاً في يومه عن أمسه، على ان رتابة الحياة اليومية في هذه المنطقة الساحلية تجعل مثل هذا الشعور لا يشطح بصاحبه بعيدا في أمانيه وطموحه ولا يكسبه مناعة نفسية قوية تجعله لا يدخل في عالم اليأس والكآبة الذي لا يعرف له أفق. يطحن نفسه فيه بنفسه ليكون أمام خيارات محدودة : إما أن يجن ويهيم في الخلاء على وجهه دون دليل أو ان يرتكب حماقة يكون فيها حتفه، وان سلم من هذه وتلك يبقى حياً يعيش على هامش الحياة لا يضر ولا ينفع.
وهذه هي (أم حصة)، لم يتغير لديها شيء في هذا الضحى : افترشت الأرض أمام عتبة بيتها الطيني، تحدث طفلتها إبنة الأعوام الأربعة).
تكشف هذه الفقرة، ان الكاتب بالكاد فرغ كامل شحنته العاطفية التأثيرية، والتي قد تكون تولدت لديه كما تكهنا سابقا – عقب قراءة رواية (مدن الملح) لعبد الرحمن منيف، فجاء سرده قريباً في تقنيته من القصة القصيرة، حيث التقطيع اللاحث السريع للحدث القصصي والذي لا يفسح مجالا حتى يكتمل بدوافعه ونتائجه، حيث يضع هذا الحدث في أتون البحث والتقصي من أجل كشف جوانب الحقيقة من جهة نظره، لهذا الحدث.
وعندما ننتهي من قراءة الرواية، نتأكد ان القول الروائي قد لخصته تلك الفقرة .. الدفقة الشعورية المتلهبة والتي قذفها المؤلف في البدء، ثم راح يلملم تفاصيل وأحداثا، ويلصقها كيفما كان على جوانب هذه الدفقة اذ لا نقرأ تحليلا متأنيا وعميقا لاحد الخيارات المحدودة التي لابد وأن تواجه المرء في مدينة (المريبضة) والتي اختارها الكاتب من بين الخيارات التي ذكرها في مطلع روايته حدثا محورياً للرواية.
كذلك فإن السرد في هذه الرواية ممتلئ بالمفردات الجامدة، المغلقة، وغير الممتدة كي تعطي تفسيراً إنسيابياً واضحاً، حيث نقرأ في المثال السابق مفردات مثل (الأمل، اليأس، الكآبة، اليوم الحزيراني، أمانيه وطموحه، مناعة نفسية).
كما يتضمن السرد أسلوباً علمياً تاريخياً مثل ان المريبضة (كانت محطة لقوافل التجارة القادمة من الجزيرة العربية متجهة إلى البصرة فمدن العراق الاخرى وبالعكس، وقوافل اخرى كانت تقدم عن طريق البحر من فارس تحمل معها المواد الغذائية الهندية والإيرانية والتبغ ثم تنقل هذه المواد بعد ان تلقي بها المراكب إلى الشاطئ بواسطة الدواب القوية إلى العراق، والمناطق الخليجية القريبة من مدينة المريبضة، هذا إلى جانب استخدام جمل تعميمية فلسفية، والتي لا تولد تعبيرات وصورا ملموسة، وهي التعبيرات التي تجعل السرد يتم باسلوبية ركيكة (والاسلوب الركيك الذي يؤثر التعميم والاسهاب على التعبير الملموس إنما هو علامة الانتقال إلى الاحتكاك الكافي بواقع الحياة، والذي لا يمكن ان يعطي قيمة دائمة للأدب إلاه). فنقرأ مثلا (ابو حصة جالس مثل الاخرس، يحدق في اللاشيء)، أو مثل (تظل أغلب الوقت في جلستها مطرقة رأسها إلى لا مكان ..).
كذلك فان الكاتب لا يختار مفرداته اللغوية للمعنى المقصود بعينه كما يقدم هذا المعنى بإيقاع قوي للمتلقي .. لنقرأ (على ان الهواء بنسماته الباردة يلفح الوجوه الملفعة بالاردية، يجعل هؤلاء الرجال يلمسون انوفهم بأيديهم اكثر من مرة وهم يتوزعون باتجاهات مختلفة يلتقطون بعض الشجيرات اليابسة لاشعال النار فيها وتجهيز القهوة المرة وبعض أرغفة من الخبز يدفنونها تحت الأرض من اجل طعام الافطار قبل ان يستيقظ الامير مجلاد وبعض الشباب في الخيمة المجاوره لخيمته).
من هذا القول نقف عند الملاحظات التالية :
1- الوجوه الملفعة بالاردية لا تصلها نسمات الهواء الباردة وبالتالي مفردة (يلفح) لا تعطي الصورة الصحيحة للفعل.
2- يجعل هؤلاء الرجال (يلمسون) انوفهم بأيديهم وتتضح الصورة، ان الهواء البارد يلفح أنوفهم، وليس وجوههم الملفعة بالاردية. وعملية (اللمس) هنا ليست دقيقة في التعبير عن الحالة، فالأنف الذي يتعرض للبرد لا يلمس وإنما يحك أو يعصر بين السبابة والابهام في حركة عصبية لازالة آثار البرد .. أو الشعور بالتجمد في مقدمة الانف.
3- يتوزعون باتجاهات مختلفة .. هذه صورة كاركاتيرية وليست فنية، لعملية بحث في حطب وهي عملية بسيطة لا تقتضي كل هذا المدى.
4- (يلتقطون بعض الشجيرات اليابسة لإشعال النار فيها) من البديهي انهم لم يقتلعوا أشجار الصحراء جميعها ولذلك كان التحديد في (بعض) إضعافا للصورة الفنية أيضا، من البديهي انهم لن يجلبوا شجرا اخضر لايقاد النار، ومن البديهي ايضا، ان جلب الحطب – الشجيرات اليابسة هو لعمل الشاي والخبز وبالتالي فان مفردات (لإشعال النار فيها) زائدة، وتضعف من الصورة الاصلية للحالة.
5- وتجهيز القهوة المرة والشاي (مفردة ) (المرة) هنا ليست دقيقة وهي لا تفيد حتى القارئ الامريكي لأنه يشرب القهوة بسكر أو بدونه وبالتالي جاءت زائدة وإذا كان يقصد إعطاء القهوة صفة محددة في هذه البقعة من الأرض، بطريقة تجهيزها، ونكهتها فهي (القهوة العربية) وليست (المرة).
6- وبعض أرغفة من الخبز يدفنونها تحت الأرض – (بعض) لالزوم لها، لأن الحالة تنبئ عن وضعها، والمتلقي على علم بذلك وهي ليست دقيقة ايضا في إعطاء صورة عن حجم الخبز المطلوب. فلغوياً (بعض) محددة فربما لا يكفي بعض أرغفة لهذه الجماعة أو ربما يزيد عن حاجتهم. كما أن استخدام (من الخبز) تطاولاً على المتلقي. ثم ما المقصود بـ (يدفنونها تحت الأرض) هنا يعجز الكاتب عن إيجاد المفردات المطلوبة لتصوير عمل مثل هذا النوع من الخبز وإطلاق الاسم المحدد له، حتى لو كان اسما شعبيا، (حضريا أو بدويا)، غير متداول لدى فئة من الناس كان يقول (العربود) أو (القراصة) أو .. واذا رغب فليفسره في الهامش، مع ان الصورة العامة توضح ماهيته بدون حاجة لتفسير.
من كل ما سبق نقول، ان القارئ سيقدر من خلال تجربته في القراءة أهمية امتلاك اللغة المناسبة للمادة بحيث يتم نقل المعنى بأكثر الاشكال قوة واقناعاً).

* * *

السرد في روايتي (عندما تستيقظ الاشجان) و(ساحل الابطال) لعلي راشد بسيط ظاهري، تقليدي جداً ولا نلمح فيه عمقاً فنياً يجبر القارئ على التوقف لحظة، ليتأمل قولاً أو حركة ذات دلالة تقوم بها إحدى الشخصيات.
ففي روايته (عندما ما تستيقظ الأشجان) الراوي بصيغة ضمير الغائب سرد علينا حكايات شخصياته باسلوب التصوير السينمائي المباشر، والراوية، هو الكاميرا الذي ينقل إلينا الواقع وتحركات شخصياته بلا رؤية أو موقف حول هذا الواقع .. مرتكزاً على واقعية تسجيلية مغرقة في تسجيلها للتفاصيل (بعد لحظات وضعت المضيفة أطباق الطعام المختلفة أمام أحمد وعبد العزيز وبدأ عبد العزيز في إلتهام ما أمامه، بينما أخرج أحمد من جيبه علبة السجائر وأخرج منها سيجارة وضعها بين شفتيه ثم أشعلها).
كما تقرأ (حمل أحمد حقيبته ومعه صديقه ونزلا مع الركاب من سلم الطائرة وإتجهوا إلى مبنى المطار حيث أنهوا إجراءات الدخول، ثم توجها إلى حيث تصل الأمتعة .. بعد دقائق بدأت الحقائب في الوصول تباعا على الحزام الكهربائي، ووجد أحمد وصديقه عبد العزيز الحقائب وحملاها وعند الباب سمح لهما بالانصراف ..).
نلاحظ، عدا التسجيلية الشديدة والتي ترهق وعي القارئ، الاخطاء اللغوية، حيث يتعامل بالمثنى مع أحمد وصديقه تارة، ثم بالجمع تاره أخرى .. أيضاً فان الراوي – الكاميرا في هذه الرواية، يقوم بدور التقاط شخصياته وحشرها في القصة، تماما مثلما تفعل الكاميرا السينمائية نقرأ في مطلع الرواية : (الحركة لا تنقطع في مطار القاهرة الدولي .. صوت الطائرات يصم الآذن في الخارج بينما تنساب الكلمات الرقيقة في الداخل عبر ميكرفونات القاعة الداخلية حاملاً صوت موظفة الاستعلامات الجوية وهي تنادي وتعلن عن وصول ومغادرة الطائرات وتزدحم الصالة الداخلية للمطار بالمغادرين وخصوصا نحن في شهر يوليو أكثر الأشهر ازدحاماً في القاهرة من بين الوافدين لصالة المغادرين نلمح اثنين تبدو على ملامحهما علامات العجلة والتشوق.
عبد العزيز : أحمد، لماذا تسرع هكذا ؟!
أحمد : أخشى ان تغادر الطائرة قبلنا).
ويلتقط الرواية – الكاميرا، شخصية (صالح) ويقدمها بنفس الطريقة (تزدحم الشوارع بكافة أنواع السيارات .. وكذا الأرصفة تمتلئ بالمارة .. من بين المارة نلمحه يسير بقامته الممدودة وخطواته الموزونة ..). ولأن السرد بالاسلوب التسجيلي المباشر، غير معني بأي موقف إجتماعي أو فكري لشخصياته، فإننا نكتشف حالة غريبة، وكأن الكاتب يتعمد ذل فعلاً .. فمثلاً في نهاية الرواية، تفلت من الراوي بغير قصد حالة ذهنية قد يكون لها دلالة فكرية ما عند الشخصية الرئيسية، لكن الراوي يسرع فوراً لطمس هذه الحالة، بتسجيليته الشكلانية المباشرة (عندما سار احمد في الطريق وحده .. وجده طريقا طويلا طويلا وهو ما زال في أوله، لكن لم يجد خياراً أمامه سوى أن يمشي فيه إلى نهايته ولكنه رغم كل شيء لم يكن يعرف ماذا في نهاية الشارع). فالانتقال من مفردة الطريق – إلى مفردة الشارع غيب من السرد أي معنى فكري لهذه الحركة وانتهت الرواية بعبارة (تمت بحمد الله) .. وقد جاءت في محلها .. حيث سار الراوي بشخصياته وأوصلها إلى بر الامان إلى النهاية بدون إحداث اية متاعب للمؤلف، علماً بان شخصيات أخرى كثيرة غير أحمد، لا نعرف من أمرها شيئاً والى ما صارت عليه الحال، حيث ان الرواية أهملتها، خصوصا شخصية عبد العزيز، النموذج الفقير المقابل لأحمد النموذج الغني.
أيضاً فإن السرد في رواية (عندما تستيقظ الاشجان) يغرق في تفاصيل كثيرة لا ضرورة لها، ولا تؤدي أفقاً فنياً ولا موضوعيا في ربط الحوادث حتى ان مجرد وجودها يشكل ضعفاً في البناء الروائي ونستطيع ان نتلمسها في الامثلة السابقة، هي بالضبط لدى المتلقي تفاصيل تافهة، (والعرض من غير تمييز للتفاصيل التافهة في حياة الانسان، لا يعطي صورة واقعية للحياة، بل يظهر بالاحرى الشخصية في مزاج النشوة المفعم بالعاطفة أو في حالة احلام اليقظة).
( فالاختيار جزء هام من مهمة الكاتب، يختار من الوقائع ما يعطي في حال اتحاده صورة حية للواقع، لا للواقع المجرد ولا للواقع كله، بل لجزء من مواقع الناس في هذا العالم .. فهناك واقعية حقة وأخرى زائفة في الادب القصصي).

رابط المقال ::: http://www.alamuae.com/uae/showtopics-881.html
دولة الإمارات العربية المتحدة
http://www.alamuae.com/uae