عنوان المقال : الشخصية والبيئة في القصة القصيرة - لمحة عامة

الشخصية والبيئة في القصة القصيرة - لمحة عامة


يصعب وضع تعريف موحد للقصة القصيرة، يشتمل على مفاهيم ومواصفات فنية محددة .. يلتزم بها الكاتب (فالقصة القصيرة كفن أدبي وكمصطلح فني لا يمكن ان تحدد أو تعرف بشكل قسري نهائي، لان التحديد أو التعريف غالبا ما يسقط ألواناً من النماذج. ليشمل ألواناً اخرى، كما انه يتأثر باختلاف وجهات النظر، ومن ثم فان أي تعريف لا يأتي ملائماً لكل القصص). كما ان التنوع المحير في التعريفات والمعاني والشعور بعدم الرضا بها مبعث شكوى بها منذ زمان طويل.
وقد بدأ فن القصة القصيرة يأخذ جنسه الأدبي المستقل في أوائل القرن العشرين عالمياً، حيث يعتبر بعض النقاد ان الكاتب الروسي (جوجول) أب القصة القصيرة الحديثة .. ثم تطورت كثيراً على أيدي كتاب عظام مثل تشيخوف، وموباسان وغيرهم.
ومع ان القصة القصيرة تعد في شكلها الفني الحديث، آخر الاجناس الادبية ظهوراً، الا أنها في الوقت نفسه من أعرق ألوان الادب تاريخيا.
وقد ظهرت القصة القصيرة في الإمارات في مرحلة متأخرة جداً مقارنة بوقت ظهورها في مصر وبلاد الشام، ويرجع ذلك إلى ذات الاسباب الموضوعية التي ذكرت كعوامل دافعة لظهور الرواية، وهي التغيرات الاجتماعية والثقافية والتي هيأت مناخاً ملائماً للتعبير عن هذه التغيرات بفن القصة القصيرة.
وبدون هذا التغير لم نكن ننتظر من المجتمع العربي في الخليج، ان يعبر عن تجربته الإنسانية بشكل فني حديث كشكل القصة القصيرة، ذلك أن هذا المجتمع ظل منذ القرون الوسطى وحتى نهاية الربع الاول من هذا القرن وهو يرزخ تحت سيطرة الاشكال التقليدية الجامدة في جميع أوجه الحياة المختلفة.
كما ان فن القصة القصيرة لم يكن لينشأ ويبرز في مجتمع البحرين والكويت ما لم يشهد هذا المجتمع تطوراً أو تغيراً في شبكة العلاقات القائمة في الحياة العامة بين الناس، وما لم تتخلق في باطنه نطف كثيرة من عناصر الدراما التي تتوغل فبها التحولات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية نحو طبيعة الانسان في الخليج العربي، فتحدد سماته الانسانية والفكرية وتجس نبض حياته وتصعد بها في سبيل رسم هوية هذا الانسان العربي .. وصياغة ميوله واهوائه ومعتقداته وتطلعاته أمام مواجهة الواقع وأزماته المستمرة.
والقول السابق للدكتور غلوم، يمكن اعتباره من مبررات نشوء القصة القصيرة في الإمارات العربية، لتماثل الظروف التاريخية لمنطقة الخليج العربي وتقارب طبيعة التغيرات بفعل النفط مع فارق زمني بسيط بينها. واي جنس ادبي أو فني، سوف لن ينشأ في مجتمع ما، ما لم تتوفر له الظروف الاجتماعية الملائمة إذ لا يعقل ان ينشأ المسرح، أو القصة، أو الفنون التشكيلية مثلا، في مجتمع تسوده الأمية والبداوة. ولهذا نجد ان الشعر بالذات الشعر الشعبي كان النمط الادبي السائد، والملائم لمجتمع الامارات قبل التغيرات الاجتماعية التي حدثت.
فحين ظهر التعليم في مجتمع الامارات، وانتشر بين شرائح اجتماعية عريضة وظهرت الصحافة الادبية وتشكلت طبقة من المتعلمين المثقفين والتي إتصلت بشكل أو باخر بالبيئات الثقافية العربية الاخرى، بجانب الطفرة السريعة في التغيرات الاقتصادية، وانتقالها من نمط انتاجي تقليدي، وهو الغوص وصيد السمك إلى نمط استهلاكي جديد قادر بالوفرة المادية التي احدثها النفط، ان يتعامل مع كم هائل من التكنولوجيا الاستهلاكية الحديثة. عندها كان لابد أمام هذا التغير الافقي الهائل ان يحدث تغير في الانماط الادبية.
وقد لا نندهش حين نرى السرعة في التغيرات التي طرأت في البنية الثقافية، والادبية والفنية بوجه خاص .. فظهور اكثر من جنس ادبي في فترة زمنية قصيرة جداً، دليل على ان التغيرات الاجتماعية والاقتصادية السريعة، جرت معها تغيرات ثقافية .. ففي فترة السبعينيات إزدحم ظهور الاجناس الادبية والفنية في الامارات، وهذه ظاهرة غريبة في العالم – فقد ظهرت الرواية والقصة القصيرة والشعر الحديث – ان لم يصح تسميته بجنس أدبي – والمسرح والفنون التشكيلية .. وظهرت شرائح إجتماعية تتلقى هذه الاجناس الجديدة، تتعامل معها على نحو متسارع، وكأن المجتمع قد أدرك ان ثمة فجوة زمنية ثقافية مع مجتمعات عربية أخرى عليه ان يردمها في زمن قياسي، كانت المسألة بالنسبة لمجتمع الامارات استجابة لتحد حضاري عليه ان يواجهه.
وبلا شك قام الوافدين العرب، وبخاصة الفئات المثقفة منهم، بدور فاعل في تعجيل هذه الاستجابة للمعطيات الثقافية الحديثة، حيث ضمت هذه الفئات، شعراء وكتابا ونقادا وفنانين في المسرح والتشكيل، أسهموا في تأسيس الحركة الثقافية بالامارات، والتي افرزت القصة القصيرة والرواية وغيرها من الفنون في هذه الفترة القياسية .. وهذه مسألة مألوفة في تاريخ الثقافة العربية والإسلامية حيث ان المثقفين العرب منذ القدم، كانوا يضعون بصماتهم الثقافية ليس في مساقط رؤوسهم ولا في بيئاتهم المحلية فقط، بل كانوا ينقلونها إلى بيئات ثقافية أخرى على نحو مؤثر وفاعل .. فمثلاً مثقفو القاهرة في عصور مختلفة بعد الإسلام نجد تأثيراتهم في بغداد وفي دمشق وفي المغرب والعكس وكذلك مثقفو بغداد والبصرة نجد تأثيراتهم في الساحات الثقافية في الخليج العربي، والقاهرة ودمشق واليمن .. وهكذا، وغالباً ما يأتي هذا التأثير بسبب إنتقالهم بشخوصهم من منطقة لأخرى، أو من خلال تلامذتهم .. اذن فمسألة التأثير الثقافي المتبادل قديمة وموجودة حتى اللحظة، إما بشكل مباشر، وذلك بإنتقال المثقفين العرب وهجرتهم من مكان لآخر، أو بالاتصال الثقافي الحديث من خلال الكتب وأجهزة الاعلام وغيرها .. غير أننا (نجد في بعض الدراسات ميلاً واضحاً لتناول أدب البيئة منعزلة عن الاطار في بيئة أخرى، والعيب هنا يتمثل في عزل ادب البيئة المدروسة عن أدب البيئات الاخرى مما يحول دون الوقوف على جذور الظواهر والتيارات خارج البيئة المدروسة.
ولو أمعنا النظر في دراسة الادب في هذه البيئة، لوجدنا تفاعل أدباء من بيئات شتى في صنع الحركة الأدبية في هذه البيئة، وسنلم بلمحات عن هذا التفاعل الفني بين أدباء من بيئات شتى. لذا فان أدب هذه البيئة ليس ملكاً خالصاً لها وإن نسب إليها، وليس من صنع أبنائها وحدهم وان تم بمعاصرتهم ووجودهم ولكنه مزيج إسهامات عربية متنوعة.
في مصر مثلاً، نشأ أدب عربي ناهض في أواخر القرن التاسع عشر، ونقول أنه أدبي عربي في مصر، وليس أدباً مصريا، وليس في هذا أي مساس بقيمة العطاء المصري في هذا الادب، بل إقرار بحقيقة التفاعل الادبي بين البيئات في مناخ كان أكثر استعدادا من غيره لاحتضان العطاء العربي الادبي، فهو أدب عربي تحت سماء مصر وفوق ارضها، أسهم في نهضته أدباء عرب مصريون وغير مصريين).
من المتفق عليه، ان أول مجموعة قصصية صدرت في الامارات، هي لعبدالله صقر بعنوان (الخشبة)، وقد صدرت في نوفمبر 1974 في دبي، وقد كتبت قصصها بين الفترة 10/10/1974 و 20/5/1975 كما تشير التواريخ المذيلة بها قصص المجموعة. (لكن هذه المجموعة لم تصل إلى القارئ حتى الآن فقد صودرت أو أحرقت لأن موضوعاتها دارت حول الانكليز بشكل عنيف).
ولكن هناك تواريخ ملحقة بقصص مفردة لبعض كتاب القصة القصيرة في الامارات قبل عام 1975، فهناك قصة (الرحيل) لشيخة الناخي مؤرخة عام 1970.
وهذا يعني أنها أول قصة إماراتية. وهناك قصة (ذكريات وأماني) لمظفر حاج مظفر كتبت عام 1971. وقصة (ضحية الطمع) لعلي عبيد علي كتبت عام 1972 لكن تعذر معرفة ان كانت هذه تواريخ أول نشر لها يتم ام هي تواريخ متعلقة بزمن كتابة هذه القصص.
إجمالاً، يمكن التأكيد بان الإنطلاقة الاولى للقصة القصيرة في الامارات قد بدأت بعد 1970 وظلت القصص التي كتبت بعد هذا العام تحاول بصبر نسج خيوط تأسيسها الفني.
وقد أخذت القصة القصيرة دفعة قوية بعد عام 1979، حيث ان هذا العام كان (بداية مرحلة ثقافية واجتماعية جديدة لازال عطاؤها مستمراً إلى الان) في الامارات.
فما بعد هذا العام، سارت القصة القصيرة في الامارات في طريق التطور السريع، في عمليات تأسيسها الفني، كما تغير هذا التطور بإنتاجه الكمي الكبير مقارنة بفترة السبعينات، حيث كان الانتاج القصصي بمجموعه ضئيلاً، بل يعد على الاصابع، في حين تراه في الثمانينات قد أخذ زخماً كمياً ملموساً، إذ صدر العديد من المجموعات القصصية، ونشرت عشرات القصص القصيرة في الصحف والمجلات المحلية وقد حمل هذا الانتاج الوفير، قصصا متميزة بتطورها الفني عن قصص السبعينات والذي أعلن بجدارة ميلاد كتاب قصة قصيرة بالامارات.
في حين، كان معظم الانتاج القصصي في فترة السبعينات بتأرجح بين الخواطر الأدبية المشحونة بالعاطفة المتأججة، وبين البحث عن صيغ فنية ترتكز عليها وهذه مسألة طبيعية. فالبدايات لابد ان تحمل معها قدرا من السذاجة والتسطح والفجاجة.
كذلك بامكاننا رصد ملاحظة ونحن نتصفح أسماء القصاصين في فترة السبعينات .. وهي إنقطاع بعضها عن مواصلة الكتابة في فترة الثمانينات، وهي التي تعتبر فترة العطاء الفني التأسيسي للقصة القصيرة، وإذا علمنا ان إصدار كلنا .. كلنا نحن البحر) الذي سبق ذكره .. قد ضم 26 (ستة وعشرين قاصاً) .. وهناك أسماء أخرى دخلت ساحة الكتابة فيما بعد، فهذا يعني انه عدد كبير وينظر إليه بشيء من الريبة. فسهولة النشر في الصحف المحلية وبالذات خلال الثمانينات، دون التدقيق في فنية هذه القصص، قد عمدت أسماء ليست قليلة في تلك الحالة، وهي سلبية جاءت من التساهل الذي رافق مرحلة التأسيس وسيأتي وقت بكل تأكيد، ينتهي فيه هذا التسامح مع عدد من الاسماء مالم يطوروا أنفسهم، أو ينسحبوا من تلقاء انفسهم من ساحة الكتابة حين يدركون أنهم لن يستطيعوا الصمود في هذه الساحة، كما ستنتهي تلك السهولة في النشر التي اقترنت بمرحلة التأسيس .. هذه القضية. أجل ستكون إحدى المهمات الشاقة للنقد.
وقد جاء في توصية لمؤتمر نقدي، ما يبشر بالمرحلة القادمة، المتجاوزة لسلبيات كثيرة في ساحة الكتابة القصصية خلال العقدين الماضيين (لاحظ المنتدون ان واقع الكتابات القصصية والروائية ما يزال في مرحلة التأسيس وان لم ينف هذا تنامي أصوات جديرة بالتقدير والمتابعة النقدية والتحفيز) كما (لا يدعي اتحاد الكتاب والادباء في دولة الإمارات العربية المتحدة ان هناك قصة ناضجة في الساحة المحلية كشكل من أشكال التعبير الفني، ولكنه في الوقت نفسه، لا يتردد عن الاعلان ان هناك مشروعاً قصصياً آخذاً في النمو والتبلور، محاولاً ان يكرس نفسه ليحظى من ثم بالحضور الكثيف والفاعل في الحياة الادبية والثقافية في الدولة).
والصحيح ان هذا المشروع القصصي، تتضح معالمه شيئاً فشيئاً من خلال عدد من الكتاب عملوا بصبر على تطوير أدواتهم الفنية والمعرفية وإكسابها الخبرة والمهارة المطلوبتين لفن القصة القصيرة .. وهو ما سنحاول ان نتلمسه في الشكل الفني (شخصية وتقنية) والمضمون والدلالة الاجتماعية (البحر والنفط والمرأة) لهذا المشروع القصصي.

رابط المقال ::: http://www.alamuae.com/uae/showtopics-886.html
دولة الإمارات العربية المتحدة
http://www.alamuae.com/uae