لغة الشعر النبطي
أن لكل لغة طابعاً خاصاً وصفات تتصف بها سواء أكانت هذه الصفات صالحة تعين اللغة
على بلوغ أغراضها باستمرار أم كانت غير ذلك، وإن بين كل لغة وأصحابها تشابهاً
وتوافقاً، فقد نشأت معهم وتقلبت على مر الأيام واختلاف صورفها وانعكست على مفرداتها
وتراكيبها صورة مفاهيمهم وتصوراتهم وانبسطت مفرداتها عل مدى الأفق الذي انبسطت فيه
تلك الأمة ضيقاً واتساعاً حتى تكاد تعرف طبائع الأمة وخصالها في لحن كلامها ونبرات
أصواتها وجرس حديثها .
و الشاعر النبطي راشد النحلاوي الذي يضرب في أعماق تاريخ الشعر النبطي بجذوره » ق 9
هـ « يضع لنا – في أشعاره التي حفظت من الضياع – تعريفاً جيداً للشعر النبطي ولغته
حين يقول : در نفيس منتقى كل منتقي كالدانة الصفراء لدى الرأي ناجية وقد كان
للشعراء الخليجيين الذين نظموا الشعر في مطلع هذا اقرن الفضل في بداية النهضة
الأدبية الجديدة في منطقة الخليج العربي، وبالرغم من طغيان شعر المناسبات على
إنتاجهم إلا أن هذا الإنتاج الآن كله مكرس للدعوى إلى تسخير الأدب في سبيل خدمة
المجتمع والعمل على النهوض بأوضاعه ، وحثه على العلم وإنشاء دور التعليم والمدارس
وبناء الجمعيات الخيرية، ومن هنا نجد أن النقاد الخليجيين قد اتجهوا بدورهم هذه
الوجهة، واصبح الشاعر الحق هو الذي ترتفع دعوته للإصلاح والنهضة، وبالفعل فإننا
عندما نلقي نظرة على دوواين الشعراء الرواد نجد أنها تغص بأشعار المنابات كافتتاح
المدارس والجمعيات الخيرية والنوادي الاجتماعية والثقافية، أو الترحيب بأديب أ مصلح
عربي زار المنطقة، أو نظم القصائد في المناسبات الدينية وغيرها، ولعل أبرز الشعراء
الخليجيين الذين كانوا رواد هذا اللون من الشعر ونبغوا فيه نبوغاً واضحاً : في أبو
ظبي : الهاملي – بوملحا – جوهر الصايغ.
في دبي : خلفان بن يدعوه - بن حميد – بن زنيد.
في الشارقة : المطروشي – بوسنيده .
في الحيرة : سالم بن علي العويس .
في عجمان : راشد بن سالم الخضر.
في أم القيوين : راشد بن مكتوم .
وللسيد سعيد سليمان أبو عاذرة كتاب قيم عن الشعر الشعبي تناول فيه اثر الشعر في
القبيلة وأغراض الشعر الشعبي ثم أوزان وقوافي وأنواع القصائد عند شعراء البادية .
وعن أثر الشعر في القبيلة كتب يقول : إن للشاعر مكانة خاصة في القبيلة فهو أحد
أركانا، والقبيلة تكرم شاعرها وتضعه في المجلس المناسب ويؤخذ رأيه في الكثير من
الأمور ويعود تقدير القبيلة لشاعرها بما يقرضه من شعر ، فخراً لقبيلته وهجوا
لأعدائها ومدح من هو أهل للمدح . ويزداد الاحترام والتقدير للشاعر من قبل القبيلة
إذا وجدوا في شعره النهج القومي أو بالأصح النهج القبلي، أي إذا كان جل ما يهتم به
هو مدح قبيلته ومدح أبطالها الذين ابدوا شجاعة في الحروب، فأنقذوا قبيلتهم من غزو
قبيلة أخرى، أو عندما يهجو الشاعر قبيلة أخرى تعاديهم وقد تكون معهم في حالة حرب،
فهذا الشعر له أثر كبير في رفع الروح المعنوية للمقاتلين فكان بمثابة وزارة إعلام
وتوجيه معنوي، هذا النوع من الشعر والشعراء كانوا يحظون بالمنزلة الأولى لدى
القبيلة .
ومن الشعراء من يجيد في شعر الغزل ويكون هذا النهج جل اهتمامه وشاغله، ولهذا النوع
من الشعراء تقدير وتقديم في مجالس السمر والطرب الترفيه، هذا إذا كان شعر الشاعر
عفيفاً ملتزماً بالتقاليد والعادات، إذ قد يحتقر الشاعر وقد يسبب لنفسه الأذى إذا
تعدى حدوده، كأن يصل به الحد إلى ذكر الأسماء فيمن يتغزل بهن أو قد يطلق للسانه
لاعنان في الوصف الفاضح الذي يتعدى حدود الآداب العامة .
ومن الشعراء من يلتزم بالشعر الديني والوعظ والنصح ولهذا الشعر وشعرائه احترام
وتقدير عند الجميع.
أما شعر المدح كأن يمدح الشاعر رجلاً أو شيخاً من قبيلته أو من قبيلة أخرى، فيتم
تقدير الشاعر لنوعية قصيدته، والهدف منها ، فإذا كانت ثناء على بطولة وموقف رجولي
أو موقف إنساني أو مكرمة فإن القصيدة وقائلها يوضعان محل احترام وتقدير، أما إذا
كان الهدف من المدح هو طلب مادي فإن التقدير والاهتمام بهما يقل.
وهناك شعراء المراسلات والمبارزة بين الشعراء في القبيلة الواحدة أو بين شعراء من
قبيلتين، فإذا كان مراسلة فقط كأن يرسل شاعر بقصيدة لشاعر آخر وكانت القصيدة نقية
من هجاء أو تعريض بالشاعر الآخر والهدف منها إعلامهم بأحوال الشاعر ووصف حياته فإن
الرد يأتي عادة على نفس الموضوع ، وكثيراً ما يأتي على نفس القافية، وأما إذا كان
الهدف هو المبارزة فإن الرسائل تأخذ بين الشعراء أياماً وشهوراً أو ربما سنين، وهم
يتبادلون الرسائل بالشعر والألغاز، وكل يظهر مقدرته على صياغة الشعر حتى يعترف
أحدهم بقوة شعر الآخر أو يحكم بينهم شاعر آخر ويوقف مراسلاتهم إذ قد تقوم في
النهاية إلى العداء بينهم .
ومن الشعراء من يقول الشعر لنفسه كأن يمدح نفسه أو يمدح أناساً لا يستحقون المدح،
ولهذا غرض خاص عند الشاعر، وهذا النوع من الشعر لا يقام له وزن عند البدو، بل قد
يتخذ كنوع من سخريات الأمور، وأحاديث المجالس للتفكه والازدراء، وإذا كان نهج
الشاعر كله أو معظمه على هذا المنوال فإنه لا يقام أي اعتبار لمثل هذا الشاعر.
وعموماً فإن الشعر يعبر أيضاً عن الاتجاه السياسي للقبيلة حيث كانت القبائل ترصد
أشعار القبائل الأخرى لتقف على آخر ميولها ونواياها، فإذا كان الشعر عند شعرا قبيلة
ما ، فيه هجاء لقبيلة أخرى أو توعد لها أو تحذير لهم من نزول مناطق لها ، فإن تلك
القبيلة تأخذ جذورها أو قد تعد العدة وتأخذ الحذر من تلك القبيلة خوفاً من غزو
مفاجئ .