سالم بن علي العويس
هو : سالم بن علي بن ناصر العويس
وليد في بلدة الحيرة عام 1307 هجرية 1877 ميلادية ، تلك البلدة الواقعة بين إمارتي
والشارقة وعجمان التابعتين لدولة الإمارات العربية المتحدة ، ونشأ في بلدة الحمرية
التي وفد إليها من نجد في تلك الفترة شيخان جليلان هما الشيخ عبد الصمد والشيخ عبد
الوهاب ابنا عبد العزيز بن عبد الله التميمي .
وعلى يديهما تتلمذ شاعرنا مع غيره من طلاب البلدة. وكانت اهمد المواد التي تدرس في
تلك الحقبة من الزمن القرآن الكريم والحساب والكتابة ويقول العالم الأديب المرحوم
الشيخ مبارك بن سيف الناخي الصديق الحميم للشاعر أن للطالب سالم بن علي العويس كان
الأول دائماً على أقرانه وعريفاً عليه في الصف .
وقد بدأ الشاعر سالم بن علي العويس قول الشعر وكتابته وهو فتى لا يتجاوز السادسة
عشرة من عمره، وكان شغوفاً بالمطالعة في وقت كانت الكتب والمجلات لا يصل منها إلى
المنطقة إلا النـزر اليسير، وكان مشتركاً في مجلة \" الفتح \" التي تصدر في القاهرة
عن دار المكتبة لصاحبها محب الدين الخطيب ، وكانت تصل إلى المنطقة بعد ثلاثة أو
أربعة أشهر من صدورها عن طريق البصرة في العراق. كما كان مشتركاً في مجلة \" أم
القرى \" وتصدر في مكة المكرمة ، وكان القرآن الكريم المصدر الرئيسي لشعره معنى
ومفردات .
عاد الشاعر إلى الحيرة مرة أخرى واشتغل بتجارة اللؤلؤ ثم استقر في دبي وهناك عمل
بالتجارة وكان الحظ حليفه . وفي فترة لاحقة دخل المذياع إلى منطقة الخليج العربي
فكان بمثابة النافذة التي يطل منها الشاعر على العامل ، يرصد أخباره ويتفاعل مع
أحداثه شعراً وشعوراً .
ويقول عبد العزيز بن ناصر العويس أن شاعرنا سالم بن علي العويس قد عاصر بداية
انحسار المد الاستعماري عن الأقطار العربية، وعاصر أيضا اندلاع الثورة العربية ضد
الاستعمار وكان واحداً من شعرائها ، وخاصة تلك التي قادها رائد الحرية المرحوم جمال
عبد الناصر، الذي مجده الشاعر وافتخر به كثيراً، لأن ثورة الثالث والعشرين من يوليو
– تموز 1952 تعتبر في نظره ولادة لتحرر الأمة العربية ، والعشر الذي يواكب ولادة
الأمة هو الذي يكتب له البقاء
. إن البعد القومي والرؤيا في قراءة المستقبل تتجلى لدى شاعرنا في كثير من قصائده،
مثالاً على ذلك نورد البيت التالي من قصيدة له وردت في الديوان : فلا اعتراف ولا
سلم بعد أن سقطت بعد النشوب ليوم الحرب تيجان توفي الشاعر عام 1959 ميلادية في
مدينة الشارقة التي انتقل إليها قبيل وفاته حيث يسكن أبناؤه وغالبية عشيرته .
وقد ابرز الكتاب الذي أصدره اتحاد كتاب وأدباء الإمارات عن هذا الشاعر الكبير معظم
ما كتبه بشكل شبه كامل حيث قام الكاتب عبد الإله عبد القادر بجمع وإعداد كافة
الدراسات والوثائق التي قدمت في الاحتفال بمئوية العويس بشكل يساعد على تكوين صورة
عن هذا الشاعر.
وعندما نقرأ الكتاب نتوقف عند أشهر شعر البدايات في حياة سالم بن علي العويس ومنها
قصيدة مطولة حول الخلافات والمنازعات بين طرفين في الشارقة والحمرية يقول فيها: هات
بعتاب وفصل عويه رقاب حمرا عليها شاعب ومشعاب ثم يواصل نظم الشعر النبطي خلال
إقامته في الحمرية التي استمرت 35 عاماً انتقل بعدها إلى مسقط رأسه في الحيرة حيث
عاش 17 سنة تطورت خلاله قدراته الشعرية بشكل عظيم وكأن مجلسه الأدبي ظاهرة حضارية
ثقافية .
وقراءة أشعاره ، تقدم لنا شاعراً قومياً ينظم مرثية في سعد زغلول تثير الدهشة حول
اهتمام الرجل مبكراً بمصر ، وكذلك نفس الشيء في اهتمامه بالمغرب العربي كله ، يقول
في رئاء سعد : ما فقد زغلول خطب يستهان به فابعث بكل بلاد منك زغلولا لاحت له مصراً
أحزاناً مقطعة فضمها قوة واستأصل القيلا لا يوقظ الشعب إلا ما جد ثقة فتى يعد قرين
الظلم مسئولا هذا الحس القومي يبغ ذروته لدى الشاعر أو كما يقول الكاتب عبد اللطيف
الزبيدي : يقينا أننا لا مجد شاعراً خليجياً في النص الأول من القرن العشرين تناول
للقضايا القومية العربية بالغزارة سالم بن علي العويس ، إذ تكاد لا تخلو قصيدة له
من هذه المضامين ، ومن مواصلة الرحلة مع حياة الشاعر الكبير نكتشف أنه وجد حلمه
القومي والبطولي متجسداً في جمال عبد الناصر مشيراً له بالزعيم : هي الوحدة الكبرى
\" تراث الأكابر\" وقل لي آمنت أم غير قادر ولا \" زعيم \" لا يجادل رأيه حكمت على
أحلامنا بالخسائر ولكنني مهما تمنيت لا أري سوى النجح أن النجح حظ المصاير ومما
علمنا من سلوك \" زعيمنا \" هو الصبر حتى اليأس من كل صابر إن حياة سالم بن سلطان
العويس قصة شاعر عظيم جسد الحلم والأمل على ضفاف الخليج
. وليس عجيباً أن الشاعرين سالم بن علي العويس الذي احتفل بمئويته في عام 1987،
وسلطان بن علي العويس صاحب جائزة سلطان بن علي العويس الثقافية وأحد الذين لهم فضل
في تنشيط الجو الثقافي والفكري في المنطقة من عائلة واحدة إذ رغم الفارق الزمني بين
الشاعرين \" ولد سالم عام 1887 بينما ولد سلطان عام 1925 \" فإنهما يلتقيان في أكثر
من نقطة فكلاهما كما يقول عبد الإله عبد القادر – تاجر لؤلؤ ، وكلاهما لم يجر وراء
المال لجمعه فحسب ، ولم ينسيا إنسانيتهما وانتماءهما الوطني والقومي ، بل أنهما
استطاعا من خلال مساهماتهما الشعرية تكيد الجذور الحضارية لدولة الإمارات ، وإن هذه
المنطقة ليس ارض للإبداعات الإنسانية المتعددة ، ورغم أنهما عاشا زمن العزلة
القسرية لهذه الأرض إلا أنهما استطاعا كسر هذه العزلة إلى آفاق أكثر رحابة واتساعاً
، وأن يتوصلا بشعرهما مع القصيدة الكلاسيكية العروضية بل أن سلطان العويس ينتقل بها
حتى عصر القصيدة المنثورة ليقف بها إلى جانب كل أنواع الحداثة الشعرية ونجدها حية
عبر صياغته المعاصرة جداً لهذه القصيدة العروضية ، إن الحديث عن فقدان الأمة
العربية لشاعر عروضي يدحض تماماً من خلال القصيدة \" العويسية \" إن جاز التعبير
مجازاً .
وكلا الشاعرين \" سالم وسلطان \" يلتقيان في كونهما ينتميان إلى عائلة عرفت الشعر
والأدب منذ سنين طويلة ، كان أحد أعلامها الشاعر النبطي علي العويس – والد سالم –
فقد عرف بشعره النبطي وإبداعاته من خلال مساهمات عديدة، وقد تأثرا بلا شك بهذه
العلاقة التي تفشت في العائلة ، وورثا الملكية الشعرية الفنية في معانيها وأساليبها
، بل أن كلا الشاعرين تعلم في الكتاتيب، ولكنهما تجاوزا ثقافتهما كل مراحل التعليم
فوصلا بشعرهما إلى مستوى عال جداً من الثقافة والعلم والمعرفة وظهر ذلك جلياً في
شعرهما والمفاهيم التي طرحاها من خلال قصائدهما.
يقول سالم بن علي العويس : تباعد عن حمل السلاح جهادي ولست لنفسي بالسلامة فادي ولا
الموت في ظل السيوف لمنيتي وتلك ولو يدري الجهول مرادي حياة لدى الرب الكريم كريمة
لخير كثيراً من جهاد عوادي بينما يقول سلطان العويس : بيروت يا جنة الخلان كيف لنا
أن نثنى الدمع من أن يملأ الحدقا والحب يطعن في الوادي ومديته الأقربون وكل يدعى
الخلقا عودي ربيعاً كما كنت وارفة وانس الشتاء الذي اسقط الورقا وكلا الشاعرين أيضا
أسير القصيدة الكلاسيكية ، بل أنهما يشكلان جزءاً من هذه المدرسة العربية متأثرين
تماماً بإنجازات المبدعين فيها ، والذين عاشوا في النصف الأول من القرن الحالي بل
وأضافا كثيراً لها كمبدعين لا مقلدين لهذه المدرسة وأعلامها ، بل أنهما علمان
بارزان فيها ، رغم أن سلطان بحكم الزمن الذي تأصل بعد رحيل معظم أعلامها قد تأثر
كثيراً بمفاهيم المدارس الحديثة خاصة في المفردات التي طرحها في شعره والألفاظ التي
يختارها والأوزان التي يصوغ بها ، والأغراض الشعرية التي كتب فيها.
وفي باب المقارنة بين الشاعرين فرغم النقاط العديدة التي يلتقيان بها إلا أن سالما
امتاز في معظم ما كتبه بالاتجاه نحو الحكمة والفلسفة والأغراض القومية والوطنية، بل
أن هاجسه الأساسي كان الهم القومي و الإسلامي والإنساني ، فكانت معظم قصائده تترجم
هذا الهم وتصب فيه، حتى لتعجز أن تجد شاعراً عاش في النصف الأول من هذا القرن يوازي
سالم بن علي العويس في هذا الهم الواعي ويواكبه. أما \" سلطان بن علي العويس \" فإن
معظم قصائده اتجهت نحو الحس الوجداني ورغم كتابته للقصيدة الوطنية والقومية إلا
أنها لا تشكل ثقلاً كبيراً في إنتاجه الشعري ، بل حينما تطالع ديوانه أو القصائد
المنشورة في المجلات والصحف الخليجية تجده شاعراً لا يكتب إلا في الحب والمرأة .
أرى الحب يا ليلى بيلي ومهجي فإن شاء أن يعطي وإن شاء يمنع وهو ينتقل بالقصيدة
الغزلية إلى عوالم مترفعة جداً من الغزل ، عوالم من التسامي بالحب حتى يصل به
الذروة ، ويقف دائماً إلى جانب عمالقة شعراء الغزل لا في التراث العربي فحسب، بل هو
في مقدمة المعاصرين منهم أيضاً ، ولعل ما يجعلنا ننحاز إلى هذا السمو في القصيدة
الغزلية عند سلطان هو تجاوزه الستين من العمر إلا أنه يكتب شعراً غزلياً يمس شغاف
القلب حتى يكاد يمس اللب من ، رفيقاً تحس بأنه ينتقي الألفاظ فيصوغها غزلاً .
ولا عجب فتاجر اللؤلؤ أعرف باختيار الكلمات ، أنه خبير في الربط بين قلادات اللؤلؤ
التي تزين جيد الحسان وبين كلمات تصوغ قصائد تداعب أحلام هؤلاء الحسان : ليلى وصبحى
في هواك تنافسا فالصبح وجهك والخيال له الكري يا حلوتي يا آهتي أن الهوى قد جرى
ونعمت فيها قدرا وسلطان العويس ارتبط بالقصيدة العربية فتأثر بها ، وهذا التأثر جاء
طبيعياً من خلال قراءات وبحثه ، فنجده أحياناً متأثراً بالمعري.
فدع ليلاك يغلبها المعري وقل لي ما حبابة من يزيد وتجده أحياناً متأثراً بأبي نواس
حيث نجد كثيراً من صوره الشعري تماماً ، والشاعر سلطان العويس إن كان قد امتاز
بغزله السامي ، والتغني بجمالية المرأة وأطرأ هذا التميز بأسلوب فخم وبناء جيد في
القصيدة، فهو أيضا كتب في أغراض عديدة أخرى، خرجت عن هذا الإطار وأكد اندماجه
الإنساني ، القومي الوطني، فكتب عن لبنان في محنته ، مؤكداً هذا الانتماء من خلال
عدة قصائد اتخذت مسارات متعددة .
والشاعر سلطان بن علي العويس على قدرته الشعرية التي أكدها من خلال قصيدته العروضية
ومتانة بناءها فهو أيضا إلى درجة كبيرة – كما يقول عنه الأستاذ عبد الغفار حسين في
بعض ما كتب عنه أنه التاجر الذي استهواه الشعر أكثر مما استهوته التجارة ولكن هذه
الهواية الشعرية لم تدفعه أيضا إلى تجميع قصائده وإصدارها في ديوان ، لولا مبادرة
الأستاذ حمد بوشهاب في جمع ديوانه الأول لما كان بين يدي القارئ شيء من شعر سلطان
العويس .