تحالف بني ياس والقواسم
على الرغم من عدم ارتباط تجمع بني ياس والقواسم فيما بينهما، إلا أن وحدة الظروف
الخارجية التي كانت تهم كلاً منهما بالإضافة إلى المصالح المشتركة لهما، حتمت في
كثير من الأحيان قيام علاقات المودة وحسن الجوار بينهما وأصبحا بذلك النواة الأولى
للإمارات العربية المتحدة.
وبعد انسحاب البرتغال اشتدت الهجمات الاستعمارية العالمية التي لم تترك المنطقة إلى
شأنها، وسارعت إليها هولندا وفرنسا وبريطانيا وتصارعت هذه القوى من أجل السيطرة
عليها إلى أن تمت في النهاية السيطرة لبريطانيا التي ثبتت أقدامها في الخليج، رغم
المقاومة الباسلة التي واجهتها، والتي جعلتها في كثير من الأحيان تدك بمدافع
أساطيلها المدن العربية على الساحل كما فعلت في جلفار «رأس الخيمة» وخورفكان، وكان
أبرز رؤوس المقاومة للمستعمرين يتمثل في القواسم في جلفار، وفي حلف بني ياس في أبو
ظبي، وآل بوفلاح في دبي.
وقد أزعجت المقاومة بريطانيا الأمر الذي دفعها إلى تجريد أسطول ضخم لإخضاع المنطقة.
ففي الثالث عشر من نوفمبر 1809 وجهت بريطانيا أسطولاً هاجم رأس الخيمة تحت غطاء من
المدفعية التي سلطتها السفن على المدينة وأحرقت نحو 60 مركباً وقسماً من منازل
المدينة، غير أن تلك القوة لم تتمكن من تحقيق أهدافها السياسية أخفقت حملة ثانية في
قهر القواسم أيما إخفاق، فنظمت حملة ثالثة بقيادة السير وليام غرانت كير في ديسمبر
من عام 1819، ودارت معارك ضارية انتهت باحتلال القوات البريطانية مدينة رأس الخيمة
فدخلتها ودمرت قلعة المدينة في الثالث عشر من ديسمبر من السنة نفسها.
وباحتلال رأس الخيمة هيمنت بريطانيا تماماً على مياه الخليج وكانت آخر انتفاضة
للقوى العربية قيام قبيلة بني ياس بمهاجمة وتدمير طراد بريطاني، في حركة انتقامية
سنة 1834. لجأت بريطانيا بعدها إلى إبرام مجموعة من الاتفاقيات لتوطيد وجودها في
المنطقة كانت أولاها سنة 1820. واستهدفت ضمان حرية الملاحة في الخليج.
وقد نصت معاهدة 1820 على تعهد الرؤساء بإبقاء السلام في البر والبحر، وأن يستخدم
العرب الموقعين على المعاهدة علماً أبيض يخترقه لون أحمر، وأكدت الحكومة البريطانية
بأنها لن تتدخل في الخلافات المحلية، ولكنها أجازت لنفسها حق التفتيش والرقابة على
السفن العربية.
وقد أعقبت معاهدة «1820» معاهدة أخرى في العام 18345 وافق فيها شيوخ المنطقة على
عدم القيام بأية أعمال حربية خلال فترة نشاطات صيد اللؤلؤ التي تمتد ستة أشهر من كل
عام، وما لبثت بريطانيا أن بسطت نفوذها العسكري على مناطق الخليج العربي كافة، ثم
حملت شيوخ المنطقة عام 1835 على إبرام اتفاقية جديدة معها، تتعهد بموجبها بالحفاظ
على أمن الملاحة في الخليج، وصد أي عدوان خارجي على مشيخات المنطقة، تاركة الحرية
التامة للشيوخ في التصرف بشئونهم الداخلية وحل منازعاتهم الحدودية الإقليمية ، وقد
سميت هذه المعاهدة بمعاهدة «السلام البحري الدائم» التي أطلق فيها على المنطقة اسم
الساحل المتصالح.
وفي 8 مارس 1892 وقع شيوخ المنطقة معاهدة مع بريطانيا تعهدوا فيها بعدم الدخول بأي
حال من الأحوال في اتفاقية أو اتصال مع أي حكومة عدا بريطانيا، وبعدم الموافقة على
إقامة أي وكيل لأي حكومة أخرى في إماراتهم دون موافقة الحكومة البريطانية، وكذلك
بعدم التنازل أو قبول احتلال أي جزي من إماراتهم إلا للحكومة البريطانية، التي أكدت
في هذه الاتفاقية مسئوليتها عن العلاقات الخارجية للإمارات المتصالحة دون التدخل في
شئونها الداخلية.
وأوكلت الحكومة البريطانية أمور الدفاع والعلاقات الخارجية الخاصة بالخليج العربي
لشركة الهند الشرقية حتى سنة 1873، نقلت بعدها هذه المسئوليات إلى حكومة الهند
البريطانية، واستمر هذا الترتيب إلى أن استقلت الهند سنة 1947 فوقعت مسئولية ذلك
على وزارة الخارجية البريطانية، وكان لها معتمد مقيم في البحرين، ووكلاء سياسيون في
كل من دبي وأبو ظبي وقطر، قبل أن تعين سنة 1948 وكيلاً سياسياً في الشارقة، حيث
كانت القاعدة الجوية، واستمر هذا الوضع حتى كان الاستقلال عن بريطانيا سنة 1971.
ومع بداية ظهور معالم الحركات التحررية بعد الحرب العالمية الثانية، وما تبعها من
اهتمامات دولية في سبيل التخفيف من الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتخلفة لمعظم
شعوب دول العالم الثالث اضطرت الحكومة البريطانية إلى تغيير سياستها.
ففي عام 1952 أنشأت بريطانيا مجلساً لشيوخ الساحل المتصالح كان الهدف منه التنسيق
بين مواقف الشيوخ وتوحيد آرائهم إزاء بعض القضايا، وكان المجلس يجتمع بصورة دورية
كل أربعة شهور، وقد دام هذا المجلس لأكثر من 15 سنة ومع ذلك فقد كانت مساعيه محدودة.
وفي عام 1965 الحق بمجلس الإمارات المتصالحة مكتب للتطوير مهمته البحث عن مصادر
إيراد جديدة مهمته البحث عن مصادر إيراد جديدة بعد اشتداد الأزمات الاقتصادية
والركود والتدهور في أسواق اللؤلؤ، وقد توصل المكتب إلى جمع بعض المنح من إمارتي
قطر والبحرين، بالإضافة إلى المساهمة السخية التي كانت تقدمها بعض الدول العربية
الخليجية الأفضل حالاً، أما مساعدات بريطانيا فكانت محدودة للغاية، ومن إنجازات
مكتب التطوير شق بعض الطرق وتنفيذ بعض الخدمات الصحية والتعليمية ووضع برامج زراعية
ومسح مصادر المياه وإنشاء مزارع تجريبية في بعض الإمارات وتعبيد طريق بين دبي
والشارقة في عام 1966، ويمكن القول أن عبء التطوير قد وقع بالفعل على إمارة أبو ظبي
التي كان البترول قد اكتشف فقيها حديثاً مما أدى إلى رفع حصيلة مكتب التطوير.
وفي عام 1969 كان لدولة الكويت بالإمارات 43 مدرسة ومحطة إذاعة صوت الساحل في
الشارقة، ومحطة للإرسال التليفزيوني في دبي.
وقامت المملكة العربية السعودية بتنفيذ بعض المشروعات خاصة في رأس الخيمة كما تولت
عام 1967 مد الطريق من الشارقة إلى رأس الخيمة.
وفي ضوء المزيد من الاهتمام العالمي بتطوير وتنمية مناطق دول العالم الثالث قامت
بريطانيا بإعادة تنظيم مجلس الإمارات المتصالحة وزيادة مساهمتها في تمويل الصندوق
واستطاعت الإمارات التحرر من كثير من التزاماتها الخاصة بالعلاقات الخارجية
وبالانفتاح على العالم العربي، وإقامة الاتصالات المتنوعة التي أبرزت كيانها للعالم
الخارجي.
لكن التحرر الكامل من كل القيود، مع القدرة على إقامة حكم وطني كانا رهناً بحصول
الإمارات على استقلالها الكامل مع اتحادها وتضامنها معاً في صورة دولة كبيرة متحدة.