الصفحة الرئيسية
الكتب والمراجع والحقوق
عدد الأقسام : 42
عدد المقالات : 898
عدد زوار المقالات : 1692400
المتواجدين حاليا :
 
البحث فى المقالات
 
جديد المقالات
* الآبار ومواقع التنقيب وتل الفخار
* الإضافات
* المواد الأولية
* تحليل العناصر المعمارية والزخرفية
* تنفيذ خطة الترميم والصيانة
* خطة الترميم والصيانة
* تاريخ الجزيرة
* جزيرة دلما
* المقدمة
* الخلاصة
 
الصفحة الرئيسية » الطب في الإمارات » الجهود البريطانية في مكافحة وباء الجدري من عام 1934 - 1942
تاريخ الإضافة :: 14/06/2007   ||   عدد الزوار :: 663

الجهود البريطانية في مكافحة وباء الجدري من عام 1934 - 1942


وإذا كانت الخدمات الطبية التي جاءت مع بداية القرن العشرين على يد الارساليات التبشيرية – التي وفدت إلى المنطقة سواء على صورة رحلات عابرة أو منتظمة تعد بمثابة بدايات لتعرف أبناء المنطقة على الطرق العلاجية المبنية على الأسس العلمية للطب. إلا ان توقف هذه الحملات التبشيرية والطبية في آن واحد قد أوقف معها ولفترة من الزمن علاقة أبناء هذه المجتمع بالطب بمفهومه الحديث أو العلمي، هذا من جهة ومن جهة أخرى فإن الدور التبشيري لهذه الحملات قد مثل عائقا دون استفادة أبناء المنطقة بشكل أكبر من هذه الحملات أو تجاوبهم مع طرقها العلاجية، إلا من اضطر منهم لطلب العلاج لمرضه الشديد أو من كان قادرا على الفصل بين دور هذه الحملات العلاجي والتبشيري.
مما تقدم يمكن القول بأن تلك الأرساليات كانت بمثابة بدايات لم تتصل، وجاءت البدايات من جديد منذ العام 1934م تقريبا مع زيارة اول طبيب بريطاني وهو الدكتور (هولمز) لإمارات الساحل المتصالح كما ورد في برقية أرسلها الممثل السياسي لبريطانيا في البحرين بتاريخ 18/11/1934م. ويمكن تتبع تطور هذه البدايات من خلال المراسلات المتبادلة بني المعتمد البريطاني في البحرين إلى المقيم السياسي في المنطقة، وكذلك إلى رجال بريطانيا من ابناء المنطقة كخان صاحب حسين بن عماد ويوسف كانو الذين كان لهما دور فعال في إدراك حاجة المنطقة للخدمات الطبية وتوضيح تلك الحاجة للسلطات البريطانية ومن ثم حمل بريطانيا على توفير هذه الخدمات. وقد تمت محاولة استقراء ذلك من خلال تحليل الوثائق البريطانية المؤرخة لتلك المنطقة. وقد خلصت هذه المحاولة إلى معرفة الأسباب التي دفعت بريطانيا لإحداث بعض التطور على مستوى الخدمات الطبية وفيما يلي عرض لأهم هذه الأسباب :



رسالة من الشيخ شخبوط بن سلطان حاكم ابوظبي إلى المقيم السياسي البريطاني
في البحرين بتاريخ 16/4/1935


السبب الاول : هو انتشار بعض الأوبئة كالجدري وإستفحاله بين أبناء الإمارات وعجزهم بسبب استخدامهم طرقهم العلاجية التقليدية عن علاج هذا الوباء الذي أودى بحياة الكثيرين منهم وعدم القدرة على الحد من إنتشاره. حيث كانت منطقة الخليج كغيرها من دول العالم قد عانت من انتشار بعض الأمراض كالجدري والكوليرا، ويسجل التاريخ انه في عام 1897م انتشر الجدري بكثرة في ساحل عمان المتصالح، وهو بذلك قد سبق وباء الكوليرا الذي انتشر في عام 1899م في سلطنة عُمان، وكان انتشار الجدري عنيفا في ذلك الوقت وقد أسفر عن هلاك حوالي 6000 شخص. وفي إبريل من عام 1900م عاد المرض إلى ساحل عمان المتصالح وتسبب – طبقا لما ورد في أحد التقارير – في حدوث ما يقرب من 500 حالة وفاة في مدينة الشارقة وحدها.



رسالة القبطان جي.أ.كول للشيخ شخبوط بن سلطان بن زايد



الشيخ شخبوط بن سلطان بن زايد حاكم إمارة ابوظبي (1928 – 1966)


السبب الثاني : هو مرض بعض الشخصيات الهامة على مستوى المنطقة كمرض بعض أفراد الأسرة الحاكمة، واستقدام أطباء من الخارج لعلاجهم وتناقل أخبار معالجتهم بين الاسر الحاكمة الأخرى مما دفع بها لمناشدة السلطات البريطانية لإستقدام نفس الطبيب لعلاج مرضاهم. كما يتضح من رسالة الشيخ شخبوط (حاكم إمارة أبوظبي السابق) المؤرخة في 8 إبريل عام 1935م يناشد فيها السلطات البريطانية بإرسال الطبيب (دام) الذي قام بمعالجة الشيخ حمد بن عيسى حاكم البحرين آنذاك. وقد تم الرد على رسالة الشيخ شخبوط السابقة الذكر، بأن الطبيب المطلوب غير متواجد في البحرين، وأنه في زيارة للسعودية. ولكن بالإمكان توفير الخدمة العلاجية اللازمة من خلال الأطباء المتواجدين على السفن البريطانية في الخليج.
كما أكدت رسالة من قبل الكابتن كول في 21 إبريل من نفس العام أي قبل الحرب العالمية الثانية تؤكد ان البواخر البريطانية في الخليج كانت تقوم بتقديم الخدمات الطبية للعرب الذين يطلبون مثل هذه الخدمات.
أما السبب الثالث : لتوفير هذه الخدمات وهو مرتبط بالسببين السابقين (أي تفشي الامراض وحاجة أبناء المنطقة للعلاج – ومرضى بعض أفراد الأسر الحاكمة وطلبها للعلاج أيضا) فيتمثل في ان وجود الحاجة الماسة لتوفير الخدمات الطبية وكونه قد أصبح مطلبا للحكام ولاهالي المنطقة في آن واحد قد يكون عاملا من عوامل الضغط على الحكومة البريطانية، وإذا لم تقم بتوفيره فقد يكون منفذا تستطيع من خلاله القوى العظمى الأخرى التي بدأت قوتها في التصاعد كالولايات المتحدة خاصة وان لها مصالح اقتصادية، وربما تزاحم بريطانيا من خلال هذا المنفذ حول عقود إمتياز النفط في الخليج. وقد استطاع رجال بريطانيا من أبناء المنطقة ومن خلال مكاتباتهم إلى المعتمد السياسي البريطاني في البحرين إقناع السلطات البريطانية بوجهة النظر السابقة، وحثها على توفير الخدمات الطبية في إمارات الخليج. كما يتضح من الرسالة التالية من السيد (يوسف كانو) القائم باعمال وكيل الدولة البريطانية في البحرين المرسلة في 7 مايو 1935م إلى المعتمد البريطاني ممثل الحكومة البريطانية (كابتن كول) يرجوه فيها ان يطلب من الحكومة البريطانية تعيين طبيب مساعد، وأن تعيينه أمر في غاية الأهمية نظرا لسوء الوضع الصحي في هذه الإمارات في تلك الفترة.
ويطلب من الحكومة البريطانية ان يكون الطبيب على درجة من الخلق والانسانية كي يستطيع جذب الناس إليه وإقناعهم بأهمية العلاج وجدواه، ولكي يترك انطباعا طيبا لدى الأهالي عن حكومة جلالة الملكة. ثم تابع رسالته السابقة برسالة أخرى في 8 مايو (أي في اليوم التالي) جاء فيها :
( إسمح لي ان أضيف لك أهمية إرسال طبيب وذلك لكون الأمريكان قد أسسوا لهم مواطئ أقدام صلبة وقوية في البحرين من خلال أطبائهم، واستطاعوا بشكل عملي جذب كل الناس إليهم، وهذا ما يؤكد أنهم من خلال أطبائهم وتعاملهم مع الناس قد نجحوا في الحصول على اتفاقيات النفط. ونحن هنا لدينا طبيب واحد، ويصعب عليه القيام بهذه الوظيفة بمفرده. ولو كان لدينا اثنان يستطيع أحدهما ان يقوم برحلة إلى المناطق المجاورة ويعالج الناس فيها ويكون على اتصال بهم، وأنا على ثقة ان هذا ما لم يفعله الأمريكان بعد. أنا قلق من استمرار الوضع على ما هو عليه فليس هناك شك أن أيديهم سوف تمتد وتمتد أكثر وبالتالي فهذه مناسبة جيدة لنا الآن ويجب علينا ان لا نضيع هذه الفرصة، وان نقوم بتعيين هذا الطبيب دون تأجيل. وأنا أتذكر أنه قبل اربعين عاما تقريبا كان هناك مقيم بريطاني وهو إما (الكولونيل كامبل) أو من كان قبله أو بعده قد تقدم برأيه بهذا الخصوص للشيخ عيسى حاكم البحرين عن دور الإرسالية التبشيرية الأمريكية، لكن رأيه لم يلاق إهتماما. وأن شخصيا – وإن كنت رجلا صغيرا في السن في ذلك الوقت ولم أكن ذو سلطة ولا وضع اقتصادي. تقدمت برأيي للقاضي بأن لا يسمح بالإرساليات الأمريكية، وحاولت جهدي أن أجعله يوافق ولكنه اعتذر ولم يعط اقتراحي أهمية. وبالتالي فإن ما قلته قبل اربعين سنة هو ماثل اليوم أمام أعيننا. وليس هناك حاجة لأن أكرر لكم أهمية وجود الطبيب. وإن ولائي لكم يدفعني بأن لا أكون صامتا أمام هذه الحوادث).
ومن الرسالتين السابقتين يتضح لنا ان رجال بريطانيا في المنطقة قد قاموا بدور كبير في دفعها لتقديم الخدمات الطبية إلى إمارات الساحل المتصالح. وذلك أمر طبيعي إذا ما أخذ في الاعتبار الدور الذي كان يقوم به هؤلاء الرجال في تلك الفترة. فقد كانوا بمثابة حلقة الوصل بين الحكومة البريطانية وبالتحديد بين ممثلها في البحرين وبين حكام وأهالي هذه الإمارات. ولذا فقد كانوا يوافونها بجميع التطورات على مستوى المنطقة، بل ويقترحون عليها ما يرونه أكثر ملاءمة لأوضاع المنطقة الإقتصادية والإجتماعية نظرا لمعايشتهم لهذه الأوضاع وإلمامهم بها.
ويمكن فهم الرسالتين السابقتين في هذا الإطار كما يمكن تفسيرها بأحد أمرين : أولهما : هو إخلاص رجال بريطانيا في المنطقة للحكومة البريطانية وسعيهم لإرضائها وتوضيح حرصهم الشديد لرعاية مصالحها.
أما التفسير الثاني فهو إحساسهم أيضا بالحاجة الماسة لأبناء هذه المنطقة للخدمة الطبية ورغبته في مساعدتهم خاصة ان هذه الرغبة لن تتعارض مع ارتباطاته المصلحية ببريطانيا بل على العكس من ذلك قد تعمل على تدعيم مكانته لدى الحكومة البريطانية.
وبعد معرفة العوامل التي وقفت وراء تقديم الخدمات الطبية لإمارات الخليج والتي كان من بينها حاجة أهالي المنطقة لهذه الخدمات نتيجة انتشار بعض الأوبئة كالجدري كما سبقت الإشارة إلى ذلك. فإنه قد يكون من المهم هنا تتبع قضية الجدري في هذه الإمارات وتأثيرها المزدوج باعتبارها قد عملت من ناحية على رفع درجة وعي الأفراد بأهمية توفر الخدمات الطبية الحديثة الكفيلة بمواجهة هذا المرض وغيره من الامراض التي عجزوا عن علاجها بما تعارفوا عليه من أساليب علاجية. وهي من ناحية أخرى (أي انتشار الامراض الخطرة كالجدري) قد عمل على دفع الحكومة البريطانية لتقديم الخدمات الطبية لهذه الإمارات.
وتبدأ القصة برسالة من الشيخ سلطان بن سالم حاكم رأس الخيمة بتاريخ 15 ديسمبر من العام 1935م يطلب فيها من حكومة جلالة الملكة إرسال طبيب لتطعيم أهالي رأس الخيمة الذي انتشر بينهم داء الجدري، موضحا استفحال المرض وفقر الأهالي الذي حال دون طلبهم للعلاج. وهذه الرسالة مدعمة برسالة اخرى من خان صاحب حسين عماد رجل الدولة البريطانية تؤكد على الحاجة الماسة لتقديم المعونة لأهالي رأس الخيمة.
وبعد هاتين الرسالتين وبالتحديد في 31 ديسمبر من عام 1935م جاء رد المعتمد البريطاني في البحرين حيث طلب ان يرسل إليه عدد الإصابات بالجدري وعدد الوفيات. وإذا كان المرض منتشرا بشدة فعليه ان يطلب من مدير المحطة الجوية البريطانية في الشارقة عزل المحطة عن المدينة قدر استطاعته، وأن يطلب من حراس المحطة الذين لم يتطعموا بعد ضد الجدري ان يسارعوا في أخذ التطعيم.



ويبلغ ان هناك 1000 جرعة تطعيم طلبت من باكستان سوف يتم إرسالها بالجو وهل يحتاجون إلى أكثر منها؟. فأرجو إبلاغنا بمن سيقوم بالتطعيم. بالنسبة للتطعيم في رأس الخيمة فإنه سوف يرسل في يناير من البصرة.
من هذه الرسالة يمكن معرفة كيف أدى انتشار وباء الجدري إلى طلب توفير العلاج اللازم (التطعيم) من السلطات البريطانية. وكيف سارعت في توفير هذه الخدمة. ولكن يتضح أيضا من هذه الرسالة مدى الخوف والحرص الشديد من قبل بريطانيا على رعاياها في المنطقة ولذا طالبت بعزل المحطة الجوية في الشارقة عن المدينة وتطعيم القائمين بالحراسة. ويتضح هذا الحرص من كون التطعيم الذي تم توفيره من باكستان والذي جاء بناء على مراسلات شيخ رأس الخيمة وخان صاحب الموضحة لحاجة الناس لهذا العلاج نظرا لإنتشار الوباء بينهم.
إلا أن هذا التطعيم خصص لإمارة الشارقة حيث توجد القاعدة الجوية البريطانية هناك. أما إمارة رأس الخيمة فسوف تمد بالعلاج بعد شهرين عن طريق البصرة. وفي تاريخ 31 ديسمبر وردت عدة مكاتبات من المعتمد البريطاني في البحرين إلى المسؤول عن المحطة الجوية البريطانية في الشارقة يطلب منه عزل المحطة عن المدينة وتطعيم جميع العاملين بها وكذلك الحراس، كما يطلب منه مدهم بعدد الإصابات والوفيات من الجدري في إمارة الشارقة. وقد وردت رسالة أخرى أيضا في نفس التاريخ من المعتمد البريطاني في البحرين إلى المقيم السياسي في بوشهر يطلب منه التأكد من عدم دخول الطبيب الذي أرسلته السلطات البريطانية للقيام بعملية التطعيم إلى منازل أهالي الإمارة إلا إذا طلب منه ذلك، حفاظا على عادات وتقاليد المجتمع.
هذه المكاتبات التي وردت بنفس التاريخ إنما تدل على أهمية هذا الموضوع (أي انتشار وباء الجدري) بالنسبة للسلطات البريطانية، وأنه كان بمثابة العامل الاول الذي حرك اهتمامها بتوفير الخدمات الطبية لإمارات الساحل.
وفي 1 يناير 1936م وردت رسالة من المقيم البريطاني في البحرين تفيد بأنه قد تم إرسال شخص إسمه (ستور) يستطيع القيام بحملة التلقيح ويوصي بأن يقوم بالمهمة لمدة أسبوع.
كما جاءت رسالة أخرى مؤرخة في 1 يناير 1936م من المعتمد السياسي البريطاني في البحرين إلى المسؤول الطبي في القاعدة الجوية في الشارقة تفيد بقيام الدكتور (هولمز) – المسؤول الطبي بمستشفى فكتوريا – بعملية التطعيم في الإمارات المتصالحة في عام 1934م حيث رافق المعتمد البريطاني في الشارقة، وقام بتطعيم 13 شخصا في إمارة الشارقة، و229 شخصا في إمارة دبي و66 شخصا في إمارة ابوظبي.



كما قام في نفس الفترة بتطعيم 37 شخصا من حراس القاعدة الجوية بالشارقة و4 أشخاص من طاقم القاعدة. وكثيرا ما كانوا يقومون بالتطعيم بواسطة الفاكسين الذي يرسل لهم من كراتشي. وقد جاء في هذه الرسالة أيضا ما هو جدير بالذكر وهو ان الشيخ حشر بن مكتوم أخ الحاكم نفسه قد تدرب على عملية التطعيم وقد كانت السلطات البريطانية توفر له التطعيم ويقوم بالعملية بنفسه. كما ورد في هذه الرسالة ان الرفض الديني للتطعيم قد إختفى في الغالب بين أهالي المنطقة. والصعوبة التي لا زالت قائمة هي اعتقاد البعض بأن التطعيم قد يكون في حد ذاته عاملا من عوامل نقل العدوى أو المتسبب في انتشار هذا المرض من شخص لآخر. كما ورد في هذه الرسالة ايضا ان أهالي إمارة دبي كانوا يقومون بعزل المريض حتى لا تنتقل العدوى إلى أفراد أسرته.
من الرسالة السابقة يمكن استخلاص بعض المؤشرات المتصلة بتطور الخدمات العلاجية وكذلك المرتبطة بتطور الوعي الصحي لدى أبناء المنطقة. ومن هذه المؤشرات ما يلي :
أ- إقبال الناس المتزايد وطلبهم للتطعيم واختفاء الرفض أو المقاومة الدينية – كما جاء في هذه الرسالة – ضد عملية التطعيم. وربما يقصد بهذه المقاومة ان أهالي المنطقة المتدينين كانوا ينظرون إلى المرض احيانا بأنه ابتلاء من الله سبحانه وتعالى وعليهم الصبر والقبول به. وقد يكون هذا الرفض ناتج عن رفض السيدات لعملية التطعيم باعتبار ان المطعم شخص غريب.
وقد يكون البعض قد رفض أخذ العلاج لكون المطعم شخص غير مسلم أي أنه (مسيحي) وهم لذلك في ريبة من أمره. ومع كل هذه المبررات المختلفة خاصة في حالة تدني مستوى التعليم والوعي الصحي في ذلك الوقت إلا أن الموقف من عملية التطعيم قد تغير وبدأ الناس يقبلون عليه بل ويشاركون في القيام بعملية التطعيم.



ب- قد يكون الاعتقاد لدى البعض بأن التطعيم يعد عاملا من عوامل انتشار المرض ناتجا من قصور الوعي الصحي لدى بعض أبناء هذه المنطقة وعجزهم عن فهم تأثير عملية التطعيم ودورها في الحيلولة دون إنتقال المرض من شخص إلى آخر. وهذا اعتقاد يمكن فهمه وقبوله في ضوء معرفة تأثير الاستخدام الخاطئ للحقن الملوثة في نقل بعض الامراض. غير ان هذا الاعتقاد الخاطئ لدى بعض أبناء المنطقة وإن دل على تدني الوعي الصحي بأهمية التطعيم وتأثيره فهو من ناحية اخرى يعد مؤشرا من مؤشرات الوعي الصحي في الوقت ذاته إذ هو وعي بتأثير الحقن وأي من الادوات الطبية المستخدمة في العلاج – في حالة تلوثها – في نقل الأمراض وانتشارها.
جـ- ومما يؤكد وجود درجة عالية نسبيا من الوعي الصحي لدى أبناء المنطقة هو قيامهم بعزل المريض عند بداية ظهور أعراض المرض عليه للحيلولة دون انتشار المرض بين أفراد أسرته والمحيطين به وهو أسلوب وقائي متطورا.
وفي رسالة من خان صاحب بن حسين عماد رجل الدولة البريطانية بتاريخ 5 يناير 1936م تفيد بوصول (1000) جرعة من الفاكسين من كراتشي، ووصول (ستور) الشخص الذي سيقوم بعملية التطعيم في 2 يناير. كما تؤكد هذه الرسالة أيضا تجاوب أبناء المنطقة وإقبالهم المتزايد على التطعيم بل ومساهمتهم بالقيام بعملية التطعيم ذاتها.



إذ ورد في الرسالة أنه قد تم تسليم بعض هذه الجرعات إلى الشيخ سعيد بن مكتوم حاكم دبي الذي أمر أخاه وابن عمه جمعة بن ثاني وأحد رجاله الذين تدربوا على عملية التطعيم بأخذ هذه الجرعات والقيام بتطعيم أبناء الإمارة. وقد قاموا بذلك بالفعل وهم يوجهون الشكر للحكومة البريطانية. كما ورد في الرسالة ايضا ان شيخ رأس الخيمة سلطان بن سالم القاسمي قد خصص إثنين من رجاله وهما السيد جاسم بن كلبان والسيد محمد بن عبد العزيز ليتدربوا على يد (ستور) ويقوموا بعملية التطعيم في حالة غيابه.
وفي رسالة أخرى بتاريخ 15 يناير 1936م من خان صاحب بن حسين عماد إلى المعتمد البريطاني في البحرين يبلغه بأن الدكتور (هولمز) قد وصل إلى دبي وقابل الشيخ سعيد بن مكتوم وتوجه لعلاج الشيخ محمد بن احمد بن دلموك وعالجه بالفعل، ثم قام ببعض عمليات التطعيم في مدينة دبي. وتلت هذه الرسالة رسالة من الشيخ سعيد بن مكتوم حاكم دبي إلى المعتمد البريطاني في البحرين يشكره فيها على إرسال الطبيب ومعالجته الشيخ محمد بن احمد بن دلموك.
وفي 26 يناير من نفس العام أرسل خان صاحب بن حسين عماد يعلم المعتمد البريطاني في البحرين بوفاة حميد بن راشد بن احمد بن سلطان (ابن حاكم بلدة دبا). ويعلمهم أيضا بأن حاكم إمارة دبي الشيخ سعيد بن مكتوم قد أمر بعدم عزل المرضى نظرا لسوء أوضاع الناس من الناحية المالية، وعدم قدرتهم على إنشاء منازل لعزل المرضى تقيهم البرد في الشتاء، ويطلب من السلطات البريطانية بإرسال المزيد من العلاج لأن المرض ينتشر والناس تطلب المزيد من العلاج ويرجو إرساله من كراتشي.



هذه الرسالة تفيد بأنه رغم اعتراف أهالي المنطقة بأهمية عزل المرضى منعا لانتشار المرض إلا أنه لأسباب إنسانية امر الشيخ سعيد بن مكتوم – نظرا لعلمه بأوضاع ابناء الإمارات المالية. وخوفه من تعرض المرضى لبرد الشتاء – بعدم عزل المرضى.
ثم توالت المكاتبات بين رجال الدولة في المنطقة، والحكومة البريطانية حول نفس الموضوع (انتشار وباء الجدري وطلب إرسال الفاكسين لعلاجه) غير ان هذه المكاتبات منذ 27 فبراير من عام 1936م وحتى 23 مايو من نفس العام قد تضمنت إشارة لبعض الارقام الدالة على حدوث تحسن في العلاج وتراجع الحالات المرضية، وتعطي دلالات على ما قدمته السلطات البريطانية من خدمة علاجية لهم.
وفي رسالة أخرى بتاريخ 1 مارس 1936م من خان صاحب بن حسين عماد يبلغ المعتمد البريطاني في البحرين بعدد الإصابات من الجدري من تاريخ 24 فبراير وحتى 1 مارس. ويعلمه بأن زيادة الاصابة في رأس الخيمة يعود إلى ان الفاكسين الذي أحضر من البحرين غير ذي جدوى (أي صلاحيته منتهية).
وفي وثيقة اخرى يتضح ان الدكتور محمد بن سلمان ستور الذي قدم من البحرين للقيام بعملية التطعيم قد امضى في هذه المهمة قرابة ثلاثة أشهر ونصف، وأنه يتقاضى عن كل شهر مائة درهم ومن ثم فإن جملة ما سيتقاضاه من هذه المهمة يبلغ ثلاثمائة وخمسين درهما. وهو مبلغ متواضع إلى حد ما اليوم مقارنة بإرتفاع الدخول ومستوى المعيشة. ولكنه يعد مبلغا مجزيا في ذلك الوقت ويتضمن دلالة على مستوى معيشة الافراد وتكلفة الخدمات الطبية آنذاك.



وجاء في رسالة مؤرخة في 14/5/1936م من المقيم السياسي البريطاني في بوشهر إلى المعتمد السياسي في البحرين تشير إلى أن الساحل المتصالح خال من الوباء ولا داعي لإرسال التقرير الاسبوعي حول حالات الإصابة أو الشفاء والوفيات من وباء الجدري.
وفي رسالة مؤرخة في 23 مايو من عام 1936م من المقيم السياسي في الشارقة إلى المعتمد السياسي البريطاني في البحرين يبلغه بأنه قد تم إكتشاف 14 حالة في الاسبوعين الأخيرين 3 منها من رأس الخيمة و11 حالة من قريتي عربي وشمل، ولم تكن هناك وفيات، ولم تظهر حالات جديدة، وقد طلب حاكم رأس الخيمة إعطاءه فاكسين يحتفظ به لحين اللزوم.
وبعد فترة أصبح المعتمد البريطاني في البحرين يعتمد على ابناء المنطقة الذين تم تدريبهم للقيام بعمليات التطعيم فيها.
واذا كانت المكاتبات السابقة قد أفادت باختفاء ذلك الوباء وخلو إمارات الساحل نسبيا منه فإن هناك مراسلات تالية أفادت بعودة المرض وانتشاره بشدة مرة أخرى في عام 1940م.
فما هي أسباب انتشار وباء الجدري مرة أخرى في إمارات الساحل؟
لقد ورد في رسالة مؤرخة في 16 إبريل من عام 1940م أنه قد تم اكتشاف حالات جديدة من الإصابة بالجدري في إمارة ابوظبي التي كانت خالية في السابق من هذا الوباء، ويعزى وجود هذه الحالات لعمليات العدوى في موسم الحج. وقد أبلغ الدكتور (هولمز) بذلك.
وفي 18 إبريل أشار المندوب في المكتب الطبي في الشارقة في رسالة له بعث بها إلى المعتمد السياسي في البحرين أنه في زيارته الأخيرة للشارقة ودبي بتاريخ 11 إبريل 1940م قد قام ولمدة أسبوعين بتطعيم 837 شخصا في إمارة الشارقة و1386 شخصا في إمارة دبي أي ما مجموعه 2223 شخصا وأنه قد تم البدء بتطعيم الرعايا البريطانيين العاملين في شركات النفط وبيت الدولة البريطانية، ويشير إلى ان ظهور حالات الجدري مرة ثانية في إمارات الساحل قد جاء نتيجة العدوى في موسم الحج.
وفي رسالة بتاريخ 24 ديسمبر من عام 1941م بعث بها المقيم البريطاني في الشارقة إلى المعتمد السياسي في البحرين يبلغهم فيها بوجود حالات شديدة من الإصابة بالجدري بين أبناء إمارات الساحل المتصالح وان الكويت قد أمرت بترحيلهم وبناء على ذلك قامت السلطات في دبي بطلب من المعتمد البريطاني في البحرين بمدهم بـ 500 جرعة من الفاكسين وإرسالها البريد الجوي إلى دبي حتى تعلن دبي خلوها من الوباء.
وإذا كانت مضامين الرسائل السابقة سواء في فترة انتشار مرض الجدري في المرة الأولى أو الثانية في إمارات الساحل المتصالح لم تخرج عن نطاق وصف عدد حالات المر والوفيات والشفاء وطلب جرعات من الفاكسين للعلاج أو طلب أطباء أو مطعمين للقيام بعملية التطعيم فإن الرسالة التالية تتضمن إجراء مغايرا له أثره وفعاليته في مكافحة هذا المرض. وهي الرسالة التي بعث بها السفير البريطاني في العراق بتاريخ أغسطس عام 1942م إلى المعتمد البريطاني في البحرين يبلغه بأن الحكومة العراقية قد إشترطت على المسافرين عبر العراق برا أو بحرا أو جوا ان يصطحبوا معهم شهادات تطعيم ضد الجدري شرط ان تكون موقعة من السلطات المسؤولة في الدول التي قدموا منها وأن يكون قد مضى على تطعيمهم 12 يوما وأن لا يكون قد مضى على التطعيم أكثر من ثلاث سنوات كضمان لعدم دخول وإنتشار حالات الجدري في العراق.
ويبدو ان انتشار حالات الجدري من جديد وكون العدوى في موسم الحج تعد سببا رئيسيا وراء عودة الجدري إلى إمارات الساحل المتصالح هو الذي حدا بالحكومة العراقية لإتخاذ هذا الاجراء خاصة وان الحجيج سوف يعودون من الاراضي المقدسة إلى أقطارهم بما فيها إمارات الساحل وغيرها من البلاد العربية.
هذا الطلب الذي تقدمت به الحكومة العراقية واعتبرته شرطا للسماح لأي مسافر بعبور الحدود العراقية يعد في حد ذاته إجراء وقائيا ومفيدا للحد من انتشار هذا الوباء. ويمكن النظر إلى ذلك الإجراء الذي اتخذته الحكومة العراقية باعتباره بداية معرفة سكان المنطقة بالإجراءات الوقائية على المستوى الرسمي.

عودة »»