الصفحة الرئيسية
الكتب والمراجع والحقوق
عدد الأقسام : 42
عدد المقالات : 898
عدد زوار المقالات : 1691049
المتواجدين حاليا :
 
البحث فى المقالات
 
جديد المقالات
* الآبار ومواقع التنقيب وتل الفخار
* الإضافات
* المواد الأولية
* تحليل العناصر المعمارية والزخرفية
* تنفيذ خطة الترميم والصيانة
* خطة الترميم والصيانة
* تاريخ الجزيرة
* جزيرة دلما
* المقدمة
* الخلاصة
 
الصفحة الرئيسية » الرواية والقصة القصيرة » فعل السرد والشخصية في الشكل الروائي - الشخصية
تاريخ الإضافة :: 14/06/2007   ||   عدد الزوار :: 571

فعل السرد والشخصية في الشكل الروائي - الشخصية


الشخصية في العمل الروائي .. أساس، ومحور الحركة الافقية والرأسية في القصة، منها تشع الحياة في أوصال العمل الروائي تغذيه بالقوة، والنماء، والتطور، وتعقد هذه الاشعاعات روابط متينة مع المتلقي، وبقدر ما تكون الشخصية في العمل الفني، حرة وواعية وصادقة في حركتها، وتلقائية في مجابهتها للحياة، عندها يكون العمل الروائي قد اقترب كثيراً من الناس، وتكون شخصياته موارة بينهم، كما لو أن دبيب الحياة يجري في عروقها . بعض النقاد، وإنطلاقا من وعيهم بدور الشخصية في الرواية قالوا ان الرواية فن الشخصية.
والعمل الروائي يقدم شخصيات في حال الفعل خلال فترة متخيلة من الزمن.
رواية (دائماً يحدث في الليل) لمحمد عبيد غباش بها أكثر من شخصية : خالد – الشخصية الرئيسية ثم شخصيات مصاحبة وهي مريم، احمد، سالم، فاطمة، بجانب عدد من الشخصيات الثانوية الأخرى.
وملخص الحدث في الرواية .. شلة مثقفة، تجتمع بشكل يومي تناقش وضعها الاجتماعي المأزوم، وفجأة تحدث جريمة اغتصاب طفل، وقتله من قبل شخصية ثانوية، سلبية هي (جمعه) لكنها مسحوقة اجتماعياً، يقتل جمعه من قبل فاطمة ويتحول الحدث في النصف الثاني للرواية إلى معالجة بوليسية .. لاخفاء جريمة فاطمة، وذلك بفعل مهارة سالم، الذي انضم في وقت لاحق لهذه المجموعة، لنعرف من الرواية، انه كان في صغره، ذات يوم ضحية لجمعة وسيده والد أحمد.
وأنه خطط للانضمام للمجموعة بدافع الانتقام .. وفي نهاية الرواية .. يهرب خالد الذي قدم نفسه على أساس انه القاتل، لانقاذ صديقته فاطمة، ثم يهرب من السجن ثم من البلد نهائياً. مع ان سالم قد وفر له ايضا خيوط البراءة من هذه القضية .. لكنه أثر الرحيل.
في هذه الرواية .. وهي الرواية اليتيمة لغباش تتفاوت الشخصيات من حيث حجم الفعل المناط بكل منها – وهذا منطقي وضروري .. فكل على قدر طاقتها الذاتية والموضوعية، لكن في النهاية تكون هناك منطقية، مقبولة في تحمل هذه الاعباء. انه اختيار حر، وليس اقداما جبريا نحو الفعل .. وإلا ستكون الشخصية خارج نطاق الزمن والمسؤولية.
في رواية (دائماً يحدث في الليل) يكون – خالد – هو الراوي وهو الشخصية الرئيسية في الرواية وهو الكاتب ايضا .. وهنا ينبغي اليقظة والتحفز .. فحين تكون هذه الحالة، فهذا يعني ان ثمة تقلبات كثيرة تحدث بين حين وآخر في سياق الحدث، تقلبات ليس لها سند فني ومنطقي وواقعي، لانها تقلبات ببساطة تحركها الروح الفردية المهيمنة، والمتمثلة بالشخصية الرئيسية. إنها من صنع الرواية نفسه.
وشخصية خالد لم تكن بحال شخصية فردية، متزمته، وديكتاتورية داخل (الشلة) فمن خلال الاجتماعات اليومية ندرك الجانب الديمقراطي في هذه الشخصية، وهو الجانب المتولد، قطعا عن وعي اجتماعي متقدم، فخالد شخصية مثقفة تبحث عن دور اجتماعي فاعل ومؤثر داخل المجتمع.
لنقرأ بعض الاقوال في الرواية : (عندما جاءني سالم في الصباح، لم أكن متحمسا لتوطيد الصلة به الا إلى حد استعراض براعتي في اللعب، لكن نتيجة اللعب معه ادت بي إلى تغيير موقفي، فقد اقتنعت ان كثرة اللعب معه تعني استكشاف اسرار جديدة في اللعبة التي كنت مولعا بها، وهنا جاء دوري لاقترح عليه ان نلتقي في الوقت نفسه غداً، وبعثت موافقته الراحة في نفسي فقد خشيت ان يمتنع بسبب رداءة لعبي معه في ذلك اليوم، ولولا تلك الهزائم التي ألحقها بي لكان من المشكوك فيه ان ينجح سالم في الدخول إلى حلقتنا، وان يطبع بصماته على الاحداث التي تلاحقت علينا فيما بعد، ومن ناحيتي انا لم يتبادر إلى ذهني أبداً ساعتئذ أنه كان يريد أكثر من أن يلعب أدواراً بريئة في الشطرنج) وأتخيلها، لعبة الشطرنج هنا، رمزاً له دلالته السياسية، وأن لهذه اللعبة ظلالا قد نجدها في أكثر من زاوية التقاء بين شخصيات الرواية .. مثلما هي الان، مسرح يتقابل فيه خالد، سالم، ونفهم انه لولا هزيمة خالد، ورغبته في الثأر .. لفقدنا شخصية سالم .. وحين يوافق سالم على إستمرار اللعب مع خالد في اليوم التالي، يشعر خالد بالارتياح .. بمعنى ان ثمة فرصة أوجدها الراوي لذاته ... ليمارس دوره فيما بعد.
من جانب موارب ومن غير وضوح كاف، نستشق ديمقراطية خالد – الرواية في خلقه لهذه الشخصية الروائية حين أوجد مبرراً لوجودها، يحمل قدراً من المنطقية.
ونقرأ في المثال السابق .. ان تكرار هزيمة خالد قابلها إصراره على التمسك بسالم .. وان كنا سنتساءل : ماذا لو أن خالدا إنتصر منذ المرة الاولى على سالم في (لعبة الشطرنج) والجواب سيقودنا قطعا إلى حيرة وتردد، فربما سنخسر سالم .. وهذا يعني ان الوعي الاجتماعي الذي يحاول (خالد) ان يلقنه لنا فيما بعد .. محتاج إلى وعي آخر بجانبه .. وهو حتمية الالتقاء والتقابل، ثم التضاد في حالة الضرورة.
وفي مزيد من الاحتكاك، نصل إلى مفاهيم أخرى تعرفنا بشخصية خالد، منها : محاولة قفزها من فوق الزمن، مستغلة وضعها – كراوية، لتكشف ما سيأتي، ليس كشف الرؤيا، وإنما هو قليل من التعسف باستخدام الحق المطلق (ومن ناحيتي أنا لم يتبادر إلى ذهني أبداً ساعتئذ انه كان يريد أكثر من ان يلعب أدوارا بريئة في الشطرنج) هذا الكشف مقدر لنا ان نعرفه في الفصول الاخيرة للرواية.
وبذات المعنى، هذا لموقف تكرر فيما بعد، لنقرأ (في طريق عودتنا إلى الميناء حاولت ان أتذكر بدقة هذا الموقع حتى يمكن أن آتي مع (الشلة) للصيد في أحد الايام بيد أنني لم أكن أدري أنني سوف أعود قريباً إلى تلك المنطقة البحرية لغرض مختلف تماما .. لم أكن أدري بأنني .. سأشترك مع سالم في عملية اطعام رهيبة لكلاب البحر، إطعامها ليس من بقايا السمك، بلم بلحم بشري ينبض بالحياة). وللتوضيح فإن عملية الاطعام الرهيبة : هي القاء جثة جمعة في البحر .. ومن هو جمعة ؟ نموذج مهمش، ومهشم، مسحوق ومسلوب الارادة من قبل سيده المقاول ناصر، أعطاها الراوي دورا مخزيا في الرواية : مغتصب أطفال، وصياد أطفال لسيدة.
لم أجد أي مسوغ منطقي في عملية توزيع الادوار على شخصيات الرواية من قبل الكاتب الراوي .. فجمعة النموذج الاجتماعي المسحوق .. يسحق مرة أخرى من قبل (الشلة المثقفة)، ويتآمر أعضاؤها على إخفاء الجثة. في حين سيده المقاول (ناصر) الذي كان يمارس إغتصاباته على مسمع منهم جميعاً – كما جاء في الرواية – ارتضى له الرواية – ان يموت ميتة طبيعية وأين؟ في الاراضي المقدسة.
لعل الاجابة (لكم هو مخجل أن نستمد بقاءنا من عدوانية سالم، بينما كنا جميعاً زمرة .. مثقفين عجزة، نجيد الحديث جيدا، لكننا ننهار بسهولة عندما نوضع في مواقف تقتضي العمل).
الآن اقتربنا أكثر من الفهم .. بأن الشخصيات – أعضاء (الشلة) المثقفة ليس ينقصها الوعي الاجتماعي بصيغته العملية فقط، بل كذلك، هي شخصيات بلا فعل. وقد جاء هذا التصريح الخطير على لسان الرواية .. (وعندما إقترحت فاطمة ضرورة السير في طريق الفعل، هشمناها جميعاً بثرثرة ذكية، مثقفة، حتى وصل الحال إلى ان يتهدد بقاؤنا، ونبقى عاجزين).
ثم نصل إلى لب الحقيقة، ونكتشف ان وعي (الشلة المثقفة لم يكن متجذراً داخل المجتمع، كان وعياً معزولا، مستغرقاً في ذاتية مغلقة. بالضبط هي (الشلة) كما وصفها الراوي، لم تكن منفتحة على الناس، وعلى الشارع، وكل علاقتها بالمجتمع مبنية على أفكار مثالية معلقة في الفضاء.
وبلا مواربة – واحتماء خلف صيغة الجمع، يعترف الراوي على نفسه .. وهنا تتوهج الشخصية الرئيسية من الداخل، وتلبس ثوباً حزيناً، غاضباً، متمرداً. يتقرب من حد الثورة .. ولكن من الداخل .. أجل من الداخل، انها حالة نزق يقول :
(كان هناك غضب عارم يملؤني على (احمد) الذي قلم مخالبنا جميعا بمقص الثقافة و(على عوض) الرجل ذي التاريخ النضالي والذي جاء يستريح فيما بيننا بدلا من إيقاظنا من الوهم، ومن بينهم كنت الأسوأ اللاهث أبداً وراء الكأس، والعاشق المتيم صبابة، والذي هجرته حبيبته وتركته ركاماً انسانياً، والذي ظل يتمتع بركاميته، وباجترار بؤسه بتلذذ مريض.
تلك الاعترافات، ضرورية ولابد منها، لانها تشير بتهمة صريحة لمرحلة بعينها، على فئة وعت حالتها، لكنها عاجزة، ارتضت العجز مستلبة من داخلها قبل استلابها من الخارج.
ونكتشف كذلك ان الشخصيات بالرواية، لا تملك أدوات الصمود، هروبية في اول مواجهة مع الواقع .. بصورة أوضح نقرأ ذلك في شخصية خالد، فهي إلى جانب انها مرتبكة، ومضطربة إلى حد المرض كنا نتوقع بحكم (سيادتها) المطلقة في العمل .. ان تقودنا إلى زاوية بها بارقة أمل، وتنطوي على فعل بأي شكل، حتى لو كان جنونيا، غير اننا أمام هروب، نتفرج على عملية هروب واعية، وبلا تردد :
(منذ ان أخبرني سالم بامكانية رجوعي إلى المدينة، والضيق يتنامى صدري، كان جواز سفر جمعة يعني عودتي إلى المدينة، والى كل السجون الاخرى التي أفلت منها هذه الليلة، من مريم وخيالات العشق المريضة، ومن احمد وسجنه الذهبي النظيف، الذي كان يعزلنا عن قبح ما حولنا بجدران الفن والثقافة والعلاقات الاجتماعية المتطورة، حيث كنا نرتاد بيته ونلتقي رجالاً ونساء دون حرج، بينما المتجمع حولنا على نقيض تام من اسلوب حياتنا، ذلك المجتمع الذي يحترق ويكتب تاريخه ببطء بنفسه، والذي لو مددنا أيدينا إليه لربما كنا نهون من جهله ومن مرضه ومن ظلمه.
كنا نمارس حريتنا، بينما يرسف غيرنا في الاغلال. كان الفرار من هذا السجن ضرورية مصيرية، أدركت ان انعزاليتنا بداخل هذا العالم المصطنع الصغير كانت جريمة ليست في حق الضحايا الذين يعيشون خارج عالمنا وحسب، بل في حقنا نحن الذين توهمنا ان خلاصنا الفردي يمكن ان يسهل دونما حاجة للخلاص الاكبر، خلاص المجموع.
الشخصية الراوية، التي ملكت زمام السيادة في الرواية تهرب من الواقع ومن ارض الواقع، إلى بلد آخر، إلى الهند .. (الهند مدرسة يمكن ان تعلم المرء استعادة إنسانيته المدفونة تحت ركام حب الذات والتعامي عن رؤية الاشياء هي مسرح رهيب للالم الانساني، للمجاعة والمرض والجهل).
وكي يضمن الراوي نجاح هروبه التام عن مجتمعه، وعن ارض الواقع الذي يؤرقه .. أحرق أخر وسيلة يمكن ان تعيده يوما .. كي يتشاكل بطريقة أخرى مع مجتمعه .. أحرق جواز سفر (جمعة) بعد ان رتب سالم بطريقة غير مشروعة .. ليصير هذا الجواز باسم خالد : (لكن عملي كان ضروريا .. القيت الكتلة المشتعلة في مطفأة السجاير واخذت اقلب اوراق الجواز حتى تصل النار إلى جميع صفحاته .. بعثت رائحة الحريق الصغير راحة وطمأنينة عميقة في نفسي .. كانت هذه الرائحة تعلن (احتراق) عبوديتي .. كانت تعني الابقاء على حريتي، بعيداً عن تلك المدينة المشؤومة، التي سرقت اعز عمري وهدرته .. كانت الرائحة تعني عدم الالتفات إلى الوارء أبدا .. ومن جديد ازدحمت ذاكرتي بصورة طارق بن زياد وهو يحرق السفن).
وخالد في سبيل البحث عن حريته، يترك بلده، يهرب من مدينته، فالحرية إذا ما غابت في هذا المكان، قد توجد في مكان آخر، هذا هو منطق خالد .. مع أننا تلمسنا داخل الرواية ان الوصول إلى الحرية يقتضي تضحية وجهداً .. لكنه ولاسباب قاهرة جدا، يجزم بانه لن يعود .. وقد أحرق وسيلة العودة : هل نفهم بانها حالة من الانسانية المطلقة لا يحدها ضفاف ولا جغرافية، ولا مكان ام هو فهم خاص به، بخالد، قناعة وصل اليها بفعل تراكمات تاريخية متعاقبة .. بان هذا (المكان)، هذه (المدينة) في العالم أبداً لا تعرف الحرية، وان كل من يطلبها فهو مارق ومأفون (ومرت في ذاكرتي لحظتها صورة طارق بن زياد وهو يحرق السفن التي أقلته وجنوده إلى أسبانيا، ضامنا بذلك الا يدفع الضعف، ذلك ما كان يرعبني، الضعف الذي يمكن ان يعيدني برجوعي إلى المدينة إلى كل الاقفاص التي تسرق حريتي .. اغراء لذة العبودية التي تخلقها الذات المدمنة للعبودية حتى جذورها) قمة الغضب يصل اليها خالد، لكنه غضب سلبي، وفي الاتجاه المعاكس لمنطق الامور .. فالانسلاخ عن المكان بحكم (ظرف) اجتماعي، أو سياسي طارئ، من الصعب ايجاد مبرر له، فطارق بن زياد حين احرق سفنه، كان قد حط بقدمه على أول الهدف، وأراد بإحراقه السفن .. ان يخلق شجاعة أخرى، تثبت أقدامه على الهدف كله.
وحين نرصد علاقة شخصيات (الشلة) بمدينتها، بمكانها وزمانها، نضع ايدينا على حالة انفصام اجتماعية ونفسية مع بيئتها .. فلا نجد (المدينة) في الفضاء القصصي للرواية، إسما أو عنواناً أو ذكرى .. وان كانت قد وردت اشارة حول هذه المدينة (هم يعرفون ماضي عوض السياسي في ضفار وهم ايضا يرقبون تحركات فاطمة منذ مدة بعيدة، منذ ان رأوها مشتركة في تنظيم مظاهرات الاحتجاج ضد ايران التي قامت بها فتيات المدارس في اعقاب احتلال ايران للجزر الثلاث).
الا ان هذه الاشارة غير كافية لوحدها .. لاعطاء دلالة على ان الشخصيات تعيش في مكان وزمان محددين. وثمة علاقات جدلية تربطها في هذه البيئة .. منها ان علاقة هذه الشخصيات .. بمدينتهم علاقة غير جدلية .. لكنها مع ذلك تعيش وضعا نقديا مع هذه المدينة وتدرك كثيرا من القوى المحركة لتاريخها، ولعلاقاتها الاجتماعية، وقد يكون تحوصلها في (شلة) منعزلة عن المجتمع استجابة واعية، لكن ليست عملية، للتحدي المفروض عليها، غير ان هذا هو أدنى أشكال الرفض. فقدر الانسان ان يحتك بصورة دائمة مع المشكلات التي تحيط به .. وهذا هو أساس التطور الانساني نحو الافضل. وما يميز شخصيات هذه الرواية .. ان نموها يتجه متصاعدا نحو الداخل وفعل الاستجابة تجاه واقعها يأخذ حالة التضخم والسلب .. حتى تعلن الشخصيات هروبها النهائي من المواجهة، تعلن هزيمتها، وان كانت تحمل معها .. إدانة وكشفا مريرا لواقع مؤلم، وإذا كان هرب الشخصية الرئيسية فيه معنى (المناوشة) من الخارج، فهي بداية قد تكون صحيحة، ونتلمس ، مؤقتاً، العذر لهذا الهروب بشرط ألا يتحول هذا الهروب إلى هجرة دائمة تحت ستار ان الانسان يستطيع ان يبحث عن حريته في أمكنة اخرى في العالم .. تاركا مكانه. يقول شاعر سوفياتي ( تستطيع ان تحب هذا العالم الواسع فقط حين تحب المكان الذي ولدت فيه، المكان الذي فيه قطعوا حبلك السري).

* * *

شخصية (صارم) في رواية الاعتراف لمؤلفها علي ابو الريش، تبدو طرية وغضة، ويانعة، برعم اجتماعي على وشك ان يتفتح، لكنه محتاج إلى رعاية وصبر .. وهو نموذج شائع مألوف في مجتمع الامارات .. والمجتمعات الخليجية، بل ويشكل نسبة كبيرة من الشباب حتى سن العشرين.
وملامح هذه الشخصية، مرسومة من الخارج، وعندما نقترب من هذه الشخصية، كي نتعرف على توترها، انفعالاتها، وفرحها، وحزنها وخيالها ولا نعثر على شيء من هذا القبيل.
وقصة الرواية : صارم يفاجأ بمقتل أبيه سهيل، في بستانهم برأس الخيمة ورغم حداثة سنه، الا ان (صارم) يوهمنا في أكثر من فصل بأنه سيأخذ بثأر أبيه .. لكنه سرعان ما يتجه إلى الحب، هو وصديقه (محمد) .. الشخصية الرئيسية الموازية تماماً لشخصية (صارم) والذي يقع في حب (ريحانة) أخت (صارم) وهكذا تمضي القصة وجسد الرواية عرض تفصيلي مطول لمعاناتهما في الحب بجانب معاناة (محمد) من أبيه سمحان وهو الاب القاسي على أبنه والذي يعترف وهو يحتضر بانه قتل (أبا صارم).
والحق، ان اختصار الرواية، في سطور قليلة يعد (انتقاصا ادبيا) لانها عملية تقزيم وتشويه فني لشخصيات تعيش حياة عريضة من الالم، والفرح، والحزن، والهزيمة والانتصار، وبداخلها شبكة هائلة من العلاقات الخارجية والنفسية .. وضغط عمل روائي عظيم أو متواضع فيه تعسف وقسوة، وهي محاولة لاظهاره بصورة كاريكاتيرية ممسوخة.
و(صارم) نموذج يعيش حياته بطهر شجرة النخيل، وباسق مثلها بدون (تفرعات) إنها (حالة) واقعية على الأغلب، بهذا الشكل وعلى هذا النحو من المضمون .. فقط نلقي اللوم على الراوية الذي صاحب صارما، ومحمدا، متنقلا معهما بين الفصول، حيث ترك هذه النماذج تهيم على سجيتها من غير ضوابط على نحو طيب ومغرق في الطيبة، لدرجة تبعث الخوف على هذه النماذج من ان تدمرها الطيبة وهذا التعامل السمح مع الحياة. فالرواية عمل فني منظم بالنهاية .. وتنظيمه نابع من انتقائيته الذكية والموحية، ومن خلقه لنماذج مليئة بالحياة والواقع والتوتر والفعل مفعمة بالاستجابة والرفض .. وحياتنا العادية، بكل سخافاتها، أبداً لا تصلح كما هي. كأعمال روائية، لكن ثمة جوانب في حياتنا، نعيشها ونعرفها، لكنها معتمة ومضللة محتاجه إلى كشف وتنوير. (فالفنان هو ذاك الانسان الذي عرف ان يختار مضمونة الروائي).
ويقول أحد النقاد المعروفين (دعنا نتعلم شيئاً من الرواية، ففي الرواية لا تستطيع الشخصيات القيام بأي شيء سوى العيش، واذا تحتم عليهم ان يكونوا طيبين بموجب الصيغة المطلوبة فقط، أو سيئين بموجب الصيغة المطلوبة او حتى ان يكونوا متقلبي المزاج، أو بعيدين عن الهموم بموجب تلك الصيغة المطلوبة فإنهم لابد سيتوقفون عن كل ماله صلة بالحياة وسوف تموت الرواية تبعاً لذلك .. ينبغي على الشخصية ان تمارس (الحياة) في اية رواية، والا فهي شخصية لا تعني شيئا).
وممارسة الحياة – ليست سهلة، ولا تسير في اتجاه واحد وحين نتابع حياة (صارم) نشفق عليه، فهو دائم التمني واللوعة كي يتزوج محبوبته رحاب، وقد تكون هذه غاية مقبولة لو أنه اقتحم في مسعاه هذا أبواب الحياة المختلفة والمتناقضة الموصلة لهذه الغاية، غير ان طفولية غريرة ظلت تصاحبه حتى النهاية.
(اغرورقت عينا (صارم) وانسحبت على وجنتيه بشرة قاتمة، وشت عن إحساس بالفجيعة والام والحزن، وجلس غارساً سبابته في خده .. شارد الفكر مسلوب اللب، مفجوع الوجدا، ولكي تأتي السيدة بسيرة رحاب يحس بانصهار اعصابه وذوبان قلبه شوقاً ووجداً، ولا يجد منها فكاكا .. تأفف في ضيق وضجر وتأوه في زئير مخيف خفق له قلب السيدة واشتد فزعها عليه. وقالت لا تكن كأنثى ضعيف الارادة تصلب يا بني وكل شيء سيكون على ما يرام بإذن الله ولا تخف، فالمسألة لا تستحق كل هذا الاضطراب والوجل واستعن بالصبر واستعذ بالله من وساوس الشيطان الرجيم .. كانت كلمات السيدة تنزل على قلبه كقطع الثلج في صيف حار متوهج لكنها سرعان ما تذوب وتشتد سخونتها بفعل الحرارة المنبثقة من وجدان صارم) .
قد نتوهم بعد قراءة هذه الفقرة الروائية، بان (صارما) قد اكتمل نضجة منذ زمن، أو ان .. (رحاب) تجسد رمزا ما، يسعى (صارما) للوصول إليه قاطعاً كثيراً من التحديات كي ما يصل إلى رمزه .. ولكن الصورة تهتز حين ندرك ان (صارما) ما زال يافعا في عمره، وبحدود السابعة عشرة أو اقل، اذ أنه لم يكمل بعد دراسته الثانوية، وهو ما يعني وفقا للتقسيم العمري الدولي الحديث انه ما زال تحت سن البلوغ .. إذا نحن أمام تصوير كاريكاتيري للشخصية امام هذا الحدث .. وهو حبه لرحاب! كذلك شخصية (محمد) التي عيش ذات الحالة، وبنفس العمر تقريبا .. تأخذ حياتها .. مساحة موازية، لتلك التي تحتلها حياة (صارم) في الرواية !! إضافة إلى ان الشخصيات المصاحبة والثانوية في الرواية، مسخرة جميعها لتهيئة المناخ الطري لتحقق هدف هاتين الشخصيتين.
والراوية، والذي نفترض انه لابد ان يصير (عقل) الرواية، نجده منسجما تماما مع المسكلية الصبيانية لهاتين الشخصيتين .. يفرح لفرحهما .. ويلتاع للوعتهما...
ويخلق المبررات الحارة لكي يقنع المتلقي بصحة هذا السلوك وعقلانيته، لنقرأ على لسان الراوية (إذا كان للحياة طعم لذيذ ومذاق شهي، فهي مساخة لاذعة لا تجرعها الحلوق لو فقدت اشباعاتها العاطفية أجل ليست الحياة التي تزخرف بشهادات المدارس والجامعات، كفيلة بأن تجلب السعادة إلى نفس البشر وإنما الحياة، حياة الكمال والجمال والدلال والحب الوافر الغني بالعواطف الجياشة المشاعر الحانية الرقيقة إذا كانت عين القدر غفلت عنه ذات مرة، وأفسحت المجال للاصابع الدموية ان تسلب منه أغلى رصيد في حياته احتفظ به فلا داعي لان تضيع منه درة الزمان وكنز الحياة وأمل المستقبل) يقصد حبيبته رحاب ....
ثم نقرأ انسجام الراوي مع هذا الوضع الروائي للشخصية أو قل تواطؤه، (وينهض صارم على حس صرخة مدوية تنبعث من أعماقه، لكنه يخمدها في صدره، لتموت كما تنتحر أشواقه في كل يوم، وبالاحرى كما ذبحت آماله الحية ظلماً وبهتاناً في اللحظة التي قال سيف (ابو رحاب) انه لا يزال صبيا وأمامه مستقبل هذا طالما ظل الفكر مشدوداً، والنفس مأسورة قيد الاماني الباهتة والأمال الغامضة التي لا يعرف متى تتحقق؟ ومتى يصبح الخيال حقيقة؟)
وهكذا في الرواية كلها (صارم) و(محمد) يتألمان من الحب، ويتلذذان بلوعته على نحو مضحك والراوية يدفعهما لمزيد من اللوعة الساذجة، المسطحة وبدون ان يترك لهما فرصة يلتقطان أنفاسهما لمناقشة هذه الحالة العاطفية الغضة بمنظار عقلي بل يسوقهما نحو تحقيق الهدف ويحل لهما العقد الصغيرة التي تعترض طريق هذا الهدف وهو الزواج ويتزوجان فعلا. مع نهاية الرواية (وتم زواج صارم من رحاب، وعاش صارم مع أمه في بيت واحد في حين انتقل محمد بن سمحان مع زوجته (أخت صارم) إلى بيت أبيه ليعيش محمد من جديد في مأواه الاول ويعود صارم مع زوجته في بيته.
بيد أنه ظل يعيش نفس المأساة التي زرعها سمحان في قلبه وغاب عنه دون ان يفسر ذلك اللغز الذي سيطر على مخيلة (صارم) إلا بعد انقضاء العمر .. وعاش صارم رغم معرفته بالمجرم الا ان عقدة الذنب، والعجز عن النيل من قاتل أبيه ظلت تلاحقه مدى عمره.

* * *

شخصيات رواية (السيف والزهرة) لعلي أبو الريش .. جاءت أكثر التصاقا بواقعها .. وبيئتها من شخصيات (الاعتراف) . كما انها اعمق إدراكا لهذا الواقع، وقد حاول المؤلف بمقدار تطور أدواته الفنية، ان يغوص أكثر في اعماق الشخصيات : (خلفان، وابنه سلطان، وأبو صالح)، وان يرسم (حياة) هذه الشخصيات من خلال علاقتها بالحياة، والناس، والمجتمع مرتكزاً هذه المرة على (مضمون) واقعي تحاول شخصيات الرواية الحياة داخله.
كتب الناقد (يوسف خليل) عن هذه الرواية (السيف والزهرة) كانت خطوة إلى الوراء من (الاعتراف) فالمؤلف كثيرا ما يتناقض في القص : سلطان مرة لا يعرف السباحة مرة اخرى ماهر في السباحة قارن بين ص17، ص34 وفقد التداعي اسباب وجوده بالتمزيق الذي حدث مثلاُ في ص35، كما ان تركيز المؤلف على اليومي العابر وعدم قدرته على القبض على التاريخي جعل القضية التي يطرحها زائفة والشخصيات مخلخلة والادوات الفنية جرداء.
وأعتقد ان قراءة (يوسف خليل) للنص كانت متعجلة بعض الشيء، وكان تحليله للنص ممارسة مغلقة. وحين عدت إلى ما ذكره عن (سلطان) من انه مرة لا يعرف السباحة ومرة أخرى ماهر فيها .. وجدت أنه ليس هناك أي تناقض في النص مثلما يقول الناقد .. ففي ص 17 نقرأ (خلع أزراره وقميصه ورماهما بجانب قضيب حديد حتى لا يضل مكانهما، قفز بسرعة مذهلة وانسل في جوف الماء كسمكة أطلق سراحها في البحر لسبب ما، وصار يسبح على ظهره بخفة ومهارة .. ) هنا سلطان ماهر في السباحة ونقرأ في ص/34 (كانت تخوفني دائما من الماء، من الغرق، من الموت في جوف البحر تذكرني بكثيرين من أبناء الحارة الذين ذهبوا ضحية لهذا البحر، حتى اصبحت أخشاه كثيراً أعتبره الوحش المفترس، ومع أنني كبرت وتعلمت فنون السباحة .. ومهما غطست في الماء ولعبت فلن أغرق لانني أعرف طريق النجاة لكنني لازلت أخشى البحر، أخاف من الموت في جوفه ..)هنا أيضاً سلطان يعرف السباحة، فأين التناقض في القص كما ذكر يوسف خليل؟ ثم ان التداعي لم يفقد أسباب وجوده بالتمزيق كما ذكر في ص/35 .. بل هو تذكر. لطفولته المبكرة مع امه، والبحر، والمدرسة.
والتذكر هنا يجيء منسجماً مع الحدث وهو موافقته لأبيه في رحلة صيد على قاربهما .. فحين ينشغل أبوه بالتجديف .. فسلطان اليافع في تلك اللحظة .. ليس لديه ما يشغله سوى ان يطلق العنان لاصابعه تعبث بالماء، والتذكر.
ثم لم أفهم قصد الناقد في قوله، ان المؤلف يركز على اليومي العابر .. ولا يقبض على التاريخي، واتساءل عن الحدود الفاصلة بين ما هو يومي عابر ..
وما هو تاريخي؟ حتى ينعكس ذلك (بالزيف على القضية التي تطرحها الرواية كما يقول. الصحيح أن (تحليل النص أبعد ما يكون عن ممارسة مغلقة، إنما هو في استقرائه للعمل الادبي مشروع إنفتاح قصصي على مستلهماته المتنوعة التي تشكل في الحقيقة عدّته في سبر أغوار النص وفي تتبع متاهاته).
والقصة تصور حياة اسرة – الاب خلفان وابنه سلطان، والأم موزة – دخلها الرئيسي صيد السمك. ومع دخول النفط كعنصر اقتصادي في نمط الحياة الاقتصادية، يلتحق سلطان بالعمل الوظيفي في إحدى الوزارات، رافضا العمل كصياد بعد موت أبيه، سلطان ومديره، ثم أبو صالح يواجهون مشكلة برزت مع هذا التغيير الاقتصادي المفاجيء .. ولكن بوجهات نظر متباينة، وحين يتفاقم خطر مشكلة إجتماعية أفرزها النفط وهي العمالة الكثيفة والضاغطة سلبا على المجتمع .. يتصاعد إحساس مرير ومتردد في نفس سلطان، من خلال دوره الوظيفي الراصد لهذه المشكلة .. وهو المطلع على أسبابها ودوافعها ونتائجها ايضا، اذ انه مدير لمركز التدقيق والبحث الاجتماعي في الوزارة المسؤولة اصلا عن وجود هذه المشكلة.
وشخصية (سلطان) تبقى ظلاً لشخصية والده – خلفان- كان تابعا .. لأبيه ثم عاكسا لبعض ملامحه، وفي كلا الدورين اللذين تمارسها شخصية (سلطان) لا نلمس فاعلية تذكر لهذه الشخصية على صعيد التطور الدرامي .. وكان هذا منطقياً في (سلطان) ما زال صغير السن، لكنه يختزن في ذاكرته مرحلة بكاملها. مرحلة البحر، وصيد السمك، (في ديوانية ابي صالح، لم يكن لصغار السن مكان في هذا المجلس، ما عدا سلطان الذي كان يصطحبه والده معه في أي مكان يحل به، شعر سلطان أنه بحاجة إلى البكاء .. الصراخ، يريد ان يولول كما تولول النساء عندما يفقدون عزيزاً. الوجوه يكتسحها حزن مشوب بالرعب، الأعين زائغة تحملق في لاشيء .. لم الخوف؟ لابد أن هناك سراً ما يختفي وراء الأجفان المسبلة .. أو أن قوة خفية زعزعت هؤلاء الآمنين، حدج سلطان في والده في حين رماه الآخر بنظرة واجمة دلت على مخزون الأسى الكامن في صدر الرجل العجوز. شق حاجب الصمت انبرى من صخرة متعبة :
- أبو سلطان :
رفع خلفان بصره في وجه أبي صالح وقال : نعم يا أبا صالح. هل لك ان تحدثنا عن الكارثة؟
وسلطان وقف على بداية الكارثة، وهي تهريب العمالة عبر البحر، وقذفها بأعداد كبيرة على الشواطئ. وقد شهد مع أبيه مرة في عرض البحر واحدة من هذه العمليات وهو وإن كان صغير السن إلا أنه بفطرته .. يستشعر ان ثمة خطراً من نوع ما، يهدد باقتلاع وجوده.
وأبو صالح، صاحب الديوانية يحتك مع هذه المشكلة، وهو منذ بدايتها، يتعامل معها بمنطلق الرفض (فكر أبو صالح قال : البحر أصبح ملكاً لغيري يعيشون فيه ويسرحون ويمرحون، لا أحد يتصدى لهم، ولا أحد يجازيهم .. لا نعرف عن المشاكل الا عندما تقع فنصاب بالجزع ونظل .. خائفين على أرواحنا وخيراتنا).
كما ان شخصية ابي صالح تحمل معها رؤية واستكشافاً للمستقبل، فهي تدرك واقعها الأني. وتشرف منه على ما سيأتي.
وشخصية (خلفان) تبدو صلبة وعنيدة وقاسية بفعل التصاقها الحميم مع البحر، وترفض ان تتعامل مع المعطيات السهلة الجديدة في الحياة الاقتصادية. ونقرأ هذه الملامح من خلال سلطان الابن الصغير، الذي لم يدخل بعد مرحلة الفعل (اجل فان ابي من هذا الشعب القوي العنيف .. الصامد .. الذي لا ينكسر .. الليل العابس الذي ينثره الخوف في عيني لا مكان له في عين ابي. القيد المكبل لا حيلة له أمام ساعدي ابي المحروقين. القوة تتدفق من عينيه كالشعاع المنير المنبعث من سراج مرفوع على قمة جبل .. الليل والنهار سيان، والبحر والبر لا يختلفان أبداً أمام عيني أبي. أنه القوة الخفية التي تتجلى في جلد إنسان ووجه مخلوق عادي الملامح، بسيط القسمات).
وخلفان يلتقي مع أبي صالح، باحساسهما بالخطر القادم على الأرض، والمجتمع وعلى الاجيال القادمة. (أنا لا يخيفني شيء مثلما يخيفني هذا الغموض .. مصير أولادنا مهدد بالخطر والأرض لا تحتمل وجود الاغراب، أما البحر فكيف سيتعامل مع هؤلاء وهو مجبول على الحب والصدق والاخلاص. كيف سيكون حاله لو تأكد له أن ما يجري ما هو الا تمهيد للشر القادم؟
وعندما يموت (خلفان) الأب والذي كان يمثل نموذجا لمرحلة قديمة جاءت بعدها مرحلة جديدة، مرحلة النفط، يأخذ سلطان الابن فيها دورا فاعلا فيصير مديراً – لمركز التدقيق والبحث الاجتماعي – وهذه المسؤولية لهادلالتها الموحية . . وتصب مباشرة في مجرى الحدث. ومع هذا (الموقع الاجتماعي) غير المتوقع لسلطان تبدأ حالة الانكسار. فالموقع وفر له حياة مادية سهلة ومجانية ولا تتطلب جهداً مضنيا، كما كان يفعل أبوه وهو يصارع البحر. وفي هذا الموقع. كما جاء على لسان (سلطان) مكتب وثير، ووفرة مادية، وبذخ، كل هذا بدون تعب.
ويصل انكسار الشخصية ذروته، حين تحتك بالمشكلة الاجتماعية الخطيرة. العمالة الغربية من واقع مسؤوليته .. لنجد أن هذا النموذج يتعامل سلباً مع هذه المشكلة، ويعتبرها واقعاً مريحا ولابد منه، بل هي إحدى النعم التي سيقت لهذا المجتمع :
(فكر سلطان .. ما يقوله المدير كلام سليم، فلولاهم كيف سيتم بناء الوطن. العمارات .. الشاهقة، الشوارع المرصوفة، الشركات الضخمة، البنوك، حتى صغار الموظفين والعاملين من سائقي سيارات الاجرة، والفراشين نحن بحاجة إلى هؤلاء .. بدونهم ستشل حركة العمران في البلد ولن نجد من يخدمنا ويوفر لنا حاجتنا بسخاء .. المواطن لا يستطيع ان يقوم بهذه الاعمال الشاقة وان استطاع فهو لا يفهم في كثير من الامور .. معظم الناس جهلاء لا يمكنهم تقديم هذه الخدمات، كل الناس انشغلوا بالمكاتب والشركات الخاصة والمؤسسات التجارية ولم تعد لديهم الحاجة لان يشغلوا المناصب البسيطة). هذه الأفكار، والتي منها تمر خيوط المشكلة الاجتماعية، كونه ليس بريئاً من المسؤولية، تتواجد بجانبها ملامح من الحيرة والشك في صحة ما يفعله، أو يفكر فيه، فنراه في حالة من التردد والقلق، بين استمرائه لواقع الوفرة المادية، وبين ما تختزنه الذاكرة من انسجام وأمن، وراحة بال مع البحر : (مضى ساعتان أو أكثر، سلطان غارق في هذا الخضم الهائل في الحجرة عروس تزينت بأحلى الحلى، صوت المكيف حجب عنه الأصوات خارج غرفته، الاثاث الضخم يكاد يكون صورة طبق الاصل لمكتبه الفاخر أه كم أنا حائر .. الدنيا جميلة رائعة عندما تغتسل العينان بهذا الجمال والروعة. كيف يمكن ان اخوض مجاهل البحر المخيفة بعد ان ألفت نفسي هذا النعيم؟ كيف .. كيف ..؟ وتزداد حيرة سلطان بفعل ضغط ابي صالح وجلاسه في (الديوانية) من الناس البسطاء الذين ما زالوا يعيشون مرحلتهم الانتاجية كصيادي سمك، هؤلاء كانوا ينظرون بعين الإدانة (لسلطان)، حين كان يجالسهم . وكانت نظراتهم تخترق ذاته، فتزيد من حيرته ومن قلقه بالضبط، سلطان – وان كنا نفضل ان يطلق هذا الاسم على أبيه، وبالعكس – نموذج يعبر عن جيله، أو جيل من الشباب الذين عاصروا وعايشوا، نقطة تحول اجتماعي بين مرحلتين قاسيتين، فلا تأخذنا الدهشة إذا حين نسمع سلطان في آخر الرواية يقول (آه كم أنا حائر ومتعب ..).

* * *

(جروح على جدار الزمن) حكاية يرويها لنا علي محمد راشد، بطريقة مبسطة جدا وعلى حساب فنية القص، فالحكي العادي لقصة .. أي قصة، مهما عظم مضمونها، لا يشكل قصة فنية .. فما الحال إذا كان الكاتب يقدم لنا حياتها، ناقلاً هذه التفاصيل القصصية بسذاجة وغير تدبر في انتقاء هذه التفاصيل أو في طريقة عرضها .. (ان غاية القصة اليومية تكمن، بالتأكيد، في الا نحتفظ سوى بالمهم، أي ما كان ذا دلالة، وما يمكنه ان يحل محل الباقي لانه يدل عليه، وبالتالي نستطيع ترك الباقي في طي الكتمان فنطيل الكلام عن الأساسي، ونمر مرور الكرام على الثانوي).
وانطلق من اشارة ان الكاتب لم يذكر على غلاف الكتاب، قصداً أو سهواً، عما إذا كان هذا النص رواية أو أي شيء آخر .. لأقول : ان هذا العمل المنشور تحت هذا العنوان : (محاولة) لكتابة قصة فنية، وينبغي ألا يكون إخفاق الكاتب فيها .. يشكل إحباطاً، بقدر ما يكون (قضية) طرفها خاص بالكاتب، وطرف .. يتعلق بالوضع الثقافي العام، الذي هو في طور التغيير نحو الافضل وهو ما يجرنا لسؤال : لماذا يتسرع بعض الشباب في الامارات، لنشر أولى محاولاتهم الابداعية .. فعملية (النشر) مسؤولية ثقافية (اجتماعية) يتم تسجيلها.
لكن .. ومع اعتبار ان أي ساحة ثقافية لا تخلو من هذه التجاوزات لسبب أو لآخر .. فان .. (محاولة) على محمد راشد هذه، يمكن تسجيلها في رصيده الفردي كمرحلة اولى في انتاجه القصصي.
وفي روايته الثالثة (ساحل الأبطال). نقرأ عن شخصيات تاريخية، كانت قد لعبت دوراً في تاريخ امارة رأس الخيمة في بداية القرن التاسع عشر. وقد تمثل المؤلف في هذه الرواية تاريخا محدداً وموثقا لفترة زمنية عن رأس الخيمة، ناسجاً حول هذه الفترة قصة إمتزج فيها الواقع التاريخي الموثق، بالخيال، فنرى بجانب تخيلات درامية وقائع ووثائق تاريخية صحيحة، وبأسماء شخصيات حقيقية. والأدب العربي الحديث به العديد من الروايات الفنية التاريخية التي سردت تاريخا لاحداث و أشخاص.
وقد نشأت الرواية التاريخية في العصر الحديث، تعبيراً عن الإحساس بالقوميات الناشئة، والتنبه إلى تاريخها وأمجادها، وقد ظهرت الرواية التاريخية في ادبنا المعاصر في ظروف مشابهة. أيضاً لم يتخلص الكاتب في هذه الرواية، من طريقة (الحكي) العادي في سرد الأحداث التاريخية، والذي انعكس بدوره على بناء الشخصيات في الرواية، فلم يلق بالاً إلى النسيج الداخلي المكون لهذه الشخصيات، فنراه يذكر تحركات شخصياته، كما يرويها مؤرخ، وليس كما ينسجها فنان، فجاءت الرواية بشخوصها أقرب إلى مذكرة تاريخية لمؤرخ عربي. (استمرت المعارك البحرية سجالا بين سفن أسطول القواسم والسفن البحرية البريطانية لذا قررت السلطات البريطانية في الهند تصفية الحساب عسكرياً مع القواسم بصورة نهائية، وقد بوشر بالاستعدادات اللازمة لهذا الامر منذ فبراير 1817، حينما اصدر الحاكم العام للهند المركيز (هاستنكر) تعليماته إلى السير (ايفان ليبين) حاكم بومبي بأن يقوم بتحقيقاته باسرع ما يمكن عن حجم وطبيعة القوة المتطلبة لهذه المهمة ). سيظل هذا (العمل) للكاتب مسجلا كمرحلة اولى في رصيده الفني، مادام هو مستمرا في عطائه.
وفي روايته (عندما تستيقظ الاشجان) تتصرف الشخصيات بدوافع عاطفية بدائية، دون ان يتخلص الكاتب من طريقته في ضبط حركة الشخصية من الخارج ودون ان يهتم بمعاناتها من الداخل. فبدت كأنها مصنوعة من الشمع، غابت عنها الحياة.
فأحمد الشاب الذي ينهي دراسته الجامعة بالقاهرة، مع صديقه عبد العزيز .. هذا الصديق الذي لا تعرف عن أخباره شيئاً بعد قليل .. يعود (احمد) إلى الامارات ليجد أباه سعيداً قد رتب له وضعه الاجتماعي والمادي، وما على احمد سوى ان يصير مديراً .. ويتزوج، ويسكن (فيلا) .. وضمن هذا السياق نقف على تفاصيل كثيرة.
وأحمد في هذه الرواية، التي غرقت في التسجيلية، نموذج جيل من الشباب تفتح شبابهم على الوفرة المادية النفطية (خرج أحمد مع والده واستقل سيارة احمد المرسيدس وأنطلق احمد بالسيارة متجهاً إلى مقر الشركة .. وقفت سيارة احمد امام مقر الشركة ونزل منها مع والده، وتطلع إلى مبنى الشركة .. تقدم سعيد وتبعه أحمد إلى داخل الشركة واتجه إلى مكتب سعيد، جلس سعيد، على مكتبه الفخم وقال لأحمد : تفضل بالجلوس يا أبني العزيز. رمق احمد والده بنظرة ثم قال .. احمد يا أبني العزيز فقط .. هنا ابتسم سعيد لما سمعه من ابنه وأردف قائلاً : ومدير الشركة قريبا ..
- أصحيح يا أبي ما تقول؟ ساصبح انا مديرا عاما للشركة.
- ولم لا يابني .. انت أهل لها .. اننا فقط بانتظار نتيجة امتحانكم. ومع بعض التحفظ على البناء اللغوي والسرد .. أقول : ان هذا التجسيد الفني للنموذج في العمل الروائي خلا من المواقف، والمحطات الانتقائية التي تدفعنا إلى التأمل والاعتقاد، بان ما نقرأه عمل روائي وليس مسلسلا دراميا تلفزيونيا، نفذ بطريقة رديئة .. وقد اعتمد الكاتب اسلوب الكاميرا في رصد تفاصيل كثيرة، لا لزوم لذكرها.
وأحياناً يلتزم الكاتب حرفيا بنقل تفاصيل صغيرة يمكن الاستعاضة عنها بكلمات موحية، ولها دلالتها .. وتغني عن كثير من التفاصيل الواقعية .. ومن المؤكد أن هذا لا يأتي بسهولة، بل يحتاج الكاتب إلى مراس وصبر في القراءة، والكتابة لنقرأ (رن جرس المنبه قرب سرير أحمد معلناً ان الساعة قد شارفت على التاسعة صباحاً، تضايق احمد كثيرا لرنين الجرس، ومد يده وضغط على الزر فأخرسه، استمر احمد مستلقيا على سريره ولكن النوم قد انسحب من مقلتيه مما جعله يتبرم، وفي النهاية لم يجد بداً من ان ينهض من سريره ويتجه إلى الحمام ليزيل آثار النوم فأخذ حماما دافئاً وقد استعاد نشاطه) بمثل هذا الاطار يتم رسم حركة الشخصيات في الرواية. وفي نفس الوقت، وبقليل من التأمل سنكشف الجانب العبثي في حياة هذه الشخصيات من خلال هذا الاطار الفني، لان طريقة الحياة بهذا الشكل المتراخي، اللامنتمي، وغير المتجه إلى هدف انساني، هي طريقة عبثيه .. ومن هذا الجانب، ينجح الكاتب في تقديم نماذج اجتماعية، ليست غريبة عن الواقع المعاصر في الامارات، حيث ان الطفرة المادية المفاجئة، أضفت طابعاً عبثياً من نوع ما على الواقع.

* * *

في رواية (أحداث مدينة على الشاطئ) للحربي الشخصيات تظهر في مواقعها. وتكاد تحمل معها مبررات الخلق الروائي، وتتشكل في تنام، وتتصاعد تباعا مع أحداث الرواية لكنه ليس التشكل الذي يصل إلى نهايته.
(سليمان العبد الله) ابو حصة، نموذج محوري، في مدينة من صنع الكاتب (المريضة) هذه المدينة التي كادت ان تجسد شخصية فاعلة، لولا، ان الكاتب كان يغيب دورها من حين لآخر. أبو حصة يعيش الحالة الروائية ونقيضها، في اطار من المنطقية الفنية، والواقعية ايضا، وهو نبت متجذر في المريبضة).
( سليمان العبدالله – ابو حصة – الرجل القوي، الطويل القامة، الذي يحترمه اغلب الناس في هذه المدينة الصغيرة، ليس لانه يرافق الحاكم وينقل ما يدور من احاديث مجلسه إلى الاهالي عندما يزورونه في بيته وقت العصر، بل لأنه وكما يردد أهل (المريبضة)، اول من وجوده في المنطقة يوم تركوا الصحراء باتجاه الساحل، بل يقول كبار السن انه خرج من الأرض مثل النخلة، وهو في هذه المنطقة قبل مسجد
(الحاج داوود) نفسه، على ان كرمه الذي لا يقتصر على فتح باب بيته، أمام كل الناس، قريبهم وبعيدهم، بل كان يتعاطف معهم في الملمات وقت الحاجة والعوز).
وحين ينال (سليمان العبدالله) صفعة في البيت الحرام من مجلاد الحاكم، تصرفت الشخصية بصلابة مع هذه الحالة، والتي كانت الشرارة الاولى لموقف جديد، ومغاير لموقفها الاول من مجلاد، وحين تقرر هذه .. الشخصية ان تكون نموذجاً تغييرياً لهذا الواقع بجانب نماذج أخرى – حمد بن خميس وابنه عوض وحماد السلمي وابنه سعيد فانهم يحاولون جميعاً الأخذ بالسبب، ويبحثون عن وسيلة، ويقدمون تضحيات.
هنا، ومن هذه النقطة، يختلف سليمان العبدالله واصحابه، مع (خالد) و(اصحابه في رواية – دائماً يحدث في الليل – لغباش، فسليمان ينال الصفعة خارج (المريضة) ولكنه يعود إليها. وعودته وسيلة صحيحة في حين سنظل نبحث عن تفسيرات .. لرحيل خالد عن مدينته، كوسيلة لمقارعة واقع الظلم في المدينة .. يعود (سليمان العبدالله) بالرغم من ان رفيقه حمد خميس يذكره : (لكنك ضعيف، مالك قدره عليه).
- (ينصرني الله، هي موتة موتة، ان مت اليوم أو بكره، الذل يا بو عوض ما ينصبر عليه، لا والله ما ينصبر عليه).
غير ان الكاتب، ولسبب ما. سنناقشه فيما بعد، كان يضيق الخناق على حركة الشخصيات ولا يفرد لها مساحة زمنية كافية لتقول ما عندها، وتفعل ما تقدر عليه فظهرت الشخصيات – خاصة سليمان – وكأن قيدا ثقيلا يمسك بأعناقها، مع ان العمل الروائي، مساحة عظيمة لممارسة الحرية، هكذا يفترض، فالرواية غير الشعر، فالضغط الزمني، والفكري، والغموض في الحركة، تفقد الرواية رحابتها، وايقاعها، وعمقها الفني.
والمتأمل لحركة الشخصيات في (احداث مدينة على الشاطئ) بهذا الشكل الروائي المضغوط، يواجه أكثر من توقع وتساؤل :
1- القدرة والاتساع في أدوات الكاتب، ومقدار إحاطتها الفنية والفكرية، وعما إذا كانت فعلا قادرة على خلق شخصيات صاخبة، ومتشعبة، وعميقة .. وتتحرك في مجال مترام .. ام ان هذه (الادوات) بالكاد تصنع شخصيات في أطوار نموها الاولى، وليست بالحياة التي تدهش المتلقي.
2- اعتقدت في لحظة ما، وأنا أقرأ هذه الرواية، أن ثمة تاثيراً قد أسر الحربي من قراءته لرواية (مدن الملح) لعبد الرحمن منيف) ولم يتخلص منه وهو يكتب (أحداث مدينة على الشاطئ) حيث تتلاقى فضاءات كثيرة بين الرواتين، وملامح الشخصيات في رواية (الحربي)، تتشابه إلى حد، مع بعض شخصيات (مدن الملح)، حتى أن هذا الاعتقاد يكاد يدفعني إلى القول بان (أحداث مدينة على الشاطئ) كتبت بفعل شحنة تأثيرية من قراءة (مدن الملح).

عودة »»