المضمون والدلالة الاجتماعية في الرواية - لمحة عامة
في الرواية مثلما الادب والفن عموما هناك محتوى متصل بين المؤلف والآخرين، وهذه
الصلة موجودة منذ ابتدأ الانسان يبدع وسائله كي يتصل بها مع الآخرين.
وحين جاءت الرواية، لتكون إحدى هذه الوسائل، فإن ثمة شعورا بالارتياح قد لامس
الانسان حين وجد نفسه امام وسيلة تعبيرية هائلة، وبلا حدود، شكلت له عوالم أخرى
خيالية، بجانب عالمه الذي يصفعه بالمخاوف، فحملت الرواية الكثير من المضامين
الفكرية والفلسفية لتخفيف وطأة هذه المخاوف.
وقد تعددت الآراء النقدية حول هذه المضامين، كما تعددت الاتجاهات النقدية حول صلة
الرواية مع الحياة (فمنذ مئتي عام ردد علينا الرومنطيقيون وورثتهم الذين لا يحصون،
كل منهم بشكل افضل من الاخر، ان الادب لغة تجد غياتها في ذاتها حان الوقت لبلوغ (الرجوع
إلى) البداهات التي من المفترض عدم نسيانها : للادب علاقة بالوجود الإنساني، انه
تبعاً لاولئك الذين يخشون الكلمات الكبيرة، خطاب موجه نحو الحقيقة والاخلاق، كان
سارتر يقول ان الادب هو كشف للانسان والعالم، وكان على حق (ولن يكون الادب شيئاً
إذا لم يتح لنا ان نفهم الحياة بصورة افضل).
(وفهم الحياة) مبدأ شديد التعقيد، عملية لا يحكمها قانون أو عرف، وازداد هذا المبدأ
تعقيدا في هذا القرن، حيث تصارعت حوله تيارات فكرية وفلسفية، كانت جذورها ممتدة في
القرن الماضي، وربما الذي سبقه وهي التيارات التي اتكأ عليها النقد الحديث، ناهلا
منها توجهاته ومشاربه النقدية.
وصار من الصعوبة بمكان، على النقد الأدبي ان يرتكز على مرجعية أيديولوجية واحدة،
وحاسمة لمفهوم الحياة ولمبدأ : فهمها الافضل. بل وقع النقد الادبي في حيرة تاريخية
في النصف الثاني من هذا القرن، وهو يتعرض لافكار الادب، ومضامينه، وطروحاته
الاجتماعية، لعل هذا واحد من الدوافع لظهور نزعات نقدية بين الحين والآخر تعنى
بحرفية النصوص، وتركيباتها. وتشكلاتها، مفصولة عما يحيط بها في الواقع الاجتماعي.
واختلطت السبل المؤدية إلى فهم الحياة الاجتماعية، فمنها ما أخذ طريق الذات في
التعامل الفني مع الحياة، واضعا في هذا الطريق خلجات ومشاعر ومعتقدات هذه الذات
تجاه الحياة والاخرين، فتبرز (الانا) على أساس النموذج المحور، حاملة معها حقيقة
الحياة من وجهة نظر شخصية بحته .. وينطلق مؤيدو هذا الاتجاه في الأدب، من فرضية ان
الذات تشكل وحدة من الموضوع الانساني العام، وقد سار هؤلاء بعيداً في استغراقهم،
وفي تأكيد صلتهم الموضوعية بقضايا عصرهم ومجتمعهم، وفي دحض الاتهامات التي ما إنفك
بكليلها لانها من الاساليب الرديئة، وذلك بتأكيدهم على الوعي الاجتماعي، وكأن الوعي
الشخصي ليس جزءاً من الانسانية بوجه عام. وهذا الرياء قد بلغ حداً من السخف جعلهم
يعتقدون ان حضور الذات يقضي على الموضوعية).
ويستعين أنصار الذات في الفن وفي قدرتهم على فهم الحياة وتحريكها ايضا، بالعلم
التجريبي لاثبات صحة توجههم الفني. (ولقد كشف التحليل النفسي منذ سنوات عديدة كم هي
الموضوعية هزيلة في تفكير الانسان. فثمة حتى في أشد الناس عقلانية، منطقة للبواعث
اللا معقولة – كما في المشهد السياسي اليوم – وهي بواعث شخصية تنتمي إلى ماضيه
الشخصي، ومعرفة هذا البواعث هي وحدها التي تجعل الانسان يتغلب عليها، ويتمكن من
رفضها والتخلص منها، وما يهم هو جوهر الشخص لا أعماله الحرفية ) على الطرف الآخر،
ما زال الكثيرون يعتقدون بأهمية الوعي الاجتماعي في العمل الروائي، وكذلك في الأدب
عموما، فلابد أن يرتكز على موضوعات لها صلة وثيقة بالحياة الاجتماعية .. وأن يكون
المجتمع بكل ما يمر به من علاقات وقوى .. أرضية صلبة وأساسية للانتاج الأدبي.
كما ان (عزل الأدب عن التاثيرات الاجتماعية والفكرية المباشرة أمر غير ممكن). وفي
هذا البناء الاجتماعي لابد من نظرة مستقلة .. تشكل موقف الاديب الاجتماعي نقرأها في
قوله الروائي (فالادب يمثل الحياة والحياة في اوسع مقاييسها حقيقة إجتماعية واقعه).
والمضمون الاجتماعي للعمل الادبي لا يستمد في الحقيقة من واقع الحياة في المجتمع،
بل من (موقف الاديب الفكري من الحياة في هذا المجتمع، والمضمون في ذاته قيمة وهو
قيمة تتولد عن مواقف الاديب الفكرية من القيم الاخرى السائدة في المجتمع .. فالعمل
الادبي ذو المضمون الاجتماعي هو الذي يضيف إلى مجموعة القيم السائدة قيمة جديدة قد
تلغيها أو تعدل عنها).
وموقف الأديب الفكري، من مجتمعه، ليس إختياراً بقدر ما هو حصيلة تفاعل إجتماعي مادي،
مع القوى المادية المضادة .. اذ يصعب تخيل أديب روائي يتبنى موقفاً يغاير إنتماءه
الاجتماعي، إلا إذا كان زائفا. فالبديهي ان التصنيف الاجتماعي الراهن للاديب يفرز
وعيا اجتماعيا يظل في حالة جدلية مع القوى المضادة .. هذا الوعي الذي سينعكس
بالضرورة على رؤيته الفكرية داخل العمل الروائي.
فروائي مثل مكسيم جوركي، أو حنا مينه، ما كانا سيقدمان، نماذج من قاع المجتمع .. لو
أنها من طبقة ارستقراطية .. كما ان تهافت الادباء المندرجين قسرا، في الطبقة
الاجتماعية المتوسطة على اختيار شخوصهم، في الغالب، من تلك الطبقة، إلا كونهم
يدركون الحالة الاجتماعية والمادية والنفسية لطبقتهم (فالادب والفن عامة يعكس علاقة
نوعية بين الانسان وعالمه .. ولهذه العلاقة قوانينها الخاصة التي تميزها عن غيرها
من العلاقات الفكرية العلمية، ويرجع مصدر كل هذه العلاقات وغيرها من العلاقات
الفكرية والعلمية، ويرجع مصدر كل هذه العلاقات وغيرها من كافة وجوه النشاط الانساني
وظواهره إلى النشاط العملي للبشر).
والنشاط العملي للبشر، متعدد الاوجه، متداخل ومتصارع، وتزداد شراسة التصارع. إذا
كان هذا النشاط بين قوى غير متكافئة وغير منسجمة في علاقاتها الاجتماعية، داخل
المجتمع الواحد، مثلما حسمتها التجربة الانسانية، فإن العلاقة الاجتماعية تظل
متوترة، وبغيضة بين هذه القوى .. وهنا تبدأ المهمة الانسانية للادب.
(ان مهمة الادب العسيرة، التي تجعل من أدب ما، أدباً حياً وفاعلاً وإنسانياً بغض
النظر عن المكان الذي ولد فيه، أو حجم الشعب الذي خرج منه، هي حجم الانسان في هذا
الادب، من خلال الحقيقة الموضوعية، وهكذا يحدد طريقته في معرفة موقعه الاجتماعي ضمن
المرحلة المعينة وقدرة هذا الادب على التقاط ما هو مشترك من خلال ما هو خاص،
وربطهما معا للتعبير عن هوية المجتمع السياسية والثقافية، فضلا عن هويته الاقتصادية
والاجتماعية. وهذا ما يربط الادب بالناس ويعيد علاقتهم به إذا كانت مقطوعة، وهو
الأمر الذي يعاني منه أدبنا العربي، هذه العلاقة التي تجهز عليها سكاكين المال
والسياسة والمنفعة الفردية كما تجهز عليها هروات المنع والتحريم أيا كان شكله :
اقتصاداً أم أيدلوجيا) والتساؤل الذي يفرض نفسه .. هل تشكل موقف أدبي للروائي
الاماراتي على نحو واضح، تجاه المضمون الاجتماعي في ساحة الواقع، انعكس على المضمون
الروائي، وان حدث فما طبيعته ومرتكزه الفكري.
يقول الدكتور سعيد عبدالله حارب (ان مجتمع الامارات تسوده تيارات ثقافية وفكرية
مختلفة تعبر في بعضها عن تيارات عقائدية (أيديولوجية) بينما تعبر في البعض الاخر عن
اتجاه ثقافي عام لا ينتمي إلى أي إتجاه فكري، لعل النشأة المتأخرة للحياة الثقافية
– بصورتها الحالية – في جذورها التاريخية إمتداد للتيارات الفكرية والسياسية
المنتشرة في العالم العربي .. فقد أدت مرحلة التأسيس للحياة الثقافية المعاصرة وما
تبع ذلك من إنشاء مدارس ومؤسسات ثقافية إلى جانب قلة الخبرة وندرتها أحياناً لدى
المواطنين، أدت إلى طلب المشاركة من إخوانهم العرب، فوفد إلى دولة الإمارات ألوان
مختلفة من الأفكار – التي كانت تسود العالم العربي خاصة في فترة الخمسينات
والستينات، ساهمت هذه الافكار في ايجاد النواة الاولى لدى ابناء الإمارات لتبني مثل
هذه الافكار).
هذه الارضية الفكرية السائدة على ارض الواقع في الإمارات، والتي يتفاعل معها
الروائي بحكم المعايشة اليومية .. هذه الارضية كما يفسرها الدكتور حارب تنقسم إلى
التيار الإسلامي ثم التيار العلماني (قومي أو أممي) ثم التيار الفكري العربية أو
الليبرالي، وكذلك تيار الثقافة المعرفية العامة .. غير العقائدية.
ولكن موقف الأديب لا يتبلور بصورته المسلكية في الادب – والرواية والقصة القصيرة
على وجه التحديد – إذا لم يرتكز على قاعدة إجتماعية، على وعي بشريحته الإجتماعية
المادية المنضوي تحتها، فالموقف الفكري للأديب، هو خلاصة هذا الوعي، وانعكاس مباشر
له، والعلاقة تبادلية بين التغير الاجتماعي وبين موقف الاديب إذ أنه (من المؤكد ان
التغيير الاجتماعي هو الذي يؤثر في الانسان بالدرجة الاولى و محاولة الانسان لنقل
هذا الواقع إلى خطوة أكثر تقدما حسبما يعتقد هنا تبدأ الأشكالية أو تبدأ مرحلة
الاغتراب التي أوردها الدكتور المطوع جوانب ايجابية) لموقف الأديب الفكري تجاه
مجتمعه، بعلاقاته ومتغيراته، وهي الحالات التي ستنعكس في أعماله الأدبية. أما كثافة
هذه الأعمال، أو فاعلية الاعمال الأدبية وتأثيرها داخل المجتمع، فهذه إشكالية أخرى
.. كبيرة، وحلها ليس نابعاً من موقف الكاتب ولا فيما تطرحه أعماله الأدبية.
فالمجتمع ينتظر دوماً من الأدبي ان يعلن موقفه الاجتماعي على الملأ، مثلما ينتظر
ذلك من أي فرد آخر، لكن في حالة الأديب، يكون أعلانه الأساسي .. ما يكتبه، ما يصرح
به من مضمون، بشكل فني صادق ليصل إلى وجدان المجتمع وعقله، وكي يساهم بجانب عوامل
أخرى في احداث عمليات التغييرات الاجتماعية.
وتتجسد وظيفة الطرح الادبي، من خلال العلاقة التي ينبغي ألا تنقطع بين الكاتب
ومجتمعه، بغض النظر عن الظرف الاجتماعي الراهن أكان مواتياً أو معاكساً، اما (أولئك
الذين يبحثون عن ظروف مثلى يتمكن الادب في ظلها من انجاز وظيفته الحقة في المجتمع
سيقال لهم ان الكثير من الادب العظيم قد أنتج في الماضي مع ان تلك الظروف المثلى لم
تكن سائدة فيه، صحيح ان الغريزة الأدبية قد بحثت وانجزت ما يرضي طالما أتاحت الظروف
للموهوبين ان يتصلوا بالحياة وبالناس الا أننا نعيش في عصر تعرقل فيها الظروف
الكثير من النشاط الادبي، وتجعل من المستحيل ان يدرك الجمهور ما هو الأدب في
الحقيقة .. ان المقاييس تتدنى، والأذواق تفسد، وما يطغى هو الزائف والمنحط ..
والقول ان أكثر الناس كانت مقاييسهم على الدوام متدنية، وان هناك مراحل في الماضي
قد قبل فيها الأسوأ بشكل عام وعلى أنه الافضل، هذا القول انما تسليم بصحة ما يطرح،
وما يهمنا ليس المقارنة بين ما في الماضي من خير وشر، وما في عصرنا، كاستقصاء
وانجاز للامكانات التي يخبئها المستقبل، فنحن أكثر حظا من أسلافنا من نواح كثيرة ..
لقد قبلوا الأشياء كما هي لانهم كانوا عاجزين عن رؤية القوى التاريخية التي أنتجتهم
رؤية واضحة وبالتالي لم يملكوا المعرفة ولا الوسائل المادية الكفيلة بتغييرها، أما
نحن فلدينا المعرفة والوسائل معاً : لقد زودنا تقدم المعرفة العلمية والنفسية
والتاريخية بمنهج لتحليل عيوب حضارتنا وتقديم العلاج لها).