الصفحة الرئيسية
الكتب والمراجع والحقوق
عدد الأقسام : 42
عدد المقالات : 898
عدد زوار المقالات : 1679339
المتواجدين حاليا :
 
البحث فى المقالات
 
جديد المقالات
* الآبار ومواقع التنقيب وتل الفخار
* الإضافات
* المواد الأولية
* تحليل العناصر المعمارية والزخرفية
* تنفيذ خطة الترميم والصيانة
* خطة الترميم والصيانة
* تاريخ الجزيرة
* جزيرة دلما
* المقدمة
* الخلاصة
 
الصفحة الرئيسية » الرواية والقصة القصيرة » المضمون والدلالة الاجتماعية في الرواية - البحر والنفط
تاريخ الإضافة :: 14/06/2007   ||   عدد الزوار :: 509

المضمون والدلالة الاجتماعية في الرواية - البحر والنفط


في رواية (السيف والزهرة) يفاجئنا الكاتب بـ (البحر) منذ الكلمة الاولى. وهذا بمثابة تصريح عنيف لتعاطف الكاتب مع مرحلة البحر، فـ (البحر يبتلع الشاطئ والشمس تصوب شظايا حارقة).
والبحر في الرواية، كائن ملازم لحياة اجتماعية عريضة على الشاطئ .. تمور بعلاقات ساعد البحر في نسجها داخل هذا الحياة .. هذا صياد، وذاك نوخذة، وآخر صاحب السفينة وتقسيمات أخرى في العمل الانتاجي المرتبط مباشرة بالبحر.
والكاتب لا يغفل من أن يقدم البحر ممتزجاً بحياة الوطن الساكن فيه، وبجانبه، ملتصقاً به في تماسك عضوي وقد أبرم معه منذ زمن، عقداً تضمن معظم شروط الحياة .. جيرة فائقة الود، غريبة بين بحر واسع ممتد، وانسان يلاصقه في ساحل ضيق، تحاصره الصحراء باستمرار .. هذا البحر نراه في الرواية مثل شخص، يفرح يغضب ويحزن يعطي ويأخذ يخاف ويسامح وينتقم (ازداد هياج الموج واشتعل البحر بضجيج مدو وفتك الخوف بصدر سلطان وهو يرى العرق يتصبب من جبين أبيه وقد اشتدت أوتار عنقه وتورمت عروق عضلاته).
(البحر يخاف القوي، يستسلم أمامه).
(هذا البحر لا غنى عنه فهو خيرنا ومصدر رزقنا ...).
(من المؤكد ان البحر سلط شياطينه لتهاجم المكتب – حسدني هذا العين وظل يطاردني حتى ألب ضدي الجن والانس).
(عاد سلطان إلى مكتبه، اقتعد كرسيه العملاق غزته الأخيلة والافكار .. البحر يهدر بصوت كالرعد، القارب يضحك بسخرية، ويلوح مشيراً اليه بان لن يبليه الزمن، ولن يتهاوى طالما احتفظ البحر بشموخه، الاسماك الصغيرة تتقافز وتعبث بالماء فرحة بالحرية وبصداقة البحر الحميمة .. الشبك يتلوى كالثعبان يبصق في وجهه، الشاطئ يرزخ تحت أقدام الموج الثائر تذكر سلطان كلام أبيه).
هذه العلاقة القديمة في حدها الادني .. وهي ، ان كانت حياة ليست بشكلها الافضل، لكنها تبقى انجازاً كما نقرأ في الرواية – ينبغي حمايته.
والفضاءات المحيطة بالشخصيات في علاقتها بالبحر، تشير إلى انها حبلى بمعاناة قاسية وليست هينة، اذ تقدم بعضها شغلا حقيقياً لكي تنتج ما يؤمن حياتها، ونفهم – بالايحاء – من شخصيات أخرى، أنها تكابد البحر من أجل لقمة العيش (تساءل سلطان في حيرة، لم لا تترك البحر لفترة وجيزة يستريح فيها صدرك ثم تعود صحيحاً معافى .. رمى خلفان بنظرة عاتبة وقال : البحر صديقي ولا استطيع مفارقته أبدا، أنا سمكة من أسماكه، اتنفس من هوائه، واتغذى من مخزونه وأشرب من ملوحته، ثم اردف قائلا، انا بدون هذا البحر أكون صحراء قاحلة بلا عشب ولا ماء، أكون مستنقعاً يفوح بالرواح النتنة، أشعر بدون البحر بالموت ... ).
ولكي تظل هذه العلاقة متصلة، لابد أن تكون في إطار من الحرية والأمن هكذا يفترض، الا إذا تصادمت مع مصلحة مضادة (الصبية يلعبون ويمرحون على الشاطئ ..).
غير ان هذا الوجود الآمن الوادع، لن يبقى على حالة، فهناك دوماً ما يقلق أمن البشرية (ماذا حل بنا يا جماعة الخير؟ لا نستطيع الصبر على هذا الحال، الخوف يداهمنا في كل مكان ..).
وحينما يصور الكاتب، على ابو الريش، البحر كمعادل موضوعي للانتاج والحرية والأمن الاجتماعي، فانه يقدم النفط نقيضاً لهذا المعادل، ويسير الحدث الروائي ضمن هذه التقابلية في الطرح، وهي تقابلية مريحة، فمرحلة البحر تمثلها شخصيات خلفان، أبو صالح، ومرحلة النفط ممثلة بسلطان ابن الصياد الاصيل خلفان، الذي قضى حياته كلها صياداً في البحر، سلطان الذي يمثل جيلا تربى في المتغيرات الجديدة التي أفرزها النفط .. يتمرد بسلبية على مرحلة البحر، ولا يريد اية صلة مادية تربطه فيها .. فهي صلات قاسية ومكلفة وهذا ما لا يستطيعه حالياً (قطع خليفة حبل الحديث وتساءل .. ماذا ستفعل بالقارب؟ لوح سلطان يده وقال : سادعه يغرق في البحر، لتبتلعه الأرض الان، لا حاجة لي به، الخير يتدفق من كل مكان، بدون تعب القارب ومقارعة البحر القاسي، لقد تغيرت حياتي وصرت مسئولا مهما في الوزارة، الناس يتوافدون إلي في المكتب يطلبون خدماتي يحنون الظهور ويستقبلون نظراتي الخانقة بخشوع وأنا أجلس على الكرسي العملاق وبين الحشد الهائل من الأثاث والزينة، كامبراطور يتنفس نسيم العطور بعد زمان من الحرب والمكابدة والمعاناة ولوح مرة أخرى واستطرد ولى ذاك الزمان، ما عادت العلاقة مع البحر والقارئ تجدي أبداً، سأعيش حياتي الجديدة في بطون السجاد المخملي، والمكتب الزجاجي والالوان الزيتية الجميلة، بعيداً عن الفقر والقهر).
هي اذن ملامح مرحلة النفط تبدو بوضوح من خلال شخصية (سلطان) والتي استمرأت هذه الحياة المجانية التي لا تتطلب جهداً فكرياً ولا جسدياً. ولكن على الطرف الآخر، نجد الحالة النقيض، فأبو صالح صوت يرفض هذه المجانية، ويعلن موقفه من هذه الحالة (إمتعض أبو صالح لحديث سلطان، وقال في لهجة حزينة، البحر والارض سيظلان حضنينا الأبديين ومهما قسيا فهما الموئل الأخير، الموطن الذي لا تنام عيوننا إلا بين يديه).
وحين تتأزم الشخصية المحورية – سلطان، أمام الواقع النفطي الجديد، حيث تكتشف ان هويتها في الطريق إلى الذوبان أمام ما أفرزه هذا الواقع من سلبيات، عندها يلجأ سلطان إلى ذاكرته، إلى البحر إلى المرحلة السابقة، حيث الدعة والامان الاقتصادي والاجتماعي في أحضان البحر أنه يتذكر ولكن بشيء من الحزن والهذيان (أبي كان قوياً والبحر ايضا كان قويا ابي كان يحب البحر والبحر ايضاً يبادله الشعور).
( ثم يرى صورة والده، وهو يقف قبالته وبين يديه يحمل اناء يمتلئ بالماء يسكبه على الرمل اليابس ثم يصدر قهقهة عالية ويقول مخاطبأ ابنه .. هذا هو الجاه الذي قصدته، لقد انسكب على ارض رملية فسرعان ما نشفت الأرض).
(أبي مات وهو يمد يديه مصافحاً موج البحر، ابو صالح رغم ترهل ذراعيه ووهن جسده فلا يزال متشبثاً بالشجيرات الهرمة يمارس حياته بنشاط وصدق ولم يأبه برحيل عبيد (البيدار) بل انه ازداد التصاقاً بنخله وحشيشه. تورم رأس سلطان بالافكار وشعر بحاجة إلى البكاء ..).
واللجوء إلى الذاكرة، وهي في مثل هذا الوضع المتأزم، يشير إلى العجز في التصرف أمام مرحلة جديدة، لعدم استيعابها وفقد القدرة في التعامل الايجابي معها .. إنها بالضبط هروب من الزمن الحاضر إلى الماضي، وربما يكون ذلك لتجميع كوامن الارادة للعبور نحو المستقبل، بقوة أكبر ذلك ان سلطان على الرغم من تأزمه وتردده وعجزه الا انه لم يعلن استسلامه، هو فقط، أعلن حيرته من هذا الوضع السىء (أه ... كم انا حائر).
وبهذا ترك لنا مداراً واسعاً نتخيل فيه، ان الحيرة كثيراً ما تكون بداية للفعل الصحيح .. الفعل الذي يستوعب البحر والنفط معاً.
وعندما نقف على وصية خلفان الأب الصياد لأبنه سلطان، نكتشف رؤية جيل عريض من المجتمع المحلي تجاه مرحلة الصيد والغوص، والى ما يقابلها من ابتعاد عن هذه المرحلة. هذه الرؤية من المهم ان نقرأ خيوطها في هذا العمل الروائي : (حدج خلفان ابنه بنظرة واجمة وقال : أعلم يا بني أنك في زمن لن تكون في حاجة إلى البحر بفضل ما ستناله من علم وشهادة يؤهلانك لان تصبح رجل أعمال ادارية ولكن السبب الوحيد الذي يجعلني أصطحبك معي هو فهم أصول الحرفة .. أريدك ان تتذكر دائماً بأن البحر هو البحر، قد يتغير كل شيء وقد تتبدل الأحوال من حال إلى آخر، لكن البحر سيبقى شامخاً قوياً، يجاور هذا الشاطئ إلى الابد كما جاوره منذ الازل أريدك ان تشم رائحة الملوحة وعبير التراب لأنهما أغلى شيء يا بني نحن نشرب ونأكل من الماء وعلى الأرض نزرع ونسير وتدب أقدامنا حتى الطيور يا بني والتي تجنح ليل نهار في الفضاء الواسع، فهي لا تهدأ ولا تستقر الا في أعشاشها المنصوبة على الأرض، ولا تطعم فراخها إلا من أسماك البحر وانا ان دمت فلن أدوم الدهر كله، لابد انك ستحتاج إلى هذا المجداف، أو على الاقل إلى البحر، فيجب ان تسبح وان تتعلم فنون التعامل مع البحر والبر من أجل حياتك ومن أجل ان تبقى قوي البنية عنيف المراس ..).
وفي هذا القول الروائي، وان كان ضعيفاً في صياغته الفنية، الا انه بعطي مدلولاً عميقاً لشخصية خلفان الذي يمثل جيله، وهو الجيل الذي أقله، كان يأكل مما ينتج.

* * *

ونقرأ في رواية (أحداث مدينة على الشاطئ للحربي) :
(لا يعرف أهالي مدينة – المريبضة – من الأعمال سوى ركوب البحر، يبحرون في شهور محددة في فصل الصيف، مستخدمين مراكب مختلفة الاحجام، يغنون على ظهرها وهم يبتعدون عن اليابسة مودعين نساءهم وأطفالهم الذين يقفون على الشاطئ الساعات يغرقون في البكاء حتى تغيب المراكب وتبدو كنقاط صغيرة في آخر البحر .. يعودون بعدها إلى بيوتهم الطينية الصغيرة البائسة ليخلوا في دورة حياة بسيطة رتيبة تدعو في كثير من الاحيان إلى السأم .. تساورهم من آن لاخر مشاعر وهواجس مخيفة على شكل أحلام طويلة مفزعة لا تنتهي طوال شهور الصيف الاربعة، طوال أيام الغيب التي يصارع فيها هؤلاء البحارة باجسادهم الضامرة السمراء أمواج البحر العاتية وتلك الريح الرطبة الثقيلة التي تشعرهم الضيق والغثيان بحثاً عن (دانة) في محارة لا يدري واحدهم أية قاع من هذه القيعان تجود بها، أو اية هير من هذه الهيرات العديدة المنتشرة تمسك بها على ان قسماً منهم يعمل في الابواب والشبابيك الخشبية والبناء والات الهدم والقدور كبيرها وصغيرها وبعضهم الاخر يعمل في نقل مياه الشرب إلى بيوت الاهالي لقاء اجر يدفع اليه عندما يعود (الغواويص) من غوصهم).
في هذه الفقرة الطويلة، تقدم لنا الراوية في سرد تاريخي، توثيقي إلى حد ما مقطعا عريضا لمدينة المريبضة، تظهر فيه علاقات كثيرة في مرحلة البحر وبالذات في مجال تقسيم العمل ناقلة بشكل مكثف بعض الهموم التي يعانيها مجتمع المريضة) في تلك المرحلة.
ثم يغيب الكاتب في احداث الرواية عبر الصحراء، تاركاً البحر كخلفية غير منظورة، لكننا نتحسس وجوده من خلال الشخصيات حيث يدخل الحدث في غياهب الصحراء ليطل علينا الراوية بعد مسافة طويلة في الرواية .. يذكرنا بعلاقات جوهرية واساسية من علاقات مرحلة البحر (المباني الطينية، لا ترتفع كثيرا عن الأرض أغلب البيوت في المريبضة من دور واحد، الا بيوت بعض الميسورين مثل بين النوخذة راشد الحلي الذي أضاف دوراً آخر إلى بيته العام الماضي، فبدا مرتفعا قليلا عن بقية البيوت، الا أنه في طرف المدينة.
توجد مبان مرتفعة مبان لها أكثر من دور واحد بعضها ثلاثة ادوار يسكنها المقربون من الامير وهي تحف بالقصر مثل السور، وبها شوارع معبدة بالقار والزفت، لكن هذه الشوارع. تنتهي عند بيوت معينة في شارع يوصل إلى البحر).
والعلاقة الجوهرية التي نقف عليها في تلك المرحلة، ذاك التمايز الاجتماعي من خلال أحجام البيوت وعدد أدوارها، فمن المؤكد ان البيوت الطينية ذات الدور الواحد، وهي الغالبة، هي لفئة الصيادين راكبي البحر المنتجين الفعليين في المجتمع، ثم يليها بيوت النوخذا والمؤلفة من دورين، وهناك فئة تسكن في بيوت من ثلاثة أدوار، وسكانها لهم إمتيازات إجتماعية خاصة كما ظهر. هذا الكشف، المتعلق بتلك المرحلة مهم جداً وهو موظف بشكل جيد في الحدث الرئيسي للرواية وله دلالته الموحية في البناء الدرامي للحدث.
ولأن السرد الروائي، منكمش ولاهث، وكأن الكاتب يود فيه الانتهاء من الحدث الروائي بسرعة، فإن الرواية يلجأ إلى التكثيف الشديد في سرد تفاصيل الحدث .. ومع اقتراب الرواية من الانتهاء يدخلنا في مرحلة اجتماعية جديدة، بدون تمهيد كاف كما فعل عبد الرحمن منيف في رواية (مدن الملح) والانتقال من مرحلة اجتماعية واقتصادية لها سماتها وملامحها التاريخية إلى مرحلة جديدة، يتطلب نوعاً من المخاض الاجتماعي والنفسي، وهذا مالم يغفله الكاتب (الناس كلها تعيش حالة من الشلل، لا تدري كيف تقع عليهم هذه المصائب المتلاحقة مشاعر مختلفة تنازعهم بين الخوف الكبير، وفضول معرفة هذا السر المبهم، معرفة مصدر هذه المشكلات التي لا يطيقون تحملها .. اختفاء (سعيد) قبله القبض على عوض والحكم عليه بالقتل .. ومنذ سنين مضت مقتل الامام الحاج داوود بعد سقوطه بالحفرة، وقبلها بسنوات طويلة طرد حمد خميس وعائلته إلى الصحراء).
كانت هذه بعضاً من صور المخاض، الذي يتعرض له مجتمع (المريبضة .. مع ملاحظة أن السرد لم يسعف الكاتب في التصوير الدقيق لهذه الصور، غير انه بعد تلك الفقرة مباشرة يضعنا أمام عتبة التغير الاجتماعي الجديد (الناس تتغير .. مدينة – المريبضة – نفسها تتغير، تتبدل فيها ملامح البيوت، بعضها يهدم لتنشأ بدلا منها بيوت جديدة في شكلها وحجمها .. المساحات الترابية تغدو شوارع في ليلة وضحاها تسير عليها سيارات مختلفة الاحجام ..).
والفقرة لم تنته، اذ بعد ان يسرد أنواع السيارات وأحجامها وأغراضها، يدخلنا الراوي إلى الجو النفسي، والمسلكي لمجتمع (المريبضة) ناقلا بعض الملامح النفسية والمسلكية لسكان المدينة، وهم يشهدون هذا التغير المفاجئ الذي أحدثه النفط (الجار بدأ يخاف جاره، بالكاد تجد من يلقي عليك التحية في الشارع تلك التجمعات لدى مقهى سيد علي الأعور لم تعد قائمة .. النساء اللواتي كن يجلسن امام عتبات البيوت ويتحدثن عن كل شيء إلى بعضهن البعض، اختفين، أصبحت الواحدة منهن تخرج من منزلها لتذهب إلى المنزل الذي تريده بسرعة .. الاطفال يبحثون عن بعضهم ليتجمعوا ومن ثم ليلعبوا في أماكن غير التي كانوا يلعبون فيها من قبل .. معاملة الناس تغيرت فيما بينهم، أصبح في (المريبضة) أناس جدد لم تراهم من قبل، كل واحد منهم يبدو مهموما، ولا يتحدث إلا عن عمله، وكيف أنه مرهق، وبالكاد يحصل منه على قوت يعيشه وأهله .. أية لعنة حلت (بالمريبضة) التي بدأت تكبر وتتسع وتختفي فيها الناس).
في اطار هذا السرد، والذي هو أقرب ما يكون إلى القصة القصيرة، يلغي الكاتب الزمن في الرواية. فقط، إلا ما نستشعر من خلاله بأنه قد تم ذلك في الماضي، فالرواية يسرد بضمير الغائب ولانه يفعل ذلك، فإنه يختصر الكثير من التفصيلات. والتي في مجموعها تمد بإحساس زمني مؤثر، وبايقاع واقعي عن مرحلتي البحر والنفط. ثم ومع وصول الرواية إلى نهايتها يمدنا الكاتب بومضة قصصية أخيرة عن تقابل المرحلتين : البحر والنفط، الاولى بملامحها الايجابية، والثانية بما تحمله من قيم سلبية، (بدأ الفجر بنوره يجلل البيوت الرمادية، وبدأت الحركة البطيئة المتقطعة تدب في عروق الحي الكئيب، مداخله الضيقة خاصة حول مسجد الحاج داود، ومقهى سيد علي الاعور، ناس تتحرك بعضها للعمل، بعضها للصلاة .. أصوات أخرى متقطعة تأتي من جهة البحر، اصوات مختلفة تطغى عليها صفارات سفن مغادرة .. صفارات بدأت تسمع حديثاً على شواطئ المريبضة) الملوثة بمخلفات لا أحد يعرفها من قبل : حبال سوداء، أخضاب ضخمة وقوية، كتل سوداء، تلتصق بالاقدام، اسماك ميتة رائحة منتنة، علب فارغة مختلفة الاحجام ..).
ومع انتهاء هذه الفقرة، والتي تعطي صورة واقعية لمرحلة النفط .. صورة ملوثة لشاطئ كان هادئاً ونظيفاً، يعلن الراوي بعدها إغتيال أحد رموز البراءة للمرحلة السابقة .. إغتيال ابي سعيد (حماد السلمى) شقت صمت المريبضة، في دقائق الفجر الاولى عدة طلقات رجعت صداها البيوت سمعها الناس .. الصيادون في البحر قالوا ان السمك إضطرب لها القاع .. هرعت الناس إلى جهة الصوت إلى بوابة القصر ليجدوا (ابو سعيد) ملقي على الأرض وقد تحوط حوله حرس البوابة.

* * *

الاشارة المباشرة في رواية (دائما يحدث في الليل) لمحمد غباش، الدالة على مرحلتي البحر والنفط جاءت على لسان الراوية – خالد وهو يتذكر جانبا من علاقته مع مريم (وفي الوقت ذاته كان وضعانا الاجتماعيان المتساويان تقريبا يتغيران فأبي لم يستطع التكيف مع التحول الجذري والشامل الذي طرأ على الاقتصاد في المنطقة حتى وصل الامر اخيرا إلى بيع سفينة الغوص التي يملكها وفتح بالمبلغ دكانا لبيع المسامير ومواسير المياه والأقفال وما شابه، وما كان الدخل يكفي لسد كفافنا .. أما والد مريم الذي كان يتعاطى تسويق اللؤلؤ والمتاجرة فيه فقد تحول إلى المتاجرة في الاراضي وتدريجياً وان صار يخامرني الاحساس بأنني سيء الحظ عندما أقارن حالة اهلي المادية بحالات الآخرين).
وهذه إشارة غنية بالايحاءات المتجهة صوب علاقات اجتماعية كانت سائدة في فترة البحر (ما قبل النفط) وانتقلت لتؤكد سيادتها في فترة النفط، وهي ان أصحاب السفن في المرحلة الاقتصادية السابقة، شكلوا فيما بعد فئة – اقتصادية يمكن ان يقال عنها فوق المتوسطة في المرحلة الاقتصادية التالية، كما ان تجار اللؤلؤ شكلوا فئة إجتماعية أعلى .. وهذا يعني – كما توحي – تلك الفقرة ان مرحلة النفط عملت على بلورة التقسيم الاجتماعي، وجعلته أكثر وضوحاً عما كان عليه في فترة البحر.
سوى هذه الاشارة لا نتلمس غير فضاءات تدل على ان الارضية المادية التي ترتكز عليها حركة الاحداث هي من افرازات مرحلة النفط .. إذ تتحرك شخصيات الرواية في بيئة تستخدم مظاهر مدينة حديثة جاءت بفعل المردود المادي للنفط. وقدت مثل هذا في نمط البيوت، والاثاث والسيارات والهواتف، والقوارب السريعة التي تستخدمها الشخصيات داخل المجتمع. ومظاهر أخرى كثيرة .. لكننا مع ذلك، نظل على اتصال حميم من خلال هذه الفضاءات، بتلك الاشارة التي تضمنت الكثير من مرحلة البحر.

* * *

وفي رواية (عندما تستيقظ الاشجان) لعلي راشد ترد اشارة محايدة لرأي الكاتب في تقابل مرحلتي ما قبل النفط وبعده، وهذه الاشارة منسجمة مع الجو العام للرواية، والذي إنغمس في تسجيل حركة الشخصيات من غير انتقاء فني، لحركتها في الواقع، ودون ان يضمن هذه الحركات، إيحاء أو دلالة تغوص بهذه الحركة إلى العمق، تلك الاشارة وردت في تذكر عابر وسريع .. بصورة وخاطر جميل عن مرحلة، مرت (كان احمد قد وصل إلى الامارات قبل ان تصل الطائرة وصلها بفكره بقلبه، بكيانه، لقد ولد هناك وترعرع، أنه ما زال يتذكر الأيام التي كانت والدته تقف فيها وسط ساحة البيت تتطلع هلعة إلى السماء في الجو العاصف في ليالي الشتاء لقد كانت والدته ترتعد من الخوف على والده الذي كان صياداً للسمك ولم ينته عذابها إلا بعد ما ترك تلك المهنة الشاقة وبدأ يعمل في التجارة والأن أصبح والده من التجار المعروفين في المنطقة وفتح مع شريك له شركة كبيرة للاستيراد والتصدير).
وندرك على الفور من هذه الاشارة، اغفال الرواية لحقائق اجتماعية تاريخية. وهي ان صياد السمك إلا في حالات شاذة مقدر له ان يصبح تاجراً معروفا خلال عملية التحول الاجتماعي.
ومثل هذا الإغفال، إنما يضعف من البناء الروائي بشكل عام، وهو البناء الذي لابد وأنه يرتكز على أسس منطقية وواقعية، وهذه الاشارة بالذات تعلن توجه الرواية منذ بدايتها، وهو التوجه الذي ينصب في مجموعه على تصوير خارجي سذاج لحياة النعيم التي وفرها النفط لشخصيات الرواية، حيث السيارات والفلل، والمؤسسات، ولان الواقع الفعلي، ليس على هذا النحو في مجمله، فإن الواقع يتضمن شخصيات ذات دخول مادية متواضعة، تنتظر من الراوية أن يضيء لنا بعضا من همومها الاجتماعية إظهار الفارق مع شخصيات ذات ثراء، الا ان الراوية متعمداً ينتزع أي إحساس بهذا الفارق لديها. لنقرأ على لسان الراوية وهو يصف حالة عبد العزيز في منزل صديقه أحمد (جلس عبد العزيز في غرفة الصالون الواسعة وأجال نظره في أرجائها الرحبة، لقد أخذته روعة المكان أعجبته قطع الأثاث الفخمة، ومزهريات الورود التي لم تكن مزهريات عادية، فقد كانت مزهريات أثرية غالية، نظر إلى الجدران فوجد المناظر الجميلة والصور الرائعة، أحس أنه خرج من عالمه إلى عالم آخر .. وتمتم قائلاً : هذه الدنيا وهؤلاء هم حقاً الناس الذين يعيشون الدنيا .. ان بيتهم لا يعدو ان يكون عبارة عن حجرتين للنوم وحجرة صغيرة تسمى المجلس، ووضعت في احدى زواياها المخدات للجلوس وهي معدة ليجلس عليها الضيوف ولكن ما أقلهم .. ولكن عبد العزيز أدرك ان محتويات هذه الغرفة الرائعة وما بها من أثاث وتحف أغلى من قيمة منزلهم لو عرض للبيع .. ما أعجب الدنيا .. هكذا جرى حديثه مع نفسه وقد غاص في المقعد الوثير الذي جلس عليه، حتى قدماه قد اختفيا في السجادة الرائعة التي كانت تغطي الصالون .. ياه .. ما هذا؟ هل هو يحلم؟ فعلاً لابد أنه يحلم، تطلع إلى السقف فاصطدمت عيناه بالثريات الجميلة وقد تلألأت أطرافها بالكريستال، فلم يستطع ان يطيل النظر إليها خوفاً على عينيه.
سمع صوت أقدام احمد وهو يهبط الدرج فهز رأسه ليطرد ما علقت به من شجون وليعود إلى وعيه بعد طوافه في عالم الاحلام، لقد نقله البيت الجميل إلى ضفاف بحيرة الأماني والآمال ..).
وفي هذه الفقرة، التي توضح جانباً من نمط الحياة، داخل البيوت التي طالها الثراء النفطي، يمارس الكاتب قمعاً لا حد له على النزعة البشرية الفطرية في ذات عبد العزيز، فالمفروض ان تكون نظرة عبد العزيز – أو أي شخص مثله لهذا الثراء مصحوبة بنوازع أقلها الغيرة والحسد ولو بحدهما الأدنى، صحيح ان احمد صديقه، لكن الفطرة البشرية لها أحكامها ومثل هذه الطيبة في عبد العزيز .. أنما هي سبيل مؤكد لفنائه، ولا نستغرب فعلا حين يختفي عبد العزيز تماما من حياة احمد، بعد صفحات قليلة من بداية الرواية، وبدون ان نعرف شيئاً عن مصيره بعد ذلك في الرواية والتي يأتي جسدها كله ممتداً في فترة الثراء النفطي لدى طبقة بعينها فاكتفى بعرض كل ما هو سطحي، واحداثها تضمنت مغالطات للواقع، ولعلة التاريخ.

عودة »»