المضمون والدلالة الاجتماعية في الرواية - المرأة
في رواية (السيف والزهرة) يرسم الكاتب نموذجاً تقليدياً للمرأة الام .. يكاد يكون
النموذج الوحيد الممتد على طول الرواية يعايش شخصياتها الرئيسية.
هذا النموذج الروائي، تنحصر مهمته في تكملة الدور الاجتماعي للرجل، على اختلاف
أصعدته، حيث المرأة متواجدة كظل تابع وذليل في مجتمع تسود فيه هيمنة الرجل حيث مد
سلطته، تباعاً ، لتصل إلى عواطف المرأة. فالمرأة كما نقرأها في الرواية هامش ولكن
لابد من وجوده للرجل لتكميل الاحتياج الاجتماعي لهذا الوجود.
فشخصية (موزة) ام سلطان – بطل الرواية، انعكاس مباشر لصورة الام الطيبة، فهي مثل أي
ام في المجتمعات المختلفة، تفرح وتحزن وتغضب ولكن دون ان يكون لها حق المبادرة في
هذه المشاعر، بل لابد ان تستقيها من الرجل أولا (يرنو سلطان إلى الوجوه المكهربة
بالخوف والرعب والاحساس باليتم يمسح دموعه المنهمرة ثم يلعق ريقه المالح – تنفخ
موزة زفيراً غليظاً من صدرها الواهب وتحملق في السقف وتبسمل، تتضرع إلى الله خاشعة،
لا حول لها ولا قوة ).
( تلقت موزة صيحات سلطان، وهي صيحات ندت عن زهوه وفخاره بوضعه الرفيع، بصدر منشرح
وفؤاد حبور).
( قولوا تبا للبحر وأهواله، وليسقط الخوف وحباله، تقطعت تلك الحبال المشدودة على
عنقي والمصلوبة بها أفئدتكم، تحطمت الاغلال، وها نحن اليوم ندخل على الدنيا من
أبوابها الرحبة، ونطل على العالم من نوافذة الواسعة. رفعت موزة يديها شاكرة العلي
القدير ثم قلبت بصرها في وجوه أبنائها).
(لم تستطع موزة ترجمة ما يفكر به سلطان، ظلت صامتة تنتظر عودته من رحلة التفكير) ثم
لا يتوانى الكاتب ان يقدم شخصية (موزة)، وهي في موقف اجتماعي سلبي (قالت موزة في
لهجة فاترة وكأن ما قاله سلطان لا يعني غير مرتكبي الجرائم، وما دخلنا نحن بهؤلاء،
كل إنسان يتحمل خطأه بنفسه. وأنت موظف. عليك ان تؤدي عملك وفي نهاية كل شهر تتقاضى
راتبك، ثم هزت كتفها قائلة : ظننت ان هناك مشكلة طرأت بينك وبين المدير وهذه اشد
الكوارث التي يجب ان تتحاشاها).
( واكتفى بالصمت ليكون نهاية للحديث مع أمه التي لم تفكر في أمر غير الفلوس، تتعامل
معه كما كانت تتعامل مع أبيه .. فكر سلطان : هيهات ان تفهمي قصدي، فقد أعمتك فلوس
المكتب كما أعمتك فلوس البحر من قبل).
وكان الكاتب قد سلب رؤيتها للمستقبل فقدمها عاجزة مشلولة، أنانية، (أمي جاهلة بالغد
المنتظر، ولو علمت به لسارعت في دفعي وتأييد خطاي، لانها تحب الفلوس، وتعشق الثراء).
(أمي تحب الفلوس، وأنا مغرم بالرفاهية والبذخ، فنحن اذن متفقان على الهدف ..).
ونتساءل : إذا كانت (موزة) النموذج الوحيد للمرأة في هذه الرواية وهي على هذه
الصورة الاجتماعية السلبية، فما سيكون انطباع القارئ حول هذا النموذج؟ ثم ألم يمارس
الكاتب دوراً قمعيا شرسا على هذا النموذج الطيب، المقهور حتى النخاع، وحين يقدم
الكاتب شخصية (موزة) بهذا الاطار السلبي، فكأنه فعلا يكرس قمعاً آخر، فوق القمع
التاريخي المتراكم على المرأة، هذا موقف بلاشك ضد المرأة ويحسب ضد الكاتب.
فالأدب، موقف فكري اجتماعي، وهو في أحد جوانبه، تثوير لتلك العلاقات الاجتماعية
السالبة لحرية الانسان ولحقه في الحياة .. وهو إختيار منظم لهذا الجانب فالكاتب حين
يقدم نماذجه الروائية، ليس من الضروري ان تكون (تماماً بشكل وجودها في المجتمع،
والا فهي نماذج ميتة سلفا، ولا تهمنا بشيء، أما حين يسلحها باسباب الحياة، ودوافعها
وزخمها وقيمها الانسانية ورفضها وتمردها، فانما يبني جسورا قوية بين المتلقي وهذه
النماذج.
لو كانت هناك نماذج أخرى للمرأة في هذه الرواية، بجانب (موزة) ونقيضة لها، في الفعل
والسلوك والقيم لا ختلفت نظرتنا لهذا العمل، اما ان يقدمها نموذجاً وحيداً في رواية
اجتماعية تطرح قضايا اجتماعية واقعية .. انها كارثة .
* * *
بالضبط، نحن نتعاطف مع (موزة) ونقف ضد الكاتب في موقفه وما قالته (موزة)، ليس قولها
هو قول الكاتب.
وفي رواية (دائماً يحدث في الليل) لغباش تحتل المرأة مساحة فاعلة ومؤثرة في محيط
الفعل الروائي، يقدم لنا الكاتب ثلاثة نماذج متباينة في مواقفها الاجتماعية ..
نماذج موجودة فعلا على ارض الواقع .. يجعل من الرواية قريبة من الحياة الواقعية،
دون ان تفقد الرواية تعاملها الفني والموضوعي مع الحياة .. ف(مريم) نموذج للمرأة
المستسلمة للواقع الاجتماعي، هذا الواقع الذي يسلبها وجودها كشخص إجتماعي له حدوده
المستقلة، و (ليلى) النموذج العامل القانع بهذا الدور، والذي ليس له موقف سلبي أو
إيجابي، وان كنت أرى في قبولها بالعمل كممرضة، مع أنها من وسط مادي يكفيها عن هذا
العمل هو موقف إيجابي، ينم عن شخصية إجتماعية إيجابية، لكنها ليست نموذجاً تغيرياً
كما الحال في شخصية فاطمة .. ف (فاطمة) فتاة مفعمة بنبض الحياة باحثة عن الفعل
التغيري في المجتمع .. ومنها تنطلق الفكرة المحورية للرواية، نقطتها الفكرية
المركزية (يبدو أن جلساتنا التثقيفية هذه لا فائدة منها .. نحن كل ليلة نتحدث عن
حرية الانسان وعن صفات المجتمع المتقدم الخالي من الاستغلال والعبودية والتسلط ..
إلى آخر المثل العريضة التي نثرثر فيه بطريقة شبه يومية، ولكن عندما نتبنى سلوكاً
شخصياً ندوس على هذا كله ونعود لارتداء جلودنا العتيقة ..).
وفاطمة بذلك، تبشر بميلاد جيل من المراة، مستعد لفهم عوامل التغيير الاجتماعي، قادر
ايضا على المشاركة في هذا التغيير .. ولكن الرجل، هو قضيتها التاريخية، العتيقة،
وستظل هذه القضية تلاحقها طالما ان الرجل لم يتخل عن تعلقه الطفولي بالاستيلاء.
لنتابع قول فاطمة (فاذا بكم مستغلون رغم أحاديث المساواة ومتسلطون رغم التغني
بالحرية، ورجال شرقيون رغم ادعاءت حقوق المرأة).
ولأن (فاطمة) نموذج صلب فما المانع ان تتخذ قراراً فيما تعتقده، خصوصا إذا ما تعلق
بها شخصيا، وهذه هي الخطوة الاولى في التغيير وتفعل، وتتخذ قرارها (حسنا يا بن
العمة أريد ان أجيبك على مشاريع الزواج بالنفي، والنفي حتى تتغير نظرتك إلي ..
وعندئذ لكل حادث حديث).
ثم نقرأ على لسان الراوية خالد، ردة الفعل العنيف الذي أحدثه هذا القرار التاريخي
(وكأن فاطمة فجرت قنبلة في الغرفة، رأيت وجه راشد يشحب ويختفي منه الدم، وارتطمت
يده بدون قصد، ببعض قطع الشطرنج التي تناثرت على أرضية الغرفة محدثة قرقعة ضخمة بدد
(الصمت الذي ساد الغرفة) ويتضح ان لفاطمة موقفا عاما من الرجل، ولديها فهما متطورا
لاشكالية العلاقة بين المرأة والرجل، وبالتالي، فإنها دائمة الاحتكاك بهذه
الاشكالية، كي تصل إلى نقطة التقاء (إنفجر احمد في فاطمة مؤنباً : من يسمع حديثك
يظن ان راشد قد قتل عزيزاً لك .. أصبحت مدمنة للمشادة والشجار، كل يوم لك ضحية!
الاسبوع الماضي كان خالد، قبله كنت أنا والآن راشد هذا الملاك الذي لا يستطيع ان
يؤذي نملة .. كل هذه القسوة المريضة لانه لم يتحدث معك مباشرة أين تحسبين نفسك ..
في أوربا؟ لم تجب فاطمة بأي كلمة، بل نهضت من كرسيها باتجاه المطبخ ولمحت انعكاسات
الضوء في عينيها اللتين خيل لي انهما مبتلتان بالدموع، بينما الوجوم يخيم على
وجهها).
واضح، ان اشكاليتها لن تحل قريبا، هكذا فهمت فاطمة، وهذا ما يفسر دموعها الصامتة،
ولكنها تفاجئنا في نهاية الرواية، أنها قد اختارت (سالم) شريك حياتها، لانه شخص
دقيق وحاسم ويؤمن بالفعل. وفاطمة في نظر الرجل .. فتاة غير عادية، كما يصفها
الراوية – خالد (كنت أدرك بانها فتاة غير عادية، تختلف عن الفتيات الاخريات، في
قدرتها على الحديث بطلاقة، في تحررها الفكري غير الطبيعي وبالرغم من ان فاطمة نفسها
ترجع هذا إلى تأثير احدى مدرساتها عندما كانت تلميذة ودفعها لها لتفكر باستقلالية،
إلا ان فاطمة تجاوزت في هذه الحرية الحدود المعقولة حتى بمقاييس تلك المدرسة).
وفيما يبدو ان هذا الرأي لرجل، والا ما وصفها بأنها فتاة غير عادية، ففاطمة كما
قرأنا عنها في الرواية، فتاة عادية، وتحررها الفكري .. أكرر الفكري – مسألة طبيعية،
كما أنها لم تتجاوز الحدود (المعقولة) في الحرية .. لان في هذه (الحدود المعقولة)
تكمن الاشكالية التاريخية للمرأة.