الشخصية
تحتل الشخصية معظم أجواء القصة القصيرة، حيث تمتد منها وإليها جميع العناصر الفنية
في القصة، ويتمحور حولها المضمون الذي يرد الكاتب قوله للقارئ حيث (يتعاقد الكاتب
والقارئ تعاقداً أساسه الجوهري الثقة والحرية ونشدان ايقاظ الوعي ومحو المظالم).
وهذا يكون من خلال الشخصية .. من فكرها وسلوكها وفعلها، وحركتها داخل العمل القصصي
في إطار من الحيوية والايقاع المتناغم في البناء القصصي في محيط الشخصية.
وحيث ان الخلق الفني لا يتم وجوده الا بالقراءة، وحيث ان على الفنان ان يكل إلى آخر
مهمة اتمام ما بدأ، وحيث انه لا يستطيع ادراك أهميته في تأليفه الا من ثنايا وعي
القارئ، اذن كل عمل ادبي دعوة، فالكتابة دعوة موجهة إلى القارئ ليخرج إلى الوجود
الموضوعي ما حاولته من اكتشاف مستعينا باللغة.
وتتحمل الشخصية النصيب الأكبر من مهمة توصيل هذه الدعوة إلى القارئ، ان لم تكن
المهمة باكملها، وكي تصل الدعوة إلى المتلقي، مثلما يهدف الكاتب، فلابد ان تكون
الشخصية صادقة في التعامل، حارة بسيطة وتلقائية وتفيض بالحيوية وبمعاني الحياة
المتصلة بمكانها وزمانها. ورسم الشخصية في هذا التكوين، ليست مسألة سهلة، بل تتفاعل
فيها عوامل كثيرة منها ما يتصل بالكاتب نفسه، ومنها ما يتصل بالواقع الاجتماعي
والحضاري في بيئة الكاتب. (والفنان أثناء التكوين الفني يحاول ان يلغي وجوده ليدخل
في اهاب واطار الشخصية التي يكتبها أو يمثلها، ولكنه مع ذلك يرتفع بفعل المعايشة
إلى سمو الدرجة الفنية والى التعبير المتقن مرتكزاً على قضايا الدور ومهمته ووظيفته
وانسانيته وأشياء اخرى فرعية، فالتكوين يعتمد على الوجود ليخلف الوحدة الفنية
الواحدة المتضافرة مع حقيقة ما يقوله وما يبرزه، وليقرر الخاصية العجيبة التي يتميز
بها الفن والخلق الفني الابداعي). وتكوين شخصية فنية في العمل القصصي، عملية معقدة،
وشاقة حيث تجسم في احد معانيها اختراقاً للواقع، ومسعى نحو الحقيقة (والحقيقة هي
المعيار الاساسي والمقياس الدقيق للتكوين الادبي أو الفني، باعتبار ان العمل الفني
واجبه بالدرجة الاولى ان يعكس الاهميات في واقع الانسان والمجتمع، والحقيقة تصبح
لذلك الوسيلة الوحيدة أو الاداة لهذه المهمة في حياة الفن، مرتبطة بقوانين التعبير
المتعارف عليها .. بمعنى ان كل ظهور لشيء أو لشخص لابد وان يكون في تكوينه مطابقاً
أو مؤدياً إلى نفس المصير باستعمال تجربة الحياة .. وهو ما يقدم للانتاج الفكري أو
الفني الدياليكتيكية له الخاصة به وبذاته كفن).
يقول الناقد الامريكي رولاند ميرلاس (ان القصة تنظر إلى الشخصية وسط ظروفها البيئية
من خلال خمسة احتمالات ممكنة، تنتهي عند واحد منها محصلة العلاقات أو الصراع، حتى
تصل القصة إلى نهايتها المنطقية.
في الاحتمال الاول، لا تتغير الشخصية بسبب الظروف، تنتهي القصة بها كما بدأت، مما
يوحي بصمود هذه الشخصية تجاه الظروف التي تحاول ان تغيرها .. وفي الاحتمال الثاني،
يكون التأثير متبادلاً فيتم التغير في طرفي العلاقة مع إحساس عام بأن الشخصية هي
التي تسيطر على ما حدث من تغير بسبب ما أحدثته في البيئة من ناحية، وبسبب التكيف
الذي قامت تجاه نفسها، حتى تؤثر في البيئة .. وفي الاحتمال الثالث تبدو الشخصية
وكأنها تفقد هذه السيطرة في النهاية .. وفي الاحتمال الرابع، تتعدل الشخصية بسبب
الظروف .. وفي الاحتمال الخامس تخضع الشخصية للظروف التي تعذبها دون ان تبدي أية
مقاومة تجاهها).
وليس هناك إحتمال بعينه من هذه الاحتمالات الخمسة لنتائج الصراع، يمكن ان يزكى،
ليعطي القصة قوة في بنائها، لان اختيار هذا الاحتمال يجب ان يخضع للفهم العميق
للشخصية والفهم الدقيق للظروف التي تحيط بها، مع القدرة على ادارة الصراع بين
الشخصية والبيئة، بشكل فني لا يخرج عن حدود المنطق).
* * *
والشخصية عند الكاتب عبد الحميد احمد، تتحدد بسمات البساطة الاجتماعية .. وهي
البساطة التي قد لا نجدها الا في شريحة اجتماعية من قاع المجتمع ولكنه مقدر لهذه
البساطة ان تأخذ أشكالا متعددة في الفعل، وفي التصارع، وفي تناقضها مع القوى
المضادة لها.
كما ان (القصة لدى عبد الحميد تركز على الشخصية أكثر من أي مفصل آخر من مفاصلها، لا
يعنى بالحديث أو بالعقدة قدر عنايته برصد حالة التأزم الشخصي في نهايتها القصوى).
كما أننا نجد نغمة الحزن تتردد في أجواء كل قصص عبد الحميد احمد دون إستثناء. وقد
يكون هذا الحزن تفريغاً لتلك البساطة التي تتسم بها تلك الشخصيات. والشخصية وفي قصة
(عطش النخيل) والتي لا نعرف اسمها أو مكانها وان قدم لنا الكاتب ملامح من وضعها
الاجتماعي، يكون فعلها في حالة التأزم، فردياً، وبسيطاً (لم يعد يشعر الا بحرمانه
يكبر .. وبقهره اليومي الذي اعتاده قد ملأ جوانب نفسه، فراح يضغط بكل قواه حتى
إقتلعته أياد ..).
وكان وقتها يضغط على رقبة (أجنبي صدم طفلة بسيارته الأمريكية الفارهة) وندرك على
الفور (بساطة) هذا الفعل لانه تعامل مع النتائج، وليس مع الأسباب الحقيقية لقهره
الاجتماعي.
ورشدان في قصة (السمكة) تتجلى فيه قوة الفعل، رغم بساطته .. فالصياد رشدان كأنه
يقول أنني أرفض التغير الاجتماعي على هذا النحو، وسأظل قريباً من السمك، صيادا، ام
بائعا .. فرغم الاغراء الذي قدم إليه من أحد أصحابه القدامى الذين جرفهم التغير،
الا أننا نسمعه يقول ببساطة (هل تريد ان يقول الناس ان رشدان السمكة هجر السمك
ليعمل ناطوراً في بيته.
وفي قصة ( السباحة في عين خليج يتوحش) يتقاسم البطولة (هي) لا نعرف اسمها، لكنها
قطعا فتاة وقد تحمل اسم الأرض، ثم خليفة حبيبها وزوجها .. تستعرض (هي) ماضيها مع
أبيها ثم مع زوجها، حيث قساوة البحر، ومرارة الحاضر حين يتوحش البحر وعلى لسانها
نستمع ردة فعل زوجها (خليفة) ... رافضاً هذا التوحش الذي يحيط بهم (وحينما كانت
الدموع تزحف فوق خدي في ظلمة الليل سمعته يردد بذهول : النخيل .. النخيل .. النخيل).
هذه القصة تقدم دعوة صريحة للقارئ، لان يعيد كتابتها، ان يشارك من جديد في كتابة
هذه القصة على شرط ان يظل القرار الأخير كما هو، لا يتغير (النخيل) اذ لا غيره،
يوفر الأمن والاستقرار.
فالشخصية هنا، توزع منشوراً بيد كل شخص يحمل نداء بالاستعداد لفترة ما بعد النفط.
عبدالله مغضوب في قصة (آل مغضوب برسم البيع) نموذج تمور راسه بالافكار، والمعاناة
الواعية لأزمته .. ولجذور أزمته، على الرغم ان فعله يأتي منكسرا، ومهزوماً كما يظهر
للعيان، حين يعلن ان (آله) (برسم البيع، الا أن هذا الفعل، وبما يثيره من توتر،
ولفت انتباه، كفيل ان يجعلنا لا نلتفت إلى انكساره، فقد كشف لنا من ذاكرته الجريحة
الكثير، وانتصار البطل مسألة رومانسية تقادم عليها الزمن، فالأثر النفسي الذي يحدثه
انكسار البطل في القصة الحديثة بسبب قوى أكبر منه، يولد عنفاً أكثر شراسة لدى
المتلقي أمام ذات القوى .. كما أن (تملق عواطف القارئ يذهب بقيمة العمل الأدبي).
قصة (منشور ضوئي) ترسم جانباً من حياة اجتماعية قاسية أمام نقيض مترف، من خلال
صبيين فقيرين على أحلامهما الصغيرة في المزبلة. الصبيان منشور ضوئي لمجتمع يضم مثل
هذه النماذج المقهورة.
(وعلي) في قصة (جيني) يعيش أزمته النفسية والحضارية في بيئة أخرى، ليست بيئته، لم
تستطع هذه البيئة الجديدة، ان تبعده عن بيئته الاصل. فذاكرة (علي) تظل مشغولة دائماً
بموطنها وفي حالة تصادم معه، رغم المسافة التي تفصله عن الوطن. ومن داخل لندن حيث
يصارع (علي) تجربة حضارية مع جيني. في ذاته (الاف عائشة) تتوالد في داخلي، وتصفعني
وتشدني إلى داخل اللجام.
بطل القصة يعيش ذات الحالة من الانفصام والالتحام تقريبا، التي عاشها بطل رواية (مواسم
الهجرة إلى الشمال) للطيب صالح، وبطل رواية (الحي اللاتيني) للدكتور سهيل إدريس،
وان كان (علي) أكثر فصامية هنا، وأكثر خجلا من ذانك البطلين، حيث إرث البداوة يلازم
(علي) بجانب تكوينه الشرقي (كويا) في قصة (أشياء كويا الصغيرة) نموذج واقعي، مطحون،
تم التقاطه من المجتمع بروح انسانية عالية، فالكاتب وهو انسان قبل كل شيء، تتغلب
فيه هذه الروح الإنسانية، حين يواجه حالة فردية قاسية في وطنه، حتى وان شكل (كويا)
وآخرين مثله هما اجتماعيا ف بيئة الكاتب، لكن الحالة الفردية لكويا وللآخرين أمثاله،
مسألة مستقلة.
نتعاطف مع (كويا) الفرد الانسان، لان قضيته هم بشري في العالم كله، وحين يفشل (كويا)
في إرسال هدية لزوجته في الهند، حيث لا يقدر على أجرة البريد، فهذه قضية لها
دلالتها وهي مبعث تقدير للكاتب حين يطرحها بمثل هذه الجرأة.
في قصة (صفعتان) لا نعرف اسم الشخصية مع أن (التسمية أبسط اشكال التشخيص، وكل تسمية
نوع من أنواع البعث والاحياء)، الشخصية تحاول القيام بلعبه ذهنية سريالية وطبعاً
تفشل هذه اللعبة، لان الواقع الاجتماعي غير مهيء لها فالشارع له ضوابط وأعراف
اجتماعية. ومعاكسة امرأة، كما بدا في هذه اللعبة، واحدة من هذه الضوابط، هذه
التجربة السريالية، معرضة للفشل وللنجاح أيضاً في كل مكان، وليس في دبي وحدها، فهي
مسألة متعلقة بالحرية الشخصية للانسان (هي حرة، وأنا حر، من حقي أن أطلب ما أريد،
ومن حقها ان تلبي أو ترفض في هدوء ولا داع لهذه الضجة) مثل هذه الافكار، تتغافل عن
شيء أسمه حق المجتمع، لذلك نجد الشخصية هنا تبيت ليلة في السجن، وربما كان العقاب
في مكان آخر .. أشد أو أخف وطأة وهكذا ...
في قصية (المزبلة) تأخذ الافكار المساحة الكبرى في القصة. وما تطرحه الشخصية من ألم
وفحش للواقع، يجسم رسماً لشخصيات كثيرة غير مرئية، ولكنها موجودة في القصة، مثلما
هي في الواقع .. هذه الافكار، وهي تدور كالطاحونة في مدار دائري، تجرف معها الكاتب،
والمتلقي معاً نحو الواقع الأليم، العفن، الذي يبدو كمزبلة خرافية .. لكنها بحجم
الواقع. واعتقد ان عبد الحميد احمد وهو يكتب هذه القصة كان لم يزل تحت تأثير الكاتب
غاربرييل مراكيز في روايته (مائة عام من العزلة) أو رواية (خريف البطريك) حيث تأخذ
المزبلة منحى مزج الواقع بالخرافة .. في سياق دائري عنيف .. كالدوامة (وكان
مستيقظاً لما وصل وهو إلى بداية الاختراق الكبير للمزبلة، وهنا كان لابد من التوقف
وامسك القلم المتحفز المنساب على الورق كاتباً فاضحاً باكياً، وكان لابد ان تكون
نهاية القصة هنا، والا فجميع ورق الأرض لان يكفي للانتهاء منها لأنها ليست قصته
وحده، أو قصتك وحدك رغم انها قصة مريرة طويلة قصيرة، قصة كانت وتكون ولم تنته بعد،
مادام الحلم متدفقاً كالشلال).
في قصة (هدهده) ينجح الكاتب في سبرغور – مشاعر طفل صغير (حمدون) نحو البحر، حيث
تتشكل علاقة من نوع خاص، بها قدر من الطفولة، ولكنها علاقة رامزة ولها دلالتها.
وكان قبلها قدم نموذجين – طفلين في قصة (منشور ضوئي) .. وهذا يشير إلى ان ادوات
الكاتب في اقترابها من الطفولة ونجاحها في تصوير شخصيات لها حركتها الطفولية
الموحية، يشير إلى اقتراب هذه الادوات من النضج الفني.
في قصة (خلاله أس ، أي ، ال) نتصفح صورة كاريكاتورية لشخصية (خلاله) التي هبطت
عليها الثروة فجأة ومن غير تمهيد فتصاب بالذهول، نقرأه كما لو أنه ذهول مرضي (ومضت
أيام خلاله رتيبة قاسية، لا يكاد يحس بوجود الزمان، لا يحس الا بوجود لهذه المفاجآت
والغرائب، وخرافات، أشياء كالخرافات، في عالم جديد – خلاله- ينسلخ عنه إلى الصمت
والذهول وسراديب الوهم الطافح في الرأس).
وفي قصة (البيدار) والتي تحمل اسم المجموعة القصصية، يوضح الكاتب بعضاً من معالم
شخصية (مريش) المليئة بالقهر والوحدة والتشرد والطيبة، وهذا ما عمق الحس الاجتماعي
بوجود هذه الشخصية .. لدرجة ان انتحار (مريش) وحيداً في عريشه يشكل ادانة صريحة
للمجتمع .. مريش ذاته صديق (لغريب) في قصة (الطائر الغمري) للكاتب، حيث يعيش الحالة
نفسها، يموت غريباً وحيداً كما يموت (مريش). ويجيء ذكر (مريش) في قصة (الطائر
الغمري) ليحفر أخدوداً أعمق في الواقع الحزين القاهر لهذه الشخصيات، كما يزيد
ارتباط المتلقي بهذه الشخصيات الواقعية (كما تناقل الناس من قبل في الجميرة قصة
مقتل مريش البشعة اذ وجدوا جثته متعفنة تخرج منها الديدان بعد أن طعن نفسه طعنات
قاتلة، تناقلوا هذه المرة ولفترات قصيرة قصة الموت المفاجئة لـ - غريب- الذي مات
بعد مريش بسنتين).
في مجموعة النشيد القصصية حيث اشترك فيها ثلاث كاتبات وهن : أمينة عبدالله، سلمى
مطر سيف، ومريم جمعة فرج، نلمح طغيان وجود المرأة المحلية داخل هذه القصص بجانب قصص
قليلة اخرى، يكون النموذج رجلاً .. ولكن يكون نموذجا مقابلا. في قصة (ظهيرة حامية)
للكاتبة أمينة عبدالله، نقف أمام نموذج حفرت ملامحه بعناية واتقان فني متميز بين
النماذج القصصية لكتاب الامارات .. فـ (خميس) شخصية منكسرة في الماضي، يلازمها
الانكسار في الحاضر، ولا يلوح في الافق ما يشير انها ستتخلص مستقبلا من هذه
الاشكالية والتي جاءت بفعل حدث لزوجته في الماضي، في فترة ما قبل النفط (آه ياللوعة
لقد انتزعها من هم سادة البحر يومها، لم يكتفوا بزوجاتهم البضات السمينات، تجاهلوا
وجوده وكانوا يحومون حول خيمتها ياللمسكينة امتصوها لآخر قطرة ورموها مهترئة لحي
البغاء هو لم يفعل ولم يقل شيئاً كان يقف تحت لهيب الشمس في الخارج، أو يضطجع في
القارب مستعذباً أوجاعه لم يعرف كيف يتصرف (من انت ايا خميس حتى تقطع أرجلهم عن
إمرأتك).
شخصية (خميس) يلتقي فيها الأثم الاجتماعي، والذاتي، فتظل أسيرة لعجزها من ان تقوم
بأي فعل. انها تعلن. ان الظلم ينبغي مقاومته منذ اللحظة الاولى ابتداء من أول
وقوعه، والا يكون من الصعب مقارعته .. أو يكون من السهل استمراؤه بعدئذ. وفي قصة
(مهرة) الصبية العنيدة، ذات الكبرياء الذي لا يطال .. تنتقل مهرة تدريجياً من كونها
فتاة صغيرة صلبة، إلى رمز إجتماعي يحمل ملامح الخلاص لبلدتها.
والمتلقي لا يجد صعوبة في كشف الستر عن هذا الرمز، فالكاتبة تبينه باسلوب مباشر مما
يفقده لذة الكشف .. (ماذا تمثل له مهرة؟ أهي كل هؤلاء المساكين الذين يحتقرهم، هل
سبب عذابه انه مهزوم أمامها، لابد ان البلدة اللعينة قد تآمرت ضده، لابد أنها هي
التي توحي لمهرة بكل أشكال التعذيب التي تمارسها).
في قصة الزهره (لسملى مطر سيف) تحتك الشخصية مع قيمة عالية السمو.
فتنشا علاقة سامية بين (خلفان) ومعلمته، حيث يحرص ان يقدم لها في فصل الدراسة زهرة
يومياً عرفاناً بالقيمة التي تجسدها المعلمة وهي محو أميته.
والكاتبة تدرك بلا شكل أهمية هذه القيمة الاجتماعية – التعليم – فتقدم (خلفان)
كنموذج إيجابي متعطش لاستيعاب هذه القيمة، والتي نراها تتسع في سياق القصة، حتى
تحتل الزهرة في وجدانه إلى رمز فياض يصل إلى مستوى الوطن.
(خلفان كان مملوءاً بالرمل الاحمر حتى لم تبن من ملامحه إلا عينيه اللامعتين
بالفرح، تقدم من المعلمة وناولها احدى يديه المضمومة .. خذي زهرتك .. اندلقت حقنة
من الرمل الساخن في يد المعلمة).
في قصة (النشيد) حيث نموذج المراة (دهمة) العاكسة لشخصية الرجل، نقف على ثنائية
فنية بديعة في تناول الشخصية، (فدهمة) .. امرأة مرفوضة اجتماعياً، يحاصرها الرجل من
الخارج، لكن ثمة علاقة متصلة بالخفاء بين شخصية (دهمة) والرجل.
ومن هذه العلاقة المتناقضة المنفصمة، بين دهمة والاخرين، يزال البرقع عن وجه الرجل،
المتخفي وراء تقاليد اجتماعية تنطوي على عقد نفسية تاريخية أكثر منها تقاليد اصيلة
صادقة. وبهذا الكشف تنجح شخصية (دهمة) في فضح الستر الاجتماعي المتخفي وراءه الرجل
(كنت اساءل نفسي عن سبب منعه إياي عن (دهمة) وقد لحظته قد تبدلت أحواله لمجرد ان
تسامع بان (دهمة) سكنت بالجوار منا أراه معظم الوقت هائماً شارداً، ولا ينال إلا
القليل من الزاد، وصار لا يخرج من البيت إلالماماً فاشاهده منطرحاً على جنبه
والوجوم يسكن كل ملامح وجهه القاسية.
ولكن من هي (دهمة) وماسرها، وما علاقتها بالناس، (ذهبت إلى دهمة وكانت عيناها
مسكونة بغبش كأنه ركام غمام يراوح في سمائه ولا يسقط مطره. تفحصت وجهها وعينيها
ويديها وصدرها وبقية جسدها، لم يكن جسداً قابلا ان يستلقي وتمارس ... كنت أراها
بشكلها الأسطوري المنتصب شبيهة بالشجرة التي تبدع ذاتها في الوقوف والنماء
والصيرورة .. أه انني أشعر بان عيني امي تجافيان الصدق).
في قصص فيروز لمريم جمعة فرج، نقرأ الشخصيات تعيش حالة الهذيان والحلم واجترار
الافكار ملحقة في مدارات رومانسية رافضة للواقع، ومتمردة عليه، والواقع نستشف
ملامحه من خلال الحلم، أو أن الحلم هو البديل الموضوعي للواقع (أن الكلمات التي
يسمعها الحالم في حلمه هي في اصلها، وبصورة دائمة كلمات سمعها أو نطق بها في حالة
اليقظة) .. ولهذا فان شخصيات هذه المجموعة قوية من الداخل، مقهورة ومحاصرة من
الخارج، وصادقة مع نفسها، وتعيش حياتها على مرأى من نفسها ولكنها مختبئة، وتراقب
العالم من الثقوب .. وحركتها تسير في دوائر وانكسارات وقفزات لاهثة، في إطار مغلق،
مزدحم بالافكار والهواجس، حركة الشخصيات في هذه المجموعة في معظمها اشبه بالسمك
الصغير المحصور في حوض زجاجي.
في قصة (فيروز) والتي تحمل اسم المجموعة لا نستطيع ان نتخيل في لحظة، ملامح واقعية
مادية لشخصية فيروز فالكاتبة لا تعني بهذه المسألة، أو ربما في مرحلة في سياق
التطور ضاعت ملامح فيروز بين السرد الانشائي، والجمل الرومانسية المطلقة وتاه في
زحمة الافكار التي تعيق من ظهور حدث قصصي نتبعه حتى النهاية لتنشأ من خلاله ملامح
محددة لشخصية فيروز نفسية أو إجتماعية، أو مادية .. ان المتلقي يشعر ان (فيروز)
يغالب القهر بكل أصنافه مقهور حتى النخاع (ماذا دهاك، تجمد رأسك حتى لم تعد لديك
القدرة على الحلم، وتجمدت أطرافك حتى لم تعد لديك القدرة على الحلم، وتجمدت أطرافك
حتى لم تعد لديك القدرة على الركض، تجمدت حتى لم تعد قادرا على النطق في زمن يتكلم
فيه الحديد والثلج) صياغة فنية شاعرية، ولكنها بعمومها ابتعدت عن الصياغة القصصية
وهذا ما بعثر ملامح الشخصية، وأضعف حركتها وفعلها تجاه حدث أو فكرة محددة .. وهذا
بالضبط ما أفقد شخصية (فيروز) حضورها المطلوب.
وفي هذا السرد، ترسم الكاتبة شخوصا ضبابية في اكثر قصص المجموعة .. ولا نجد ثمة
فرقا كبيرا بين هذه الشخصية في هذه القصة، أو شخصية في قصة أخرى .. انها تتماثل إلى
حد كبير في أحلامها وإزدحام أفكارها، وفي قمع الكاتبة لحركتها، فنجد ان الشخصيات :
(بلال العبار) في قصة (عبار) وبدرية في قصة (بدرية) ودرويش في قصة (درويش) وفيروز
وموزة في قصة (ضوء) وعبدالله في قصة (ثقوب) وصالح المبارك في قصة (صالح المبارك)
وشخصية بوجمهور في قصة (من الزويا المتواضعة) هذه الشخصيات تتماثل فيما بينها إلى
حد كبير، شخصيات تنطق بالالم والمعاناة القاسية وإذ أردنا تلمس الواقع في هذه القصص
لا نعثر عليه .. هذا الواقع القريب الملتصق بالملتقى والذي يترك مفعولاً كالسحر في
ذاته .. إذا ما تم انتقاؤه وتصويره بمهارة وفن.
* * *
في قصة (شغب القائلة) لناصر علي الظاهري، يقدم الكاتب ملامح واضحة لشخصية (شيرخان)
في مواجهة الغريزة الجنسية .. محاولا رصد الحركة النفسية وتفاعلاتها أمام هذه
الرغبة، كما يرصد الآمال الواسعة التي قد يحققها إذ نجح (شيرخان) في مسعاه.
هذا التصوير الذي لا يخلو من دقة وذكاء، يجعل الشخصية ترتسم في ذهن المتلقي فيظل
مشدوداً مع الحدث حتى نهايته .. لنكتشف بعد ذلك – وعلى طريقة (موباسان)، بأن شيرخان
يصطدم بمقلب لدرجة الصدمة، حين يكتشف ان الشبح المتسول الذي يطارده ليس امرأة ..
وفي قصة (التعويض) للظاهري أيضاً يقدم الكاتب نموذجا بائسا في مواجهة مجتمع من
(الهوامير) فيضيع حقه في التعويض، وشخصية (مرزوق) يرسمها الكاتب بدقة تصل إلى حد
التطابق أحياناً مع الواقع.
(فرق بعصاه بعض النعال من على مدخل المسجد، بسمل ودخل، ايقظ بعض النوم من المسجد،
هلل وكبر، سعل، أنصت لتلاوة مصل بقربه، بدأت عيناه تومضان بالنعاس، عطس احدهم ..)
وهذه التفاصيل الصغيرة التي تقوم بها الشخصية، أو تلازمها، أو تحيط بها .. تعمق من
أحساس القارئ بهذه الشخصية وتنشئ علاقة حميمة من نوع خاص معها حتى إذا ما فرغت من
طرح قضيتها يكون المتلقي قد تهيأ للاستجابة لهذه القضية.
كما أن الكاتب يرخي العنان للشخصية فيتركها تتحرك على سجيتها دون قيد ولا يتدخل في
حوارها باللهجة العامية المحلية مما يضيف عمقاً فنياً لهذه الحركة.
* * *
أغلب الشخصيات في قصص محمد حسن الحربي، تتجه نحو الموت، وهذه تشكل ظاهرة بارزة في
مجموعته القصصية (حكاية قبيلة ماتت).
ويأخذ الموت اشكالا متعددة كنهاية لهذه الشخصيات، ففي قصة (إنتهت الحفلة) يكون موت
الشخصية – وهي عامل في الشركة عنوان ادانة مريرة للدوافع التي قادت هذا العامل إلى
الموت في حفلة تكريمه (فتصلبت أعضاؤه فارتمى ارضا كجذع نخلة منخور .. حمله الحضور
إلى خارج القاعة ليموت بعيداً عنهم، فقد انتهت الحفلة وحان وقت العمل).
وفي قصة (قراءة داخلية) نقرأ شكلا آخر للموت .. انه الانسحاب القسرى من الحياة ..
الانتحار (في صبيحة اليوم التالي، خرجت من المنزل ثلاث جثث، نشرت الصحف خبر الوفاة
دون تفاصيل) .. وهذه الجثث لثلاث عوانس يئسن من انتظار علاقة شرعية مع الرجل.
وفي قصة (حكاية عربية) يأخذ الموت شكل التمرد وإخلاء الساحة بدافع الشعور بالغيظ ..
حيث يقطف الاخرون ثمار بطولة (شليويح) لم يذكر أي احد فيما بعد، انه شاهد شليويح أو
سمع عنه في قبيلة من القبائل أو صقع من الاصقاع.
وفي هذه القصة نقف امام نموذجين متقابلين، نقيضين لبعضهما، صالح العربيد حيث جير
البطولة لحسابه كونه الاقوى اجتماعيا، وشيلويح البطل الحقيقي الذي تسلب منه القبيلة
هذا الدور، هذا الرسم التقابلي للشخصيتين يجعل المتلقي يدرك انها نماذج واقعية.
(والنماذج الواقعية تتكون فحسب عندما يتاح للكاتب ان يقوم بعملية مقابلة خصبة
وصارمة، معاشه في الحياة العملية ومبررة من خلالها، بين أفراد متعددين وعندما تكشف
هذه المقابلة عن الاسباب والقوانين الفردية والاجتماعية وما بينهما من تشابه).
وفي قصة (تحولات) ينتهي سعيد بالموت (استقبلته الإمداء كما لو أزلفت له، فتحول
مجهولا مثلما جاء وعاش بيننا مجنوناً، يموت مجهولاً .. لماذا تموت هكذا يا سعيد.
(وسعيد إنسان بسيط، ضعيف قوي ومحزون فرح يبكي لكنه يضحك) وسعيد (لا تمسكه في مدينة
ولا في حي، ولا في شارع، ولا في مقهى، يتجول في الطرقات، والحواري، ويدخل البيوت،
بعضها يعرف أهلها، يسألهم عن أحوالهم، حياتهم، مشكلاتهم، تفاؤلهم، تشاؤمهم، أطفالهم
واحدا واحدا، مستقبلهم، يسألهم عن كل شيء، كل شيء...
هذه الشخصية والتي تبدو كاللغز أو كرمز إجتماعي غير مرئي، منبوذة من المجتمع. علاقة
غريبة تطرحها هذه الشخصية، لكنها ليست بعيدة عن الواقع ... وحين يتساءل الراوي
(لماذا تموت هكذا يا سعيد) فهو تساؤل منطقي ومبرر.
وفي قصة (عصفورين) يجسد العصفوران رمزا للحرية المفقودة داخل القفص، حيث ينتهي
وبطريقة منطقية، ومسببة – احد العصفورين إلى الموت من اجل حريته ... وقد نجح الكاتب
في تصوير حركة العصفورين في مسعاهما اليومي المتواصل نحو الحرية .. فكانت قصة
ناضجة، ومتقدمة بين قصص الكاتب.
(كنت تراهما يقتربان من بعضهما بعضا، هو يقترب منها يساراً وهي تقترب منه يمينا،
ليلتقيا في منتصف عود ثبت لهما في طرفي القفص من الداخل فبدا مثل قطر دائرة ..
يلتقيان في منتصف القطر يزقزقان مرة واثنين، وثلاثا، ثم يلتقي المنقاران ببعضهما
بعضا بلهفة وشوق وكنت تسمع لهما وصوصة حميمة لا يعرف سرها سواهما .. يبتعدان، هو
إلى جهة اليمين، وهي إلى جهة اليسار حتى نهاية قطر الدائرة، ثم يعيدان الكرة تلو
الكرة).
هذه الحركات المتصلة من العصفورين الصغيرين – تنتهي إلى تدبير يقومان به من اجل
الخلاص من القفص، ويصف الكاتب بمهارة هذا التدبير نحو الحرية .. ولكن، كما هو
الواقع فإن الحرية لها ثمنها، حيث يموت احد العصفورين حين ينزل على رقبته باب القفص
... (لقد مات العصفور الاخضر مختنقا، اذ ليس ثمة ما يجعلنا ننفي هذه الحقيقة وان
نقول بميته غير هذه .. لقد مات وهو يحاول بالتعاون مع العصفور الاصفر الهروب من
القفص ..).
شخصية عوض المهباج في قصة (الموت .. والدخول في المبهم) قريبة الشبه بشخصية سعيد في
قصة (تحولات) حيث تسعى الشخصية إلى التطهير وتطهير المجتمع.
(قالت لنا مدرسته التي كانت تهتم بالأساطير القديمة : دائماً كان يحلم بالمطر، يفسر
أرتباط أحلامه بالمطر، تفاسير عدة).
والشخصية في قصة (قبلني ايها النهار) هي ضمير المتكلم، اذ يعصرها القلق الوجودي
بأبعاده النفسية والفكرية والاجتماعية فنقرأ مما حكة الشخصية مع نفسها، ومع العالم
والتاريخ، والمجتمع وأسئلة تطرحها وتمر عليها سريعاً (انها حالة أسير في أطوار صعبة
حلم يقظتي الآن).
وتبدأ القصة ولفقرة واحدة على لسان ضمير الغائب ثم يسلم السرد إلى ضمير المتكلم
ويختفي بعدها ضمير الغائب (قضى ليلة عادية عند احد أصدقائه، احتسى خلالها عدة
فناجين من القوة المرة، عاد بعدها إلى منزله وقد تأخر به الوقت..) إلى نهاية الفقرة
.. اتعني هذه الحالة إمتداداً للقلق الذي يهدم الضمائر في الذاكرة حيث بدأ قصته
بضمير الغائب – ثم غيب هذا الضمير في القصة على الإغلب إنها مقصورة ما دام قد
إستشهد بكلام (فاوست) في القصة (ما انبثقنا إلا لنكون إلى زوال) فحين تتحطم الأزمنة
وتضيع، تتداخل أفعال البشر وأقوالهم من غير ترتيب منطقي.
* * *
في قصة (ذات المخالب) لأبو الريش تتكئ الشخصية على رمزية متقنة في نسيجها وبنائها
حيت تكون الشخصية – قطة، لكنها تمتلئ بالدلالات الموحية المتصاعدة في تناميها داخل
السياق الحدثي للقصة، هذه الدلالات تركب في مجموعها إطاراً من المعاني تقيم جسوراً
متعددة الأبعاد مع النماذج الانسانية الاخرى المتواجدة بجانب القطة. فالبعد النفسي
يتأكد وجوده من استياء الراوية عضو الاسرة من وجود القطة في منزلها (عندما وقعت
عيناي عليها شعرت بالريبة، كنت دائماً أتوجس من ذي المخالب والانياب، شعوري ناحية
هذه الكائنات شعور يرتبط بذكريات ماضية).
هذا البعد النفسي يتعاظم وقعه في ذات الراوية في شكل قضية من نوع ما زالت غامضة،
لكن الراوية ماض في كشفها (هؤلاء يرون الاشياء بأفق ضيق، عيونهم لا ترى أبعد من
مكان اخمص القدمين سوف أناضل حتى أكشف الحقيقة).
ومع تنامي الرمز – الشخصية، في القصة تكبر القضية داخل المنزل، فالقطة تلد قططا
أخرى، فتأخذ القضية بعدا وجوديا فصار الرمز يهدد الوجود الاجتماعي لاعضاء الاسرة
فتصبح القطة مرفوضة من الجميع ( ومرت الايام فكان ابي يعود من العمل ولا يجد ما
يأكله فيثور غضبه، ويملأ البيت زعيقاً ورفضا لهذا التصرف حتى ان أمي عانت من نفس
الامر، وكذلك سلمى. أصبحت القطط المالكة الحقيقية لزاد الاسرة، اما نحن فكنا نقتات
النفايات وأحياناً لا نجدها).
في قصة (صراصير رغماً عن انف البف باف) للكاتب نفسه، تحتل الصراصير اجواء القصة
فتكون رمزاً تتكشف معانيه في ما تقرأه على لسان النماذج الانسانية : حميد وزوجته
(الصرصور اللعين، هذه الحشرة لا أطيق منظرها، تلاحقنا حتى في غرف النوم) ويظل الرمز
يضخ معانيه ودلالاته في أجواء القصة، حتى يصرخ حميد في نهاية القصة (ولتسقط كل
الصراصير).
* * *
وفي قصة (عاشق الجدار القديم) لعلي عبد العزيز الشرهان، نتعرف على حركة الشخصية وهي
تتجه إلى الفعل بإرادة قوية .. فأبو عبدالله حين يرى مصرع زوجته وأولاده من قصف
العدو الرابض في البحر، فيتراءى لنا (أبو عبد الله) شخصية تاريخية مناضلة (في الليل
الموحش كانوا يتمترسون خلف الاكياس الرملية على الشاطئ أيديهم ممسكة بالبنادق
العتيقة (أبو فتيل) وبالسيوف الحادة وونيسهم الوحيد الموسيقى تبعثها الرياح
الخريفية عبر أمواج البحر ..).
* * *
وصراع الشخصية نحو فكرة واحدة نقرأها في قصة (رجولة) لعبد الرضا السجواني وهي
القضية النفسية المتعلقة بسلطة (فلاح) في بيته وهي السلطة التي انتزعتها زوجته
بمسلكها العنيف معه .. هذه القضية تقترن لدى (فلاح) بمسألة الذكورة إذ لو كانت
ذكورته طاغية لما أطلقت زوجته العنان لنفسها (أخبره بوحمد مراراً عما تصنعه زوجته
وهيامها على وجهها في كل مكان كدلالة من بيت لبيت).
و(فلاح) لم يعد له حول ولا قوة على زوجته التي رآها الناس وقد انحرفت، فتأزم مع
نفسه بصمت، وحين يشتد تأزمه يتشاكل مع ذكورته ولكن بطريقة مختلفة (هكذا هو، عندما
تتأزم عليه حالته وتضيق به الدنيا وتستحيل إلى سواد، قاتم، يأخذ دربه إلى بيت
بوحمد، ويستعير منه تيسه، فينتزعه بقوة من بين عنزاته الكثيرات، ويسحبه إلى بيته
طوال هذه المسافة من اجل ان يدخله على عنزاته عشرات المرات كرر هذه العملية ..)
وفلاح شخصية طيبة، متسامحة كما يصورها الكاتب، وكان يعذر زوجته لسلوكها الغريب،
وتقابله بمزيد من النفور وتلك العملية هي دلالة نفسية كان يجد فيها بعض الراحة، لكن
أزمته باقية وتتضاعف كلما زاد انحراف زوجته، ثم إنحراف بناته الثلاث اللائي سرن على
خطاها بعد ان كبرن وكان في أحيان يصل تأزمه إلى الذروة (ويسحبهن من شعورهن ويقتادهن
إلى حيث الزريبة ويدفعهن إلى الداخل برفسات رجله الطويلة بكل قوة والتيس في هتافة
الحانق على هذا الاقتحام المفاجئ، ثم يوصد باب الزريبة في حين يأخذ التيس دوره في
نطحهن برأسه الكبير الذي يتخلله قرناه الطويلان).
* * *
ظبيه خميس في قصتها (بعد الخامسة مساء) تقدم نموذجا جريئا لفتاة تقتحم لندن قادمة
من الصحراء الخليجية، هذا الاقتحام الشخصي المباشر لفتاة تعي حالتها الحضارية تنظر
إليه على النحو الآتي : أغلب القصص العربية بما فيها الاماراتية التي تشاكلت
أبطالها مع الحضارة الغربية، هم من الرجال الذكور حين يرون في المرأة الغربية
الصورة المثلى لذكورتهم. وحيث يشكل الجنس الهاجس الاكبر في تعاملهم مع الغرب.
والكاتبة ظبية خميس، تعاملت مع تلك المسألة بمنظور مختلف، ليس لأنها امرأة شرقية
تعيش في لندن، ووحيدة، وليس فقط لان جدها الشرقي البدوي السماك يأتيها في الحلم كي
يحذرها من شرور الغرب .. ليس هذا، ولكن لان هذه الشخصية تتعامل مع مفهوم الحرية
بوعي، سواء كانت في الشرق أو في الغرب.
وهو الوعي الذي يدفعها كي تتصرف على سجيتها في لندن متسلحة بقناعة صلبة (لماذا
يفترض الرجال، دائما، ان أية امراة هي برسم الدخول معهم في علاقة ما ..) وهذا
التساؤل نسمعه من ظبية خميس، الفتاة الشرقية البدوية، ونسمعه ايضا من سيمون دي
بوفوار ومن أكثر النساء انعتاقاً وتمرداً في الغرب.
إن ما تريد ان تقوله ظبية خميس في قصة (بعد الخامسة) : هو هذا ما أعانيه وليس هذا
ما أفهمه فحسب، وهذا ما استطيع ان اكتشفه من محتوى الوعي الذي أكتسبته، وليس شكل
الوعي فحسب وبالتالي فان قصتها تكشف عنها وعن عالمها ككائن إنساني عام (من خلال
الخاص) وليس كامرأة فحسب).
واذا كانت ظبية خميس الكاتبة – هي الشخصية الرئيسية ألا يعطيها هذا الوضع سلطة تقيد
بها حركة الشخصية، بجانب كونها الراوية ضمير المتكلم. قد لا تكون (ظبية خميس) بطلة
قصة (بعد الخامسة مساء) ولكن يظل ضمير المتكلم يلح علينا، بأنها هي النموذج وهذا ما
أضعف من بناء الشخصية، وقلص من تقولها وحيويتها فجاءت القصة سيرة ذاتية ترجمت
مقطعاً من حياة الشخصية في بيئة مختلفة.
* * *
(ارتضى محمد المر لنفسه الهيكل التقليدي للقصة القصيرة، وان لم يوفق فيه تماما من
حيث قيامها على الخبر ذي التأثير الذي يحوي الوحدات الثلاث، ودلالة القصة على معنى
يجمع نسيجها المكون من اللغة والحوار والوصف والسرد).
ومعظم الشخصيات التي يختارها القاص محمد المر تنتمي إلى الطبقة الوسطى، متخذا من
بيئتها الاجتماعية مسرحا تدور في فلكه معظم القصص، كما ان هذه الشخصيات ليست جامدة،
بل هي متحركة نابضة بالحياة من خلال صراعها مع نفسها، ومع واقعها ومع المجتمع ومع
الآخرين، ذلك الصراع الذي يعبر عن قلقها على مستقبلها).
ومن الطبيعي ان تختلف الآراء النقدية حول أي عمل ادبي، وفي حالة محمد المر فإن
الانتاج القصصي الكثيف للكاتب، حيث نشر منذ عام 1982 حتى الان عشر مجموعات قصصية،
عدا قصص اخرى نشرت في الصحف المحلية بعد المجموعة العاشرة، هذا الانتاج الكثيف لابد
ان يصاحبه إختلاف في وجهات النظر النقدية، ولكن يمكن تسجيل بعض الظواهر المتشابهة
التي يتكرر وجودها في قصص محمد المر :
أولاً : أغلب الشخصيات محمد المر القصصية، رسمها من الخارج، دون ان يولي إهتماماً
كبيراً بسبب أغوارها النفسية والاجتماعية والفكرية.
ثانياً : شخصيات محمد المر، تتوزع بين الانماط الفقيرة والأنماط المتوسطة في
مستواها المادي، وكلا النمطين له همومه وتطلعاته وطموحاته، كما له صراعاته الذاتية
والاجتماعية، هذه الملامح الأساسية لكلا النمطين لا يتم التركيز عليها في بناء
الشخصية وفي حركتها الاجتماعية، وان ظهرت هذه الملامح فهي سطحية ولا تعكس أثراً في
نفس المتلقي، لان هذه الشخصيات بذاتها لم تعكس ملامح طبقتها الاجتماعية.
ثالثاً : لا يعطي الكاتب محمد المر فرصة لشخصياته لان تبحث في الدوافع المسببة
للاحداث، فتبدو وكأن ليس لديها شيء تقوله تجاه هذه الاحداث وهي الاقوال التي تشكل
فضاءات فكرية فنية في محيط الشخصية، وتعمق من وجودها الفني داخل القصة.
رابعاً : أسلوب الواقعية التسجيلية، والمفرطة احيانا في تسجيلتها لدى الكاتب، جعلت
من الشخصية في كثير من القصص، أشبه بالإنسان الآلى، الذي يتحرك في مسارات مبرمجة
سلفا، حيث تقف الشخصية على التفاصيل الصغيرة، دون تحليل لهذه التفاصيل أو تحميلها
إشارات ذات معنى إنساني أو إجتماعي، تنتشل الشخصية من إطار تفاصيل الحياة اليومية
الخانقة والمكشوفة والخالية من عناصر الدهشة.
لكن وبدرجات متفاوتة، تشذ عن هذه الظواهر المشتركة شخصيات، قصص قليلة تنفلت فيها
الشخصية، من اسار البناء التقليدي، فتحاول ما أمكنها التصرف بوحي من ذاتها، في
حيوية وتلقائية. ومن هذه الشخصيات (خميس) في قصة (عشرة دراهم) حيث يقدم مشهدا في
القصة يفيض صدقا وحرارة وشخصية عائشة في قصة (ليلة ممطرة) حيث تبدو الشخصية على
تماس بالواقع في اطار من الواقعية النقدية له، وليس محاكاته وان كان الكاتب لم
يتخلص من التقريرية المباشرة في شطر حياة هذه الشخصية وتقديمه باسلوب المقال
الصحفي. حيث تبدأ القصة (عائشة كانت امرأة قوية ولكن تعاونت عليها مرحلتان في
حياتها قادتاها إلى الرقود في حياتها قادتاها إلى الرقود في سرير كبير بمستشفى
بومباي المرحلة الاولى، خمسون عاما من الفقر) وبعد ان يشرح تفاصيل هذه المرحلة وهي
حياة ما قبل النفط، وتأثيرها في حياة عائشة، ينتقل الكاتب إلى المرحلة الثانية حياة
الرفاهية في مرحلة النفط، فتموت بسبب التخمة والافراط في الطعام، كي تعوض جوع
المرحلة الاولى.
في قصة (يحدث أحيانا) نقرأ عملا كتب باتقان، حيث اعتمدت القصة على مفارقة جميلة لها
دلالتها الفنية المنسوجة من عامل المفارقة في الحياة، وهي التي تكشف كثيراً من
القيم الاجتماعية المؤثرة في حياة الانسان والمجتمع.
ويلجأ الكاتب إلى أسلوب التقنية الحديثة في قصة (في المشرحة) في تصوير شخصية الصبي
سلوم، اذ يقوم الآخرون برسم هذه الشخصية من خلال انطباعتهم عنها لكن هذه التقنية لا
تأخذ مداها الواسع في القصة، حيث يحيطها الكاتب بطريقته التقليدية العامة حين يقسم
الحدث إلى عناوين مباشرة : (وقع الخبر) (في الطريق إلى المشرحة) (في المشرحة) (في
الطريق إلى البيت) (فوزية وسلوم) فقضى على الانسيابية الممتعة للحدث. كما أضعف من
رغبة المتلقي للتأمل.
وتقطيع الحادث القصصي إلى عناوين تقريرية، صحفية ومباشرة، يستخدمها الكاتب في قصص
أخرى مثل (قرة العين) (أربع طاولات) (ضحك حتى البكاء) (بومباي والا). وقصة (نصيب).