الصفحة الرئيسية
الكتب والمراجع والحقوق
عدد الأقسام : 42
عدد المقالات : 898
عدد زوار المقالات : 1679708
المتواجدين حاليا :
 
البحث فى المقالات
 
جديد المقالات
* الآبار ومواقع التنقيب وتل الفخار
* الإضافات
* المواد الأولية
* تحليل العناصر المعمارية والزخرفية
* تنفيذ خطة الترميم والصيانة
* خطة الترميم والصيانة
* تاريخ الجزيرة
* جزيرة دلما
* المقدمة
* الخلاصة
 
الصفحة الرئيسية » الرواية والقصة القصيرة » البيئة
تاريخ الإضافة :: 14/06/2007   ||   عدد الزوار :: 1062

البيئة


بيئة القصة القصيرة هي حقيقتها المكانية والزمانية معاً، بكل ما يضمه المكان من طبيعة واشياء وبكل ما يعنيه الزمان، كتسلسل متحرك، أو كوقت له حدود ومزاياه المرتبطة بالعصر الذي ينتمي إليه، أي ان هذه البيئة هي كل ما يتصل بالوسط الطبيعي وأخلاق الشخصيات وأساليبها في الحياة. وللبيئة في القصة القصيرة مفهوم خاص، يتسع كثيراً عن مفهوم البيئة الطبيعية، لأنه مفهوم ثقافي لا يكتفي بمجموعة الظروف الطبيعية التي تحيط بالانسان في هذه القصة، وانما يضيف إلى ذلك مجموعة الظروف الاجتماعية التي تتعلق بشخصية الانسان من ناحية، والتي تحيط به وتؤثر في حياته، فتصنع احداث هذه الحياة داخل القصة القصيرة، من ناحية أخرى.
وفهم الظروف الاجتماعية، والتعامل معها، يتطلب وعياً اجتماعياً يستوعب جملة العلاقات التي تربط الانسان بمجتمعه، مرتكزاً على المسببات الاجتماعية التي تفرز هذه العلاقات. وكلما زاد الوعي الاجتماعي لدى الكاتب، كلما امتلأت اعماله صدقا بالانتماء البيئي، وهو ما من شأنه ان يدفعه لخلق شخصياته الفنية من عمق البيئة، ومن أتون علاقتها الاجتماعية في اطار الزمان والمكان. عندها يقدم الكاتب أعمالاً فنية، تتحرك داخلها الشخصية بصدق وحرية ونماء، مثلما يتحرك السمك في بيئته الاصلية. كما (لا يمكن لوعي الفنان ان يقوده إلى وعي جمالي إذا كان الوعي الاجتماعي للفنان قائماً بذاته، أي يكون وعياً أحادي الجانب يركز على عملية الابداع كونها مثالاً لوعيه.
وتلك مشكلة تتضح في الكتابات المعاصرة الكثيرة في الحياة الثقافية العربية التي توازي وعي الفنان الاوروبي، ولكنها تتغرب عن أصلها الاجتماعي، فتكشف مرة أخرى عن اغتراب الوعي بطريقة مأساوية. أن عملية الابداع بالنسبة للفنان عملية فنية ذات وظيفة اجتماعية، في نفس الوقت الذي تصبح فيه شكلاً لاستيعاب وعيه الاجتماعي وتحريره من الذات إلى العالم الخارجي.
وللبيئة في القصة القصيرة دور وفاعلية، أكثر من ان تكون رتوشاً جمالية، أو خلفية يتكئ عليها الكاتب لرسم الشخصية، والحادث القصصي، بل بدون عناصر البيئة (مكاناً وزماناً) تكون القصة مقطوعة نثرية، فكرة عامة مجردة أقرب إلى الشعر، ذلك ان البيئة تمتزج بالتكوين النفسي والاجتماعي والفكري للشخصية، وتبني جسوراً من التلقي الحميم للقصة القصيرة. فتصوير البيئة، له أثر كبير في اندماج القارئ مع القصة ومشاركة مؤلفها بكل ما يرغب في التعبير عنه.
والمكان من عناصر البيئة الذي يشع حيوية في القصة، وكلما كان المكان حقيقياً، فهو يجعلنا نتذكر أمكنتنا التي عشنا بها، أو التي نحلم ان نعيش فيها، لا ان تكون هذه الأمكنة وصفاً لحالة تمر بها الشخصيات مثل الفقر والغنى والتباهي والبخل وما شابه ذلك، ولا ان يكون ساحة للاحداث الجارية أو دلالة على الشخوص فيما يتعلق بمركزها الطبقي أو نمط حياتها.
كما ان تحديد الزمن في اطار المكان والظرف الاجتماعي والنفسي، والفكري والمادي المحيط بالشخصية يقوي فاعلية الحضور البيئي في القصة وتصير عندها القصة مقطعاً من الحياة.
وبيئة البحر، بعلاقاتها الاجتماعية، أكثر حضوراً في القصة القصيرة، سواء بحضورها المباشر أو باستدعائها من الماضي كبيئة غير منظورة ولكنها تلح على الذاكرة حين تصطدم الشخصية بالبيئة النفطية الحاضرة، ومن هذا التصادم بين مرحلتين زمنيتين، اجتماعيتين، في ذات المكان تتولد بيئة في القصة الاماراتية، تتفاوت انفعالاتها من كاتب لآخر، ومن قصة لأخرى لدى نفس الكاتب. ففي قصص، نجد الشخصيات تقف رافضة للتغيرات الاجتماعية التي حدثت على نحو ما بسرعة قياسية في الزمن الحاضر، فتطلق أصوات الحنين نحو الماضي، في حين تكيفت شخصيات مجموعة من القصص مع هذا الواقع الجديد، بريبة وحذر (كل تكيف جديد يبدأ بما يشبه الانطواء فيتجه الكائن الحي نحو عالمه الباطني، ينظر في أعماقه ليعيد تنظيمها وإعدادها لمواجهة الموقف الجديد بما يلائمه وقد يتضخم الانطواء فيصبح فرارا، وقد يعتدل فينتهي إلى تحقيق التكيف المنشود.
وقد يأبى كثير من الافراد الاعتراف بالواقع، والعمل على التكيف معه، وقد تغير من بعض أوجهه، ويفضلون النكوص إلى مرتبة الاجترار حيث يعيشون مع شبح عالمهم الزائل الذي لم يعد له وجود الا في أحلام يقظتهم وكذلك الحال في فترات الانتقال الاجتماعي ينقسم المجتمع إلى فريقين فريق يضم الذين لا يريدون الاعتراف بالواقع، ويبذلون أعظم الجهد للتشبث بالماضي وبما في الحاضر من هذا الماضي، وفريق يمضون قدماً مع التطور محاولين ان يغيروا من وسائل تكيفهم القديمة كيما تلائم الجديد وبذلك يصبحون هم أنفسهم جزءاً من هذا الجديد وبعض مقوماته.
وهناك بعض القصص التي ابتعدت بيئاتها عن البحر والنفط ومست جانباً من الحياة الاجتماعية في الصحراء، ولكن نسبتها قليلة جدا في قصص كتاب الامارات.

* * *

في قصة (قالت النخلة للبحر) لعبد الحميد احمد، يتأكد المكان في البعد النفسي للشخصية، البعد الوجداني الذي يتعامل مع المفاهيم المتصلة بالمكان، أما البعد الجغرافي المادي فيتقلص في ذاكرة الشخصية إلى نقطة مركزية غائرة، لكنها مشعة حاملة معها هموماً اجتماعية مبعثرة هنا وهناك في جوانب المكان اللامرئي.
غير أننا، وبالكاد نتلمس خيوطا تتصل بمكان محدد ومرسوم في أذهاننا من خلال نطق الشخصية (دعوني الآن أعرفكم بنفسي بعد ان اخبركم بالحكاية، أنا شاب اعمل موظفا براتب أسكن وحيدا في منطقة تعج بالصخب والضجيج..حولي بيوت متناثرة كثيرة يسكنها هنود وباكستانيون وكوريون وأخرون لا أعرف أوطانهم، ثم تتضح خيوط المكان بصورة أعمق عندما ينطق الزمن التاريخي بالذي جرى فيه داخل هذه البيئة (جلست الجدة في مكان تحكي للصغار وهم يستمعون في شغف، قالت لهم : كان يا مكان في زمان غابر وقديم، قوم بنوا مجدا في بلدهم، كانت بلادا عامرة بالرخاء لسنين طويلة لكن الاخطار تكالبت عليهم من الداخل قبل الخارج، ودب الفساد ينخر في الكيان الشامخ، في جذع الشجرة ولما جاءت اول ضربة من الخارج هوى وصار اثاراً ومزاراً ومبكى).
هذا النطق ليس الهاما، ولا رجما في المستقبل، بل اطلالة واعية على الزمن الآتي منطلقا من الحاضر مستوعباً التجربة من الماضي، هي الرؤية التي تستوعب الاسباب لتقف على النتائج الاكيدة. وقد عمد الكاتب إلى تقطيع القصة لعناوين تفيض شاعرية وايحاء : (ليلة وشاهد عيان) (رحيل وموت) (ولادة في ليلة حب) (النخلة نقرأ الايام) (حديث قبل الخاتمة) الابن الذي اكتشف نفسه فصرخ محتجا (الخاتمة) هذه التقطيعات ألغت الفواصل الزمنية وكثفت الزمن داخل القصة، مشكلة بعناوينها ايقاعات زمنية متناغمة تطوي مراحل زمنية بطولها، مستفيدة من الزمن الشعري والذي يفيض بنبض البيئة والمجتمع.
القاص هنا يستعير أسلوب الباحث في الوصول الى الحقيقة، ولكن بالمنظور القصصي الفني، حيث يضع القاص بيئته في مختبر الفن الذي تتفاعل فيه القوانين، الفنية والمعرفية الخاصة بالفنان.
والنخيل في قصص عبد الحميد احمد، يتكرر بدلالات بيئية متقاربة، ففي قصة (عطش النخيل) تتفصد اجواء القصة عن عطش ذاتي، وعام، وجذورها تتصل بالقهر الذي يسبب معاناة لا تنقطع للبطل غير المسمى في القصة وان كانت اشارات لغوية مثل (العقال) (غترة) و(ردد في داخله بيت شعر لشاعر خليجي لم يتذكر اسمه، دور لجرحك دواماً من دوا ببلاش) هذه الاشارات تقرب الينا بيئة البطل، وتقودنا بالحدس إلى بيئة الكاتب.
وفي قصة (السمكة) نتعرف على بيئة (رشدان) دونما حاجة لتحديد المكان بالاسم (العمل هنا يبدأ قبل الدوام الرسمي وينتهي قبل انتهائه ايضا، في ساعات الفجر الاولى تلتحم السفن بالرصيف، ويبدأ إفراغ السمك منها، أنواع وأحجام مختلفة، ومع أنوار الصباح الطالعة يمتلئ الجو برائحة السمك الطري مختلطة بأنفاس البحر الباردة وبعرق الصيادين.
هذه الصورة، بجانب صور أخرى في القصة تقودنا إلى مدينة ساحلية .. وعدم ذكر اسمها إضعاف في النسيج البيئي للقصة، وهو النسيج الذي يعطي القصة نكهة محببة للمتلقي.
ويتوضح الزمان في هذه القصة من السرد الذي يشف عن تدخلات بين الماضي والحاضر، حين كان (رشدان) صياداً للسمك في الماضي، وكان الصيد سمة إقتصادية غالبة وحين تحول إلى بائع سمك في الحاضر، في مرحلة اتسمت بطفرة مادية هائلة. (البحر يمتد إلى مالا نهاية سفينة حدة قوتها مجموعة من البشر، رشدان والرجل اثنان منهما، مخاطر كثيرة والجوع كان يجثم فوق الصدور لا يتزحزح .. لاحظ ان رشدان غاب خلق غلاله من الذكرى فظل صامتاً ينتظر عودته.
ويقوم الراوي بنفسه في هذه القصة، بالتربع على الفواصل الزمنية، فاصلا المراحل عن بعضها مستدعياً ذاكرته ليفصل بين الماضي والحاضر (سنوات قليلة مرت انتفخ فيها البعض وطاروا في الهواء وانكمش آخرون وظلوا فوق التراب، حدث رشدان نفسه بذلك وغرق في صمت اليم.
وتدخل الرواية على هذا النحو، كسر الايقاعات الغنائية داخل القصة، خصوصا وان معظم أجوائها تم بناؤه بالحوار المباشر بين رشدان وصاحبه، وكان حوارا متناغماً مع الحادث القصصي، وهو التقاء رشدان بصاحبه القديم الذي طالته وفرة النفط، حوار متصاعد في توتره الدرامي، ينكسر فقط حين يتدخل الراوية – الكاتب.
ويتألق الزمن النفسي في قصة (آل مغضوب برسم البيع) ويتغلغل في مساحات القصة وفضاءاتها، حين يقابل البطل عبدالله مغضوب مع واقعه الاليم، فتحدث مواجهة نفسية مؤلمة بالألم، ويلجأ البطل – لان الواقع أضخم منه – إلى عقد مقارنة تفيض بالمرارة بين الحلم والحقيقة، كاشفا من هذه المقارنة القناع عن بيئة اجتماعية طاردة له بكل السبل .. حتى في أن يجد عملا وهو مهندس بترول (الم تنغلق كل الابواب في وجهك؟ ألم تطرد من الأرض وعائشة والقبيلة).
هذه الانفجارات النفسية الحادة، التي ترافق عبدالله المغضوب، تنفلت منها شظايا بيئية، تكشف فيها ملامح بيئية تشير إلى مكان بعينه (أمك المتسربلة بثياب البداوة تقول لك ايضا انك ولدت في سنة الوهيلة. حدث تاريخي حدث في الحرب الثانية. واين ولدت؟ تقول كل ايضا انك ولدت على طوى ميثا. ومادام الامر كذلك فهو لا شك في قلب الصحراء الملتهبة.
كما نتعرف على الملامح الاجتماعية للشخصية من خلال احباطها (أبوك يا عائشة بعد ان وعدني برد الخبر راح يتجسس علي وعلى امي أرسل العيون والآذان ان تسأل عني وعن .. ولم يصل إلى نتيجة كما لم أصل انا من قبل).
ثم يقدم الكاتب لنا مغضوب في قمة أزمته حين يعلن نفسه للبيع، وبذلك نكون قد وقفنا على كثير من مفردات البيئة المكانية والزمانية والاجتماعية ... هذه المفردات بمجموعها شكلت حصيلة معرفية بالبيئة المحيطة بالشخصية، وقد جسدها الكاتب بنجاح في اطار نفسي ضاغط، تزداد ضغوطه كلما اجترع كؤوسا أكثر من الخمرة، فيتلاشى الاحساس بالزمن العادي، ليتفجر الزمن النفسي ملقياً ضلاله على البيئات اخرى .. تتوالد بشكل أميبي متسلسل.
(تترافق الاضواء والضوضاء والدخان والاشباح في رأسك، تغادرك القدرة على الحلم فتغادر المكان إلى مكان آخر في داخلك).
ونقف على أكثر من علاقة في مرحلة النفط في قصتي (اشياء كويا الصغيرة). و(الارصفة العربية) حيث يشكل النفط والمدينة، بيئات غير منظورة داخل القصة ف (كويا) نموذج هندي لديه متاعبه المادية، و (أبو محمد) نموذج فلسطيني لديه متاعبه الوطنية والمادية، في بيئة المدينة النفطية.
وفي قصة (صفعتان) نتصفح هذا الوصف البيئي (ترك خلفه خورفكان، جفافها، غبارها، حجارتها، ناسها، بحرها، ركودها، شمسها، تسلى في الطريق الطويل بتدخين السجائر وبمراقبة الاسفلت والجبال ثم الصحراء، بعيون زجاجية ليس فيها تعبير من أي نوع، أحس في فمه طعم الجفاف واليباس لعل الصحراء الشاسعة برمالها الصفراء أثارت فيه هذا الاحساس).
تجرأ الكاتب وسمى مكانا في البيئة في قصصه، وهي حالة نادرة عنده، حيث تغيب اسماء الامكنة في جميع قصصه تقريبا .. وكأن الكاتب يخشى اختراق هذه الامكنة المعرفة إما لقربه الشديد منها فيخاف كشفها، أو لاعتقاد انها أماكن مكشوفة أصلا، وفي الحالتين يتحمل الكاتب وزر التعتيم البيئي على قصصه.
انطلق (عبد الحميد احمد) هذه المرة من خورفكان، هذا الاسم المفعم بدلالاته، المعرف الموجود بتضاريسه البشرية والجغرافية .. ليصل بشخصية – الراوية إلى دبي، وهو الاسم المعروف أيضا (حين وصل دبي قصد منزل صديقه، لم يجده كانت الساعة حوالي الرابعة، تمشى قليلاً، صديقه لن يأتي قبل الثامنة مساء، التسكع في الطرقات متعة، واية متعة).
وسنشعر بالأسى لو ان الكاتب ثبت الاسمين المطلقين (القرية) و(المدينة) بدلا من خورفكان ودبي، عندها سنخسر بيئات تشع في وجداننا ألفة نفسية، كما ان تحديد هذين المكانين أضفى رونقاً آخر على كل مفردة .. وهي في مجموعها ستجذب مشاعر المتلقي نحو القصة، فالامكنة الواضحة المعروفة الملموسة جزء اساسي من الواقع، (ولقد أكد هيجل على اهمية المكان في علم الجمال من خلال ترئية الواقع وهو شرط جمالي بدونه يظل العمل الفني عائماً في الفضاء .. ولقد تساءل – شيلنغ- أي يقع الشيء .. فبدون معرفة المكان سنعثر على انسان دون واقع محدد ولن ينقذنا الرمز وحده).
في قصة (الفأس) نواجه بيئة زراعية مستقلة ليس فيها نفحات من الصحراء أو البحر، والبيئة الزراعية نادرة في القصة الاماراتية، الا إذا استثنينا تضمنها لشجرة النخيل، حيث تأتي في كثير من القصص كرمز لمرحلة، أكثر منها بيئة مادية تشير إلى واقع زراعي معاش بصورة يومية، بمعنى اننا لم نعثر على قصة تجسم نموذجا زراعيا، فلاحا، مستغرقا في أرضه، وتشكل شجرة النخيل همه الانتاجي، والنماذج القصصية الاماراتية تتجه في معظمها نحو البحر، أو تعيش مرحلة النفط وذاكراتها في البحر.
والنموذج (سلمان) في قصة (الفأس) فلاح، مزارع منقطع تماماً لهذا العمل، (عندما يبزغ الفجر ينفض سلمان خمول الليل ويرتدي ثياب النشاط، ثم سرعان ما يخرج إلى الحقل منتشياً برائحة الصباح والعشب الندي) (الأرض هذه، كلما حفرت بها وكلما أعملت فيها حرثا وضربا كلما أعطت المزيد ويضيف بكبرياء : الأرض تتحرك بضرب الفأس).
وتبدو الأرض، معادل موضوعي للبحر، لكنه مستقل بكيانه، مكثف بمعانية ودلالاته الموضوعية، وتكون الأرض بيئة متكاملة تعطي عاملها ما يحتاجها من ضرورات الحياة. ونرى (سلمان) يحدد مزروعاته في هذه البيئة (في الحقل يزرع سلمان مع زملائه البصل والفجل والطماطم والعدس والملفوف وخضروات اخرى، في الصباح الباكر يبدأ العمل وعند الظهيرة يتوقف لساعة ينام فيها تحت شجرة اللوز الكبيرة وسط الحقل بعد ان يتناول الخبز مع شيء من الجبن والخضر.
وتمضي القصة لتصور بيئة ابتعدت تماماً عن البحر والصحراء ونفط المدن، حتى النخيل لا يرد ذكره في القصة، لدرجة أن الشك يساورنا، في ان تكون هذه البيئة محلية، ولكن وجود مساحات زراعية في الامارات وبعضها بعيد عن البحر وبها ذات المزروعات، يقضي على شكنا بغرابة هذه البيئة التي أخذت شكلا مستقلا في وجودها عن البيئات الاخرى.
ونتذكر هنا أهمية تحديد المكان بالاسم والتوصيف، كي يزيل عن المتلقي مثل هذه الشكوك.
ويأخذ الزمن في قصة (الفأس) وضعه الطبيعي داخل المسار العام للحدث فنقف على فواصل زمنية مثل (عندما يبزغ الفجر) و(عند الغروب) (في الغد) (بعد اسبوع) (ذات صباح) وفواصل زمنية أخرى، يستخدمها في سرد الحدث، استخداما يتمشى مع الانسجام الازلي بين الزراعة والزمن، حيث تشكل هذه الفواصل الزمنية الطبيعية، أساسا منطقياً لحركة الفلاح في بيئته الزراعية فلا يلجأ الكاتب إلى أي تقنية تغير هذا المسار الزمني.

* * *

البيئة في قصص علي أبو الريش، تقف في مواجهة الشخصية والاحداث، وتظل تؤكد وجودها في فضاءات القصة دون ان تأخذ شكلاً مرئياً معرفة بالاسم والعنوان، لكن المتلقي، على نحو أو آخر تتسلل إلى وجدانه روائح بيئية ليست غريبة منه.
في قصة (الوجه الآخر) لعلي ابو الريش تتحدد البيئة في وجهين متقابلين، وجه يعيش مرحلة الصيد والبحر، والوجه الآخر متصل بالمتغيرات الاجتماعية المصاحبة للنفط، وتقف الشخصية – خليل الراوية بضمير المتكلم – منحازة للوجه الاول.
(أنا وجهي غير كل الوجوه. قلبي دبيب الدم في عروقي .. هكذا أشعر، وأنا اقف عند الشاطئ عيني ترقب ساعد السماك وهو يسحب حبال (اللنج) سمراء داكنة، معروفة، شروخ البحر في لحم جبينه، قلت في نفسي يجب ان أكتب، لصالح هؤلاء تكون الكتابة حقيقية).

* * *

الوجه الآخر ليس مرئياً للقارئ، كما هوفي الوجه الاول والذي يأخذ شكل القصة لدى الشخصية خليل.
وفي كلا الوجهين غاب المكان، كبيئة معرفة يرتكز عليها النموذج خليل.
وفي قصة (أبو حردان) يطلعنا الكاتب على أمكنة جبلية .. ووديان، (هذا الجبل شاهد على كل نبضة حية يدقها قلبي الناعم، الحي) كما تتواجد بيئة البحر وهي البيئة التي لا تفارقها قصص علي ابو الريش، ومن هذه البيئة، ترتسم الملامح النفسية لشخصية أبو حردان، وتتفتق من رحم العلاقات غير المتكافئة بين الصيادين البسطاء وبين ربابنة السفن (النواخذة) لدرجة ان النوخذة لا يتوانى عن إلقاء الصياد المريض في البحر، مثلما فعل مع أبو حردان (اسقطني في البحر لينجو من العدوى ليتخلص من مريض فقد جدواه).
هذه العلاقة تجسد بيئة إجتماعية في مجال العمل والانتاج، في الماضي، حيث تدور الاحداث المرافقة لشخصية ابو حردان، فالقصة كلها مستوحاة من الماضي، لكنه الماضي القريب الذي لم تمح أثاره بعد، بل ما زال يلح في حضوره في الزمن الحاضر.
وفي قصة (حمار خلفان) نقف على بيئة صحراوية، وهي البيئة النادرة في قصص على ابو الريش، (للصحراء السمج وللشمس حرارتها اللاهبة، والسماء غلاف يوخز الجسد بالخوف، أوه الحمار لا ينوي اكمال هذا اليوم على خير).
داخل هذه البئية الحارقة، تحدث مأساة خلفان، الرجل الفقير الذي يعتمد على حماره باحضار التمر لأولاده. وما دام الحمار قد نفق فهذا معناه نهاية خلفان وسط هذه الرمضاء، هذه البيئة المكانية، غير المعرفة باسم علم، تتوالد داخلها بيئة نفسية تتفجر حرقة من الماضي الذي لا ينطوي على خير كما الحال في الحاضر، فخلفان مسحوق في الزمنين ويلفظ أنفاسه تحت شمس الصحراء المحرقة، وهو في مهمة إحضار الماء لسيده.
في قصة (صراصير رغماً عن انف البيف باف) تتوارى البيئة الاجتماعية والمكانية والزمانية تحت جناح الرمز المتجسد في الصرصور (الصرصور اللعين، هذه الحشرة لا أطيق منظرها، تلاحقنا حتى في غرف النوم).

* * *

في قصة النشيد لسلمى مطر سيف، البيئة تتجسد في ذاكرة الشخصيات وتصير صدى لواقع تاريخي يؤكد حضوره من خلال استدعاء الماضي، هذا الماضي الذي ما زال مؤثراً في سلوك الشخصيات داخل الزمن الحاضر، ومن خلال الاستدعاء والبحث تكشف لنا بيئة بالكاد نرى ملامحها على السطح، يكشفها الانفعال والنزق حين ظهرت شخصية (دهمة) المرأة المرفوضة في البيئة الاجتماعية الحاضرة، لانها تجسد واقعاً اجتماعياً مضى يبعث على الندم (كنت اسائل نفسي عن سبب منعه اياي عن دهمة وقد لحظته قد تبدلت أحواله لمجرد ان تسامع بان دهمة سكنت بالجوار منا).
هذا التساؤل سيفضي إلى نتيجة : وهي ان دهمة كانت في وقت جزءاً من الواقع وكانت تدخل في تشكيل الشخصية الاجتماعية، وتجاهلها الان ضرب من الندم.
والكاتبة كي تعطي شخصية (دهمة) بعدها الانساني، تستدعي الاسطورة لاضفاء واقعية سحرية على الزمن الاجتماعي الحاضر (عندما رجعت).
ذات يوم بعد عملها وجدت طفلها مذبوحاً بدأت دهمة تطرق على طبلها طرقاً خفيفاً وما يلبث يتعالى والنار تتقافز كأنها طيور حمراء تختفي في المدى). وهذه حركة اسطورية متغلغلة لدى كثير من الشعوب وبخاصة في افريقيا، و(دهمة) كما ترسمها الكاتبة لها جذور افريقية سوداء على الأغلب، و(عندما اقتربت منها رأيت رقبتها السمراء مجدولة بضرب قاس كأنه لشط سياط لم تعرف الرأفة البشرية) وكانت (دهمة) المسلوبة الارادة قد أعادت هذه الحركة الاسطورية عشر مرات، إنها فقدت عشرة أولاد (وقرع الطبول بالعصى هو إشارة إلى تعلق الاحياء بالميت، لان عدم المشاركة يعني احتقار روح الميت وعدم مساعدته وانقاذه كما يعني إحتقار من يتعلق به من الاحياء واذ تعبر هذه الحكمة عن روح التضامن والمسؤولية، فإنها تعبر أيضاً عن مسؤولية الاحياء وإزاء الاموات.
و(دهمة) حين تفرح مع كل وليد جديد تلجأ إلى النشيد، إلى الغناء، تستخدم بدايات التكوين التعبيري الاول لمشاعر الفرح لدى الانسان. تسمية القصة (بالنشيد) له دلالة عميقة في كشف البيئة في زمن محدد تمهيداً لادانتها.
(وعندما تخرج وليدها يسمع في البلدة دوي يتغلغل في كل مكان، في البيوت والسكك، ويتسرب إلى فؤاد كل فرد في البلدة، ويظل النشيد إلى ان تنتهي المراة من رضاع وليدها ثم تحمله إلى بيت أبيه، والأب يستر ملامح وجهه، في حين الوليد يكون متخلقا بتلك الملامح، واللون لون دهمة ويغدو الرجل كخرقة منقوعة في الماء....)
البيئة في قصة (النشيد) واقع انساني ميثولوجي، اجتماعي سيلولوجي ... في تداخل تم نسجه في تكوين الشخصيات : الابنة الباحثة عن دهمة، الجد القاسي النافر من دهمة، الام، والناس المحيطين بدهمة والارض التي تدور عليها مأساة دهمة .. وقد نسج هذا التكوين برؤية ومهارة (والفنان المبدع حين يخلق نموذجا فنياً يكشف فيه عالمه الداخلي، يحلل محتواه الواعي، ويفرز ما هو إجتماعي ويحدد خصائصه ويبين علاقته وتفاعلاته، يجزئها ويشيئها ليصل إلى الذات، إلى الأنا الفردية بارتباطاتها بكل الدوافع الاجتماعية ليكشفها من جديد.
واعتقد ان الكاتبة نجحت إلى حد ليس بقليل في خلق هذا النموذج الفني والذي ارتسمت ملامحه البيئية، على نحو خارج من أتون هذه البيئة.

* * *

قصص مريم جمعة فرج في مجموعة (فيروز) لا نكاد نعثر على ملامح واقعية للبيئة، نستشف من خلالها مكاناً محدداً، أو زمانا بعينه. فقد ركزت الكاتبة في جميع القصص على البيئة النفسية داخل الشخصيات، لكن ومن حين لآخر تبرز بعض الإشارات التي توحي للقارئ بأنها تقصد البيئة المحلية، وما نكاد نلتقط هذه الاشارة حتى تختفي مرة أخرى في خضم الأتون النفسي الحاد الذي تعيش داخله الشخصية. غير ان البيئة تشكل الواجهة الخلفية غير المنظورة لهذه القصص، ففي قصص (فيروز) (عبار) (درويش) (بدرية) (ضوء) (ثقوب) (صالح المبارك) (شعور) (من الزوايا المتواضعة) (مسافة) (القمقم) (وجوه) (أشياء صغيرة) و(الريح). في هذه القصص تطغى فيها الملامح النفسية على ملامح البيئة الاجتماعية الموصوفة بعلاقات واضحة، فالشخصيات في هذه القصص يطحنها الألم والقهر، ويتم تصويره بطريقة رومانسية شعرية حالمة، غيبت العنصر الاجتماعي الواقعي لهذه الشخصيات فتراجعت العناصر البيئية .. تاركة بعض الاشارات البسيطة التي نستنتج منها أنها تشير إلى بيئة الكاتبة.
كما ان الزمن في تلك القصص، ارتجاعي كالصدى يطل ثم يختفي مع التوترات النفسية التي تستدعي صورا جميلة من الماضي، لتبني عليها امل الحاضر، أو تستدعي صورا قائمة من الماضي لتضيف اليها الم الحاضر، في حين لا تهتم الكاتبة كثيراً باستشراف المستقبل، لان هذا يحتاج بطبيعة الحال إلى وجود شخصيات واقعية، تعيش مكانها وزمانها وتتصل بقضية واضحة .. لكن حين تختلط القضايا وتزدحم في رأس الشخصية، تغيب القضية التي تطرحها هذه الشخصية فيصبح عندها الواقع كالطنين ... ويبقى لنا صراخات وهلوسة فكرية، ناشدة الحرية باشكالها المتعددة.
وفي هذا الاطار، أمكن رصد اكثر من ملاحظة مشتركة حول قصص الكاتبات الاماراتيات :
أولاً : ان الشخصيات النسائية في كثير من قصص الكاتبات، يتم تصويرهن داخل بيئة اجتماعية ونفسية ضاغطة على المرأة، سواء في الزمن الماضي أو الحاضر، وقد يكون مرده إلى عمق المعاناة الاجتماعية التي تعيشها المرأة في البيئة الاجتماعية.
ثانياً : الكاتبات يتناولن البيئة بخشية، فلا يكون ثمة مكان واضح حول الشخصية، كما أن حياة الشخصية ذاتها تكون غامضة في حركتها داخل المكان وهذا هو امتداد للاضطهاد الاجتماعي الذي تعيشه المرأة، حيث يمثل ترئية المكان للشخصية عورة اجتماعية، وترئية المكان مهمة ليست سهلة على الكاتبة، بل تحتاج إلى مزيد من التطور الاجتماعي، كي تستطيع المرأة كواقع مادي، أو كنموذج فني، ان تتحرك بحرية في مساحات الأمكنة.
ثالثاً : الزمن في معظم قصص الكاتبات يأخذ شكل الزمن النفسي، في صورة تداعيات واسترجاعات، واللجوء إلى الحلم لطي مراحل زمنية داخل القصة كي تحمل اللحظة الزمنية الحاضرة، أكبر قدر من الوجد والمعاناة في حياة الشخصية.
رابعاً : تلتقي أكثر من كاتبة في نظرتها للزمن الماضي، ومحاولة ادانته في بيئة الشخصية. وهذا النبش التاريخي الباحث عن جذور المعاناة في حياة الشخصية، نجده في قصة (فيروز) وقصة (النشيد) (لسلمى سيف مطر)، وفي قصة (ظهيرة حامية) لامينة عبدالله. حيث يتم في هذه القصص تعرية الماضي وادانته من خلال الشخوص الرئيسية فيها.

* * *

وفي قصة (الرحيل) لسعاد العريمي، نواجه بيئة ليست محلية في تكوينها الاجتماعي والجغرافي، غير انها محلية من المنظور القومي العام، حيث (أبو المعتصم) شخصية فلسطينية تعاني مشكلة الرحيل عن الأرض والوطن، وفي اطار هذه الغربة المفروضة، ترسم لنا الكاتبة معاناة أبو المعتصم ونماذج أخرى في القصة في بيئة خارج وطنها وأرضها (الخيام ... آه الخيام، بالتأكيد هي مصدر علتي).

* * *

وفي قصة (الرحيل) لشيخة الناخي وهي أول قصة مسجلة في الامارات، تظهر البيئة منزوية خلف قصة حب رومانسية عنيفة، تعيشها (علياء) مع (سعيد) وتنتهي برحيل علياء من الحياة. ولا نجد في هذه القصة سوى اشارة بيئية واحدة توحي بالبيئة المحلية (ومرت لحظات تردد، تناولت بعدها عباءتها المعلقة، ولفتها حول جسمها، ثم تسللت من النافذة، وهبطت الأرض).
غير ان هذه الاشارة ليست دليلا بيئياً كافياً لنجزم أنها تشير إلى بيئة بعينها.

* * *

في قصة (بعد الخامسة مساء) لظبية خميس تصور القصة نموذجا خارج بيئته حيث يقدم النموذج بتجربة المعايشة والانسجام مع هذه البيئة النقيض في تكوينها الاجتماعي والتاريخي محاولا الانفصال عن تأثير البيئة الاصلية.
وقد ذكرنا، ان النموذج القصصي – وهو سيرة ذاتية للكاتبة قدم تجربة فريدة في التقبل الحضاري لبيئات مغايرة، لبيئة الشخصية، خصوصا وان هذا النموذج – امرأة، وان هذه المرأة نجحت في تحديد مسار منطقي لحريتها الشخصية داخل هذه البيئة الجديدة برغم كل مظاهر الاغراء الاجتماعية المتوفرة فيها.
وفي هذه القصة قامت الكاتبة في تطويق افكار سلفية مسبقة، حول بعض المفاهيم الحضارية.

* * *

وتأخذ البيئة كيانا اجتماعيا، جغرافيا ضاغطا على الشخصية في قصة (وكان الدفتر رادي عليه) لعبد الغفار حسين، فقد سلبته حريته، ثم في طريقها لتضيف عليه الخناق في لقمة عيشه وسكنه، في فترة ما قبل النفط.
فقد صور الكاتب ملامح بيئته من الزمن الماضي، بشكل منطقي واضح حيث انطوى هذا الزمن على تفاوت إجتماعي بين (بوبلول) الفاحم اللون المسلوب الارادة، الفقير المعدم، وبين فئة العمومة والنواخذة وهم علية المجتمع.
ولا نرى في القصة أي تحرك إيجابي لشخصية (بوبلول) تجاه هذه البيئة الاجتماعية، فهو مستسلم حتى النهاية (وأردف العم بحدة أكبر : الأرض اللي تسكنها ترانا بنأخذها عن الدفتر اللي عليك اتحول عن ارضنا وشوفلك بقعة تسكنها.
قال النواخذا (العود) جملته الاخيرة وهو بدلف إلى داخل المنزل من الباب المؤدي إليه من المجلس، تاركاً بوبلول كالمصعوق ترتجف ساقاه الهزيلتان اللتان لم تقويا على حمله من شدة الارتجاف فاسقطتاه ارضا، هذا الفعل، ليس غريباً عن الواقع، حيث لا يملك بوبلول داخل هذه البيئة الاجتماعية ايا من مقومات الصراع والتحدي .. هنا تلتقي شخصية بوبلول في جذرها التاريخي الذي يمثل لعنة في حياتها داخل هذه البيئة مع شخصيات دهمة في قصة (النشيد) لسلمى مطر سيف وفيروز وبلال العبار في قصتي (فيروز) (وعبار) لمريم جمعة فرج، كما تلتقي في كشفها وتعريتها لبعض القيم الاجتماعية في فترة ماضية. وقصة (وكان الدفتر رادي عليه) زاخرة بالمفردات التي تحمل معان بيئية، وظفها الكاتب في رسم شخصية بوبلول.
الرسم الواضح والدقيق للبيئة النفطية في المدينة، نقرأه في قصة (ظهيرة حامية) للكاتبة أمينة عبدالله (بوشهاب) فالمكان بارز وجاد وقاس، وهو على وشك ان يعصر خميس بعد ان كان قد عصر انسانيته في فترة ماضية .. فترة البحر.
القصة عامرة بالفضاءات الفنية، التي في مجموعها تشكل نشيداً متناغماً يعلو ويهبط، من خلال المرور على الأمكنة المتناقضة داخل المدينة، الكاشفة لبيئات اجتماعية متفاوتة :
(أمام سوق الذهب أمرته سيدة في منتصف العمر برفقة شابة صغيرة بالتوجه بهما ناحية البيوت الشعبية أقصى الشرق) ومن الحوار المتشنج القصير الذي جرى بين السيدة والشابة ندرك أنهما من طبقة اجتماعية متواضعة .. كما أن الجهة التي يقصدانها تفصح عن ذلك، والاغنياء كما نقرأ في القصة يسكنون في الجهة الغربية .. (فاضت رائحتها المتحفزة في المركبة، ومالت بجذعها للأمام طالبة من خميس التوجه لنهاية الجهة الغربية للمدينة).
أيضاً نقرأ (مرق بين المباني الرمادية الشاهقة في حي المال فتذكر أيام جنونه حينما كان بواباً لأحد البنوك).
كذلك نقرأ (خطر له ان كدره وليد حلم ليلي طويل وخز نفسه بمساميره .. شاء ان يدندن لحناً بحرياً من أيام الشباب المبكر، ولكن ذلك اللحن الذي كان مثل هيجان البحر تحول إلى حشرجة في صدره ورفض الصعود إلى شفتيه، ولكنه ظل يدق في رأسه هنيهة) فانكسار خميس في فترة البحر المتمثل في عجزه عن صون شرفه من سادة البحر، يمنعه من ان يدندن لحنا بحريا، فاللحن البحري لابد ان يكون مصحوباً بفعل قوي.
ومن الجهة الشرقية للمدينة، وحين كان خميس يبحث عن منفذ بسيارته إلى الشارع المسفلت تركب معه أمرأة شابة (راقبها في المرآة وهي تسوى شعرها بأصابع نحيلة كدها العمل المنزلي).
لكنها أمرأة وبدافع الفقر تبيع جسدها لسكان المنطقة الغربية.
وعلى هذا النحو. من هذا التقابل الدال نسجت الكاتبة قصتها، في بنائية سردية ولغوية متناغمة، ومن هذا البناء القصصي المتقن تتضح معالم بيئة شامخة في حضورها، وفي تأثيرها التاريخي والاجتماعي والنفسي على شخصية خميس.
أيضاً فإن خميس، بالمقابل، يقوم بدور كبير في كشف تلك المعالم المتناقضة في بيئة المدينة فهو سائق سيارة أجرة، وهذه المهنة بالذات لها دور في هذا الكشف فقد تحرك خميس في الشوارع، والاحياء متنقلا بين الناس والامكنة المتضادة في خريطة المدينة، اضافة إلى مواجهته التي لا تنقطع مع نفسه بين الماضي والحاضر فامتزجت بيئته النفسية مع المدينة، فالكاتبة رسمت في لغة قصصية انتقت مفرداتها بعناية، بيئة تفيض بالحياة.

* * *

وقد صور محمد المر، اغلب شخصياته في مدينة دبي، وهو المكان الاكثر تواجداً في قصص مجموعاته، فالشخصيات إما أنها تعيش في دبي أو تنطلق منها إلى بيئات أخرى، أو قادمة عليها.
والشخصية الانسانية تتجذر في بيئاتها، وتتصل بهذه البيئات اتصالا جدليا لا ينقطع. وحين رسم الكاتب ملامح الشخصية فهو قطعا يمزجها مع ملامح مكانية وزمانية في بيئتها.
والشخصيات القصصية لدى محمد المر، تأخذ من البيئة تكوينها الخارجي، المظهري ولا ينقطع الكاتب عن التذكير في معظم قصصه ان الحادث القصصي يحدث في هذه المدينة بالذات بمكانها وزمانها.
هذا المستوى في التعامل البيئي، اكسب المر تميزاً في الحاحه المتصل في تناوله بيئة محددة بمكوناتها الخارجية، فنرى في قصصه امكنة وشوارع وانماط معيشية، وموروثات شعبية سواء مادية أو لغوية أو اجتماعية.
كما نلاحظ ان معظم شخصيات المر تحاول جاهدة الانتماء إلى بيئتها، تحيا وتموت فيها ولا تلجأ إلى التمرد العنيف في رفضها للواقع السيء، فالنماذج الفقيرة في قصصه نشاهدها منتمية ومرتاحة في وضعها، وليس عندها هواجس للتغيير نحو الافضل، فالكاتب يعرض للقارئ الحالة العامة للشخصية تاركاً للقارئ عملية فهم أحوالها النفسية والفكرية بالطريقة التي يرتأيها، لكن لا يخلو هذا التصوير من تعاطف الكاتب مع هذه النماذج الفقيرة.
أما حين يتناول المر نماذج من الطبقة المتوسطة، فانه يستخدم التصوير الكاريكاتوري الساخر، جاعلا هذه الشخصيات تتصرف بتوافق يفتقر إلى الذكاء مع المعطيات المادية الاستهلاكية التي وجدت نفسها فيها على حين غرة، حيث تقوم تلك النماذج بقلب سريع لكثير من علاقاتها الاجتماعية السائدة في بيئتها، متنقلة إلى علاقات لم تتأصل اجتماعياً بعد.
وتلك النماذج نجدها في قصص : (برونورركس) (ليلة ممطرة) (مبروك) (بومباي والا – الرجال المحترمون) ( يحدث أحياناً) (قرة العين) (اربع طاولات) وكثير غيرها.
ومن المواقف التي تثير السخرية، على سبيل المثال، الابن الشاب في قصة (اربع طاولات) الذي يمتنع عن مشاركة والده في أكل (البيتزا) في المطعم، الا إذا وافق على ذهابه إلى لندن مع أصحابه .. أو احمد كمال في قصة (قرة العين) الذي أعجبه منظر لجبال الهمالايا في مكتب سياحة بدبي، فسافر إلى هذه الجبال ليصدمه الصقيع الذي كاد ان يودي بحياته، أو عندما يقول سمبوسة لصاحبه عبادي في قصة (خمسة الاف مليون) ماذا تحصل انت من البترول، سيارة تيوتا تعبانة، وبيت شعبي صغير وبائس، ورحلة كل سنة إلى بانكوك، تأتي على أثرها مصابا بمرض السيلان، وتنفق نصف راتبك وانت تعالج منه لعدة أسابيع، إذا راح البترول سترتاح من بانكوك ومن مرض السيلان.
والبيئة المادية للبترول. وما أفرزه من قيم استهلاكية جديدة، نجدها في كثير من قصص محمد المر، مثلاً في قصة (رسائل زوجة انجليزية) نقرأ هذا الانطباع الشخصي المباشر في رسالة (جودي) التي تعيش مع زوجها أحمد في دبي، إلى أمها مارغريت في لندن (النساء العربيات لا يعرفن الاقتصاد، فاطمة تشتري الكثير من علب المسكارا وأدوات التجميل وبعد ان تستعمل ربعها أو قليلاً منها تهملها أو ترميها، لا أدري هل جاءهم الاسراف بسبب كثيرة أموال البترول، ام ان تلك المسألة طبع متاصل فيهم، إسراف في كل شيء، في الزينة والعطور والاكل وبناء البيوت، كل شيء فيه اسراف انهم شعب لا يعرف التوفير) ومن قبيل السخرية، يصور محمد المر، في بعض القصص نماذج تنتهي بالموت، في الوقت الذي ما زالت فيه شديدة التعلق بالحياة، كما في (ليلة ممطرة) (مكان في القلب) وقصة (بيت الحب – حوار الشراء).

عودة »»