|
| |
|
البحث فى المفردات |
|
|
|
|
| |
|
|
|
الصفحة الرئيسية » مقدمة المراجع |
|
|
مقدمة المراجع
بسم الله الرحمن الرحيم .. وبه نستعين والصلاة والسلام على سيد
المرسلين ، وبعد
- أ -
فهذا الكتاب بذل فيه صاحبه جهدا عظيما وتحمل في سبيل تأليفه تعبا مضنيا على مر ست
سنوات ، كان خلالها يراقب باذنه وقلمه أفواه الناس في شتى أرجاء دولة الإمارات
العربية المتحدة ، فيلتقط منها الكلمات ويرصد الألفاظ ويسأل ويستقصي ويطلب المزيد ،
فاجتمع له من خلال ذلك مقدار عظيم من المفردات وباقة يانعة من الأشعار وجمهرة لا
بأس بها من الأمثال والأقوال ، راح ينظمها ويرتبها ويشرحها ويستشهد عليها بما توفر
له من شواهد ، حتى كان هذا المعجم ثمرة يانعة لاجتهاد عظيم قدمه الكاتب سائغا رائقا
لذوي الاهتمام ، فأضاف بذلك إلى المكتبة العربية مصنفا جديدا يحتل مكانا مرموقا ،
إلى جانب أمثاله من معاجم اللهجات العربية الحديثة التي ظهرت في شتى أقطار الوطن
العربي الواحد .
- ب –
ولا بد في مقدمة مثل هذا الكتاب أن يتطرق الحديث إلى قضية العامية والفصحى , ولا بد
من معترض على اصدار مثل هذه الكتب التي تعنى بالعامية المحلية ، ليس في بلادنا فحسب
وانما في كل أقطار العروبة وحجته في ذلك قوية ، فهو يريد الحفاظ على الفصحى لغة
القرآن الكريم ولغة تراث العروبة الحضاري ، وهو يريد الحفاظ على حبل متين يربط بين
العرب في شتى ديارهم ، وقد نزل بهم ما نزل من كوارث التفرقة والشتات ، فيجب أن يكون
هدفنا أن نوحد لا أن نبدد ، وأن نجمع لا أن نفرق .
وهذا كله حق تؤيده وقائع الحال ، وينسجم مع منطق العقل الواعي والضمير الحي
والإحساس النقي ، والغيرة الصادقة .
ونحن ندرك كل هذا ونعيه ، ومع ذلك فلنا في القضية وجهة نظر ، ولنا في اصدار مثل هذا
الكتاب مسوغات نعرضها فيما يلي :
أولا: ان اللهجات العربية الحديثة ليست في معظمها بدعة مارقة ، وليست وليدا شيطانيا
لا يعرف له أصل ، بل انها لهجات انحدرت من أصل قديم يعود إلى اللهجات العربية
المعروفة والتي تكلمت بها القبائل العربية قبل الإسلام وبعده ، فالشنشنة والعنعنة
وتخفيف الهمز وغيرها ، انما هي لهجات معروفة لقبائل عربية عريقة النسب في الجاهلية
، وقد وردت في لهجاتها اشعار وأقوال .
ثانيا : عندما نزل القرآن الكريم بلسان عربي مبين ، وبلغة عربية موحدة ابتعدت
اللهجات الفرعية عن مجال الأدب والعلم والحضارة ، ولكنها لم تمت وإنما بقيت تعيش في
مواطنها كلهجات محلية خاصة تحتفظ بخصائصها ، ودليلنا على ذلك ما ظهر في بعض أحاديث
الرسول ( ص ) وما في المأثور من آثار لهذه اللهجات ، فسمعنا بذلك الأعرابي الذي سأل
الرسول ( ص ) ذلك .
وروي لنا حديث الرسول ( ص ) ، (( ليس من امبر امصيام في امسفر )) أي ليس من البر
الصيام في السفر ، وقد قلبت لام أل التعريف ميما على طريقة بعض قبائل عرب اليمن ،
وغير ذلك كثير ، وفي هذا وغيره برهان على أن اللهجات القبلية انما بقيت في نطاق
اصحابها بينما أصبحت لغة القرآن الكريم هي لغة الحضارة والأدب .
ثالثا : ظهرت في بعض العصور العربية كتب درجت تسميتها ، بلحن العامة ، تناولت
بالدرس والتسجيل والتصحيح ما يقوله العامة من مفردات وتراكيب ، ومن ذلك كتاب (( لحن
العوام )) للزبيدي الذي تناول اللهجة الاندلسية ، وكان كتابه أشبه بمعجم مفردات
عامية ، تناول فيه المؤلف المفردات بالشرح والتصويب .
ويستشف القارىء من ذلك الكتاب ان صفات اللهجة العامية فيه انما تعود إلى صفات
اللهجات العربية العربية القبلية القديمة ، مما يسمح لنا بالقول بأن تلك اللهجات
العربية القديمة هي التي استمرت وبقيت مستعملة على ألسن الناس حتى وقتنا الحاضر ،
مع ما طرأ عليها من تغيير وابتعاد عن الأصل في اللفظ والدلالة والبناء بسبب الزمن
والتحريف والأمية والمؤثرات الأجنبية .
وفي مجال الحديث عن كتب لحن العامة ، وما وجدناه في كتب أخرى كثيرة كمقدمة ابن
خلدون ، وكتاب المستطرف اللابشيهي من اشعار عامية ، وفيما روى من موشحات وزجل عامي
، وفيما ورد في تراثنا الشعري الفصيح من كلمات عامية أو ذات أصل عربي ، نريد أن
نطرح سؤالا :
ماذا كان تأثير هذا التسجيل للهجة العامية والشعر العامي على مجرى اللغة والأدب ؟
ثم ماذا يضر قارىء مثل تلك الكتب وما فيها من كلام عامي ؟
وماذا يضر لغته ؟
هل تجنح له إلى استعمال تلك العامية ؟
هب يحفظ مفرداتها ليستبدل بها ما يعرف من الفصيح ؟
أم هل كان لها أثر في تكريس تلك العامية واحلالها محل الفصحى أو فصلها عن الفحصى ؟
ان شيئا من هذا لم يحدث ، وان اطلاعنا على تلك العامية لا يعدو أن يكون نظرة إلى
مرحلة مرت بها ألسن الناس ، فعشنا في واقع حالهم ما شاء لنا التصور أن نعيش ،
وسمعنا بآذان خيالنا مغنياتهم وهن يرددن الازجال والموشحات العامية ، بل استطعنا من
خلال ذلك أن نتتبع بعض جذور عاميتنا لنرى أنها أصيلة أصالة هذه الأمة ، ان تلك
الاشعار العامية انما مثلت في حينها احساس الرجل العادي الذي لم يتمكن من لغة الأدب
والحضارة ، وسمعناه يعبر عن أحاسيسه بصدق فنقل إلينا بيئته وتفكير ومشاعره من خلال
القالب العامي ، ولو أننا حجمنا قول الشعر في قالب الفصحى لكتمنا كثيرا من أنفاس
الشعراء ، ولحبسنا المشاعر في صدور غالبية الناس ، ولخسرنا كثيرا من مراحل تطور
أدبنا وتأثيره وتأثره .
إن اللغة كائن حي يتطور ويتغير ويتجدد ويموت ، ففي اللغة كلمات تموت بعدم الاستعمال
، وفيها كلمات تجدد بالاشتقاق والتعبير عن مقتضيات العصور المتتالية التي تحمل
الجديد وفيها كلمات تميل دلالتها إلى ناحية دون أخرى ، وهكذا ، وإذا ما سألنا
أنفسنا عن سبب هذا التطور والتغير والحياة والموت فإن الاجابة تتلخص في أن
الاستعمال هو السبب ، انه استعمال الناس للغة وأثرهم فيها ، فهو أثر كأثرهم في تكون
اللهجات العامية ، فالأثر العامي في اللغة لا يمكن انكاره وان لهجات العوام لا يجوز
أن تطرح ككم مهمل لا فائدة فيه ، وانما يجب أن تدرس وأن يستفاد منها في تقوية روافد
اللغة على ألسنة الناس ، كما فعل أسلافنا العظماء الذين لم يغب عن عقولهم المتفتحة
هذا الجانب الدقيق .
رابعا : اننا في أعمالنا التي تتعلق بالعامية نبعد عن أنفسنا الشبهة حين نقصد منها
تسجيل مرحلة من مراحل النطق والبناء اللغوي والدلالة اللغوية التي وصلت إليها اللغة
على ألسنة الناس ، لا من أجل تكريسها ، وانما من أجل التعرف إلى ذلك الجانب المعتم
من جوانب اللغة كما تعيش على ألسنة الكثرة الكاثرة ، وهنا يتضح الفرق الشاسع بين ما
نفعله وبين ما يدعو اليه بعض الحاقدين المغرضين من أعداء الحضارة العربية حين يدعون
إلى تكريس تلك اللهجات كلغات مستقلة ، وسلخها عن أصلها ، وهي دعوات باءت وستبوء
بالفناء والاخفاق .
فنحن في دراستنا للعامية انما نحاول أن نكشف عن أصول مفرداتها ، وأن نعيد الكلمة
إلى أصلها الفصيح ، وأن نشير إلى الغريب الدخيل حتى يتضح للناس الأصيل من الهجين .
خامسا : يعاني أبناء العرب من كل أقطارهم من صعوبة في تعلم اللغة الفصحى ، ذلك
لأنهم يتعلمونها كلغة بعيدة عن واقعهم ، فهم إذا قرأوا أو سمعوا أو كتبوا اللغة
الفصحى ، انما يتعاملون مع لغة غريبة عن لغة واقعهم في الأغلب ، وهذا أمر خطر ينفر
الناس من لغتهم الأم ، لأنهم يجدونها ويجدون تعلمها لا يختلف كثيرا عن احساسهم
وتعلمهم للغة أجنبية فعلا .
واذا أردنا أن نصل إلى علاج هذا فيجب أن ندرك أن سببه انما يكمن في أمرين : أولهما
: الخلط بين لغة الأدب ، ولغة الحديث والتداول ، ذلك أننا يجب أن ندرك أن اللغة
الفصحى المنشودة يجب أن تكون على مستويين ، المستوى الرفيع الذي يستخدمه الأدباء
والشعراء ومالكو زمام اللغة والفقه والعلوم ، ومستوى الرجل العادي في حديثه مع غيره
من الناس في يومياتهم وعلاقاتهم .
خطر ينفّر الناس من لغتهم الأم، لأنهم يجدونها ويجدون تعلّمها لا يختلف كثيراً عن
احساسهم وتعلمهم للغة أجنبية فعلاً.
واذا أردنا أن نصل إلى علاج هذا فيجب أن ندرك أن سببه انما يكمن في أمرين: أولهما:
الخلط بين لغة الأدب، ولغة الحديث والتداول، ذلك أننا يجب أن ندرك أن اللغة الفصحى
المنشودة يجب أن تكون على مستويين؛ المستوى الرفيع الذي يستخدمه الأدباء والشعراء
ومالكو زمام اللغة والفقه والعلوم. ومستوى الرجل العادي في حديثه مع غيره من الناس
في يومياتهم وعلاقاتهم.
ولا يجوز الخلط بين المستويين، أي اننا يجب أن نقلع عن تعليم اللغة العربية
لابنائنا على مستوى واحد هو مستوى لغة الأدب، لأن ذلك يضعها في مرتبة صعبة المرتقى
أمام جلّ متعلّميها، وهذا ماهو حادث بالفعل، بل يجب أن نعلّمها على مستويين:
المستوى الأدبي الرفيع الذي تخدمه النصوص الأدبية القديمة والحديثة، ثم المستوى
العادي الذي يقع في منتصف الطريق بين العاميّة الدارجة ولغة الأدب الرفيع، لتكون
هذه اللغة هي لغة الحديث اليومي.
اننا لوفعلنا لوجدنا أبناءنا يعرفون العربية حقّ المعرفة ولا يجهلونها كما نراهم
اليوم أمام لغة الأدب التي يدرسونها في مدارسهم.
إن هذا الأمر في تصوري كان موجوداً عند العرب منذ جاهليتهم، ذلك أنهم كانوا يقولون
شعرهم وأدبهم بلغة رفيعة المستوى موحّدة، وهي التي نزل بها القرآن الكريم، بينما-
وفي نفس الوقت- كانت لكل قبيلة منهم لهجة مستقلة ذات صفات خاصة يتحدثون بها بين
بعضهم.
ودليلنا على ذلك هو أن أشعار الجاهلية ونثرها وأمثالها الفصيحة قالها أناس ينتمون
إلى قبائل عربية؛ جنوبية الأصل وشمالية، بدوية وحضرية، ومع ذلك وجدنا تلك الأشعار
والأمثال والأقوال جميعها في لغة واحدة لا اختلاف فيها بين قائل وقائل، بينما رويت
لنا أقوال أخرى تؤكد أن كل قبيلة عربية كانت ذات لهجة خاصة تختلف في بعض خصائصها عن
لهجات غيرها من القبائل. فلماذا لم تظهر تلك الخصائص في الأشعار والأمثال والأقوال؟
إن الإجابة تكمن في أن اللغة العربية كانت تعيش على مستويين: مستوى لغة الأدب، وهي
لغة واحدة رفيعة؛ ومستوى اللغة اليومية المتداولة، وهي أقل من الأولى في مستواها
ودقتها، وتظهر فيها الخصائص المحلية.
هكذا كانت اللغة في جاهليتها، وهذا ما استمرّت عليه في مختلف العصور وحتى يومنا هذا،
يبرهن على ذلك ما ورد في بعض النصوص الأدبية أحياناً من أقوال وكلمات تبدو غريبة
على الفصحى، لأنها تسرّبت من لغة الظل، لغة التداول اليومي أو لغة العوام.
ثانيهما: فصل اللغة الفصحى عن العامية، والنظر إلى العامية على أنها شيء تافه مرفوض
هجين لا علاقة له بالفصيحة، فعلى من يريد تعلّم الفصحى أن ينسى عاميته أولاً، وأن
يطرحها من ذهنه جانباً، وفي هذا يكمن الداء .
لماذا لا نعود إلى العامية درساً وتمحيصاً لنميّز الأصيل منها والدخيل، فنبرز
الأصيل إلى الإستعمال بعد تصحيحه، ونرفض الدخيل، اننا لو فعلنا ذلك لأقبل الناس على
الفصحى واستعمالها وتعلّمها، لا على أنها لغة غريبة، وإنما على أنها لغتهم التي
يعيشون بها، فما عليهم من أجل أن يسموا إلى الفصحى سوى أن يصوّبوا نطقهم لعاميتهم
وأن يراعوا فيها بعض الأصول.
إن هذا لو حدث لوجدنا الفصحى تدرج على الألسنة كما تدرج العامية الآن.
إن هذا هو السبيل إلى أن يجب الناس الفصحى، وتصبح قريبة إلى قلوبهم، ملتصقة
بأحاسيسهم، لأنهم سيدركون مدى معرفتهم الفطرية بها، لا أن نصدمهم برفض جل ما
يتكلمون .
إن كثيراً من مفردات العامية إنما هو فصيح أصيل، ابتعد عنه الأدب تجنباً لما يدرج
على ألسنة العامة، بل إن العامية تحوي من الألفاظ الفصيحة الأصل ما يعبر بدقة
متناهية عن الأمور والأشياء وأجزائها ومراحلها، مما تفتقر إليه الفصحى المستعملة في
أغلب ما يكتب وما يقال هذه الأيام. فحبذا لو أن هذه الألفاظ أحييت في الكتابة
والقول بدل أن تستعار ألفاظ أجنبية للدلالة عليها كما يحدث، أو أن يكتفي بكلمات ذات
دلالات عامة تعجز عن التعبير عن تفاصيل الأمور والأشياء.
فلو أراد أحدنا أن يعبّر بالفصحى التي نستعملها، عن وتر الربابة، فماذا يقول؟ انه
لن يخطر بباله أكثر من أن يقول (( وتر الربابة )) ، أما الفرد الشعبي هنا فسيقول ((
عسيب )) وهي كلمة فصيحة مستعملة في العامية هنا. ومثلها كلمة (( عفص الشيء )) بمعنى
ثناه و(( الطي )) أي ما نعرش به جدران البئر الرملية خوفاً من انهيارها، و(( العكرة
)) أي ذيل الضب، و(( الطحل )) أي الماء الراكد. كلها كلمات فصيحة يغلب أن تخلو
اللغة الفصحى المتداولة الآن من مرادفات لها أو لمعظمها . فلماذا لا نبرز هذه
الكلمات إلى الوجود الحي؟
ثم، ماذا نقول إذا سمعنا أحداً يقول أو يكتب الجملة التالية: بنى الرجل لبستانه ((طوفه))
تكلفت مالاً كثيراً؟ أنعترض على استعمال كلمة (( طوفة)) بمعنى السور لأنها عامية؟
أم ماذا نفعل؟ أن أصلها الفصيح هو ( الطوف ) بنفص المعنى. ومثل هذه الكلمة كثير:
فكلمة ((عنّز)) بمعنى اعتمد على، وهي من (العنزة) في الفصحى أي العكازة. وكلمة ((طعس))
أي كثيب الرمل، وأصلها ( دعص ). و(( العل )) أي المطر الثاني ، وهي من (العلل) في
الفصحى أي الشرب الثاني. و((عرناص)) الذرة. وأصلها (عرناس). و((عتاد)) للحبل الذي
يربط السفينة بالمرساة، وأصلها (إتاد) لحبل تضبط به رجل البقرة عند حلبها.
لماذا لا نستعمل كلمة (( عود )) بمعنى كبير في فصيحنا؟ وكذلك كلمة ((طمر)) بمعنى
قفز، و((الطش)) بمعنى رذاذ المطر. و((امرأة طامح)) للغاضبة من زوجها، وكلها فصيح،
وغيره كثير كثير.
إن سبب استبعاد مثل هذه الكلمات إنما يعود إلى أنها مستعملة في العامية، فنأت عنها
الألسنة ولغة الأدب تأنّفاً.
لماذا لا نحيي من العامية تلك الكلمات التفصيلية التي عبّرت عن أجزاء وأقسام وأنواع
لا نعرف منها في فصيحنا المتداول إلى كلمة واحدة اجمالية؟
ان نظرة متفحصة إلى ما تحويه العامية من اسماء الأسماك كالكنعد والكوسج والكوفره
والجد والجرجور أبو منقاب والقبقب والعومه والظلع والعوال والعنفلوص والعنفوز، وهذا
قليل جداً من كثير جداً، تعطينا فكرة واضحة عن ثراء العامية بكلمات عربية نحن بحاجة
إليها في فصيحنا المتداول.
فماذا يضرنا احياؤها بدل اهمالها ورفضها لأنها تدرج على ألسنة العامة؟
كم منا يعرف تفاصيل النخلة وما يتعلق بها من عثق (عذق) وعسو وشماريخ وعقوص وعسق
وعكر، عدا أنواع التمور الكثيرة؟
وكم منا يعرف أسماء الصخور المرجانية كالعبيلة والعجال والعجير، أو أنواع اللؤلؤ،
أو أسماء ولد الناقة منذ ولادته حتى كهولته، والعمليات التي تجري له في مختلف مراحل
عمره؟
كم منّا يعرف أجزاء السفينة من عبيدار، وفنه، وخن، ودقل، وعقل، وتريكه، واطله،
وشلامين، وفرمن......إلخ.
انها كنور العامية التي هي مستمدة من كنوز الفصحى، ومن هنا فان الاعتراف بها
واحياءها يجعل قائليها العوام يشعرون بامتلاكهم للغة، كما يثري مفردات لغتنا
الفصيحة المستعملة.
ان ابراز الجوانب الفصيحة في العامية واحياءها، لهو سند للفصحى لو تعلمون كبير.
وهذا ما حولنا عمله في المفردات الواردة في هذا المعجم، فقد بذلنا جهدنا من اجل
العودة بالكلمة إلى أصلها الفصيح أو الأجنبي، وقد وفقنا إلى كثير من ذلك والحمد لله.
ونظرة واحدة على كمية المفردات التي وجدنا لها أصلاً فصيحاً، تكفي لاعطاء فكرة
واضحة، وبرهان عملي يدعم ما نقول.
لقد منّ الله بكتابه العزيز الخالد، وأرسله باللغة العربية، فخلدت اللغة بخلوده،
وكان له أجلّ الأثر في الحفاظ عليها، وردّ ألسنة الناس إلى الأصل، وربطها بالفصيح،
وكيف يبتعدون بألسنتهم عن الأصل كثيراً، وهم يرتلون كتاب الله في نهارهم وليلهم
وعباداتهم؟
نحمدك اللهم على نعمائك، ونطلب منك تسديد خطانا ومقاصدنا.
- جـ -
أما اللهجة العاميّة في دولة الإمارات العربية المتحدة، فقد جمعت كثيراً من خصائص
اللهجات العربية القديمة (1) . وفيما يلي نشير إلى بعض خصائصها كما لمسناها من خلال
هذا المعجم :
(أ) الخصائص الصوتية:
أولاً : قلب الكاف جافاً في أغلب مواضع حرف الكاف، كقولهم : جلب في كلب. وجيف حالك
في كيف حالك.
وهذه الصفة الصوتية كانت من خصائص لغات اليمن في الجاهلية وقد أسماها العرب بشنشنة
اليمن. كما أسمى العرب قلب كاف المخاطب للمؤنث شيناً بالكشكشة، وكانت منتشرة في
تميم وبعض أسد وبكر بن وائل وربيعة، كقول شاعرهم:
عليّ فيما ابتغي أبغيشِ بيضاء ترضيني ولا ترضيشِ
وتطّبي ودّ بني أبيــــشِِ اذا دنوت جعلـــــــــــت تنئيشِ
وإن نأيت جعلت تدنيشِ وإن تكلمت حثت في فيــــــشِ
حتى تنقي كنقيق الديشِ
ثانياً: قلب الضاد ظاء، مثل: ظرب في ضرب. وظيف في ضيف.
وهذه الصفة الصوتية عمت كثيراً من اللهجات العربية الحديثة. وهي تنتمي إلى بعض
اللهجات العربية القديمة في الحجاز .
ثالثاً: قلب القاف كافاً كنطق الجيم القاهرية، كقولهم: كلب في قلب. وكول في قول.
وهذه الصفة الصوتية تشمل جميع لهجات البدو الحديثة في الوطن العربي ولهجات من
جاورهم.
رابعاً: قلب القاف جيماً، كقولهم: (شارجه)في الشارقة. ودجيج في دقيق.
خامساً: قلب الجيم ياءً، كقولهم : حير في حجر. وياء في جاء .
وقد روي أن بعض تميم كانت تنطق الجيم ياء، واستدلوا على ذلك ببيت شعر ذكرته أم
الهيثم عثمه لابي حاتم حين سألها: هل تبدل العرب من الجيم ياءً في شيء من الكلام؟
فقالت: نعم. ثم أنشدت:
اذا لم يكن فيكن ظل ولا جنىً فأبعدكن الله من شيرات
أي شجرات.
سادساً: قلب الهمزة عيناً في بعض المواضع، كقولهم: (عنافه) في أنافه. و(جراعه) في
الجراءة أي الجرأة .
وقد وردت هذه الصفحة الصوتية من اللهجات العربية القديمة، وقد سميّت بعنعة تميم.
قال الفراء: وتميم وقيس وأسد ومن جاورهم يجعلون ألف (أن) اذا كانت مفتوحة عيناً
فيقولون: (( أشهد عنّك رسول الله)) .
سابعاً: حذف الهمز أو تخفيفه، كقولهم: بير في بئر. وريّس في رئيس. ويا في جاء.
وهذه صفة عمت اللهجات العربية الحديثة كلها، نظراً لثقل الهمزة في النطق.
كما أن هذه الصفة كانت من صفات لهجة قريش في الجاهلية، وقد خالفهم فيها القرآن
الكريم فحقق الهمز .
ثامناً: قلب العين همزة في لهجة قبائل الشحوح، كقولهم: أضل في عضل وهو الجرذ.
ويبدو أن سبب هذه الصفة الصوتية هو اختلاط عرب الشحوح بالأعاجم.
ومع ذلك فقد روى الفرّاء: (( سمعت بعض بني نبهان من طيئ يقول: ( دأنى – يريد دعني)
. وقال: ( تآله – يريد: تعاله) فيجعلون مكان العين همزة .
وذكر محمد بن يحيى العنبري أن رجلاً من فصحاء ربيعة أخبره أنه سمع كثيراً من أهل
مكة يقولون: يا أبد الله – يريدون: يا عبد الله .
تاسعاً: قلب السين صاداً اذا جاورت الخاء، كقولهم: فصخ الملابس أي خلعها والأصل
فسخ. ووصخ والأصل وسخ. وصخ أي غاص وهي من ساخ.
وهذا التفخيم الحادث للسين روي أن بني العنبر من تميم كانت تفعله، فقد روي أنهم
كانوا يقولون: الصاق في الساق.
عاشراً: تبادل الفاء والثاء في بعض الكلمات، كقولهم: ثم في فم. ولفغ في لثغ.
حادي عشر: قطع ألف ((باء)) في الكنية، كقولهم للثعلب: بلعيس والأصل أبا العيس.
وبلغيلم في (أبا الغيلم)، ويشترط لحدوث هذا أن تكون كلمة(أبا) مضافة إلى معرّف بأل
.
وهذه الصفة كانت من صفات لهجمات أهل اليمن قديماً، وقد أسماها العرب ((بالقُطعة))،
كقولهم: يا بلحكم في نداء أبا الحكم.
ثاني عشر: الإمالة: وهي على أقسام:
أ: امالة الواو الساكنة المسبوقة أساساً بفتحة، إلى صوت يشبه (O) الأنجليزية
كقولهم: يوم في يَوم. وعون في عَوْن.
ب: امالة الياء السكنة المسبوقة أساساً بفتحة، إلى صوت يشبه (ai)الأنجليزية
كقولهم: بين في بين. وجيف كيف.
ج: امالة الألف ناحية (O) الانجليزية، أي تفخيم الألف، كقولهم: مانع في مانع.
وما يصير.
وإلى جانب ما سبق من خصائص وصفات صوتية، فان هنالك تأثيرات صوتية
مؤقتة يحدثها تجاور الحروف داخل الكلمات، وهو كثير ولا يسير على قاعدة
ثابتة.
ب: الصفات البنائية:
أولاً: زيادة الباء في أول المضارع، كقولهم: باسير في أسير، وباكتب في اكتب ...إلخ
وهذه الصفة ظهرت في كثير من اللهجات العربية الحديثة.
ثانياً: زيادة الباء على الاسم المنفي، كقولهم: موبزين أي ليس زينا أي جيداً. ومُبْ
عارف أي لست عارفاً .
ويبدو أن هذه الباء تعود إلى الباء الزائدة في خبر ليس وما المشبهة بها في الفصحى،
كقولنا: ما أنا بقادم إليك. أو لست بقادم إليك.
وقد نقل سيبويه والفراء زيادة الباء بعد (ما) عن بني تميم.
ثالثاً: توحيد علامات التأنيث على الأغلب في علامة واحدة هي الهاء الساكنة أو
الفتحة على الحرف السابق للهاء التي لا يظهر نطقها بوضوح في حالة الوقف.
كقولهم: (سوده) في سوداء. و(ليل) في ليلى. و(غرف) في غرفه.
وهذا القول يندرج على الكلمات المنتهية بألف ممدوة أو مقصورة أو تاء تأنيث
مربوطة، كقولهم: في أشياء أشيَ. وفي مبنى مبنَ .
وهذه صفة درجت عليها اللهجات العربية الحديثة كلها.
رابعاً: زيادة الهاء قبل أل التعريف في كثير من الأحيان، كقولهم: هالدّار. وهالحين
أي هذه الدار وهذا الحين أي الآن.
وهذه الهاء اما أن تكون اختصاراً لاسم الاشارة((هذا)) وأما أن تكون أداة تعريف جاءت
من اللغات العربية القديمة، فقد كانت العربية الثمودية، والعربية اللحيانية
تستعملان ((هـ)) كأداة للتعريف، وقد تلحقها اللام، فكانوا يقولون: هلحمى أي الحمى .
وقد استعملت هذه الهاء في بعض اللهجات العربية الحديثة كلهجات بلاد الشام والعراق.
خامساً: التخلص من التضعيف في كثير من الأحيان، وذلك بفك الادغام، وقلب حرف منه
إلى حرف آخر لتسهيل النطق، كقولهم:
مرنكط في مرقــــّط وخربط فـــي خــــــرّط
وصرناخ في صرّاخ ودبــــــــــــك فــــي دكّ
وخوهر في خــــــوّر وبرصيص في بصّيص
سادساً: زيادة الشين في أول الكلمة أحياناً، للدلالة على التكثر والمبالغة، كقولهم:
شخبط
وشعط
وشكلباني
سابعاً: تحويل الواو في وزن مفعول من المثال الواوي إلى ألف، كقولهم:
ماجود في موجود
وما غوفه في موغوفه وهي العين التي أصبها قذى فجرى دمعها.
في مولد وهي أناشيد وأدعية تقال في سرد قصة المولد الشريف .
وماقد في موقد.
ثامناً: كثرة الجموع الواردة على وزن فعاعيل، كقولهم:
جمامير جمع جمرة
جماميل جمع جمل
حماميل جمع حمّال
سيايير جمع سيارة
طيايير وجمع طيارة
تاسعاً: النحت، وذلك بإدماج كلمتين معاً لتخرج منها كلمة واحدة، كقولهم:
هزبني أي شتمني، وهي من هزأ بي.
وعزّيل أي الاحترام والاعزاز، وهي من عزي لـ .
-د –
كما يلاحظ على لهجة دولة الإمارات العربية المتحدة ثراؤها وتعبيرها الدقيق عن جوانب
الأمور التي تتعلق بالبيئة، فنجد كثرة الأسماء الخاصة بالإبل في مختلف أعمارها
وأنواعها، وكثرة الكلمات الدالة على ما يتعلق بها من أشياء ومسميات وأفعال.
وكذلك كثرة الكلمات الخاصة بالنخيل والتمور وما يتعلق بها .
وأغلب هذه الكلمات، ان لم تكن كلها، كلمات عربية فصيحة أو ذات أصل فصيح.
أما أنواع الأسماك وأنواع السفن واجزاؤها، وما يتعلق بها وبصيد اللؤلؤ بأعمال البحر
من كلمات وأسماء، فيغلب عليها طابع العجمة، وهذا أمر طبيعي، فاللغة العربية في
أساسها لغة بر وصحراء، كثرت فيها الكلمات المتعلقة بهذه البيئة، أما البيئة البحرية
وما فيها، فهي بيئة لم تكن للعربية في ماضيها، ولهذا فان العرب عندما اشتغلوا
بالأعمال البحرية، تعلّموا أسماءها من غيرهم من الأمم البحرية نتيجة للاختلاط
التجاري الكبير الذي تؤدي اليه أعمال البحر والتجارة .
- هـ -
وأخيراً....
فقد كان أمام الكاتب طريقان في ترتيب المعجم:
أولهما: أن يرتّب المفردات حسب صيغتها التي هي عليها دون رجوع إلى جذورها المجرد.
وكان أن اختار الكاتب الطريقة الثانية، ذلك أنها أقرب إلى واقع اللهجة العاميّة
التي قد تستخدم صيغة معينة من الجذر الواحد، ولا تستخدم الجذر نفسه أو ما يتفرغ منه
من صيغ أخرى.
فعسى أن يكون اختياره موفقاً، على الرغم من انه انعكس بالتضخم على بعض الحروف التي
يكثر أن تكون بداية لصيغ عديدة مثل حرف الميم .
ونحن إذا ما كان لنا من حق في ابداء بعض الملاحظات، فاننا نشير إلى ما يلي:
1- لقد جاء تعريف الكاتب بأنواع التمور والأسماك والطيور مقتضباً جداً، فاكتفى
بقوله: نوع من الأسماك البحرية. أو: نوع من الطيور. أو: نوع من التمور والنخل....وهكذا.
وحبذا لو أنه أضاف "إلى قوله وصفاً لهذه الأنواع أو صوراً توضيحية لها حتى يحقق
مزيداً من الفائدة والوضوح للباحث والمطلع .
2- حبذا لو أن المؤلف أضاف إلى كتابه شيئاً من الرسوم التوضيحية التشريحية، خاصة
فيما يتعلق بأسماء أجزاء السفينة وهيكلها.
أما فيما عدا ذلك – في رأيي – فقد جاء المعجم مشرقاً جامعاً، كان للمفردات منه نصيب،
وكان للاعلام والأمثال والأقوال والعادات والأكلات والممارسات الطبية الشعبية
وغيرها فيه نصيب كذلك.
ونحن اذ نقدم هذا المعجم للقارئ العربي الكريم، لنرجو أن يجد فيه بعض ضالته، كما
نرجو أن نجد منه تعاوناً في الوصول بهذا المعجم إلى درجة أتم وأشمل، وذلك بابداء
الملاحظات والانتقادات البناءة. والاضافات الهامة، نأخذ بها ونستدركها في طبعات
قادمة إن شاء الله .
غسان حسن أحمد الحسن
رئيس قسم التأليف والنشر
1/3/1978م
|
|
|
|
|
| |
|