الصفحة الرئيسية
مركز زايد للتراث والتاريخ
الكنايات الشعبية الملاحية
تعريف الكنى لغوياً
تفسير ألفاظ تم ذكرها في الأمثال
الامثال الشعبية التدوين والتحليل
لمحة جغرافية عن الإمارات
الخصائص الصوتية للهجة
التسهيل والإهمال
الألغاز الشعبية في الإمارات
ملامح من تراث الإمارات
المصطلحات في العيالة الإماراتية
الكتب والمراجع والحقوق
عدد الأقسام : 11
عدد المواد : 2124
عدد المشاهدات: 185678
المتواجدين حاليا :
 
البحث فى المواد التراثية
 
 
الصفحة الرئيسية » الكنايات الشعبية الملاحية

مقدمة الكنايات الشعبية الملاحية


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد بن عبد الله وعلى آله والخُلَص من أصحابه وسلم تسليماً كثيراً .
والحمد لله رب العالمين الذي أخرج من البحر لحماً طرياً فيه حياة الناس ، ومنه أخرج اللؤلؤ الذي فيه إبداع الخالق العظيم في هذا الحجر الكريم ، والحمد لله الذي جعل سرَ البحر مكنوناً ومربوطاً بتوازن الحياة على كوكبنا الأرضي ، فله المنة وله الشكر على هذه النعمة العظيمة .

لقد ترك البحر أثراً عظيماً في حياة الشعوب ، خاصة التي تعيش على السواحل ، وصنع تراثها وتاريخها منذ عصور مبكرة وحضارات قديمة حتى يومنا هذا .

وقد كتبت معظم الشعوب تراثها البحري ، الذي استلهمته من أسلافها عبر الحقب ، نحن في الخليج لم نجمع تراثنا البحري – على أصالته – بعد ، وإن الدراسات التي أعدت عن هذا الموروث العريق لا يعدو كونه جزءاً من الألف ، وهذا الكتاب ، جزء من تراثنا اللغوي الأدبي متمثلاً في مثل هذه الكنايات الشائعة وهي كثيرة الاستعمال ، إذ لا يوجد حديث بدونها ولا يمر يوم إلا ويتمثل بها خصوصاً عند أبناء السواحل ، فهي البيئة الخصبة لهذا الفن ، وهو الموروث الشعبي المروي لشعوب الخليج .

قد نسأل أنفسنا نحن أبناء جيل البترول :
ما مدى استعمال هذه الكنايات قديماً عند إنسان عصر الغوص ؟
وأيضاً ما مدى قوة استعمالها في وقتنا المعاصر ؟

إن الخبرة الملاحية لدى إنسان ذلك العصر قد تكونت لديه خبرة معرفية ومعلومات وفيرة أو كم هائل من المفردات المتعلقة بعصره ، وإن استعماله الكلام المختصر في هذه الكنايات هو دليل على حنكته وحكمته وبلاغته وكل هذه العوامل كونت لديه الخبرة اللغوية ، ونحن أبناء جيل البترول استلمنا تلك الحصيلة اللغوية من أسلافنا أبناء تلك العصور ، وكان لزاماً علينا ونحن في هذه الفترة الحضارية المعاصرة أن نبحث عن كل شاردة وواردة لتراث تلك الأجيال ، والذي كان أسلافنا يفخرون به أيَما افتخار ، وتراثهم هو امتداد لهم ، ولن يكون خالداً إلا إذا حافظنا عليه لأنه امتداد لهم خصوصاً أن جيل الغوص قد أوشك على الأفول إن لم يكن قد طي النسيان بعد جيل واحد ، وذلك لجهل المعاصرين لها بكل ما تحفل من مفردات وصور .
إن الصعوبات التي مررت بها في الجمع والتدوين والشرح قدر الإمكان لم يكن سهلاً .

وقد تكون هناك بعض الأسباب أهمها أننا لم نعد نرى مشاهد ذلك العصر ، حتى البحارة المعاصرين فإنهم قد افتقدوا تلك المناظر والأدوات التي كان أجدادهم يستخدمونها .

وقد بقيت هذه الكنايات على ما هي عليه حتى وصلتنا كما كان يتمثل بها الأجداد وإن كان التمثل بها في الحديث على نطاق ضيق أو محدود ، إلا من أبناء البيئات البحرية ، وقد لاحظت أن معظم هذه الكنايات غير مدونة في الكتب ، وأن بعضها الآخر مدون دون شرح ، إلا أن الكتاب الحقيقيين هم الرواة الذين عاصروها أو كانت تتردد على أسماعهم من آبائهم أو أجدادهم .

في النصف الثاني من الثمانينيات بدأت بتصنيف الأمثال ، وقد صدر الكتاب الأول من هذا التصنيف بعنوان : ( الأمثال الشعبية الملاحية في الخليج العربي *)
* صدر في الدوحة ديسمبر 1992م عن مركز التراث الشعبي .
وبعد أن استقيت جميع الأمثال البحرية من جميع الكتب الصادرة في الخليج رأيت أن الأمثال الملاحية لم تذكر كلها في كل تلك الكتب ، ولهذا فلا بد من تكملة البحث خارج المكتب ، فانطلقت إلى البحث الميداني وبعد جهود مضنية من اللقاء مع كثير من البحارة في مدن وسواحل الخليج جاء الكتاب في تصنيفه الأول ، وبعد الانتهاء من دراسة الأمثال وجدت كماً من الأقوال والكنايات البحرية التي استبعدتها من تلك الدراسة ، وعملت على وضع دراستين مستقلتين وهذه الكنايات إحداهما لأنهما جزء من تراثنا اللغوي المتعلق بالملاحة البحرية ، وفي التسعينيات قمت بنشر مادتين منفصلتين عن بعضهما ، و بإيجاز شديد ، فكانت الأولى بعنوان : ( الأقوال الشعبية الملاحية *)
* نشرت في جريدة اليوم ، ع 8505 ، ص9 ، الجمعة 15/6/1417هـ = 27/9/1996م ، صفحة أفق البحر .
أما المادة الثانية فهي بعنوان : ( الكنايات البحرية *)
*نشرت في جريدة اليوم ع 8759 ، ص8 ، الأحد 3 صفر 1418هـ = 8 يونيو 1996م ، صفحة أفق البحر .
وهناك تقارب شديد في معظم الأقوال السائدة وبين التشبيهات من الكنى الشعبية ، وذلك باختلاف الصيغ ، وكان البحارة قديماً يتمثلون بالمحسوسات ، فطائر الغاق الإفريقي وهو ما يعرف محلياً باللوهة ، ولحمه أحمر لذيذ يقبل على أكله البحارة ، وهم يضربون به التشبيهات فيقولون : ( فلان لوهه ) ، أو ( ولا لوهة ) أو ( كأنه لوهة ) أو ( لوهة أم القمل ) ، أو ( بوز اللوهة ) والتشبيهات هذه تشير وبوضوح إلى حالات تندر أو اشمئزاز أو سخرية لما لسلوك هذا الطائر من تصرفات في حياته التي يعيشها في الجزر المهجورة في البيئة الملاحية ، وهذا ينطبق أيضاً على بعض الأسماك ذات الصفات العدائية أو العدوانية ، أمثال أسماك القرش .

وهكذا ينهج البحارة ويطالعون بأقوالهم وأمثالهم وكناياتهم عبر العصور ، وتجسدت كل تلك الشفهيات الأدبية كفن وموروث نقلته الأحفاد عن الأجداد ، وعلينا أن ندرك أن هناك فرقاً بين الأمثال الشعبية وبين الأقوال السائدة على لسان الناس ، وللأمثال خصوصية معروفة لا تنطبق على الأقوال التي هي أخف وقعاً ولغةً ومفعولاً عند الناس بالرغم من مسايرة القول جنباً إلى جنب مع المثل الشعبي ، ولعل ما يميز المثل هو قابليته للتنقل والترحال ، وهو قول لا ينطبق على القول الشعبي الذي يساير اللهجة الدارجة عند الطبقة الأمية ، وهو ما ينطبق على الكنايات أيضاً .

والملاحظ على هذه الكنايات أنها تحمل مفردات ومصطلحات بحرية كثيرة إلى جانب بلاغتها في الرمز المراد الحديث عنه باختصار شديد وهو اختصار ساخر وواضح في معظمها ، ومن هذه المفردات الواردة في معظم الكنايات ، ( طارح ، مستن ، إكرابه ، دش ، التلاي ، الحظرة ، اليمة ، اللوهة ، السر ، بندر ، سمارة ، اليوش ، القب ، الفنة ، قراح ، المايه ) إلى جانب مفردات ملاحية واضحة.
إن هذه الكنايات كانت ومازالت يتداولها البحارة لإيمانهم بصدق بلاغتها ومعرفة فطنة السامع لأن هذه الفطنة تجعله يفهم المراد بسرعة ، ولعل هذا السبب الذي جعل الكنى لا تجد من يقدم على دراستها ، كما جعل الباحثين يخلطون بين القول والمثل فاعتبروا القول مثلاً بينما هو لا ينطبق على المثل بتاتاً ، وهو ما حدث لهذه الكنايات إذ خلط كثير من الباحثين بين الكنايات والأقوال والأمثال فاعتبروها أمثالاً ، وهناك كثير من الكنايات الشعبية التي يتداولها بحارة الخليج ، وهي لا ترقى إلى مستوى مثل شعبي وإن كانت تسري مسرى الأمثال ، فهي تأخذ تأثيراً لغوياً عند العامة الذين لا يفرقون بين مثل وقول وكناية وصدر أو عجز بيت من الشعر وقد حاولنا تقصي كل ذلك في هذا الكتاب ، وهو ما يتداوله عامة البحارة منذ القدم وإن كان معظمها لا يتداوله البحارة المعاصرون حيث إن هذه الأقوال كانت وليدة عصر الغوص وحضارة البحث عن اللؤلؤ .

إلا أنها في المدن الساحلية الصغيرة ما زالت متداولة بينما هي في المدن الكبيرة متداولة ولكن في نطاق محدود جداً ، وذلك لأن القول والكناية يحلان محل المثل في الثقافة الشعبية ، خاصة عند الذين عاصروا الغوص في أخريات أيامه ، أو من عمل منهم في أمور ملاحية ، أو ركب البحر ملاحاً ، على أن العامة عندها القول والكناية والمثل أمر واحد فليس هناك فرق بين أحدها إلا عند قلة من الدارسين ، بينما كثير من الذين درسوا المثل الشعبي خلطوا بين ذلك في معظم الأحيان .
هذا وبالله التوفيق عليه توكلت وإليه أنيب ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
 


علي بن إبراهيم الدرورة
جزيرة تاروت