مقدمة الكنايات الشعبية الملاحية
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد بن عبد
الله وعلى آله والخُلَص من أصحابه وسلم تسليماً كثيراً .
والحمد لله رب العالمين الذي أخرج من البحر لحماً طرياً فيه حياة الناس ، ومنه أخرج
اللؤلؤ الذي فيه إبداع الخالق العظيم في هذا الحجر الكريم ، والحمد لله الذي جعل سرَ
البحر مكنوناً ومربوطاً بتوازن الحياة على كوكبنا الأرضي ، فله المنة وله الشكر على
هذه النعمة العظيمة .
لقد ترك البحر أثراً عظيماً في حياة الشعوب ، خاصة التي تعيش على السواحل ، وصنع
تراثها وتاريخها منذ عصور مبكرة وحضارات قديمة حتى يومنا هذا .
وقد كتبت معظم الشعوب تراثها البحري ، الذي استلهمته من أسلافها عبر الحقب ، نحن في
الخليج لم نجمع تراثنا البحري – على أصالته – بعد ، وإن الدراسات التي أعدت عن هذا
الموروث العريق لا يعدو كونه جزءاً من الألف ، وهذا الكتاب ، جزء من تراثنا اللغوي
الأدبي متمثلاً في مثل هذه الكنايات الشائعة وهي كثيرة الاستعمال ، إذ لا يوجد حديث
بدونها ولا يمر يوم إلا ويتمثل بها خصوصاً عند أبناء السواحل ، فهي البيئة الخصبة
لهذا الفن ، وهو الموروث الشعبي المروي لشعوب الخليج .
قد نسأل أنفسنا نحن أبناء جيل البترول :
ما مدى استعمال هذه الكنايات قديماً عند إنسان عصر الغوص ؟
وأيضاً ما مدى قوة استعمالها في وقتنا المعاصر ؟
إن الخبرة الملاحية لدى إنسان ذلك العصر قد تكونت لديه خبرة معرفية ومعلومات وفيرة
أو كم هائل من المفردات المتعلقة بعصره ، وإن استعماله الكلام المختصر في هذه
الكنايات هو دليل على حنكته وحكمته وبلاغته وكل هذه العوامل كونت لديه الخبرة
اللغوية ، ونحن أبناء جيل البترول استلمنا تلك الحصيلة اللغوية من أسلافنا أبناء
تلك العصور ، وكان لزاماً علينا ونحن في هذه الفترة الحضارية المعاصرة أن نبحث عن
كل شاردة وواردة لتراث تلك الأجيال ، والذي كان أسلافنا يفخرون به أيَما افتخار ،
وتراثهم هو امتداد لهم ، ولن يكون خالداً إلا إذا حافظنا عليه لأنه امتداد لهم
خصوصاً أن جيل الغوص قد أوشك على الأفول إن لم يكن قد طي النسيان بعد جيل واحد ،
وذلك لجهل المعاصرين لها بكل ما تحفل من مفردات وصور .
إن الصعوبات التي مررت بها في الجمع والتدوين والشرح قدر الإمكان لم يكن سهلاً .
وقد تكون هناك بعض الأسباب أهمها أننا لم نعد نرى مشاهد ذلك العصر ، حتى البحارة
المعاصرين فإنهم قد افتقدوا تلك المناظر والأدوات التي كان أجدادهم يستخدمونها .
وقد بقيت هذه الكنايات على ما هي عليه حتى وصلتنا كما كان يتمثل بها الأجداد وإن
كان التمثل بها في الحديث على نطاق ضيق أو محدود ، إلا من أبناء البيئات البحرية ،
وقد لاحظت أن معظم هذه الكنايات غير مدونة في الكتب ، وأن بعضها الآخر مدون دون شرح
، إلا أن الكتاب الحقيقيين هم الرواة الذين عاصروها أو كانت تتردد على أسماعهم من
آبائهم أو أجدادهم .
في النصف الثاني من الثمانينيات بدأت بتصنيف الأمثال ، وقد صدر الكتاب الأول من هذا
التصنيف بعنوان : ( الأمثال الشعبية الملاحية في الخليج العربي *)
* صدر في الدوحة ديسمبر 1992م عن مركز التراث الشعبي .
وبعد أن استقيت جميع الأمثال البحرية من جميع الكتب الصادرة في الخليج رأيت أن
الأمثال الملاحية لم تذكر كلها في كل تلك الكتب ، ولهذا فلا بد من تكملة البحث خارج
المكتب ، فانطلقت إلى البحث الميداني وبعد جهود مضنية من اللقاء مع كثير من البحارة
في مدن وسواحل الخليج جاء الكتاب في تصنيفه الأول ، وبعد الانتهاء من دراسة الأمثال
وجدت كماً من الأقوال والكنايات البحرية التي استبعدتها من تلك الدراسة ، وعملت على
وضع دراستين مستقلتين وهذه الكنايات إحداهما لأنهما جزء من تراثنا اللغوي المتعلق
بالملاحة البحرية ، وفي التسعينيات قمت بنشر مادتين منفصلتين عن بعضهما ، و بإيجاز
شديد ، فكانت الأولى بعنوان : ( الأقوال الشعبية الملاحية *)
* نشرت في جريدة اليوم ، ع 8505 ، ص9 ، الجمعة 15/6/1417هـ = 27/9/1996م ، صفحة أفق
البحر .
أما المادة الثانية فهي بعنوان : ( الكنايات البحرية *)
*نشرت في جريدة اليوم ع 8759 ، ص8 ، الأحد 3 صفر 1418هـ = 8 يونيو 1996م ، صفحة أفق
البحر .
وهناك تقارب شديد في معظم الأقوال السائدة وبين التشبيهات من الكنى الشعبية ، وذلك
باختلاف الصيغ ، وكان البحارة قديماً يتمثلون بالمحسوسات ، فطائر الغاق الإفريقي
وهو ما يعرف محلياً باللوهة ، ولحمه أحمر لذيذ يقبل على أكله البحارة ، وهم يضربون
به التشبيهات فيقولون : ( فلان لوهه ) ، أو ( ولا لوهة ) أو ( كأنه لوهة ) أو (
لوهة أم القمل ) ، أو ( بوز اللوهة ) والتشبيهات هذه تشير وبوضوح إلى حالات تندر أو
اشمئزاز أو سخرية لما لسلوك هذا الطائر من تصرفات في حياته التي يعيشها في الجزر
المهجورة في البيئة الملاحية ، وهذا ينطبق أيضاً على بعض الأسماك ذات الصفات
العدائية أو العدوانية ، أمثال أسماك القرش .
وهكذا ينهج البحارة ويطالعون بأقوالهم وأمثالهم وكناياتهم عبر العصور ، وتجسدت كل
تلك الشفهيات الأدبية كفن وموروث نقلته الأحفاد عن الأجداد ، وعلينا أن ندرك أن
هناك فرقاً بين الأمثال الشعبية وبين الأقوال السائدة على لسان الناس ، وللأمثال
خصوصية معروفة لا تنطبق على الأقوال التي هي أخف وقعاً ولغةً ومفعولاً عند الناس
بالرغم من مسايرة القول جنباً إلى جنب مع المثل الشعبي ، ولعل ما يميز المثل هو
قابليته للتنقل والترحال ، وهو قول لا ينطبق على القول الشعبي الذي يساير اللهجة
الدارجة عند الطبقة الأمية ، وهو ما ينطبق على الكنايات أيضاً .
والملاحظ على هذه الكنايات أنها تحمل مفردات ومصطلحات بحرية كثيرة إلى جانب بلاغتها
في الرمز المراد الحديث عنه باختصار شديد وهو اختصار ساخر وواضح في معظمها ، ومن
هذه المفردات الواردة في معظم الكنايات ، ( طارح ، مستن ، إكرابه ، دش ، التلاي ،
الحظرة ، اليمة ، اللوهة ، السر ، بندر ، سمارة ، اليوش ، القب ، الفنة ، قراح ،
المايه ) إلى جانب مفردات ملاحية واضحة.
إن هذه الكنايات كانت ومازالت يتداولها البحارة لإيمانهم بصدق بلاغتها ومعرفة فطنة
السامع لأن هذه الفطنة تجعله يفهم المراد بسرعة ، ولعل هذا السبب الذي جعل الكنى لا
تجد من يقدم على دراستها ، كما جعل الباحثين يخلطون بين القول والمثل فاعتبروا
القول مثلاً بينما هو لا ينطبق على المثل بتاتاً ، وهو ما حدث لهذه الكنايات إذ خلط
كثير من الباحثين بين الكنايات والأقوال والأمثال فاعتبروها أمثالاً ، وهناك كثير
من الكنايات الشعبية التي يتداولها بحارة الخليج ، وهي لا ترقى إلى مستوى مثل شعبي
وإن كانت تسري مسرى الأمثال ، فهي تأخذ تأثيراً لغوياً عند العامة الذين لا يفرقون
بين مثل وقول وكناية وصدر أو عجز بيت من الشعر وقد حاولنا تقصي كل ذلك في هذا
الكتاب ، وهو ما يتداوله عامة البحارة منذ القدم وإن كان معظمها لا يتداوله البحارة
المعاصرون حيث إن هذه الأقوال كانت وليدة عصر الغوص وحضارة البحث عن اللؤلؤ .
إلا أنها في المدن الساحلية الصغيرة ما زالت متداولة بينما هي في المدن الكبيرة
متداولة ولكن في نطاق محدود جداً ، وذلك لأن القول والكناية يحلان محل المثل في
الثقافة الشعبية ، خاصة عند الذين عاصروا الغوص في أخريات أيامه ، أو من عمل منهم
في أمور ملاحية ، أو ركب البحر ملاحاً ، على أن العامة عندها القول والكناية والمثل
أمر واحد فليس هناك فرق بين أحدها إلا عند قلة من الدارسين ، بينما كثير من الذين
درسوا المثل الشعبي خلطوا بين ذلك في معظم الأحيان .
هذا وبالله التوفيق عليه توكلت وإليه أنيب ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
.
علي بن إبراهيم الدرورة
جزيرة تاروت