| المادة :: الفصل الثاني - الحكايات الشعبية في الإمارات |
أولاً : الحكايات الشعبية :
الحكاية الشعبية أو (الخراريف) بتسمية أهل الإمارات هي التي ترويها الجدات والأمهات
للأطفال قبل النوم، كما تروى الخراريف في بعض المجالس الرجالية. والخروفة وجمعها
خراريف أصلها خرافة. وقيل ان الخرافة هي الحديث المستملح، ففي لسان العرب : خرافة
أو حديث خرافة هو خرافة من بني عذرة أو من جهينة، وقد اختطفته الجن ثم رجع إلى قومه
وأخذ يحدثهم بأحاديث يعجب منها الناس، فكذبوه فجرى على ألسن الناس حديث خرافة،
والخرافات الموضوعة من حديث الليل. وهكذا جاءت تسمية خرافة من أحاديث الشخص الذي
يروي القصص والحكايات الخيالية التي لا يقبلها عقل ولا تقرها قاعدة، ولا يؤمن
بصدقها الناس.
إذا، الخروفة في العامية تعني الحكاية التي تحكى للأطفال، فيقول الطفل لأمه : (أمي
خرفيني) أي قصي على حكاية، وتسمى مثل هذه الحكايات في العراق (سالوفة). أما في
الكويت والبحرين فيطلقون عليها (حزاية) والجمع (حزاوي). وفي مصر يسمونها (حدوته)
وفي السودان تسمى (أحاجي)، أما في بلاد الشام فتسمى (حكاوي).
تغطي الخراريف في الإمارات مجالات واسعة، فهناك خراريف الليل وخراريف النهار، وهناك
خراريف الجن، وخراريف الشياطين، وهناك خراريف البطولات والشجاعة، وهناك خراريف
الشرف والعفة والأمانة، وخراريف المغامرات والعديد من أنواع الخراريف الشعبية
متداولة بين الناس في المجتمع. وتعتبر من أنواع التسليات التي انتشرت في مجتمعات ما
قبل النفط، حيث الفراغ وانعدام وسائل التسلية، فكان خير سبيل للمتعة الاستماع
للخراريف على لسان الجدات والأمهات.
وقد كان بعض الناس – خاصة النساء – في مجتمع الإمارات – كما في مجتمعات الخليج
العربي الأخرى – يروون القصص الخرافية وتأويلاتها الكثيرة، وكانوا يمزجون في
رواياتهم الواقع بالخيال، وكانت لديهم المقدرة على تصوير القصص الخيالية كأنها قصص
واقعية وربما رويت الكثير من الحكايات (الخراريف) والقصص من خلال مشاهدات وتصورات
خيالية أو شطحات أدبية لبعض الرواة الماهرين الذين يحورون الواقع إلى خيال مع إزجاء
لمسة فنية على رموز الخروفة وابعادها المختلفة. وكان أفضل وقت لرواية الخراريف فترة
المساء أو بعد صلاة المغرب، وأحياناً بعد صلاة العشاء، فقد كان أهل الإمارات
يتناولون العشاء بعد أداء صلاة المغرب. وبين صلاة المغرب والعشاء يقوم سكان
الإمارات قديما بتجهيز المنامات للأطفال والأولاد، ويفرشون (الدواشك)، وتجلس الجدة
وحولها أحفادها تحكي لهم وتخرفهم مما تحفظ من خراريف وقصص، وما إن تنتهي من حديثها
حتى يدخل الصغار في نوم عميق. وكانت الخراريف منتشرة انتشاراً واسعاً في ذلك الوقت،
أما الآن فقد اندثرت مع دخول التلفاز ووسائل الإعلام المختلفة.
أسلوب الخراريف الليلية :
للخراريف حبكة قصصية تجيد روايتها الجدة، فإذا جلست كان أحفادها حولها ينصتون وهي
تقص عليهم وتروي باسلوبها الخاص، وتتوقف ثم تستدرك وتشير إلى السماء والى أشياء
خيالية. ومن عادة رواة الخراريف في الإمارات البدء بمدخل فيه إنشاد جميل يثير
الاستعداد ويهيئ النفس والذهن لسماع الخروفة والإصغاء إليها، فإذا ابتدأت بحكاية
الخروفة تقول :
خرفتك مخيريفة
تاليها مجيريفة
تحت السيم نبجة
تمشي وتمر جلة
سلطانة وختها
يترادون لردا
سرنا بنشكي
بيت الشيخ
ياكلون عيش زيرة
سلطان يغرز به
عبدالله ياكل مصيره
محد عنده عاشوه
الا كاشوه
الا عبدالله مرتز
الا ..... يهتز
ومن الأهازيج المتداولة في الخراريف هذه الكلمات المتناسقة التي تعبر عن جو الخروفة
وفنياتها :
خريريفة مجيريفة
سبع قطيوات
معلقات في التنور
والتنور يبغي حطب
والحطب في السمرة
والسمرة تبغي جدوم
والجدوم عند الحداد
والحداد يبغي افلوس
والفلوس عند العروس
والعروس يابت ولد
والولد سموه سند
*****
ركاب الخيل
ما ينام الليل
في ايده سجين
ذابح مسيحين
وبعد ان تنتهي الجدة تقول : صلوا على النبي محمد، فيرد عليها الأطفال : صلى الله
عليه وسلمن عندها تبدأ بالحديث بعفوية وبأسلوب ممزوج بالكلمات المؤثرة التي تثير
مشاعر الأبناء وتجعلهم متلهفين لسماع أكبر عدد من الخراريف قبل استسلامهم للنوم،
وفي الصباح يجلس الصبي مع أصدقائه ويحكي لهم ما سمع ليلة البارحة من خراريف، فترسخ
الحكاية في أذهانهم، وبعضهم يقلدون ما قيل من حوار ويمثلون الأدوار فيما بينهم.
يقول أحد الرواة : كانت الجدات والأمهات والآباء يبدعون (الخروفة) ويؤلفونها
للأطفال. فبعد صلاة العشاء يجتمع الأطفال وبعض الشباب حول القاص الذي يسرد قصصا
مختلفة، وحكايات جميلة تتناول موضوعات متنوعة منها خروفة حول عمل الخير والمعروف،
أو حول إنكار المعروف، أو حول بنات الجن، وصيادي السمك والغواصين. وتختلف طريقة سرد
الخروفة من شخص إلى آخر، وبعض النساء يسردن الخروفة بطريقة تجعل الطفل ينام قبل
إتمام القصة فيسرح معها في منامه، وفي اليوم التالي يطالب بإتمامها، لذلك تبقى
راسخة في ذهنه.
وظائف الخراريف :
للخراريف والحكايات وظائف كثيرة فيهي تربي الطفل على القيم والأخلاق، وتعوده على
احترام العهود والالتزام بالصدق والأمانة، وهناك خراريف تزرع في نفوس الاطفال الخوف
من الظلام، ومن المشي في الليل بمفرده، وأكثر الخراريف تساعد على بناء شخصية
الأولاد وتربيهم على حب الخير والعطف على الضعيف وتقديم العون للمحتاج.
والخراريف منها ما هو محلي ومنها ما هو مأخوذ من قصص وحكايات أجنبية، أو انتقل من
خلال السماع عن الغير، أو ما تناقلته الروايات بواسطة سفن الغوص والأسفار. وتختلف
رواية الخراريف عبر البيئات على طول الإمارات، حيث نجد لكل بيئة أنواعاً معينة من
الخراريف تروى بأسلوب وطريقة خاصة وبلهجة أهل المنطقة، ومن خلال علاقتهم المباشرة
بالمحيط المكاني وما يوجد في هذا المحيط من اشياء أو شعائر حيث نجد للبحر مثلا
تأثيره الكبير في حياة سكان المناطق الساحلية سواء في علاقتهم المباشرة أو غير
المباشرة. وقد شكل البحر مصدراً مهماً في رسم الصور الخيالية لدى الناس فترجموا ذلك
في أدبهم خاصة أدب الخراريف أو الحكايات.
نماذج من الخراريف :
هناك العشرات من الخراريف المروية عن الجدات والآباء والأمهات لكن توجد خراريف
محببة للأولاد ومشهورة لديهم ويحبون سماعها. ومن أنواع الخراريف المشهورة في مجتمع
الإمارات : خروفة بنت الزين معمر وخروفة بديح بديحوه وخروفة الحطاب والحية وخروفة
الغيص والحصبة وخروفة الحاكم والإمام وخروفة الملك فيه قرون. أما خراريف الشياطين
فهي كثيرة منها خروفة بابا درياه وخطاف رفاي أو ابو الخطيف، وخروفة عبد المزنجل،
وأم الدويس، وخروفة البعير المقصوص رأسه، ومنها حمار القايلة، وخروفة ام الصبيان.
ومن الخراريف الأخرى خروفة الطيرة، وخروفة هند بنت النعمان والحجاج، وخروفة معاوية،
وخروفة عزيز وعزيزة، وخروفة الصائغ واليهودي، وخروفة كندورة زوجة الشيخ.
لغة الخروفة :
تروى الخروفة باللجهة المحلية الدارجة، أما إذا رويت بالفصحى فإنها تفقد الكثير من
معانيها، وأسلوبها، وجوها الخاص. ولا يستقيم ان تحور الخروفة من العامية إلى الفصحى
إلا بقدر محدود، لذا من الواجب ان يتم جمع الخروفة وتدوينها كما تروى من الراوي
مباشرة دون مساس بمفرداتها ونسيجها الخاص، ولكن لا مانع حسب المستطاع من ان تصاغ
الخروفة بلغة فصحى من باب الإيضاح، وتوصيل الفكرة إلى المتلقي ليس إلا.
ومن الأمثلة على أنواع الخراريف المعروفة لدينا خروفة بديح بديحوه وهذا نصها المحلي
:
بديح بديحوه
(كانت وحدة بنت السماك، أبوها يظهر البحر وأمها متوفية من زمان، وعندها مرت ابو
عمة، والعمة عندها بنت من هذا الريال أبو البنت، ومرة وحدة الابو صاد بياحة، وسمك
وايد فقالت مرت العم للبنت :
اخذي السمك وغسليه في البحر، خذت المسكينة السمك وسارت على سيف البحر، ولما جلست
تغسل السمك، شافت بين السمك بياحة انسية (جنية) فقالت لبياحة للبنت :
هدينيه وبغنيش
خافت البنت، لكنها قامت وهدت البياحة وسارت هيه إلى البيت، وأخذت مرت الأبو العمة
السمك وعدتهن، سمكة سمكة فقالت للبنت اليتيمة :
جية وين لبياحة
فقالت إلها البنت وهي خايفة تنتفض :
انهدت عنيه في البحر
فحرجت العمة وخذت العصا وضربت اليتيمة، وقالت إلها :
من غداش من ريوكش من عشاش ما بنعطيش أكل موليه.
وجد البياحة قالت للبنت وهيه على البحر إذا ضربوش تعالي ليه، سارت البنت وحليلها
إلى سيف البحر، وزجرت على البياحة.
• بياحو بياحو ... لا ريقونيه ولا غدونيه ولا عشونيه.
سمعتها البياحة، ويتها على البحر تلبط، يابت لها الخبز والحلوى، كلت البنت وشبعت
وإللي زاد من الحلوى خذته وياها وعكته في جفير الطعام، وعندما ردت البيت يتها أختها
من أبوها، وقالت لها :
• عدنا أكل ما ينعطيش.
فردت البنت :
• أنا ما أبغي شي.
ويوم أدا هاك اليوم، يا للبنت اليتيمة خطيب بيخطبها، وقامت مرت أبوها ودخلتها في
التنور ويلست بنتها فوق السرير .. ويوم دخلوا الحريم من طرف الخطيب .. كام الديك
يصكع.
• ككو كو .. كوكو، عمتيه الزينة في التنور، وعمتيه الشينة فوق السرير، عمتيه الشلكة
والبلكة فوق السري، وعمتيه الحلوة في التنور ... ككوكو .. ككوكو.
استغربن الحريم، وجالن : خلونا نسمع الديك شو يكول، والعمة كل ما صاح الديك ردت
عليه : كش .. كش مناك زول. وتقوم بتروغه حتى ما يصقع.
ولكن قامت وحدة من الحريم وسارت وكشفت عن التنور وشافوا البنت الحلوة داخل التنور،
والبنت المب زينة فوق السرير.
وسارت الأيام ويو الرياييل يطلبون لبناوة، البنت اليتيمة، وطلبت مرت الأبو – العمة
– مهر لبناوتها بيب مالح ويونية بصل.
وردت البنت وسارت على سيف البحر وزكرت البياحة :
• بديحوه بديحوه، ويوم يتها البياحة علمتها وقالت :
• أنا خطبونيه ...
وكالت له البياحة :
• ما عليه يوم بيأديش ليلة العرس تعالي وزكري عليه.
وسارت الايام، وعندما حزت ليلة العرس، سارت البنت على سيف البحر وزكرت، ويتها
البياحة وخذتها الغبة وطرت بطنها ومزرته. مشاخص وجناية.
وقالت لها يوم بيدخلونش على الريال، قولي بطنيه يعورنيه .. ويوم ببكول سيري الحمام
قولي افرش لي معصمك.
ودخلوها ويوم قاللها سيري الحمام .. قالت : لا ... افرش لي معصمك، وعكت اللي في
بطنها مشاخص وجناية جل الريال المشاخص ولجناية وغنته.
وسارت الايام، ويو الخطاب بيخطبون البنت الثانية، يتحسبون مثل اختها بتغني الريال،
وطلبت الأم مهر لبنتها يونيه بصل وبيب مالح.
ويوم الدخلة قالت بطنيه يعورنيه، وفرش إلها معصمه، وعقت الأوساخ فطلقها وشرد، ويينا
نحن عنهم، وهم تموا يالسين.
هذا هو نص الخروفة بلسان إحدى الراويات دون أي تحريف أو إضافة من جانبي، وكما هو
واضح روت هذه الخروفة قصة اليتيم وان الله يحميه وينصره، ويفتح له أبواب رحمته، إذا
ما اعتدى عليه أحد. وقد ورد في الخروفة قصة اليتيمة وزوجة أبيها (العمة). وكيف كانت
معاملة زوجة الأب للبنت معاملة قاسية حيث تعرضها للضرب والحرمان ولكن الله تعالى
سخر لها سمكة، وهي كما في الخروفة ليست سمكة بياحة عادية، وإنما (جنية) من الجن
فنظير إطلاق السمكة في البحر قامت الجنية بمساعدة البنت حتى تزوجت. وإذا كانت
الخروفة أخذت من السمكة أو الجنية رمزاً للوصول إلى الفكرة باسلوب جميل ومحبب فإن
الهدف من ذلك خلق جو حالم وخيالي لتقريب الصورة من ذهن السامع. وهذا أحد أسباب
انتشار الخراريف وجمالها وروعتها، واستمتاع الأولاد عند سماعهم لها، مما أضاف لهذه
الخراريف مهمة أخرى وهي تربية ذوق الأولاد وتعويدهم على التركيز والخيال، واستيعاب
الدروس والعبر منها. مثل حسن معاملة اليتيم، وعدم حرمانه من حقوقه. وأن الله في عون
الضعيف، إلى جانب أننا لمسنا من هذه الخروفة أن الإنسان إذا عمل خيراً سيجده حيث
سيعامله الناس معاملة طيبة، أما الشر فمصيره الخزي والخذلان والعواقب الوخيمة في
الدنيا والآخرة، وهذا ما يمكن أن نستفيده من هذه الخروفة.
|
|
| المادة :: الفصل الثالث - الأمثال الشعبية |
الأمثال من أهم ألوان الأدب الشعبي عند العرب، وللأمثال في الأدب العربي سجل
طويل، حيث اعتنى بها العرب وسجلوها في مصادرهم، ودونوها في مجلدات عديدة، وكانوا
يروونها لأبنائهم وفي المجالس واثناء المساجلات والحوارات التي تدور بينهم.
والمثل مأخوذ من المثال وهو : قول سائر يشبه الثاني فيه بالأول، مثل قولهم (فلان
أمثل من فلان) أي أشبه بما له من الفضل. والمثال القصاص لتشبيه حال المقتص منه بحال
الأول.
وقد سميت الحكم القائم صدقها في العقول أمثالا، لأنها تثبت في العقول وتحفظ بسرعة
لجمال صياغتها وحلاوة لحنها.
ولابد أن تتوافر في المثل أربعة شروط هي : إيجاز اللفظ، وإصابة المعنى، وحسن
التشبيه، وجودة الكناية. فإذا توافرت في الكلام المرسل هذه الشروط يصبح مثلا. لأن
المثل كما يقال نهاية البلاغة، حيث قال ابن المقفع (إذا جعل الكلام مثل كان أوضح
للمنطق وأنقى للسمع، وأوسع لشعوب الحديث ...) أي ألطف للسمع وللترديد والحفظ.
وتوجد في الإمارات ومنطقة الخليج العربي الآلاف من الأمثال الشعبية التي يرويها
عامة الناس ولا يحفظها إلا كبار السن والقليل من الرواة، وقد كانت الأمثال متداولة
في مجتمع ما قبل النفط، أو المجتمع التقليدي القديم، ولا يزال الكثير منها متداولاً
حتى اليوم. وتعتبر الأمثال إرثا حضاريا ورافدا مهما من روافد الأدب الشعبي. فهي
تعبر عن تجارب إنسانية أو أحداث وقعت في زمن ما ثم أصبحت تلك الأحداث والوقائع
أمثالاً تروى، أقوالا تردد، وقصصا تحكى. فمن هذه الأقوال ما تنطبق عليه شروط معينة
مثل إيجاز المعنى وسلامة المنطق وقوة السبك ورصانته وتوفر التشبيه والكناية. وما
توافرت فيها تلك الشروط تصبح أمثالا.
وقد نشأت الأمثال في دولة الإمارات وتطورت في مجتمع عاش فيه شعب المنطقة حياة
مستقرة ومترابطة اجتماعيا وفكريا وثقافيا، مما ساعد على ظهور الأمثال ومختلف أنواع
الأدب الشعبي. ورغم بساطة الأمثال إلا أنها تحمل في مضمونها إذا ما درسناها جيدا
تجربة عميقة الجذور والمعنى. وتروى الأمثال الشعبية في الإمارات بعفوية وبلهجة
عامية مسبوكة بلغة جميلة، وتتناول العديد من الجوانب الحياتية خيرها وشرها.
ومن الأمثال الشعبية الشائعة في الإمارات ما يلي :
(حلاوة الثوب رقعته منه وفيه) : ويضرب هذا المثل ليحث الناس على الترابط والتكافل
الاجتماعي بين أفراد المجتمع. والثوب هنا رمز للانتماء والولاء للوطن، فمثلا كلما
ارتبط المواطن بشكل مباشر ببيئته فانه سوف يعبر عن ذلك في مأكله وملبسه وفي زواجه
من بنت البلد، وفي سلوكه وعاداته وثقافته وتصرفاته تجاه الآخرين.
(غالي والطلب رخيص) : يضرب هذا المثل على الصديق أو الصاحب أو الإنسان الذي له
مكانة خاصة، فإذا ما طلب شيئاً فإن طلبه مجاب، لأن منزلته في القلب تجعل طلبه رخيصا
وأحيانا يقول المثل (غالي والطلب همباه) وهو نفس المثل وإنما استبدلت كلمة (رخيص)
في المثل الأول بكلمة (همباه) أي المنجا وهو ثمرة شجرة المانجو والذي يسمى في
لهجتنا (همبا) أي رخص الطلب مهما كان غالي الثمن.
(خيرا تفعل شرا تلقا) : يضرب المثل على الإنسان الذي يعمل خيرا للآخرين كأن يساعدهم
ويقدم لهم ما يحتاجون، وبدلا من أن يقابلوا الإحسان بالإحسان فإنهم يقابلون الإحسان
بالسوء والنكران والجحود.
(لو كل من يا .. ونير ما تم في الوادي شير) : يضرب للتجربة في الحياة، فلكل إنسان
مهنة أو عمل، ولا يستطيع الواحد ممارسة كل الأعمال، فالخباز أدرى بالخبز الذي
يخبزه، والنجار خبير في صنعته ولا يتدخل أحد دون معرفة في شيء ليس له فيه شأن.
(خذ من جيبه وعايد به) : يضرب للإنسان الأناني الذي يأخذ من الناس ثم يقدم ما أخذه
منهم لهم على شكل عطية، في حين أن هذه المال ليس ماله ولا حق له فيه.
(سار يدور فايده .. يته المصايب زايده) يضرب لسوء الحظ، فأحيانا قد يعمل الإنسان
ويتعب لكي يحصل على فائدة أو رزق ولكن بدلا من ان ينال مبتغاه فإنه يخسر كل شيء
وتضيع حقوقه.
(من عاشر القوم أربعين يوم صار منهم) : يضرب للتطبع بخصال الجماعة أو الاقران، فإذا
خالط شخص ما جماعة معينة لمدة أربعين يوما، فإنه سوف يصبح منهم، حيث سيقلد تصرفاتهم
ويتبع سلوكهم، فإذا كانوا أشرارا سيكون شريرا مثلهم وإذا كانوا خيرين فسوف يكون
خيرا مثلهم.
(مب كل من عاب صبعه قصه) : يضرب للعلاقة بين الأصدقاء، فليس من هفوة أو كلمة تنهي
الصداقات وتوصد الأبواب.
(سار يداويها وسعى في طبوبها) : يضرب لقلة الخبرة فبدلا من أن يعالج المرض أو يداوي
العلة فانه يزيد في المرض ويفاقم المشكلة.
(عاصب راسه بلا وجع) : يضرب للإنسان الذي يتدخل في الأشياء دون أن تعنيه.
(لما شاب ختنوه) أو ( لما شاب ودوه الكتاب) : يضرب للتأخير في أداء الأعمال.
(من استرخص اللحمة خانته المرقة) : يضرب لسوء التدبير، وعدم المعرفة في معالجة
الأمور فيقع الإنسان في أخطاء وخسران كبير.
(البيت بيتك بس المسيد ادفالك) : يضرب في عدم الكرم وإقفال الأبواب أمام الضيف.
(خذ علوم الدار من يهالها) : يضرب في جمع الأخبار السرية التي لا يمكن الحصول عليها
إلا من (اليهال) الأطفال أو من الجهلة أي المغفلين من الناس.
(اشتر الزين واحفظ غوازيك) : يضرب في شراء الأشياء غالية الثمن لأن قيمتها فيها.
(يوم المخازن خارة الله يعين أهل العشيش) : يضرب في تشبيه الاحوال.
(الفرس من خيالها والحرمة من ريالها) : يضرب في مرجع الشيء أو مقوده.
(من طمع طبع) : يضرب في الطمع والجشع.
( من كثرة الرعيان ضاعت الغنم) : ويضرب في ضرورة توحيد القيادة وان تكون تحت إمرة
واحد.
(إذا فات الفوت ما ينفع الصوت) : يضرب في الندم على فعل شيء فات.
(ديج ما كل فلفل) : يضرب في كثرة الكلام واللجلجة.
(السمكة تخيس من راسها) : يضرب في الفساد إذا استشرى في القمة فإنه سوف يفسد كل
شيء.
وهناك أمثال تضرب في حب الوطن إذ يقول المثل (من زرع في غير بلاده لا له ولا
لولاده) : وهو مثل واضح فالإنسان يتعب ويشقى ويحرث في بلده لأنه إذا زرع وعمل في
بلد أجنبية فليس له مردود ولا لأولاده من بعده.
ومن الأمثال المتعلقة بالطباع أو السلوك (تموت الدياية وعينها في السبوس) أو (اربط
لحمار عند لحصان يعلمه الصهيق أو النهيق).
ومن أمثال السخرية (الصوت صوت راعدة والحيل حيل ياعدة) : يضرب في ضعف القوة مع طول
اللسان واللجلجة.
|
|
| المادة :: الفصل الرابع - الألغاز الشعبية |
الألغاز الشعبية :
الألغاز الشعبية نوع مهم من أنواع الأدب الشعبي تتناول موضوعات كثيرة وتصورها بطرق
مبهمة حتى لا يستطيع السامع معرفتها دون تفكير عميق. لذا من أهم وظائف اللغز تنمية
المهارة الفكرية. والألغاز معروفة عند العرب منذ قديم الزمان، وكان من أشهر المعاجم
التي كتبت عن الألغاز معجم (الأعجاز في الاحاجي والالغاز) من تأليف أبي المعالي سعد
الدين بن علي بن القاسم الوراق الحظيري البغدادي المتوفى سنة 568هـ / 1173 م.
واللغز كما يعرفه ابن وهب الكاتب المتوفى سنة 335 هـ / 947م هو (من ألغز اليربوع،
ولغز إذا حفر لنفسه مستقيما، ثم أخذ يمنة ويسرة ليعمي بذلك على طالبه).
ومن أهم شروط اللغز الغموض والتناقض، أما الأحجية أو الحجا فهي الألغاز وكذلك تسمى
الغطاوي لأن المفهوم فيها مغطى، والغطو جمعه غطاوي أو مخفي.
وقد تم تصنيف الألغاز عند العرب إلى تصنيف موضوعي تبعا لمحتواه ومضمونه، وتصنيف
معجمي ألفبائي وهو مرتب حسب حروف المعجم، وهناك تصنيف بنائي حسب بناء اللغز أو
معماره الفني، وهناك من يصنف الألغاز لغوية (تعليمية)، وألغاز أدبية، ولكن مهما
اختلف المصنفون حول الألغاز إلا أنهم يجتمعون في تصنيفها حسب مضمون اللغز ومفهومه
العام.
الألغاز في دولة الإمارات :
لم تجمع الألغاز في دولة الإمارات ولم تدرس بعد، وإنما تمت الإشارة إليها في بعض
كتب الموروث الشعبي ومنذ سنوات عكفت على جمع عدد كبير من الألغاز الشعبية مستعيناً
بطلاب المدارس والأصدقاء والعارفين فتوفرت لدي مجموعة كبيرة من الألغاز ستصدر في
كتاب خاص بها مصنفة تصنيفاً موضوعياً أي حسب الموضوع.
الألغاز في الإمارات منها ألغاز عامة أو شعبية، وهي الألغاز التراثية التي تروى على
لسان الرواة، وهناك ألغاز خاصة وهي تلك التي أبدعها الشعراء والأدباء. وقد تكونت
الألغاز الشعبية في مجتمع الإمارات من ثلاثة روافد رئيسية هي رافد شعبي : وهو ما
ابتكره شعب الإمارات من ألغاز في حياتهم الخاصة واحتكاكهم الدائم، وهناك رافد عربي
: يشمل الألغاز المستمدة من الموروث العربي، وكتب التراث عند العرب، أما الرافد
الثالث فهو رافد إنساني ويشمل ما دخل في أدب الألغاز من فنون هندية وفارسية
وإفريقية وعالمية، وكان ذلك نتيجة الاحتكاك أثناء السفر والتجارة.
وللألغاز العديد من الفوائد، فهي تساعد على تنمية مهارة التفكير، وتمرن العقل على
المعرفة والاتساع، وتسري عن الخاطر، وتعمق روح الابتكار والإبداع، وهي حصيلة ثقافية
وأدبية مهمة جداً في حياتنا الخاصة والعامة لما لها من دور في نقل سلوكيات الأفراد
وتدريبهم على الفهم والإدراك الواعي.
والألغاز الشعبية في الإمارات تعبر عن الكثير من التجارب الحياتية لشعب المنطقة،
وهي بذلك مخزون لغوي إلى جانب كونها مخزوناً أدبياً ظهر منذ زمن طويل، وهذا اللون
ظل متداولاً بين الناس، معبراً عن ثقافتهم الشعبية وتوجهاتهم الاجتماعية وحياتهم
الخاصة.
من أنواع الألغاز الشعبية في الإمارات :
1. ألغاز في القرابة والنسب :
- عمتك خت أبوك خال ولدها شو ييلك؟
الجواب (أبوي)
- من هو الخال الوحيد لأولاد عمتك؟
الجواب (أبوي)
- جده أبو أبوك وعمه عم أخوك؟
الجواب (أخوي)
- أم أخوك وأخت خالك .. وزوجة أبوك شو تيلك؟
الجواب (أمي)
2. ألغاز في الحشرات والحيوانات والزواحف :
- طائر له أربع حروف، لحم والدماء وريش، يؤكل منه البعض والبعض ضده، ويحرق منه
البعض وهو يعيش؟
الجواب (النحلة)
- حجر حجرجر، حجارة لا، رقبة طويلة زرافة لا، تبيض وتفقص دجاجة لا.
الجواب (السلحفاة) الحمسة.
- سلسلة من سلسلة في كل البلاد منزلة؟
الجواب (النمل).
- اسود ليل، ما هو بليل يحفر غار مثل الفار وما هو بفار؟
الجواب (اليعل).
- حمر حميران ريله خيزران يعبد ربه لكن ما يصوم رمضان؟
الجواب (الديك).
3. ألغاز الموجدات الطبيعية :
- طشت كبير وسح النفير وقالب جبن وخبزة خمير؟
الجواب (السماء والنجوم والقمر والشمس).
- طالعة من بيتها حاملة على ظهرها ماء لا هي ذكر ولا هي أنثى حشا ما مسها بشر؟
الجواب (السحاب).
- شو الفتاة اللي حسين لونها تسرح وتضوي منتهى ميدانها؟
الجواب (الشمس).
- شو الشي اللي يمر عليك وما تشوفه؟
الجواب (الهواء).
4. ألغاز في النار والدخان والرماد :
- شو الشي اللي تأكل ولا تشبع وإذا شربت ماتت؟
الجواب (النار).
- هم ثلاث إخوان واحد إذا أكل ما شبع والثاني إذا راح ما رجع والثالث إذا مات ما
ينجمع؟
الجواب (النار والدخان والرماد).
- أم غابس لا تخلي خضر ولا يابس؟
الجواب (النار).
5. ألغاز في الخضروات والنباتات :
- بنات سعود لابسات وقاي خضر وعباي سود؟
الجواب (الباذنجان).
- طويل ودافن لحيته في الأرض؟
الجواب (البصل).
- بنت الهور، والهور راعيها، بنت الشحم واللحم، وعظام ما فيها؟
الجواب (الفقع) أو الكمأة.
- شجرة مشجرة، عروقها في المدرة، وخريفها مئة وعشرة؟
الجواب (الفلفل).
- نورة ولابسة ألف تنورة.
الجواب (الملفوف).
6. ألغاز في المنزل وأجزائه :
- شو الشي اللي يدخل البيت قبل راعيه؟
الجواب (المفتاح).
- شو الشي اللي تحرسه في النهار ويحرسك في الليل؟
الجواب (الباب).
- أبوه في البيت ولحيته في السكة؟
الجواب (المرزاب) أو المرزام.
- ما هو الشي في النهار يمتلي وفي الليل يختلي؟
الجواب (حبل الملابس).
7. ألغاز في أدوات الخياطة :
- ما هو الشيء الذي يسحب اسلاه ويدور في الحارة؟
الجواب (الإبرة).
- اسود خندس في النهار يطلع وفي الليل يندس؟
الجواب (البرقع).
- عريانة وتكسي الناس؟
الجواب (إبرة الخياطة).
- زربول ازربلنابه، وفي السيح تمشينا به؟
الجواب (الزربول).
8. ألغاز في الأدوات المنزلية :
- ثلاث خدام شايلين خادم والخادم شال عمته؟
الجواب (الطابي) أو المخبز.
- ما هو الشيء الذي ينتفض فوق أسلاه؟
الجواب (المنخل).
- ما هو الشيء عندما تأتيه أمه يبكي وعندما تذهب يسكت؟
الجواب (الرحى).
- شو الشي ابيض بطنه اسود ظهره، جدر يا ثور افهم يا بقرة؟
الجواب (القدر).
9. ألغاز في الملبوسات :
- يسارع بلا حظر، يجامع بلا ذكر، مسكنه الأطراف مساكن الأشراف؟
الجواب (الزراري أو الفصمة).
- أسود وريله وراه؟
الجواب (العقال).
- له أربع أصابع وإبهام وليس له كم ولا عظام؟
الجواب (القفازات).
10. ألغاز في أدوات الشرب والري :
- شو الفتاة اللي حسين شمها لكن ما تزهى بلا ولدانها؟
الجواب (دلة القهوة والفناجين).
- أربع بحابح، وكلب ينابح، وسويدة تقلب، وكشكوش واقف؟
الجواب (المنيور).
- تبكي وتسقي عيالها؟
الجواب (اليازرة، المنيور).
11. ألغاز في أدوات الكتابة :
- وساكن الرمس طعمه عند راسه إذا ذاق الطعم تكلما يقوم ويمشي صامتا متكلما ويرجع
إلى الرمس الذي فيه قوما فلا هو حي يستحق كرامة ولا هو ميت يستحق الترحما؟
الجواب (القلم أثناء الكتابة).
- بسألك عن شي ميت يكلم حي؟
الجواب (الرسالة).
- له جلد ولكي ليس حيوان وله أوراق وليس نبات؟
الجواب (الكتاب).
12. ألغاز في الزمان :
- سدرة مستديرة، لها فنون كثيرة، وكل فن فيه عش، والعش فيه طيرة، وكل طيرة الله
كاتب لها معاش؟
الجواب (الدنيا).
- شين وشين ووريقاته ثلاثين؟
الجواب (الشهر).
- شو الشي اللي به 12 فن وكل فن به ثلاثين ورقة؟
الجواب (السنة).
13. ألغاز في المناخ والدخان :
- شو الشي تغضب منه الماية وتضطرب منها الأشجار، وتنحني لها الأزهار، وتهرب منها
السحب؟
الجواب (الريح).
- شو الشي انشوفه ولا نسمعه .... ونسمعه ولا نشوفه؟
الجواب (البرق والرعد).
- حرقص برقص جدام بيتنا وبيتكم يرقص؟
الجواب (الماء أثناء انهماره على مستنقع الماء).
- شيخ ولا له روح، وسخ على الجروح؟
الجواب (الدخان).
14. ألغاز في السفينة :
- جارية تجري كجري السحاب، في بطنها نسل وما مسها بعل، إذا شربت ماتت ومات نسلها،
وإذا عطشت دامت ودام النسل؟
الجواب (السفينة وركابها).
- حامل ومحمول نصفه ناشف ونصفه مبلول؟
الجواب (السفينة في البحر).
- شو الفتاة اللي يزاغيها الصبا والعرق ينضح من تحت بيطانها؟
الجواب (السفينة أثناء حركتها في البحر).
15. ألغاز في المعتقدات :
- أول ما له ثاني؟
الجواب (الله).
- دال ودليل ومستدل وبيان؟
الجواب (الله ومحمد وجبريل والقرآن).
- ثلاثة ما لهم أب؟
الجواب (آدم وحواء والشيطان).
- مركب فرافير، طوله ثلاثين، يحكم الأمة والسلاطين؟
الجواب (شهر رمضان).
16. ألغاز الحسابية :
- خمسة وخمستين، وخمسة عشر مرتين؟
الجواب (45).
- بطة بين بطتين، وبطة وراها بطتين، وبطة أمامها بطتين. فكم بطة في هذا الموكب؟
الجواب (ثلاث بطات).
- شو الشي يوجد بين السما والارض؟
الجواب (حرف الواو).
- ما هو آخر الحياة؟
الجواب (حرف الهاء).
- ما هو الشي اللي يوجد في الشمال ولا يوجد في الجنوب، ويوجد في الشرق ولا يوجد في
الغرب؟
الجواب (حرف الشين).
17. ألغاز المغالطات :
- بعد السبت لحد ايي؟
الجواب (بعد السبت الأحد).
- بادي وبنته، وبدوي وحرمته اقتسموا ثلاث خبزات فكيف يصير هذا؟
الجواب (بنت البادي زوجة البدوي).
- ما هو الجرح الذي ما ينزف دما؟
الجواب (جرح الشعور).
- ماء ليس من الأرض ولا من السماء؟
الجواب (دمع العين).
|
|
| المادة :: الباب الثالث (العادات والتقاليد والمعتقدات والمعارف الشعبية) |
مقدمة :
العادات عمل وأنماط سلوك يقوم بها الأشخاص، وهناك عادات حميدة وأخرى غير حميدة.
فالعادات الحميدة هي أنماط السلوك والأفعال التي يقوم بها الأشخاص والتي تحقق رضى
المجتمع الذي يعيشون فيه. أما العادات غير الحميدة فهي الأفعال وأنماط السلوك التي
يقوم بها الأشخاص ولا يتحقق رضى المجتمع من جراء قيامهم بهذه الأفعال والسلوك مما
يجعلهم في عداد الشاذين والمنحرفين.
لكل أمة من الأمم عادات وتقاليد تتحكم في سلوك أفرادها وتحدد لهم نوعية الأفعال
الحميدة والأفعال القبيحة والشاذة حتى يستطيع المجتمع أن يحقق أكبر قدر من
الاستقرار والأمن والرخاء، لذلك استحدثت القوانين وموادها لتتفق مع هذه العادات
والتقاليد. ولو أتت هذه القوانين تخالف العادات والتقاليد بشكل كبير لأدى ذلك إلى
تغير في حياة الأمم، ولقامت ثورات تنادي بالإصلاح، لذلك فإنه حتى القوانين السماوية
أتت متقاربة لتلك العادات والتقاليد وفيها أيضاً الإصلاح نحو الأفضل.
وإذا كانت العادات والتقاليد أنماطاً من السلوك والأفعال فإن (الأعراف) هي أنماط
سلوك تعد أرقى من العادات وأكثر اتساعا بحيث تشمل المعتقدات الروحية وهي عند علماء
الاجتماع مجموعة من الأفكار والمفاهيم التي يمارس المجتمع عن طريقها سلطته
العقائدية. والتقاليد هي أفعال ومعتقدات أي أنها تحوي الأعراف والعادات لأنها تجمع
بين السلوكين معاً.
وقد أجمع بعض العلماء على أهمية ان تكون العادات متوارثة وعلى عموميتها وعلى قوتها
الملزمة. وأوضح بعضهم ان السلوك يتحول إلى عادة عندما يثبت من خلال عدة أجيال،
ويتوسع وينمو ومن ثم يكتسب سلطانا. وقد ألحق البعض صفة (الشعبية) بالعادة وفضل
البعض صفة (اجتماعية) وأحياناً يكون الجمع بين الصفتين.
وقد أكد أول من قدم هذا المفهوم في عام 1906 ان العادات الشعبية هي قوى أساسية داخل
المجتمع تنمو لا شعوريا، وتتقبلها الجماعة لا شعوريا، وهي تتضمن اتجاها معينا في
التفكير والسلوك، فهي باختصار جزاءات أخلاقية. وقد أجمع الذين فضلوا مصطلح عادة
اجتماعية على تعريفها باعتبارها سلوكا أو نمطا تعده الجماعة الاجتماعية صحيحا وطيبا،
وذلك بسبب مطابقته للتراث الثقافي القائم. وتعتمد العادات الشعبية أساسا على تفاعل
الجماعة أكثر من اعتمادها على المهارات والأداء الفردي. وعليه يمكن استخلاص أهم
سمات العادات والتقاليد من التعريفات السابقة، كون العادة فعلا اجتماعياً وأنها
متوارثة، وأنها ذات قوة معيارية، وهي وليدة ظروف المجتمع الذي تمارس فيه، بمعنى
ارتباطها بالزمن وبموعد أو بمناسبة زمنية معينة كرمضان والعيدين مثلا. أو هي مرتبطة
بمواقف أو أحداث معينة في حياة الفرد أو المجتمع كالميلاد والزواج .... الخ. وهذا
الارتباط بزمان ومكان معينين هو الدليل على القيمة الوظيفية العالية التي تتمتع بها
العادات في المجتمع. وتتخذ العادة أشكالا وصورا متعددة وقد اختط د. سيد حامد حريز
التصنيف التالي للعادات والتقاليد :
1- العادات والتقاليد التي تتصل بميلاد المواطن العربي.
2- العادات والتقاليد التي تتصل بنشأته.
3- العادات والتقاليد التي تتصل بختانه.
4- العادات والتقاليد التي تتصل بصباه.
5- العادات والتقاليد التي تتصل بمأكله.
6- العادات والتقاليد التي تتصل بمشربه.
7- العادات والتقاليد التي تتصل بمسكنه.
8- العادات والتقاليد التي تتصل بملبسه.
9- العادات والتقاليد التي تتصل بعمله.
10- العادات والتقاليد التي تتصل بأسفاره.
11- العادات والتقاليد التي تتصل بزواجه.
12- العادات والتقاليد التي تتصل برجولته.
13- العادات والتقاليد التي تتصل بكهولته.
14- العادات والتقاليد التي تتصل بشيخوخته.
15- العادات والتقاليد التي تتصل بوفاته.
أما تصنيف الإنسان العربي ومن حوله فهي كالتالي :
1- عادات وتقاليد تربط ما بين المواطن وعائلته.
2- عادات وتقاليد تربط ما بين المواطن وعشيرته.
3- عادات وتقاليد تربط ما بين المواطن وقبيلته.
4- عادات وتقاليد تربط ما بين المواطن وجيرانه.
5- عادات وتقاليد تربط ما بين المواطن وأقرانه في الدراسة.
6- عادات وتقاليد تربط ما بين المواطن وزملائه في العمل.
7- عادات وتقاليد تربط ما بين المواطن والقبائل المجاورة.
8- عادات وتقاليد تربط ما بين المواطن والأقطار المجاورة.
9- عادات وتقاليد تربط ما بين المواطن والعرب (من غير بلده).
10- عادات وتقاليد تربط ما بين المواطن وغير العرب (الأجانب).
أما تصنيف الإنسان العربي وما حوله فهي كالتالي :
1- العادات والتقاليد التي تتصل بدوره العام.
2- العادات والتقاليد التي تتصل بالحيوان.
3- العادات والتقاليد التي تتصل بالنبات.
4- العادات والتقاليد التي تتصل بالجمادات.
وتجدر الإشارة إلى ان الباحثين في مختلف العلوم المهتمة بالإنسان كعلم الاجتماع
والميثولوجيا وعلم النفس والانثروبولوجيا والفولكلور وغيرها أدركوا أهمية العادات
كميدان رئيسي للدراسة. وقد نتج عن ذلك كم كبير من الدراسات، حتى إنه يمكن القول إنه
لا يوجد ميدان من ميادين التراث الشعبي – بعد الأدب الشعبي – حظي بمثل ما حظي به
ميدان العادات الشعبية من العناية في الدراسات الفولكلورية والاجتماعية العديدة.
والعادات الشعبية هي دائما بنت شعب معين، ومعبرة عن شخصية ومنطقة معينة، وتراث
تاريخي معين. ومجتمع الإمارات كغيره من المجتمعات تأخذ فيه العادات والتقاليد منهجا
إلزاميا قسريا لا يستطيع الفرد التحلل منها، ويسير أفراد المجتمع وفقا لهذه العادات
ويعتبر الخروج عنها عيبا أو منقصة، ولهذا سميت في الإمارات (بالسلوم) أي العادات
والمسلّمات الواردة من السلف إلى الخلف. ويعرف عن ابناء الإمارات محافظتهم على
عادات وتقاليد مجتمعهم الأصيلة والعريقة وحرصهم على صيانتها وضمان توريثها للأجيال
القادمة. فعادات أهل الإمارات فيما يخص الزواج، والمجالس الشعبية، والتكافل
الاجتماعي، وأصول الضيافة والزيارات، والزي الشعبي وغير ذلك من التقاليد
الاجتماعية، لا تزال تراعى بشكل كبير، مستمدة قوتها وإلزامها من التراث الثقافي
والاجتماعي والديني. كما ان عوامل بقاء هذه العادات والجهود الساعية لترسيخها باقية
ودائمة بفضل الاهتمام الرسمي والخاص.
|
|
| المادة :: الفصل الأول - عادات الميلاد |
الميلاد
كان وما زال مجتمع دولة الإمارات وبخاصة في فترة ما قبل اكتشاف النفط يولي مسالة
الإنجاب أهمية كبيرة تمثلا بقوله تعالى المال والبنون زينة الحياة الدنيا . حيث
يعتبر الإماراتيون ان الإنجاب نعمة من الله ينعم بها على عباده، ويعتبرون المرأة
الولود امرأة مبروكة.
الداية (الولاّدة)
وهي الطبيبة الشعبية أو المرأة الخبيرة التي تقوم بالإشراف على حالات الولادة
المنزلية وعلى مساعدة النساء أثناء عملية الوضع ومداواتهن بعد الولادة مستخدمة في
عملها من الأدوية (الملح) و(حبة البركة) و(المسح) في حالات الولادة العسيرة التي
يكون فيها وضع الجنين غير مستقيم في الأحشاء أو عجزت الحامل عن الولادة لضخامة حجم
المولود. وتستخدم الداية (الدهان) في عمليات المسح على بطن الأم.
ومثلما كانت كل أم تحرص على أن تعد بناتها وتعلمهن ما تجيد من خدمات وحرف، كذلك
كانت (الداية) تأتي معها ابنتها لحضور حالات الولادة والمساعدة وكسب الخبرة.
وبالرغم من ان اغلب الولادات كانت تتم منزليا، إلا أن رحلات الحل والترحال للعائلات
البدوية وكذلك رحلات (الحضار) أي الرحلات صيفاً من المدن الساحلية إلى مناطق واحات
النخيل، مثل هذه الرحلات والتي تستغرق أياماً طويلة وأسابيع، قد تشهد حالات الولادة،
إذ ما ان تعتصر المرأة الحامل آلام المخاض حتى تطلب من الجمّال ان يمرح بالمطية.
وعلى الفور تستدعي أقرب النساء إليها وعلى عجل يتم التحضير لها كي (تربي)، أي تضع
وليدها، ويكون (الملح) و(الحبة الحمرة) معدة من قبل للاستعمال كدواء، وبعد ذلك ببضع
ساعات تواصل القافلة رحلتها ومعها الضيف المولود.
وتروي الذاكرة الشعبية الكثير من حالات الولادة التي كانت تتم في مواقع عمل المرأة
خاصة في البادية والارياف. إذ لا مبالغة في القول إن المرأة بالأمس لم تكن تخلق
لنفسها المبررات لتتهرب أو تتخلى عن مسؤولياتها، بل كانت تعمل وبجهد بقدر ما لديها
من القدرة والإمكانيات. ويذكر ان أكثر النساء في الماضي كن يحملن بمولود جديد كل
سنتين مرة وعلى ذلك فإن بعضهن كن أمهات لـ 12-14 من الأولاد والبنات.
وتجدر الإشارة إلى ان الوليد القاصر الذي لم يتم شهوره التسعة في بطن أمه كان يتم
حفظه من المؤثرات الجوية حيث لا يعرض للهواء. ولتحقيق ذلك يتم نصب خيمة داخل الغرفة
هي عبارة عن عدة قطع من الحطب يلف حولها من كل الأطراف عدد من (المطارح) أي اللحاف
السميك. وعلى الأم الدخول إليه لرضاعته كلما حان موعدها. ولا يخرج الرضيع من بين (المطارح)
إلا بعد التيقن من مقدرته على مواجهة الحياة. وكان الاعتقاد بأن ابن السبعة شهور
يعيش، اما ابن الثمانية شهور فإن حظه في البقاء على قيد الحياة أقل.
الرضاعة والعناية بالطفل
يعتبر (المنز) وهو المهد، المقر الأول للطفل الذي ينام فيه بعد حجر أمه. وكانوا
يصنعونه من سعف النخيل (الجريد) أو الحطب، ومن الحبال التي تشكل الحواجز الطرفية
لهذا السرير في شكل (مشربك) أي كشباك الصيد، أو يربط الحبل بالجريد من الأعلى ليتم
تحريكه وهو معلق حتى يهدأ الطفل وينام. ويصب على القاع الخشبي (للمنز) كميات من
الرمل وعليها لحاف بحيث يمكن استبداله إذا ما بال الطفل عليه. ويقوم بصنع منز
الأطفال (الجلاليف) : وهم صناع السفن الخشبية. ويوضع الطفل في المنز بعد مرور سبعة
أيام على ولادته وتتم رضاعته لمدة سنتين إلا إذا حملت الأم أو أنجبت طفلا آخر قبل
تلك الفترة. وقد تستعين الأم بمرضعة. فإذا ما كانت إحداهن قد (ربت) أي وضعت لتوها –
وخاصة حين يكون المولود (بكرها) الأول ولا يزال ثدياها يابسين لا يدران الحليب –
فإنه سرعان ما يتم استدعاء صديقة لها أو جارتها أو إحدى معارفها لتقوم برضاعة
وليدها أياما قلائل حتى يمتلئ ثدي الأم بالحليب. ولم تعرف الأمهات في الماضي مراضع
أو حليبا صناعيا. وكانت الأم تبقى بجانب وليدها في البيت أسبوعاً على الأكثر بعد
الوضع ثم تعاود ممارسة أنشطتها وأعمالها المعتادة في البيت وخارجه، وتحاول التوفيق
بين مواعيد رضاعة ابنها والعمل الميداني خارج البيت بحيث تعود إليه للرضاعة في
مواعيدها ثم ترجع لاستكمال عملها ... وهكذا.
لم تكن ظروف الحمل تعيق المرأة أو تؤخرها عن عملها وتأدية واجباتها الأسرية وغيرها،
حتى ساعات المخاض المفاجئة التي قد تكون خلالها المرأة على رأسها عملها أو قد
يفاجئها المخاض في المنزل ليلا فتستدعي (الداية) الولادة. وعلى الرغم من أن الحركة
والتنقلات خير للمرأة الحامل من السكون، فإن ضغط العمل كثيرا ما كان يتسبب في
الإضرار بها، إذ يتحرك الجنين أحياناً وينقلب وضعه في الرحم فيسد مواقع حساسة في
داخل الجسم، أو يدق على الكبد وغير ذلك، مما تجعل الأم تصارع معه الآلام كثيرا حتى
تفارق الحياة، وذلك إذا ما عجزت محاولات (الداية) عن استخراج الجنين المعترض بوضع
غير صحيح في الجسم، وحين تتولى (الداية) معالجة أي من هذه الحالات فإنها تضع الأم
الحامل فوق رجلها وتقوم بعمليات المسح والإجراءات الأخرى كالضرب من الأمام والخلف
فيخرج الجنين معافى والأم سالمة.
وحسب روايات بعض الدايات فإن المولود الصبي ينكب على وجهه عند النزول من بطن الأم،
أما البنت فإنها تسقط على ظهرها تتطلع لأمها.
ولا تفارق (الداية) المرأة المربية أي التي وضعت جنينها طوال نهار الولادة، حيث
تكون في خدمتها ورعايتها وتشرف على راحتها وتقوم بعمليات تنظيفها وغسلها وإعداد
مشروب (الرشوفة) وحبة الحمرة ووضع الحصى على بطنها و(تخدير) أي تنويم المولود في
(المنز). وحينما تطمئن الداية على سلامة الأم وطفلها، وبعد ترتيب كل الأمور تتركها،
ثم تزورها مرة أخرى بعد فترة قريبة للإشراف، وقد تتقاضى مقابل تلك الخدمات مئة
روبية تقريبا.
ويجدر بنا التأكيد على ان درجة الوعي بالنظافة للمرأة الوالدة كانت عالية جداً.
ولهذه العملية يستخدم (الملح) الموصوف بأنه (ام الولد)، و(الهمن) و(الياس) نوع من
الأعشاب المطحونة ولها رائحة جيدة لغسيل الشعر. و(النار) و(البزار) وهو نوع من
البهارات، والفلفل و(الكركم) وهو نوع من البهارات أصفر اللون، و(حرييف) و(بول
البوش) أي بول الناقة ويستخدم خارجيا أي يوضع على التراب ويسخن ويوضع تحت ظهر
المرأة. و(الحصاة) نوع من الحجر لتدفئة البطن، و(القرط) وهو نوع من الشجر تؤخذ
أوراقه ويمتاز بطعمه المر، و(الطحين) و(الحريرورة) مشروب لتسخين البطن مكوناته
الأساسية الحبة الحمراء والبيض والفلفل والدهن البلدي. وتشرب الأم (الحلبة) لتساعد
على تنظيف البطن وتعويض الدم النازف. و(الحرمل) نوع من النباتات الشديدة المرارة.
و(السح) أي التمر ويخلط مع الكركم والملح ويستخدم لتنظيف الرحم. و(الجلاب) طعام
مكون من الطحين والزنجبيل والفلفل والقرفة والهيل و(الزنجبيل) نبات حار يشرب نقيعه.
و(المعمولة) عبارة عن الياس، و(التركة صالح) ومجموعة من أدوية تخلط وتوضع في الشمس
ثم تغسل لتنظيف مهبل المرأة. ويستخدم (قشر الرمان) كذلك مع الماء والملح للتنظيف.
وكان الحرص وكذلك الوعي الصحي بضرورة تنظيف المولودة أو المولود كبيرا واستحمامه
بنفس بعض المواد المستخدمة لتنظيف الأم، كالملح والياس والنيل والمحلب والكركم
والمر والحبة الحمراء والصبر والبضاعة وحل الحلو وحل حليل والتمر الهندي وبنت الذهب
والطني والزبد والزعتر والطحين.
لقد كانت الأسرة الإماراتية تعتني بالطفل عناية فائقة وكانت تستخدم كل ما توفره
البيئة من ادوية واعشاب وعطور لمعالجة الطفل. مثل التكحيل والتحريص ورسم الحاجب
والتدليك والتحنيك أي تدليك اللثة بالعسل. وكلها عمليات تقوم بها الأم أو الداية أو
أحد الأقارب لمساعدة الطفل وعلاجه وتنشئته تنشئة صحية جيدة مستخدمين أدوات ومواد
مختلفة، ولم يصعب على الأسرة إيجاد العلاج لكل أشكال الأمراض التي يتعرض لها
الرضيع.
وتجدر الإشارة إلى أنه بجانب الرضاعة الطبيعية فإن بعض الأمهات كن يسقين مواليدهن
الرضع شيئاً من حليب الماعز والأبقار. ومن المأكولات التمر الذي يعجن للرضيع فيصبح
ناعما ويسمى (تحنيك).
ملابس الاطفال وزينتهم
كانت ظاهرة الاعتماد الذاتي على إمكانيات وقدرات المرأة هي الشائعة في صناعة
الملابس وخياطتها لأطفالها. فقد كان الام تستعد بنسج القماش وخياطته وتزيينه
وتطييبه بأرق البخور والعطور، وكانت ملابس المواليد الرضع تسمى (السبابيح) أي
الفساتين أو الجلاليب من نوع الأقمشة النيلي أو المريس، ويلف المولود بـ (القماط)،
وهي قطعة من القماش. ويربط هذا القماط بخيط يسمى (التسعة). والكندورة من نوع
السبوحة وهناك (الويل) نوع من القماش الخفيف.
و(العنقة) أي مجموعة من الأدوية تلف وتلبس للطفل من رقبته لتظل رائحته عطرة والمواد
المستخدمة داخل العنقة هي الحلبة والمثيبة والسويدا (المعافاية) تطلق على السنوحة
أو الكندورة وهي مفردة جديدة، أما (الخدار) فهو غطاء الطفل يحميه من الحشرات،
و(الطوق) قماش مصنوع بشكل طوق صلب ليحافظ على استدارة الرأس، و(القحفية) أي القبعة،
و(بكيرة) نوع من الملابس لحديثي الولادة التي تلبس له قبل الأربعين، و(الكلوتي)
الطاقية وهي مفردة بنفس معنى القحفية، و(الكتاه) مفردة بنفس معنى الطوق لاستدارة
الرأس، و(البته) نفس معنى الكندورة أو السبوحة، و(الكتافة) رباط لكتف الطفل،
و(الكمة) بنفس معنى الطوق أو الكتافة.
هذه هي الملابس التي كانت مستخدمة للطفل الوليد أو الطفلة الوليدة في مجتمع قبل عصر
الوفرة النفطية. وهذا التعدد في المفردات يقدم لنا دلالة حول اختلاف اللهجات الخاصة
بالمجموعات الإثنية والثقافية التي كانت ولا تزال تعيش في مجتمع الإمارات.
وكان الكحل والدهان وأشكال العطور كدهن العود أهم ما يستخدم لزينة الطفل، ولم يكن
يفرق بين الذكر والأنثى في اشكال الزينة إلا في القليل من الأدوات المشتركة مثل
الكحل والحناء.
ويستخدم لزينة الملابس التطريز بالرسم و(الرزي) وهي خيوط مستخدمة بألوان متعددة
لتطريز الملابس وبخاصة الكندورة أو السبوحة. وتعد حلاقة الشعر للذكر وللأنثى أحد
أشكال الزينة، كما أن قدرة الأبوين أو العائلة هي التي تأتي بالذهب لعمل (الغواويش)
و(المطول) لزينة الأطفال. وهذه تسميات لأنواع من الحلي.
أسرّة الأطفال
تتميز الاسرّة بالبساطة وقلة الخامات المستخدمة في صنعها، كما أنها كانت دائما
قليلة التكاليف، وهناك أسماء عديدة تطلق على هذه الأسرّة أهمها (المنز) والكاروك
والمطرح والشاطوحة وغيرها. وهذه الأسرّة أنواع فمنها النوع المستخدم في البيوت
الحضرية وفي المناطق التي يميل أهلها للاستقرار فترة طويلة من العام في البيوت
الشتوية، وهي أسرّة مصنوعة غالبا من الخشب، وتتميز جميعا بأنها خفيفة الوزن يمكن
حملها بسهولة، وقابلة للتحريك حيث يمكن هزه فيسكت الطفل عندما يبكي. وكان البعض
يطلق على هذا النوع (الشاطوحة)، والبعض الآخر يسميها (كاروك) أو (منز) وهو الاسم
الشائع. أما النوع الثاني من اسرة الأطفال فهو المهد الذي تحمله الأم معها إلى أي
مكان. فالزوجة التي تساعد زوجها في الأعمال الزراعية وهو أمر كان شائعا، كانت تحتاج
إلى مهد خفيف الوزن تنقله معها أينما ذهبت، وبشكل لا يعيق حركتها، وقد يزود أحياناً
بحبال خاصة من الجلد تعلقها الأم على كتفها، الأمر الذي يسهل عليها نقل الطفل وحمله
بسهولة وبدون تعب. ويطلق على هذا النوع من الأسرة اسم (المزيب) حيث كان يشد بين
شجرتين عند عمل الأم أو بين عمودين في بيت الشعر بالنسبة لأهل البادية. كما يشد بين
عمودين في البيت الصيفي بالبراحة خلال إقامة الأهالي في المصيف خلال شهور الصيف.
وهناك نوع ثالث من أسرة الأطفال وهو أشهر الانواع ويطلق عليه اسم (المطرح) وكان
يصنع من القطن وفي بعض الحالات كانت تصنع منه أنواع كبيرة لتستوعب أكثر من طفل عند
النوم.
ويحاط سرير الطفل وخاصة (المنز) بـ (خدار) أي لحاف يصنع من القماش الخفيف صيفا
للوقاية من البعوض والذباب، كما يصنع في الشتاء من القماش الثقيل حتى يقيه البرد،
ويطيب سرير الطفل بلبان المستكة طيب الرائحة.
ومن الأدوات المستخدمة للطفل (القماط) وهو قطعة من القماش يلف بها الطفل، والفراش
وهو أيضاً من القماش يوضع تحتها الرمل الناعم حتى تسحب الفضلات.
وهناك أمر مهم فطنت إليه الامهات قديما وهو صنع وسادة دائرية أشبه بالعقال لوضعها
تحت رأس الطفل وهو مستلق على ظهره، حيث يكون الرأس لينا في الشهور الأولى للولادة
ولهذا تصنع على شكل دائري مع تسطيح خفيف من الخلف وهذا هو سر جمال رؤوس ابناء
المنطقة التي نجدها في معظم الأحوال مستطيلة بعض الشيء ويسمى صاحبها في هذا الوقت
(بوطبر).
أغاني المهد وترقيص الأطفال
إذا كانت الأغاني الشعبية هي ذاكرة الأمم، لأنها مرآة صادقة لكل الظروف المعيشية
التي تمر بها المجتمعات، فإن أغاني المهد ما زالت ترتبط فيها النفس بأوصال من الهوى
القديم تحمل في طياتها أعباء السنين.
أغاني المهد وترقيص الأطفال، هي من الأغاني القديمة التي تغنيها الأمهات لتنويم
الطفل أو مداعبته و(تنقيزه) أي تقفيزه، وهذه الأغاني تحمل معاني الحب والمودة، لا
سيما وان الطفل كان يوضع قديماً في الأرجوحة، أو (المنز) والذي يعلق من جوانبه
الأربعة حتى يسهل هزه إذا بكى الطفل.
وكانت المرأة قديما بطبيعتها البسيطة تردد أغاني تهدهد بها طفلها، وتعكس هذه
الأغاني جزءاً مهما من تراث المجتمع، ويتضح من معانيها طريقة تربية الطفل قديما
وحياة الاسرة. ومن أغاني تنويم الطفل :
حبيتك حب المال
والأهل والغنـى
حب الضــــنى
مـا حال دونه دون
حبيتك حب يدعى الملح والسكر
ويدعى عسى عويداث الثمام قرون
حبيتك لو تحبني كثره جان
من كثرة بداك جنون
وحبيتك يا وليدي
حب داخلن مستداخل
ومغزر له ما تراه العيون
وهذه الأغنية معروفة لدى أغلب الأمهات فهن بطبيعة الفطرة وغريزة الأمومة فيهن يجعلن
معاني الأغنية في قلوبهن حتى وإن لم يرددنها. وكثيرة هي الأغاني مثل (باهاوي عليك)،
و(صباحك بألف مهرة)، و(صباحك صباحين).
|
|
| المادة :: الفصل الثاني - التنشئة الاجتماعية |
مقدمـة :
تهدف عملية التنشئة الاجتماعية إلى إدماج العناصر الاجتماعية في الشخصية، وربطها
بالبناء الاجتماعي للمجتمع. وتقوم التنشئة الاجتماعية بوظيفتين، الاولى وظيفة ظاهرة
وهي تدريب الطفل على أداء انماط معينة من السلوك يرضى عنها المجتمع، ويتخذها دعامة
لسلوكه طوال الحياة. والثانية وظيفة باطنة تتمثل في ربط أعضاء المجتمع بالبناء
الاجتماعي. كما تعمل على إعداد الفرد لأداء الأدوار الاجتماعية المختلفة التي
يتطلبها منه المجتمع بعد ذلك والخروج من نطاق ذاتيته والاتجاه نحو الاستقلال وتحمل
المسؤولية.
وتشمل عملية التنشئة الاجتماعية التنشئة القيمية والثقافية، والتنشئة المهنية
والتعليم الرسمي أو شبه الرسمي الذي يوفره المجتمع لأفراده سواء كان تعليما تقليديا
أو حديثا.
تبدأ عملية التنشئة الاجتماعية بالاسرة حيث ينشا الطفل ويترعرع فيها، وفي إطار
الاسرة الممتدة يتحرك الطفل في وسط مجموعة أكبر تتعدد فيها الأعمار وتشمل اختلاف
النوع، كما أن أفراد هذه المجموعة من إخوان وأخوات وأبناء عمومة وغيرهم تمثل وحدة
قرابية واجتماعية مترابطة ومتجانسة. وفي وسط هذه الوحدة القرابية الكبرى يستفيد
الطفل من تجارب من هم أكبر منه سناً من أبناء العم والخال، كما يحظى بالإرشاد
والرقابة من الجد والجدة والأعمام والعمات والخالات وخلافهم أثناء غياب الأم أو
الأب ولربما خلال وجودهما، ويجد الطفل نفسه في وسط مجتمع كبير تتوافر فيه فرصة
اللعب والتسلية والتعلم والملاحظة والتقليد والتعود على أساليب السلوك وإنشاء
العلاقات والروابط وتقوية روح التضامن.
|
|
| المادة :: مراحل التنشئة الاولى |
يحتفظ تراثنا الشعبي بمظاهر تتعلق بالفترة الأولى من حياة الإنسان، فإلى جانب
أغاني (المنز) أي المهد التي تحمل في تضاعيفها اختصارات وصوراً وحكماً وإيقاعات من
داخل الطبيعة المجتمعية نفسها، هنالك العديد من الأشكال التي تعبر عن عالم الطفولة
في هذا المجتمع. ومن هذه الأشكال الألعاب الشعبية وهي عديدة ومتنوعة وتتدرج حسب
السن وحسب النوع ذكرا أو أنثى، وترتبط بتقوية الجسد والروح معا وبتعزيز أهمية اللعب
عند الطفل من جهة وأهمية ان يحمل نوعية هذا اللعب طفولة الطفل ونظرة المجتمع إلى
الحياة من جهة أخرى.
والى جانب الألعاب هنالك القصص التي تروى للطفل من قبل الجد أو الجدة، الأب أو الام،
الجار أو الجارة. هذا بجانب بعض الاحتفالات التي تعبر عن انتقال الطفل من مرحلة إلى
أخرى (كالتومينة) عند ختم القرآن، أو الاحتفال (بالسبوع) و(الختان) وغيرها من
الاشكال التي تدل على محبة المجتمع تجاه الطفل (كالعيدية) في الأعياد و(حق الله) في
منتصف شعبان).
|
|
| المادة :: التسنين والكلام |
من أهم خبرات التنشئة، البدء في عملية تعليم الكلام والنطق للطفل من لحظة ولادته
عندما يقوم أحد أفراد الاسرة بالأذان في أذنه اليمنى وإقامة الصلاة في أذنه اليسرى
ويقومون بذكر اسم الله عز وجل. وبعد إكمال الشهر يردد الأهل أمامه (الله الله ولا
إله إلا الله، محمد رسول الله، الله ربك، ومحمد نبيك، الإسلام دينك، والمؤمنون
إخوانك، والصالحات أخواتك).
ثم تستمر عملية تعليم النطق، ففي الشهر الخامس يبدأ الاهل المناغاة بترديد (داغ ..
اغ) أو (أعون لا إله إلا الله) ويبدأ الطفل في الابتسام والضحك، وكلما كبر ازداد
فهما وبدأ يردد كلمات أكثر تركيبا ويبدأ في محادثة أخوته، وأولى كلماته عادة (الله،
أبه، أمه، أمبوه للماء، ماما، دادا، وبح، أي بس) ويقال ان البنت أول ما تنطق بابا
والولد ماما.
وتشير بعض الروايات إلى استخدام الأهل القهوة وخاصة أول فنجان من (الدلة) إذ يعتقد
ان اول فنجان فيه (حبة الفهامة) ويقال أيضا ان القهوة (تلب الياهل) أي تجعل الطفل
لبيبا.
وتعتبر مناسبة التسنين إحدى المناسبات المهمة وهي تبدأ في الشهر السادس. ولظهور
الأسنان للطفل عادات وتقاليد ومعتقدات خاصة، حيث تستعد الأسرة لاستقبال (أسنان
اللبن) مثلما يطلق عليها. ويصاب الطفل عادة بالحمى وارتفاع الحرارة والإسهال
والترجيع وآلام الشديدة في الرأس وتورم في العينين وتسرع الأم لمعالجة هذه الاعراض
باستخدام الأعشاب الطبية (كالمحلب) الذي يطحن ناعما ويوضع على رأس الطفل، وهي مادة
باردة ذات رائحة طيبة، وكذلك يستخدم الملح مع الماء البارد ويوضع على رأس الطفل.
كما تسارع الأم ايضا إلى وضع السمن على راحة كف الطفل ورجليه ورأسه ورقبته لعل ذلك
يخفف الآلام .. الخ، وهناك ممارسات ومعتقدات كثيرة حول مرحلة التسنين تشمل استخدام
التعاويذ والأدعية أي (حجاب) و (القامة).
|
|
| المادة :: تعليم المشي |
عندما يكمل الطفل سنة من عمره تبدأ أمه وإخوانه في تعليمه المشي، وقبل السنة
يبدأ بالزحف على بطنه، ثم بعد ذلك يجلس ابتداء من الشهر الثامن أو التاسع حيث تضعه
الأم على رجلها وتحركه للأمام وللخلف وهو جالس، ويطلق على هذه العملية (الهدهدة).
ثم يبدأ اخوته أو الأم والأب بالإمساك بيده وهم يرددون (تاتا حبوه مشي). أي تاتا
حبيب مشى ويحاول الإمساك (الدعن) أي جدار العريش المصنوع من سعف النخيل، وفي
محاولاته تلك يسقط ويقوم إلى أن يتعلم المشي. وقد تستخدم لمساعدة الطفل عصا صغيرة
ليتوكأ عليها لعدة أيام حتى يعتمد على نفسه. وقد استخدم الأهالي قديما (الجالوسية)
وهي مصنوعة من الخشب وتركب لها أرجل ليستطيع الطفل تحريكها، مثلما استطاعت الأسرة
بالنسبة لتعلم تنظيم التغوط صناعة القيصرية كأداة مساعدة.
وهناك طرق وأساليب أخرى لتعليم الطفل المشي كأن يوضع في (القفير) وهي سلة مصنوعة من
الخوص ويطاف به على الجيران، وبعد ذلك يتشجع ويمشي، أو يذهب به إلى مكان ويترك إلى
ان يحاول العودة بالمشي من الخوف.
ولم يغفل المجتمع حالة الطفل المعوق (الكسيح) الذي افتقد القدرة على المشي. فيوضع
كذلك في (القفير) ويدار به حول منازل الحارة ويرددون عليه بعض الكلمات مثل (أعطوا
كسيحنا شاه) فيلتفت إليه بعض الناس ويعطونه النقود أو بعض الخبز والتمر إلى ان
يتعود الطفل الكسيح على المشي. ويعتقد الأهل ان القيام بهذه العملية لمدة 4-5 أيام
يساعد الطفل المعوق على التخلص من إعاقته، ولتعلم المشي طقوس وعادات في مجتمع
الإمارات فهي مناسبة لنثر (الفلوس) والمكسرات والحلويات على رأس الطفل وتجهيز
الملابس الجديدة له مرددين (صلينا على النبي بك ... ما شاء الله أبوي عليك. وتغني
الأم لطفلها لتدربه على المشي، وقديما كان الغناء ملازما للتنشئة بكل مراحلها فالأم
تغني والجدة تردد الكلمات ذات الموسيقى الخاصة لتعلم الابناء النشاطات الجديدة في
حياتهم، ومن الأبيات الغنائية التي كانت ترددها الأم عندما يبدأ الطفل في تعلم
المشي ما يلي :
هتي هتي يا باباه هات الحبوة حق ماماه
تاه تاه حبوه مشى سابق أمه على العشا
زقروا له المطوع يتعشى
وهي محاولة لتشجيع الطفل على المشي بأن يسابق أمه على العشاء، وأن ينادي على المطوع
ليتعشى معه، وهي فرحة كبرى. وهكذا تلعب الموسيقى والغناء دورا في التعلم والتهذيب
وصقل شخصية الطفل وفي مثل هذه الأساليب التربوية من الآباء تجاه أبنائهم تقوية
للعلاقة بينهم.
|
|
| المادة :: تعلم المهارات الأولى |
تجدر الإشارة هنا إلى مسؤولية الأم بجانب الأب عن تربية النشء، البنين والبنات
على حد سواء حيث لا تفريق في المرحلة الاولى من الطفولة بين الجنسين. وفي مجتمع
الإمارات ما قبل التغيير الكبير بعد الطفرة النفطية، كانت الأم كثيرا ما تقوم مقام
الأب وتنوب عنه اثناء رحلات الغوص أو الاسفار الملاحية والتجارية التي كانت تفرق
بين الاب وابنائه لفترات طويلة. وبشكل عام تلعب المرأة دورا كبيرا في عملية التنشئة
القيمية خلال مرحلة الطفولة المبكرة، حيث غالبا ما يكون الأطفال داخل المنزل أو على
مقربة منه.
خلال فترة الطفولة الاولى تشرع الاسرة في تعليم الطفل أو الطفلة البدايات الاولى
للاعتماد على النفس مثل استخدام المرحاض والنظافة وطريقة الحديث وبعض القواعد
البسيطة لآداب السلوك مثل احترام الكبير وتوضيح اختلاف النوع والأدوار بالنسبة
للبنت والولد وبعض القيم الدينية والاجتماعية المهمة مثل الصدق والأمانة.
ويحتل التراث الديني مكانا مرموقاً في عملية التنشئة الاجتماعية. وبالنسبة لمجتمع
عربي إسلامي مثل مجتمع الإمارات، فإن هذا التراث يتمحور أولاً حول القيم والمفاهيم
الإسلامية المستمدة من القرآن الكريم والسنة الشريفة وسير الصحابة والتابعين
والشخصيات الاسلامية الشهيرة والقيم الانسانية النبيلة كالصدق والعدل والامانة
والعفة .. الخ. ويكون دور التراث الشعبي في التنشئة الاجتماعية من خلال بعض الانماط
التراثية والمناشط الشعبية المتداولة في الاوساط الاجتماعية من الاجداد للآباء، ومن
الآباء للأبناء كالأهازيج الشعبية والقصص الشعبية (الخراريف) والألعاب الشعبية،
فضلا عما يصل الطفل بطرق مختلفة من التراث العربي المدون والذي يحكي عن سير ومنجزات
الرسول والصحابة الأوائل.
احتفظ مجتمع الإمارات بتقاليد عريقة في التعامل مع الطفل حيث يحفل تراثنا الشعبي
بخبرات في التعامل مع الولد والبنت في الصغر وتأهيلهما لمغامرة الحياة. وبرغم بعض
الاختلافات البسيطة في أساليب وظروف التنشئة بين الساحل والبادية والجبل أو من بيت
لآخر، إذا أن هناك جوانب أساسية مشتركة عمت المجتمع، فالطفل يربى على أسس الدين
الإسلامي، ووفق الأعراف والعادات والتقاليد، ووفق وضعية القبيلة وبما حولها بيئيا
وبمن حولها من القبائل الأخرى اجتماعيا، هذا إلى جانب أنه ومبكراً تسعى القبيلة أو
(الفريج) إلى الحي إلى نقل خبراتها الإنتاجية إلى الطفل، وتمتد هذه الخبرات
الإنتاجية من تربية الإبل إلى الصيد بالصقور في البادية، ومن توزيع الأفلاج إلى سف
(الحابول) أي عملية التذرية عند المزارعين، ومن (القلافة) أي صناعة السفن إلى (الطواشة)
أي تجارة اللؤلؤ إلى النواخذة عند البحارة أو غيرهم من سكان الساحل.
لم يكن الأبناء في مجتمع الأمس يعانون من الانفصال عن كبار السن خاصة حيث يأخذ كبير
السن في اعتباره اهمية استقطاب الشاب إلى جلسته كي ينقل له خبراته ومعارفه ومشاعره.
هكذا يسعى (الشايب) وكل في موقعه من شيخ أو فارس وحتى بائع الماء أو الراعي إلى
اكتشاف أفراد جدد لتعلم (صنعة جديدة) ومن خلال نجاح هذا الاكتشاف أو فشله يبدأ
الشاب في حصد خبرات الجيل السابق له، وذلك عندما يبدأ في اختيار زوجته المناسبة
لعائلته وإمكانياته وظروفه، هذا إذا ما استثنينا امتلاء روح الشباب بالطموح وملاحقة
الامجاد.
لقد كان الشباب مستوعبا في مجتمعه، وكان هذا المجتمع يدرك حساسية هذه السن والقلق
الكبير الذي يعتري الشاب في فترة الاختيار رغم إمكانيات الاختيار المحدودة، لهذا
فمن عادة مجتمعنا مسامحة الشاب على زلاته، متى ما كانت هذه الزلات طريقة للتعلم من
الخطأ ووصولا إلى مكانة الرجولة عند الولد ومكانة الحرمة عند الفتاة.
وقد ابتكر المجتمع للشباب مجالات واسعة للتعبير عن حماسة الشباب في الحفاظ على نقاء
قبيلته وعزتها وأمنها وحياتها. وإذا كان نقل الخبرات إلى الشباب أحد هذه المجالات،
فإن مشاركتهم في القول والفعل الاجتماعي وضرب الأمثال العليا للاخلاق الحميدة
كالشجاعة والكبرياء والثقة بالنفس والكرم للشباب عبر القدوة الحسنة قدوة الأب أو
احد كبار القوم أو المطوع أو فارس القبيلة ودفع الشباب لتحقيق هذه الامثال عمليا،
بل ومحاولة تحقيق أقصى ما يمكن ان يتحقق من هذه الأهداف المثالية، فهو مجال آخر.
ولعل الفروسية إحدى الوسائل التي يتبعها المجتمع ليضع شبابه على الطريق لتحقيق مثال
الشجاعة، وفي جعل المثال واقعا وليس وهماً يورثه المثال للتكاسل بل نشاطا في الحياة
يتحقق بالرغبة والتدريب والطموح والعمل. وهكذا يعد الرجل للحرب والعمل، أما المرأة
فإنها تعد لتكون زوجة وأما. وهي في ظل الظروف التي تفرضها البيئة عليها مشاركة
الرجل في شؤونه ومساعدته على صعاب الحياة. لهذا فإن الوظائف في المجتمع موزعة بين
الرجل والمرأة دون ان تفقد المرأة ولو جزءاً من تمسكها بالشريعة الإسلامية أو
بالأعراف البدوية.
والذاكرة الشعبية في مجتمع الإمارات تخصص الكثير من العادات والتقاليد لتلك الخبرات
التي تنقلها الأم إلى ابنتها كي تعدها زوجة صالحة لرجلها، والاعداد لا يقتصر على
الجانب المعيشي فحسب وإنما على الجانب الأنثوي ايضا المتعلق بأن تكون المرأة قادرة
على ان تحقق لزوجها الإشباع الذي هو سنة الدين والعرف ولا غنى لجسد الإنسان عنه.
والزواج أحد الطقوس الشعبية الفنية في المجتمع وهو غني بالعادات التي تسبقه والتي
تكرس اختيار الرجل المناسب والمرأة المناسبة، وعندما يتم الاختيار تكون (الخطبة ثم
– الملكة – أي عقد القران وبهذين المرحلتين اللتين تسبقان الدخلة يتحقق تعرف الرجل
على المرأة والعكس، دون ان يخل ذلك بدين أو اخلاق وأعراف المجتمع.
بعد الزواج تصبح البنت التي كانت صبية في بيت أبيها زوجة ومن ثم تصبح اما وهي في
كلتا الحالتين تستعيد نتائج ذلك الإعداد والتكوين الذي حاول أهلها نقل عاداتهم
وأعرافهم خبرة إليها. وبقدر ما للزوجة من احترام وتقدير من قبل الرجل فإن الام
وعلاقة الابن بها تعكس اسطع مظاهر عاداتنا وتقاليدنا في احترام وتقدير والدينا، هذا
التقدير الذي ثبته الإسلام عبر آيات واضحة وأحاديث تجعل (جنة المؤمن) تحت أقدام
الأمهات. وفي هذا السياق فإن الأم في تراثنا الشعبي سواء في غياب الاب أو حضوره
مسؤولة عن البيت، بيت الرجل، عن عياله، وحلاله، وماله، فإلى جانب إدارة البيت من
الداخل فإن دورها في تربية الابناء وفق ما يتطلبه المجتمع أو القبيلة من كل فرد
أخلاقياً وعملياً لا مراء فيه.
وهكذا ومن البدء تنصرف الأم لتكوين ابنها لتحقيق النموذج البدوي للرجولة وابنتها
لتكون (حرمة) محافظة على شرف أهلها وقبيلتها ومجتمعها كيفما كانت وأينما كانت.
وبقدر ما تكون الزوجة والأم محترمة داخل البيت فإن للرجل مكانة رب البيت (وشيخه)
لهذا فإن احترامه واجب على الزوجة والأبناء على السواء، وهو من جانبه يسعى إلى
إعاشة بيته عيشة راضية مع المحافظة على كرامته واسمه بين البيوت، وكذلك على عزة
ومسؤولية قبيلته ومجتمعه. هذا إضافة إلى مشاركة الأم في العمل سوية لبناء التكوين
النفسي والجسدي والاجتماعي للأبناء.
في المراحل المتقدمة من عملية التنشئة الاجتماعية للأولاد تبدأ الأسرة في ممارسة
السلطة على الابناء ويبرز فيها دور الأب بأهمية أكبر من دور الأم التي تكون قد أدت
الرسالة في سنوات الحضانة التي بدأت من الميلاد وحتى الخامسة أو السادسة من عمر
الطفل أو الطفلة. وإذا أحسنت الأم التربية فقد قامت بنصف التربية، ففي مرحلة
الطفولة المبكرة تتكون الأسس للصحة النفسية والعقلية والجسمية للطفل. في المرحلة
التالية تتشكل الشخصية كذات مستقلة للطفل وتزداد خبراته، وتتاح له فرص الاستقلال
والاعتماد على النفس والتفاعل مع الغير.
إن لرب العائلة السلطة المطلقة في تربية الصبية، فإذا قام أحدهم بأمر لا يليق فإن
والده يوبخه وقلما يضربه وخاصة حين يصبح فوق العاشرة من العمر أو عندما يكون الأب
كبيرا في السن ويحتاج في أعوامه المقبلة إلى من يعيله أو يساعده في شيخوخته.
وتخبرنا الذاكرة الشعبية عن ميل الأطفال إلى المشاركة في جلسات الكبار، حيث يتردد
الصبية حين يكبرون على مجالس الرجال ويستمعون إلى أحاديث الكبار ويتعلمون آداب
المجلس، ويقومون بواجبات الضيافة في مجلس والدهم ويكتسبون من الكبار المعارف
والعلوم والعادات والتقاليد الأصيلة ليتأهلوا بها للحياة وللممارسة العملية التي
تجعل منهم رجالا يعتمدون على أنفسهم في مجالات الحياة وقسوتها البيئية والمعيشية.
وفي الوقت نفسه يكلف الأطفال ببعض الأمور المنزلية كالالتفات إلى الإبل أو الخيول
وسقيها، ويتم تدريبهم في البادية الصحراوية والجبلية على الرماية. وهكذا تطبع
البيئة الاجتماعية التي تعيش فيها أسرة الصبي خصائصها العامة عليه، كما تحرص الأسرة
على توجيه الأولاد وإرشادهم ونقل ثقافة المجتمع لهم وغرس عادات وتقاليد الجماعة في
نفوسهم حتى لا يتسبب الأبناء في ما يسيء للمجتمع. ولأن الحياة في الماضي كانت صعبة
وقاسية وتحتاج إلى الخشونة والشجاعة والصبر وقوة التحمل فإن الاب قد يقسو على
الأبناء أثناء تربيتهم وعلى الابناء الطاعة والتحمل.
وهكذا نجد ان الاسرة تقوم بمجموعة من الوظائف الجوهرية، وهي كلها وظائف اجتماعية،
كما ان هناك تداخلا وتفاعلا مع أسس المجتمع ولكن نظرا لانعدام المؤسسات الرسمية
التي تقوم بنقل التراث والثقافة والتعليم في المجتمعات التقليدية الصغيرة، لذلك تقع
على الاسرة المسؤولية الكبرى سواء كانت اقتصادية أو ثقافية ... الخ.
|
|
| المادة :: القيم التي يحاول المجتمع غرسها في الطفل |
احترام الكبير :
أول شيء يتعلمه الابناء في سنواتهم الخمس الاولى هو احترام الأكبر منهم سنا، وخاصة
كبار السن (الشياب) وكبيرات السن (العجائز)، ففي حضور الجد مثلا ينصب اهتمام الجميع
نحو هذا الجد فلا يصح للصبي ان يلتصق بأبيه أو يكلمه أو يرد عليه الاب في حضور الجد،
ولابد من تقدير هذا الكبير والاستحياء منه.
احترام الآباء :
إن احترام الابناء لوالدهم وأمهم تقليد وعادة راسخة في مجتمعنا مثلما كان الكبار في
السن أي الجدات والأجداد يلقون احتراما خاصا يساعدهم على قضاء حياتهم على وتيرة
العزة التي عاشوها خاصة وهم عند المشيب وقد ضعفوا جسديا وأحياناً ذهنيا. ويساعد
احترام الكبير على ان يقدم لقبيلته ومجتمعه كل ما يملك من خبرة وحكمة ورأي سديد
ومهارة، ويظل كذلك ما دام مستطيعا وتظل القبيلة وأبناؤها على احترام كبار السن في
كل الظروف.
ولقد كان ولا يزال احترام الاب عادة مهمة من عادتنا الشعبية. وإذا كنا نشير إلى هذا
الاحترام في الأسرة فإن اشخاصا آخرين في المجتمع يكون مقامهم كمقام الأب مثل اب
القبيلة (شيخها) وأب العمل (صاحبه) يلقى هو الآخر احتراما لا يقل عن احترام الاب
الاسري. كل ذلك عملا بالآية الكريمة أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم
هنا تبدأ من الاب وحتى شيخ القبيلة أو الحاكم.
العقل :
وفي مجتمع الأمس وتراثه الشعبي كان العقل يعتمد كأساس مشترك لكل فرد من أفراده حيث
منه يمكن تسوية الاختلافات ودمجها في الأساس (العاقل) للحياة.
والعقل هنا ليس دماغ الإنسان، وإنما هو الأسس الدينية والاجتماعية والأعراف
والتقاليد التي بني عليها المجتمع القبلي والتي توزع بالتالي مكانته الاجتماعية
سواء كانت هذه المكانة تنطلق من شيخ القبيلة إلى الرعية ام من الاب إلى الام إلى
الولد. لهذا ارتبطت (الرجولة) أو (الحريمية) بالعقل. فيقال ان هذا رجل عاقل رزين (تكانة)
و (النعم) متى ما امتثل إلى العقل المجتمعي ونهته الاخلاق عن النوازع التي تهدم
تكوين الجماعة.
ومن هنا كان العقل الرزين لأهل البادية والحضر خلقا عاليا يحاول الجميع تحقيقه، إلا
ان هذا العقل لم ينس أن هنالك في الحياة أهواء وعواطف ونزوات فابتكر عبر أشعاره
العديد من القصص التي تعبر عن الهوى الجارف، ولدينا في تراثنا الشعبي قصائد عذبة
تعبر عن الحب. هذا إلى جانب ان الهوى عند البدوي عالم آخر يستطيع ان يعبر من خلاله
عن النواحي الغامضة في شخصيته.
الصبر :
يتعلم الطفل في البادية والحضر الصبر على العطش، والصبر على الجوع والأكل الخفيف،
ويتعود الطفل آلا يأكل قبل الناس، وأن يجلس على المائدة آخر الناس، وأن يأكل مما هو
موجود أمامه، وأن يقلل الوجبة في حال وجوده عند جماعة غير جماعته وألا يطلب الأكل
من أمه أمام أحد.
الفروسية :
كان ركوب الجمل من الأساسيات في مجتمع الحضر والبادية فهو ضروري لتنقلهم، ولذلك
يعلمون الطفل ركوب الإبل منذ الصغر، حتى إن الفتاة في البادية كانت تركب الجمل
وتتعلم ركوبه منذ الصغر ليساعدها على أداء بعض مهامها وخاصة في غياب الرجل ويركب
الطفل الصغير الجمل ويجري به ويسابق عليه في سباق الهجن. وإذا كان للاب فرس، تدرب
الطفل على ركوبه وشجعه والده على ذلك، وإذا خاف الطفل الركوب أو السقوط، شجعه أبوه
على أن يعيد الكرة ويحاول ان يطمئنه بأنه لن يصاب بمكروه.
كذلك يدرب الأطفال على فنون القتال والتنشين والصيد، ويدربون على اقتفاء الأثر كي
يستطيعوا الوصول إلى المكان المراد وتتبع حيواناتهم إذا فقدت في البر، ولا بد أن
يعرف الطفل الدروب ومسالكها دون ان يصل حتى في الليل، وذلك عن طريق النجوم.
الشجاعة :
يتعلم الطفل الشجاعة من والده، وذلك عن طريق خوض تجارب قد تكون قاسية، إلا أنها
ضرورية لغرس هذه الصفة في الأبناء، كأن يطلب منه الذهاب ليلا لقضاء طلب، وإذا أبدى
شعورا بالخوف فإنه يكون عرضة للسخرية والشتم والاستهزاء. ويحاول الاب في البادية ان
يدرب أبناءه على المبيت خارج إقامتهم أي في البر، كما تحاول الام ان تصطحب ولدها
معها عند ذهابها للرعي وعمره 4-6 سنوات وتدربه على الرعي، وهكذا يربى على قوة البأس
والخشونة والصلابة فكلها صفات ضرورية ليواجه البيئة القاسية التي يعيش فيها، فالضعف
والجبن والخوف وإظهار العواطف من الصفات المبنوذة في المجتمع سواء للفتى أو للفتاة.
كذلك يدرب الفتى على القتال وعلى استخدام الأسلحة، وكثيرا ما يتعمد الاب ان يطلق
بندقيته في وجود أبنه، فإذا خاف الصغير وبخه وعاقبه حتى ينزع الخوف من قلبه، لان
الحياة وخاصة البدوية كانت قاسية تفرض على أهلها قوة الاحتمال والقلب القوي الشجاع.
السمعة الطيبة والأخلاق الحميدة :
كانت ولا تزال حياة الإنسان سمعته، فإذا ما كان ذا سمعة طيبة يعتبر حياً ويعد صاحب
السمعة السيئة ميتا. لذا كانت سيرة الأولين حسنة، فهم يتصفون بعزة النفس، لذا كانوا
طموحين دائماً إلى السمعة الطيبة ويتنافسون عليها بتجنب الرذيلة، وعندما يسمعون عن
متعاط للخمور والفساد يشتركون في مكافحته وليس الحاكم وحده. وكان الدنيء لا يستطيع
الجلوس بينهم، والأجنبي إذا ما اتهم بتناول الخمور أو غيرها من أشكال الانحراف فإنه
يجلد في ساحة عامة ثم يطرد من البلاد، وكذلك يؤدب المواطن المنحرف بالجلد والمحاربة
والمقاطعة الاجتماعية مرة أو مرتين وثلاثاً فإذا عاد لأفعاله فإنه يطرد أيضا ويلجأ
إلى إمارة أخرى، لذلك فإن سمعة الناس الحسنة كانت فوق كل اعتبار وقد قال المثل
المنظوم شعراً :
(نفسي لوما حكرها ... إن كان عني عنت
عن القبيح أذكرها ... وانهاها لي عصت)
ان العناية الكبيرة من الآباء بأبنائهم كانت تتم بالرقابة المباشرة الملتزمة لتأدية
الصلوات في مواعيدها واصطحابهم إلى المساجد والمجالس ثم الانتباه الحريص لسلوكهم
وتنقلاتهم، وافعالهم خارج البيت، وكان لزاماً على الطفل أو الصبي العودة إلى البيت
مع صلاة المغرب. ويكون النوم غالباً بعد صلاة العشاء حيث لابد من الاستيقاظ المبكر
لصلاة الفجر ومن ثم التوجه إلى (المطوع) وهو رجل الدين – وهو عالم أيضا – للدراسة
في الكتاتيب التي كانت تقوم مقام المدارس.
وعلى المستوى الأسري والاجتماعي، لم يعرف الماضي عوامل وظواهر ومؤثرات للانحراف، بل
إن كل المعطيات والعادات والتقاليد كانت تجرى بطريقة فطرية وتلقائية، أو بإصرار
موجه على تشكيل الشخصية المحلية الوطنية المنتجة والملتزمة. ويظل الطفل منذ طفولته
يتوارث تلك العادات والتقاليد والأعراف والمفاهيم والمعتقدات والفنون والمعارف
والمهارات والخبرات المهنية والصناعية.
|
|
| المادة :: ابناء الشيوخ |
كان بيت شيخ القبيلة ولا يزال يعد ويهيئ الابناء لمشيخة القبيلة. فالشيخ يشرك
ابنه في مجلسه، ويدفعه إلى تعلم الفروسية والمنازلة، ويحيله إلى الشعراء ورواة
الاشعار والامثال والحكم ليكتسب الحكمة والبصيرة، ويدفعه إلى معرفة مشاكل القبيلة
ليقترب منها ومن ناسها، ويقحمه في خبرة الرحلة وفي مغامراتها ليكسبه قوة التحمل
والصبر على الشدائد، فيما يحدث في بيت الشيخ وعلى نطاق القيادة والرئاسة، يحدث في
البيوت الأخرى، وكل حسب اختصاصه. |
|
| المادة :: أبناء النواخذة والطواشين |
بينما يكون ملاحو السفينة من الغواصين والسيوب والجلاليس والفلاليج وغيرهم
منتشرين على أطراف ظهر السفينة ومنهمكين في (فلج المحار) أي فتحة واستخراج اللؤلؤ
من باطنه، تكون هناك عيون بريئة لأطفال صغار تراقب الأيدي المنشغلة خشية ان تنحرف
أو تتكاسل في أي لحظة. وعلى رأس أولئك الصبية المراقبين كان يجول في عرض السفينة
وطولها طفل شامخ الرأس ذو هيبة ومكانة واحترام بين الكبار والصغار، وبينما كان نهار
الجميع يبدأ وينتهي بأعمال شاقة مكثفة ومضنية وبعطاء كبير وأخذ قليل، كان هذا (الولد)
ينام متى ما شعر بالنعاس ويستيقظ متى شاء، يأكل متى اشتهى، ويجلس ويقوم ويصمت
ويتحدث كيفما ومتى رغب. إنه باختصار يتمتع بحرية تامة ويحظى بمكانة رفيعة، ليس هذا
فحسب بل إن له كذلك نصيباً من محصول رحلة الغوص يتمثل في نوع من اللؤلؤ يسمونه (نقف)
أو (خشرة)، فيجمع أكبر كمية منها ثم يأخذها بعد العودة إلى البلاد ليبيعها لحسابه
الخاص في أسواق الطواشة المحلية، إنه (ولد النوخذة) أي ابن ربان السفينة. ولا يكلف
بأي عمل إلزامي ولكن والده يحرص على تدريبه وإعداده.
ويتمثل هذا الإعداد في أن النوخذة يعطي ولده بعض اللؤلؤ لينظفه ويزنه، ومن خلال ذلك
يتعلم بنفسه، وتكون عملية التدريب في هذا المجال على اللؤلؤ من نوع (المجهولة) التي
تغطيها قشور سميكة بحاجة إلى إزالة، وبدوره يقوم الاب أو العم يتعريف الابن المتدرب
كيفية عملية الإزالة، وبعد ممارسات عدة يبرع الابن في العملية بهمة الشباب وشغفه
لتعلم هذه الصنعة، فيصبح عميلا من الدرجة الأولى، والعميل هو صنعة من يعمل في هذا
المجال، الأمر الذي يؤهله لمساعدة أهله بكفاءة وجدارة. وقد يشترك مع تاجر آخر يخصص
له ربع الدخل وله ثلاثة أرباع ثم يصبح شريكا مع بالنصف إلى ان يخوض عالم بيع وتجارة
اللؤلؤ بنفسه.
لقد كان مثل هذا الولد يشب رجلا في سنوات قليلة، يجيد التحدث بطلاقة، والتعامل مع
الناس بحنكة ودهاء وأخلاق، ويتمكن من الاعتماد على نفسه ويكون أهلا للاعتماد عليه.
|
|
| المادة :: أبناء الغواصين |
إنـي أنـا الغــــواص
اغوص جوف البحر
اسـتخــرج الـلآلـــي
فــي مــده والجــــزر
واركـــب الأخــطـــار
وافـدي بوالـي الأمـــر
هتافات جماعية وحماسية كانت ترن باعتزاز وافتخار في اذن المدينة الساحلية صباح كل
يوم مدرسي جديد وبأنفاس وأصوات جماعية مشتركة لطلبة بعض أولى تلك المدارس شبه
النظامية التي عرفتها الإمارات في النصف الأول من القرن العشرين. وبينما كان الآباء
يخوضون غمار البحر للغوص أو الاسفار الخارجية البعيدة أو رحلات الصيد اليومية لضمان
الرزق الحلال من الأعماق والآفاق، كان الأطفال أبناء الغواصين والنواخذة والملاحين
وغيرهم، يجسدون الصورة في الهتافات الجماعية في نشيد مدرسي شهير، معبرين عن فخرهم
واعتزازهم ببطولات الآباء في كفاحهم ضد أهوال البحر ومخاطره، وتحديهم لكل الظروف،
وانتزاع اللؤلؤ الطبيعي الثمين من جوفه. وبنفس القدر من جدية الآباء وحماسهم
واجتهادهم، وبدرجة أكبر من الاستعداد والاعتزاز، كان الأبناء يتغنون بفرص الدراسة
وتلقي العلم التي حرم منها الآباء اللهم إلا ختم القرآن، وفقه العبادات البسيطة.
وفي مجال الألعاب الشعبية نجد ان إحدى أكثر الظواهر إثارة في حياة طفولة تلك الأيام
هي اهتمامهم بصناعة القوارب الشراعية الصغيرة على اختلاف اشكالها وأسمائها وأحجامها
وألوانها مستخدمين في ذلك قطع الصفائح المعدنية أو (كرب) النخيل، وغير ذلك من
المواد التي توفرها البيئة. وبتلك الألعاب كان الأطفال ينتشرون على سواحل البحر في
جماعات في كل الإمارات وخاصة في فصل الصيف، يتسابقون فيما بينهم وينظمون فنونا من
الألعاب والعلاقات التقليدية بالبحر، وذلك من وحي ممارسات آبائهم العملية
الاحترافية حتى يحين عمر مشاركتهم الرسمية في الرحلات البحرية ومن ثم الاحتراف. لقد
كانت السنوات من بعد الخمس هي العمر القانوني عرفيا لإرسال الأبناء إلى مدرسة العمل،
حيث يشد الطفل عدته التي تجهزها له أمه ويودعها مغتسلا بدموع حسرتها واستسلامها
وحبها ليقفز إلى (سنبوك) الغوص أي سفينة الغوص، ويبحر برفقة آبائه وإخوته في رحلات
البحث عن اللؤلؤ في أعماق الخليج، بل عن الرزق الحلال، وهي الرحلات التي استمرت حتى
الخمسينيات من القرن العشرين تقريبا. وكان الشوق والشغف واللهفة تغمر نفوس الأطفال
من اجل مرافقة آبائهم إلى المغاصات لإشباع حب الاستطلاع والتنافس والسفر والبحر،
وكان الولد منهم يبكي ويتوسل إلى والده لاصطحابه معه.
ولأن الآباء كانوا يعاملون الأبناء بما يشعرهم برجولتهم في ذلك العمر، فإن مشاركتهم
في رحلات الغوص لم تكن تدريبا فقط بل كانت عملا. فقد كانوا (جلاليس) جمع (جلاس) أي
الجالس ومهمتهم (الفلج) أي فتح المحار طوال النهار على ظهر السفينة واستخراج اللؤلؤ
منه. فمنذ الصباح الباكر وحتى غروب الشمس كان الغواصون يجمعون المحار التي تجمع
كمياته في المساء في مؤخرة السفينة لينهض (الجلاليس) الصغار في الصباح الباكر
ويمسكون (بالمفالج) جمع (مفلجة) أي مفلقة، ليفلقوا المحار ويستخرجوا من داخله
اللؤلؤ، وهكذا كل يوم وعلى المركب الواحد كان هناك مجموعة من (الجلاليس) يزيد عددهم
وينقص حسب حجم العمل.
و(للجلاليس) من الصبيان ربع الحاصلة، والكبار منهم (نص) حاصلة، أما (التبابون) جمع
تباب منهم فهم الصغار الذين يكتفون بالتعرف والاستطلاع على ظروف العمل في البحر،
وكثيراً ما كان هؤلاء يعبثون بين كميات (المحار) التي تم (فلجها) للحصول على محارة
منسية لم تفلج بعد. وليس (للتباب) أخذ أو عطاء.
وببلوغهم السن العرفي كان الصبيان ملزمين بالخروج في كل رحلة غوص وفي مختلف المواسم
والمراحل والمدد الطويلة منها والقصيرة، والمتفاوتة بين ثلاثة أشهر للغوص الكبير
وشهر واحد (لغوص الردة)، وأقل (لغوص الرديدة) وهناك غوص (الفحة) القريب من الساحل.
وحين يبلغ الولد العاشرة أو الثانية عشرة من العمر فإنه يخير بين تخصصين إما (غيص)
أي غواص أو (سيب) أي مساعد للغواص الذي يمسك بيده الحبل ليسحب الغواص لكن الغالبية
كانوا يختارون مهنة الغيص لكونها أكثر حرية وشجاعة، وأكثر نصيبا في توزيع الدخل،
وأكثر اعتباراً وتقديرا في المجتمع، بعكس السيب المجبر على الجلوس في مكان واحد
وبيده حبل (الغواص) فإن دخله المالي أقل. وقبل ان يصبح العضو الجديد (غواصا) يسمى (المطري)
حيث يمر بمرحلة إعداد وتدريب حيث يؤتى له (بحصى) ثقيلة الوزن وتخرم ثم تربط برجله،
ويطلب منه التنفس العميق ثم يقفز إلى البحر لتسحبه (الحصاة) إلى القاع وإذا ما
انسدت أذناه نتيجة الضغط فإنه يفك رباط الحصاة ويخرج إلى السطح. وما إن يصعد إلى
السفينة حتى يصفق له الجماعة ويقال له : (خلاص انت الحين وصلت)، وذلك كتشجيع، ثم
ينزل مرة ثانية وثالثة ورابعة، حتى يتمكن من الوصول إلى القاع ليأتي بمحارة وهكذا
إلى ان يتعلم ويتمكن، ليكون حاله من حال الجماعة (الغاصة) أي الغواصين.
وهكذا كان اصطحاب الصغار في رحلات الغوص مع آبائهم أمرا شائعا لا بد منه من اجل
إعداد الطفل للعمل المبكر والتعود على حياة البحر وظروفها وتقلباتها، ذلك ان ركوب
البحر والعمل فيه في السنوات اللاحقة من العمر أمر في غاية الصعوبة كما كان يحدث مع
بعض من شباب البادية غير المتدربين من الصغر وكانوا يعدونهم للعمل (كسيوب) ولكن
الواحد منهم يبقى عاجزاً عن الوقوف والمشي على ظهر السفينة إذ سرعان ما يتعرض
للصداع و(الهدم) أي الإغماء.
ولما كانت هناك أعداد غفيرة من العائلات الساحلية ترحل في شهور صيف كل عام إلى
الواحات الزراعية للاصطياف بين النخيل وعيون المياه العذبة وبيوت السعف والطقس
المنعش، فإنه في خضم تلك الرحلات تقوى الروابط والعلاقات التفاعلات الحميمة بين
ابناء المدن الساحلية وابناء المناطق الزراعية والبدوية. وتتجلى تلك الروابط اصدق
ما يكون في الألعاب المرتبطة والنابعة من البيئة البدوية والزراعية أو القروية التي
يتعلمها أبناء السواحل والتي كانت تتمثل في صناعة نماذج صغيرة للإبل من مشتقات
النخيل، واللعب بها من وحي ملاحظاتهم ومشاهداتهم للآباء من أبناء البادية في حلهم
وترحالهم، ليس هذا فحسب، بل إن فرقاً من الأطفال كانت تتسلى بألعاب المبارزات
الحربية، والرقصات المعبرة عنها فيما بينهم متأثرين بما غرسته الظاهرة الاجتماعية
في نفوسهم تماما كترديدهم جماعات أو فرادى أبياتاً وأناشيد وأقوالا وأمثالا مأثورة
لا فرق بين ابن الساحل وابن البادية وأبناء القرى الزراعية.
وبالإضافة إلى تلك الظواهر والنماذج من ألعاب الأطفال، فإن الفتيات الصغيرات كن
يقلدن في ألعابهن أمهاتهن في الاستعدادات والعادات المتبعة في المنزل لاستقبال
الضيوف مثلا، وذلك بصنع قدور من الطين وتعاونهن على الطبخ وإعداد موائد عامرة معبرة
عن الكرم إلى آخر تلك الإجراءات التقليدية لأمهاتهن.
وإذا كان تحفيظ القرآن الكريم عند (المطاوعة) في حلقات الكتاتيب ظاهرة حتمية
متوارثة وإلزامية في حياة أولاد وبنات تلك الزمان، فإن ثمة فرصة إيجابية مهمة كانت
قد تجلت إتاحتها في بداية القرن العشرين وخلال سنوات النصف الأول منه وتمثلت في بعض
تلك المدارس شبه النظامية التي اخذت تستقطب عددا كبيرا من أبناء المدن الساحلية في
الإمارات لتعلم القراءة والكتابة والإملاء والحساب والفقه.
|
|
| المادة :: أبناء الصيادين |
لابناء صيادي الأسماك دورات تدريبية ومهام تربطهم بالبحر والحرفة، فإذا كان الأب
صاحب مركب الصيد فإنه يصطحب ابنه في رحلاته التي تبدأ فجر كل يوم وتنتهي عند الغروب،
ولم يكن للأطفال في سن الخامسة والسنوات اللاحقة من عمر الطفولة مهمة غير الاستطلاع
والتأمل والاستكشاف على ظهر قارب الصيد. ولكن ما إن تدر (الألياخ) أي شباك الصيد
حصيلة من أسماك (العوم) – وهو (السردين) – الصغيرة فإنه سرعان ما يدور شراع المركب
بواسطة (المراوح) ليصل إلى الساحل البري، حيث تنشر الأسماك على الرمال تحت لهيبة
أشعة الشمس للتجفيف. وهنا تبدأ مهام الأولاد الذين يمكثون بجانبها تحت ذلك اللهيب
الحارق للحراسة فقط. فمنذ صباح كل يوم وحتى غروب شمس النهار تتم حراسة (العوم) من
الطيور البحرية التي ترى فيها غذاء سهل الالتهام. لكنهم وقد استوعبوا تلك الجاذبية
من أسماك العوم للطيور فإنهم ينصبون لها (القفاطات) واحدتها (قفاطة). أي الفخ، حيث
توضع فيها كمية من (العوم) طعما للطيور التي سرعان ما كانت تسقط أسيرة في الفخ. ولم
يكن يمر يوم واحد دون أن يأسر الطفل منهم عشرة أو خمسة عشر طيرا يحملها معه في آخر
النهار إلى البيت ليباع الطير الواحد (ببيزتين) وهي العملة التي كانت متداولة في
بعض السنوات ومنها (بيزة برغش)، كما كان الأطفال يشوون السمك ويأكلونه مع الخبز
والتمر وهم في مهام حراسة كميات (العوم) التي تعد للتصدير. وخلال اليوم يقضون الوقت
في لعب (الكبة) أي الكرة، والسباحة في البحر، إذا كان عدد الأولاد الحراس كبيرا،
حيث جرت العادة ألا يقل عددهم عن ثلاثة على ظهر كل مركب صيد. وبعد أن يكبر ابن
الصياد ويبلغ فوق العاشرة وحتى الخامسة عشرة من عمره فإنه يتولى مسؤولية إدارة
(محمل) الصيد أي سفينة الصيد عن والده (كنوخذة) أي ربان، كما يشارك أيضا في رحلات
الغوص على اللؤلؤ.
|
|
| المادة :: أبناء الأرياف الزراعية والجبال |
ضمن فعاليات دورة الحياة اليومية في المناطق والواحات الزراعية ينتشر الاولاد
خاصة أولئك الذين أنهوا تعليم القرآن لدى المطاوعة، ليشتركوا مع آبائهم في تفقد
أحوال الزرع من نخيل وذرة و(غليون) أي التبغ تجهز لفترات الحصاد التي تعني لهم
تتويج الجهد والتعب والكد المتواصل لجميع أفراد الأسرة من تنظيف وسقي وتلقيح ورعاية
لأشجار النخيل قبل بدء الموسم ومن حرث وبذر ومتابعة للذرة والغليون التي تعتمد في
الري على الأمطار وجريان المياه في الأدوية في مواسم معينة من السنة. وهناك أيضا
اشتراك الأبناء مع آبائهم في رحلات القنص بالبنادق لصيد الظباء والوعول والغزلان
وبعض أنواع الطيور المستقرة أو المهاجرة. ولما كانت أشهر الشتاء تشهد القنص وهجرة
الطيور من الشمال (إيران وتركيا وأطراف روسيا) إلى مناطق الإمارات وغيرها بحثاً عن
الدفء فإن الأبناء قد يشاركون آباءهم في هذه الرحلات وفي تدريب الصقور والصيد بها.
ويكون التدريب بربط الطير على (المنقلة) أي القاعدة التي يقف عليها الطائر وإطعامه
والنداء باسم معين لتعويده على الاصوات حتى يستأنس الجو الجديد، وذلك لعدة أيام، ثم
يبدأ يدربه (بالتلواح) وهو جناح حبارى مربوط بخيط، حيث (يوارش) بها الصقر أي يلوح
له بجناح الحبارى أو الحمامة ليأتي عليها ويكرر ذلك وهو مربوط. وبعد ذلك بالتدريج
يبعد التلواح عنه مسافة أبعد ويطول الخيط المربوط به الصقر ويكرر هذا ايضا ثم يترك
في منطقة بها قنص، وذلك بعد الوثوق من إتمام تدريبه، وبهذا يكون قد تم تعليمه على
الصيد. على ان يكون الطائر القانص من مختلف الانواع جائعاً قبل القنص أو أثناء
التدريب. وكانت ولا تزال رياضة الصيد بالصقور مشهورة بين أبناء الحضر والبادية في
الموسم.
إن أبناء المزارعين في الأرياف والجبال والواحات هم أطفال مهرة كآبائهم في تتبع
خلايا النحل وجني العسل، وكذلك في الاعتناء بالابل والرعي والحطابة والتعامل مع
مياه الأودية والأفلاج والينابيع وصخور الجبال ونمورها وذئابها وحيواناتها المفترسة.
ويشارك الاولاد والبنات آباءهم وأمهاتهم والأسر الزراعية الأخرى في عمليات (الفزعة)
أي التعامل الجماعي على حصاد المحاصيل الزراعية وخاصة الذرة والبر أي (القمح)
والغليون (التبغ) والتي تتم بالتناوب ولمدة يومين أو ثلاثة أيام في كل مزرعة، ومن
مظاهر التعاون الجماعي التي يشترك فيها الرجال والنساء والأطفال هي مكافحة غزوات
الجراد أو إبعاده في مواسم زحفه الجماعي الذي كثيراً ما كان يهدد ثرواتهم الزراعية.
ما بين الثامنة إلى العاشرة من عمره يكون الابن ملزما شأنه شأن غيره من أبناء
المناطق الزراعية بتولي (المكدة) أي العمل وطلب الرزق عن والده ويمتطي (الكداد) من
(الكد) حمار أبيه وينضم إلى قافلة الجمال والحمير المحملة بالمنتجات الزراعية
الموسمية والعسل والسمن والمنتجات الحيوانية. وتنطلق القافلة فجرا في رحلة البحث عن
الزرق الحلال والتي قد تمتد إلى أكثر من أسبوع لتصل أسواق المدن الساحلية المعروفة
(بالعرصة)، وتقطع القافلة في رحلتها الشاقة المطولة ذهابا وعودة والمحفوفة بالمخاطر،
الدروب الجبلية والوديان وكثبان الرمال في الصحارى القاحلة بهدف تسويق منتجاتها
الزراعية المحدودة الكمية وتعود باحتياجاتها من الأرز والقهوة والبهارات والثياب
والضروريات الأخرى. ويحتاج الولد لمجرد رحلتين يعتمد فيها على رجال القافلة
لمساعدته في عمليات البيع والشراء، أما بعد ذلك وعلى مدى المواسم والسنوات الزراعية
اللاحقة يصبح ابن المزارع خبيرا أو مسؤولا عن تدبير شؤون رحلته، وتصريف بضاعته،
وشراء احتياجات أسرته. وكانت هذه الرحلات تتم مرتين إلى ثلاث مرات في الشهر حسب
بُعد المنطقة الزراعية عن أسواق (العرصة) الساحلية.
|
|
| المادة :: تنشئة البنات |
لا يعد أمر تربية البنت أقل اهمية من مجتمع الإمارات وتراثه الشعبي عن تربية
الولد، بل إن الذاكرة الشعبية تشير إلى شعور الأهل بخطورة مثل هذه التربية وهذا ما
كان يدفع إلى تزويج البنت وهي صغيرة وذلك للتخلص من عبء مسؤوليتها. ولعل ما كان
يرعب الأب هو ان يموت عنها في غزوة أو رحلة غوص وعندها قد تتعرض لما لا يرضاه لها.
وتتقاسم البنت مع الولد الخبرات البدوية في التربية الاولى إلا أنها حينما تكبر
وتبدأ في تشكيل خصوصياتها ينصرف البيت إلى وضع نظام كامل من المشاعر والمعارف
والخبرات لنقله إليها، ذلك النظام المرتبط بالاسم (حرمة) أي ما لا يجوز انتهاكه،
وما وجب القيام به من حقوق الله، وحُرمة الرجل حرمه وأهله.
ونظام (الحرمة) الذي فقد الكثير من مكوناته ومظاهره اليوم، لم يكن يحافظ على التزام
المرأة بأعراف القبيلة وتمسكها بدينها فقط، وإنما يتيح لها أيضاً مدى واسعاً
لاحتفاظها بأنوثتها من جهة ولمشاركتها في فعالية الحياة من جهة أخرى.
يراعى في أسلوب تنشئة الفتاة ان تكون زوجة ناجحة وراعية بيت ماهرة، كما تدرب على
الاعمال التي سوف تناط بها مستقبلا، فالفتاة يدخل في تقييمها عند الزواج بجانب
الاعتبارات الأساسية أي القرابة والاصل وسلوك الأم .. الخ، ان تكون راعية بيت ماهرة
في أداء أعمالها، لذا تدربها الأم على الأعمال المنزلية. وفي البادية والأرياف
تصاحبها عند الرعي ونقل الماء لكي تروي البيت والانعام وتحطب وتغزل. كما يقول المثل
الشعبي: (إن بغيت تضمها انشد عن أمها).
وتتلقى الفتاة في الصغر التعليم الديني، ويحتفل ويحتفى بها عندما تختم القرآن في
مدرسة المطاوعة أو المطوعات. وللفتيات الصغيرات ألعابهن الشعبية المعبرة عن خصوصيات
حياة المرأة وبيئاتهن الساحلية أو الصحراوية أو الريفية أو الجبلية ولهن أدوارهن في
مساعدة أمهاتهن.
وكان الأم تحرص على تعليم ابنتها كل الأعمال المنزلية منذ الصغر وتعدها لك احتياجات
وواجبات بيت الزوجية، ولذلك كانت البنات يتنافسن فيما بينهن على إجادة أكثر أشكال
التدبير المنزلي من طبخ الأكلات المختلفة والخياطة وغيرها.
وكانت البنت تسأل صديقتها عما تطبخه غدا فإذا قالت الصديقة :(محلى)، وهو نوع من
الخبز الشعبي، قالت الأخرى : (أنا سأعد لقيمات). وكل من تنهي طبخها أولا تركض إلى
صديقتها لتثبت شطارتها وكفاءتها وأسبقيتها متفاخرة. وكانت المرأة تلوم نفسها إذا ما
قصرت في شؤون بيتها وعيالها وزوجها، كما ان الناس يعايرونها. وإذا أكملت البنت سن
البلوغ ترتدي البرقع ولكنها في سن السادسة تمنع من الخروج وحدها بعكس الولد فهذه سن
الخروج بالنسبة إليه. وتحرم البنت كذلك من مجالسة الكبار وخاصة النساء المتزوجات،
وقد تخرج عند حديثهن عن الزواج والزوجية لحيائهن، وقد تذهب الابنة مع الام لزيارة
الاقارب، أما لزيارة الغرباء فتمنع من ذلك.
وهناك الكثير من الواجبات التي تنشأ عليها الطفلة منذ نعومة أظفارها كحلب البقر
والنوق والطبخ و(الخض) أي تحضير الألبان والتنظيف وتجهيز التنور للخبز والفحم ومسح
الفنر أي (المصباح)، وقد يكون عمرها سبع سنوات وتتقن القيام بكل هذه المهام، إضافة
إلى ذلك فهي تقوم بتجهيز الأكل والشاي والقهوة. ومن الأعمال المنتجة للفتيات رعي
الأغنام، وحش الحشيش، وجلب الماء من الآبار، وصناعة الحصر، وأعمال الخياطة والتطريز
(التلي). وتكون الام هي المشرفة على أداء الفتاة لهذه الأدوار.
وتشمل عملية التنشئة الاجتماعية للبنت ايضا آداب الحديث والمعاملة مع الآخرين،
ويدخل ضمن ذلك توقير الكبير والانتباه إلى أهمية فارق السن والنوع عند المخاطبة
والمعاملة، وتعلم الاعتناء بنفسها كامرأة، ويشمل ذلك : النظافة وطريقة اللبس
والاحتشام في المظهر، وتعلم الطريقة الصحيحة لأداء العبادات والشعائر الدينية.
وتبدأ تلك العملية في محيط الاسرة وتتخذ شكلا رسميا عند المطوع أو المطوعة. وإعداد
البنت – بوصفها أم المستقبل – لتربية أبنائها على أساس من القيم الدينية
والاجتماعية الأصيلة. وهناك العديد من القيم التي يتركز عليها اهتمام المجتمع ويسعى
لغرسها في نفوس البنات والبنين على حد سواء مثل حب الخير والتضامن والأمانة والصدق
والكرم والعفة والرحمة ... الخ، ويتم تأصيل هذه القيم من خلال التعليم الرسمي وشبه
الرسمي عند المطوع أو المطوعة.
|
|
| المادة :: التعليم والتوجيه الديني |
يتدرج الأهل مع الطفل في تعليمه فروض دينه الإسلامي حسب سن الطفل وقدراته
الإدراكية والحركية المتنامية، ويحاول الطفل تقليد الأب أو الأم في الصلاة وهو في
عمر السنتين، فمجتمع العائلة يعد بيئة إسلامية ينشأ فيها الطفل متلقيا التعاليم
الدينية بشيء من التفهم والشرح والتدريب والتقلين. وترتبط بهذه التنشئة الدينية
للطفل كيفية تنظيف الجسم والوضوء والتأهيل النفسي لتقريب العلاقة بينه وبين الخالق
سبحانه وتعالى. وفي داخل الأسرة تبدا قراءة القرآن الكريم عندما يقرأ الاب أو الام
أمام الأطفال.
وبين سن الرابعة والسادسة أو العاشرة يتم إلحاق الاطفال بحلقات أو مدارس تعليم
القرآن في بيوت المطاوعة والمطوعات. ومن السابعة أو قبلها يتعلم الطفل الصلاة ويكون
قد أتقن قراءة بعض قصار السور، وترديد الشهادتين، ويقوم بزيارة المسجد بمفرده أو
بمرافقة ابيه أو جده.
والتعليم الديني في الإمارات، كما يسجله لنا كتاب التعليم التقليدي للاستاذ عبدالله
الطابور بدأ بسيطا على يد المطاوعة الذين كانوا ينشئون الكتاتيب في زوايا من بيوتهم
السكنية ضمن التجمعات المستقرة. وكان التعليم لا يتعدى في أحوال كثيرة قراءة القرآن
وتحفيظه للتلاميذ، ونادرا ما كان التلميذ يصل إلى ما بعد ختم القرآن وتلقي شيء من
العلوم الأخرى كمبادئ الكتابة والحساب وبعض النصوص الفقهية، إذ ان (المطوع) أي
المعلم نفسه كان في أغلب الاحيان شبه أمي، فتسمية المطوع نفسها كانت ترمز إلى من هم
دون شيخ العلم منزلة ومعرفة. ولم تكن تزيد معلومات هذا المطوع إلا نادرا عن تعليم
قراءة القرآن والأذان وإمامة الناس في الصلاة، ما عدا صلاة الجمعة التي تحتاج إلى
معرفة أوسع كإعداد الخطب وإلقائها.
وأما إذا تعدت معرفة المطوع قراءة القرآن إلى المسائل الفقهية ومعرفة الكتابة
والحساب والأحاديث النبوية وعقد العقود الشرعية من معاملات زواج وإمامة للجماعة
فعندئذ يكون المطوع (شيخ علم) ويدعى من الجميع بالشيخ، ويصبح هذا اللقب مرادفاً
لاسمه بين الناس ولا يقبل إلا ان يدعى به ويرفض مناداته بالمطوع. ومثل هذا الشيخ
يكون تلاميذه عادة من الكبار الذين يواصلون الدراسة المنحصرة غالبا في الفقه واللغة
العربية والعلوم الدينية. وكان هؤلاء التلاميذ يلازمون الشيخ وينتقلون معه من مكان
إلى مكان، ويأتون إلى منزله في أوقات مختلفة حيث يجلس ويلقي الدروس على الطلبة.
ونتيجة لوجود هؤلاء المشايخ من أبناء الإمارات ومن ضيوفيها نشأت بعض المدارس التي
اختلفت عن كتاتيب المطاوعة كمدرستي الأحمدية والفلاح في دبي، والتيمية المحمودية ثم
الإصلاح في الشارقة، والعتيبية في ابوظبي، ومدارس أخرى أقل شهرة أنشئت في بقية
الإمارات على يد المحسنين وبعض التجار.
والحقيقة ان التعليم في الإمارات مر بثلاث مراحل هي مرحلة الكتاتيب التي تشرف عليها
المطاوعة والمطوعات. وهذا الشكل من التعليم البدائي والبسيط معروف في مختلف الدول
العربية والاسلامية على مر العصور، لانه مرتبط بالاحساس والواجب الديني، ومن الصعب
جدا ان يؤرخ احد زمنا محددا لنشأة الكتاتيب في مجتمع الإمارات. وقد وجدت التجمعات
الحضرية في بعض مناطق الإمارات منذ عهد بعيد، إضافة إلى الصلة والاحتكاك بسواحل
فارس ونجد والحجاز، حيث كان كثير من المطاوعة وشيوخ العلم يأتون من تلك الانحاء إلى
الإمارات يعلّمون ويدرسون. وللتدليل على أن التعليم الأكثر تقدما من كتاتيب
المطاوعة كان موجودا منذ زمن بعيد، نشير إلى الكتب التي كتبها أهل الامارات والتي
وصلتنا في صورة مخطوطات يعود بعضها إلى القرن التاسع الهجري أو الخامس عشر الميلادي
مثل كتب البحار المشهور أحمد بن ماجد والربان أو النوخذة سعيد بن أحمد بن مطر في
أوائل القرن التاسع عشر، وبعض المخطوطات في علم الفقه وأوزان اللؤلؤ وغيرها، والتي
تعود إلى منتصف القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.
وللإشارة إلى حظ المرأة من التعليم قديما في مجتمع الإمارات فإننا نتوقف على خبر
أورده أحد الرحالة الأجانب في مستهل عام (1901) وهو المبشر الأمريكي (صموئيل زويمر)
حين ذكر في كتابه (الخطوط المتعرجة في مناطق الرمال) ما ترجمته ... إن ربان السفينة
التي نقلته من البحرين إلى الإمارات، دعاه إلى تناول الطعام في منزله بدبي، وكان
هذا الربان أو النوخذة يدعى عبدالله بن قمبر، وهناك في منزله التقى بزوجة النوخذة
وتحدث معها فوجدها امرأة عالمة بالقرآن، وتفسيره، وعلى جانب كبير من الفهم. ولكن
على العموم فإنه حسب المفاهيم التي كانت سائدة في الماضي فإن تعليم المرأة لم يكن
يتجاوز قراءة القرآن أو ختمه في الكتاتيب المختلطة للاولاد والبنات، وكانت فرصة
مواصلة التعليم على أيدي شيوخ العلم نادرة. ومع ذلك فإن المرأة كانت تتولى التدريس
في الكتاتيب ويضاف إلى اسمها لقب (المطوعة) إذا أبدت شيئاً من الذكاء والفهم في
قراءة القرآن الكريم ونصوص الأحاديث النبوية الشريفة.
عندما يبلغ الطفل الخامسة من العمر يقوم الأدب بأخذه مع أخوته إلى (الكتاب) كمستمع
في اول الأمر، ورسوم الدخلة روبية واحدة وتسمى (دخلة البيت). وهناك رسوم أسبوعية
تدفع كل خميس تسمى (خميسية) وقدرها ربع روبية إضافة إلى الإكراميات الاخرى كلما قطع
الطفل مرحلة من التعليم. وقد يختم الطفل القرآن أي يحفظه في عام واحد فقط أو عامين
بحسب ذكاء الطفل وأحياناً قد يختم الطفل القرآن في أربعة أشهر فقط. وتجدر الإشارة
إلى أنه في بعض المناطق الصحراوية والريفية لم يكن يتعلم الاطفال سوى قصار السور
للصلاة فقط، وقلما كان لديهم مطاوعة حسب بعض الروايات، لكن رحلات العائلات الصيفية
المعتادة من المدن الساحلية إلى الواحات والمناطق الزراعية كانت توفر حلقات التعليم
لأطفالها.
لقد كانت مدرسة المطوع أو المطوعة المؤسسة الوحيدة التي نشأت في ذلك المجتمع وقامت
بدور التنظيم الحقيقي لتعليم فروض الدين، وحفظ القرآن، وتعلم مبادئ القراءة
والكتابة وبعض الحساب أحيانا. في هذه المدرسة يبدأ الطفل، ذكرا كان ام أنثى التعلم
عن طريق ترديد الآيات بصوت جماعي من سورة (الفاتحة)، وحين يصل إلى سورة (الكافرون)
يحضر والد الطفل أو الطفلة أكلة معدة للمطوع أو المطوعة وقطعاً من الحلوى للاطفال
زملاء الطفل وإكرامية مالية حسب استطاعته، ويعطي المطوع في ذلك اليوم إجازة نصف يوم
للاطفال احتفالا بزميلهم الذي أنهى سورة (الكافرون). وعندما يبلغ الدارس من الاولاد
أو البنات سورة الفجر تتم نفس الاحتفالية والاحتفاء وهكذا عندما ينهي جزء عم. وبعد
ان يختم الطفل أو الطفلة المصحف الكريم يكون الاحتفال الكبير المعروف (بالتومينة)
حيث يطلب ولي الأمر من المطوع أو المطوعة إقامة التحاميد وهي عبارة عن تواشيح
دينية، وفي اليوم الذي يحدد للاحتفال يستعد أهل الطفل بإقامة وليمة كبيرة تنحر فيها
الذبائح ويلبس الأطفال أحسن ما عندهم من ملابس وحلي وكأنه العيد. ويبدأ الحفل من
منزل المطوع أو المطوعة وبعد ذلك يخرج الموكب متجهاً إلى منزل الطفل أو الطفلة
المحتفى به وهناك يتناول الصغار طعام الافطار مع الطفل، وبعد ذلك تتحرك جموع
الاطفال للمرور على منازل (الفريج) أي الحي وهم يرددون التحاميد مستمرين حتى الظهر
حيث يعودون لتناول الغداء في منزل أهل الطفل المحتفل به. وتحتوي أناشيد التومينة
التي تردد يوم الاحتفال بختم القرآن في مجموعها على كل القيم والمبادئ التي نظمت
عملية التنشئة الاجتماعية في ذلك الوقت ورسخت ثقافة شعبية ذات وعي حقيقي متسقة مع
طبيعة هذا المجتمع. ومن تلك الاناشيد التي تردد في التومينة ما يلي :
نماذج من التحاميد :
ما حلت إن نسجت بالدر والذهب
ألا وأحلى من العلم والأدب
من علم اولاده العلم والادب
يكون أجره على الرحمن قد وجب
يا والدي أيا من أحسنتمو أدبي
ونلتم من المال غاية الطلب
وسلمتموني إلى الاستاذ علمني
فضل العلوم وفقهني على الكتب
العلم اوله من مذاقته
لكن آخره أحلى من العسل
العلم في الصغر كالنقش على الحجر
والعلم في الكبر كالنقش في الترب
علموا أبناءكم صغارا قبل كبرهم
وليس ينفع العلم في الكبر
ان القصور إذا قومتها اعتدلت
ولا تلين إذا صارت من الخشب
لا تطلب الجود إلا من معادنه
ومن معدن الجود للطلاب لم يخب
ففيه تفاحا تأتي بحنظلة
وهي علقمه تنبت بالعتب
الحر حر ما يرتضي بالذل في بلد
لو كانت الأرض تنبت بالذهب
الحر حرا لو خابت محاسنه
والعبد عبدا لو طوقته بالذهب
ترحلوا عن دار فيها مذلة
إياك تسكن فيها ثم تنزل
تجنبها لو كنت قديما
ولو كنت تسمع قول مثله
سيروا على التوحيد سيروا وبادروا
ترى ملة الشرك ملة أبي جهل
ترى هادم اللذات يطلبك راكبا
ويأتيك حتى الأجل يكمل
ويتضح مما سبق أن الفرحة يتعلم القرآن كانت عظيمة في هذا المجتمع، إذ تبدأ مراسم
الاحتفال من منزل الطفل أو الطفلة الخاتمة للقرآن بكامل العدد من زملاء المدرسة
الاسلامية مرورا ببيوت الحي أو الحارة لتعلن الفرحة للجميع وليشارك الاهالي الجيران
في هذا الاحتفال الكبير، ويدفع كل مشارك قدراً من المساهمة الإكرامية والتقديرية
للمطوع وللطفل الذي حقق النجاح فتبدو صورة الاحتفال اجتماعية وإنسانية.
وعليه في إطار مدرسة المطوع يبدأ صقل الشخصية وهناك ينمو الفكر والوعي ويخرج الطفل
من أحضان الأسرة ليلتقي بمجتمعه الأكبر، ولينهل من التنشئة المجتمعية بقدر
استطاعته، إذ في ذلك المكان يبدأ الطفل بتكوين الصورة لمجتمعه وربما لخارج مجتمعه
إذا كان في أسرته من يمارس نشاط السفر والتجارة فتتسع رؤية الكون لدى الطفل وتضاف
له أعباء جديدة ومسؤوليات أخرى أهمها مسؤولية ان يفهم ما يدور حوله.
وجدير بنا قبل التطرق إلى الأدوار الاجتماعية والتدريب والتعليم المهني للأطفال في
مجتمع الإمارات الإشارة إلى ان المرحلة الثانية من قصة بدايات التعليم في الإمارات
المرتبطة بالشوق الكبير والرغبة العارمة التي اجتاحت النفوس للانعتاق من آثار الجهل
والتخلف ولكي يلحقوا بإخوانهم العرب الذي سبقوهم في هذا المجال الحيوي والمهم هي
مرحلة المدارس المتفرقة والصغيرة والتي لم يتجاوز التدريس فيها المرحلة الابتدائية.
وقد بدأت في بداية القرن العشرين بسبب ازدهار الاقتصاد المحلي الذي أنعشته تجارة
اللؤلؤ الرائجة آنذاك، فقام التجار الذين تحمسوا للتعليم ببناء وتمويل المدارس،
واستقدموا لها المدرسين من الدول الخليجية المجاورة، وفي بداية الأربعينيات ضعفت
أحوالها وأغلق بعضها بسبب انهيار تجارة اللؤلؤ وبسبب الانعكاسات السيئة للحرب
العالمية الثانية.
وتمثلت المرحلة الثالثة في التعليم النظامي، ذلك التعليم الذي ساهمت فيه بشكل أساسي
مساعدات الدول العربية الشقيقة وعلى رأسها البعثات المصرية والكويتية والقطرية، وقد
بدأت هذه المرحلة في الخمسينيات واستمرت إلى أن قامت دولة الإمارات الفتية وحملت
لواء الإشراف على التعليم والانفاق عليه حتى أصبح اليوم مواكباً لأحدث نظم التعليم
في العالم.
|
|
| المادة :: المجلس |
المجلس هو ديوان للزوار والضيوف ويسمى باللهجة المحلية (البرزة)، ففي وقت لم
تعرف فيه المدينة الفنادق والمطاعم، كانت هذه المجالس مشرعة الابواب ليلا ونهارا
لاستضافة القادمين إليها من الإمارات الاخرى أو من خارجها.
ويجري الحرص على ان يكون المجلس أنيقا، ويتسم بناؤه بالزخرفة والنقوش الجميلة،
ويتميز بأن نواخذه مفتوحة على الشارع العام، ويجلس الرجال في جنبات المجلس متكئين
على مساند توضع على الأرض. وكلما دخل شخص أو خرج قام الجميع لتحيته.
وكانت المجالس مكاناً لتبادل الاخبار وتجاذب اطراف الحديث وتسوية الخلافات، وفي
بعضها تقرأ الأشعار وسير الأنبياء والصالحين. وانعكست طبيعة المهن التي مارسها
السكان سابقا على طبيعة مجالسهم، فوجدت مجالس لتجار اللؤلؤ أي (الطواشين). وأخرى
للصيادين، وثالثة للمهتمين بالقنص. كما تخصصت بعض المجالس في أداء الفنون والرقصات
الشعبية. ومن أشهر المجالس الموسمية، مجالس رمضان التي يمتد فيها السهر حتى موعد
السحور، وتقدم فيها المأكولات الشهية. وللمجالس آداب لابد من مراعاتها، فكبار السن
ووجهاء القوم يجلسون في صدارة المجلس ويعطون الأولوية في التحدث. وتقدم القهوة
للزائرين، ويعاد تقديمها لهم بين فترة وأخرى، كما يدار على الضيوف بالبخور ويعطرون
بماء الورد.
واشتهرت مجالس الحكام، وخاصة مجالس المغفور له الشيخ راشد بن سعيد المكتوم بتعددها،
فكانت تعقد في أماكن مختلفة عدة مرات في اليوم الواحد، صباحاً وبعد الظهر وفي
المساء، حيث تحل فيها قضايا الناس ومشكلاتهم بأسلوب الشورى.
|
|
| المادة :: الختان |
الختان أو الختانة هي عملية قطع الجلدة الزائدة في عضو الذكر أي الحشفة بآلة
حادة وتعرف الحشفة محليا باسم (القلفة) أو (الغلفوطة). وختان الأولاد سنة إسلامية
يمارسها المسلمون في العالم أجمع وتسمى هذه العادة في بعض الدول العربية (الطهارة)
أو (الطهور) من التنظيف والتطهير، وهو واجب ديني ويجرى للصبي عادة في سن السابعة أو
الثامنة، حيث يتجمع الآباء من (الفريج) الواحد وعادة ما يكونون من نفس الأسرة،
ويأتون بأولادهم ثم يأتي (المحسن) الحلاق والذي يكون في نفس الوقت مختنا من ذوي
الخبرة والمهارة في هذا الامر يحمل معه (الشنطة) وهي حقيبة جلدية صغيرة لحفظ
الأدوات والادوية التي يستخدمها المختن.
تتكون الادوات من موس ومرص ومرود ومسن. أما الموس فهي نفس السكين الكبيرة المستعملة
في حلاقة الذقون حتى اليوم ولكنها للختانة تكون ثقيلة وكبيرة نوعا ما. و(المرص)
عبارة عن كلاّب من الحديد للضغط على جلدة أو حشفة عضو الذكورة حتى يقطع الموس
الجانب البارز منها. و(المرود) قضيب رفيع من الفضة بطول حوالي 12 – 14 سم صقيل أملس،
رفيع مدبب في المقدمة ويعرض كلما اتجه إلى المؤخرة ويكون ممسك المرود مزينا بزخارف
منقوشة ويستخدم عادة في تكحيل العيون ويستخدمه المختن لقياس الجلدة المراد قطعها
وللتأكد من ان الجلد غير ملتصق بالحشفة من الداخل. اما (المسن) فهو قطعة من حجر خاص
تستعمل لصقل طرف الموسى.
أما الأدوية فهي عبارة عن إسعافات اولية للجروح وتتكون من (بيلسان) وهو محلول دوائي
اسمه الطبي (Balsam) يستخدم عادة لمعالجة الجروح ذات النزف، ويستخدم مباشرة بعد
القطع في عملية الختان. و(الآمبي) وهو مسحوق أقراص دوائية، والتسمية اختصار لاسم
الشركة المنتجة لهذا الدواء الذي كان يستخدم للوقاية من مضاعفات الجروح ولمقاومة
الجراثيم. و(آيدين) وهي صبغة يود تستخدم لتجفيف الجرح في الأيام التالية. و(الضماد)
قطن لمسح الدم ولف مكان القطع ثم استعمل الشاش الطبي لسهولته وعدم التصاقه بالجروح.
وتبدأ الختانة بوصول المختن حاملا شنطته الصغيرة. ويهيأ فناء البيت بوضع (سحارة) أي
صندوق خشبي مناسب ليجلس عليه الصبي المراد تختينه وأخرى أقصر من الاولى للمختن.
بينما يكون المدعوون في المجلس أو (الحوش) أي فناء المنزل يكون الاولاد في غرفة
خاصة بهم وبصحبة ذويهم من النساء والاطفال. ويتم إحضارهم واحداً تلو الآخر. وعادة
يمسك الأب أو الأخوان الطفل المراد ختانه خلال إجراء العملية ويلاعبونه ثم يقول له
المختن (اكو الطير) أي هاهو الطير فينظر إلى الأعلى بحثاً عن الطير في حين ينهي
المختن العملية، وخلال ذلك يعلو صوت الرجال الوقوف حول المختن والمختون بالصلاة
والسلام على الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وببعض مقاطع من الشعر مثل (طالع فوق يا
مختون) بشكل متتال قبل لحظات من قطع الجلدة، وعندما ينقل الطفل إلى غرفة في المنزل
تطلق النساء الزغاريد بوصوله ويقمن بتهدئته والتخفيف عنه.
وتجدر الإشارة إلى ان قطع الجلد (الغلفوطات) تجمع وتدفن خارج البيت. ويقوم صاحب
المنزل بتجهيز الفطور أو الفوالة للمدعوين، وبعد الأكل يستأذنون ويغادرون ومعهم
المختن. وعادة ما يزور المختن الصبيان بعد ثلاثة أيام لمعاينة الجرح وتبديل الضماد.
وخلال اسبوع واحد تشفى الجروح وبشكل نهائي يكون خلاله الطفل في البيت ولا يخرج.
كان من المستحب الختان في الربيع أو عند انتهاء الشتاء وفي أيام الخميس أو الجمعة
أو الاثنين أو في مناسبة دينية كالمولد النبوي الشريف أو ذكرى الهجرة النبوية أو
الاسراء والمعراج. وإذا كان الطفل لا يختن وهو رضيع فإنه لا يمكن ان يبقى بين سن
السادسة وحتى الثامنة دون ختان لاسباب دينية وصحية وبيئية. ولا يستطيع الطفل الذهاب
إلى المسجد غلا بعد تختينه إذ يعتقد عدم جواز دخوله المسجد وهو لم يختن بعد.
وبإتمام عملية الختان يتم إدماج الطفل الذكر إلى مجتمع الذكور وإدماج الطفلة الأنثى
إلى مجتمع الإناث.
ويشير بعض الباحثين إلى أن الذكورة والأنوثة تبرز هنا كظاهرتين رئيسيتين يتم بناء
عليهما الفصل التام بين الذكر والأنثى، فينشأ الطفل الذكر كرجل جديد يضم إلى مجتمع
الرجال وهو راكب على ناقة تهدى له في يوم ختانه ويلبس الملابس الحريرية الخضراء
وتحتفل القبيلة وتوزع الهدايا وتقام افخر الموائد وتذبح الذبائح ويعلن الختان على
الملأ، ويتفاخر الأب بذلك ويراقب ابنه أثناء عملية الختان والجلوس معه وتهدئته. أما
ختان الأنثى ويسمى (التحليل) فيجرى للطفلة وبدون علم الناس، ويبتعد الاب أو يسافر،
ولا تعطى المرأة المختنة إلا الأجر البسيط، في حين يعطى المختن أعلى الأجور.
وحسب رأي بعض الباحثين انه عند هذه المرحلة تبدأ سيادة الرجل وبالمقابل خضوع المرأة.
فإنه بقدر إيجابية التراث بمضامينه التعليمية التي عرفناها فيما يتعلق بالرجل، بقدر
قلة هذا الاعتبار والتقييم الذي يقدمه للمرأة. ولقد استطاعت هذه القيم السابقة التي
اتسمت بها عملية التنشئة الاجتماعية الخاصة بالطفلة في هذا الجانب ان تستمر وتحدد
معظم العلاقات الاجتماعية حتى الآن، وذلك باستمرار الاختلاف والتباين في النظرة إلى
الجنسين في مجتمع الإمارات.
|
|
| المادة :: الفصل الثالث - عادات الزواج والوفاة |
الزواج كمتطلب حيوي وإنساني :
الزواج هو اقتران بين ذكر وأنثى بطريقة شرعية يبيحها المجتمع وفقاً لدينه ومعتقداته
وعاداته، فالزواج هو العلاقة التي تنظم الروابط الجنسية والنسل وتحافظ عليه وتعطيه
شرعية الوجود والاستمرار لقوله تعالى : ومن آياته ان خلق لكم من أنفسكم أزواجاً
لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة . والزواج ليس مجرد التقاء رجل بامرأة،
فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول : (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج)
فهو يحض على الزواج لأنه مدعاة للاستقرار والطمأنينة والسكن، فالمودة والرحمة
مطلبان نتيجتهما ما تقدم، والاستطاعة مفهوم غير مجبر، بل محرض ودافع. ولكننا أيضاً
ينبغي ألا نغفل ان الإنسان يحتاج إلى العاطفة، كونها دافعاً يدعو إلى الفهم الذي
يعبر عن صدق الاحتياج، فنحن كبشر لا نستغني بأي حال من الاحوال عن الحب، لانه اصل
العاطفة، ولان المودة من الود، وهو صدق الشعور بالاحتياج المتبادل بين الإثنين،
وهذا لا يأتي من فراغ، ولا يتعلم المرء ذلك في العادة، بل يغرس فيه منذ طفولته،
ذكراً كان أو أنثى وبشكل إيجابي، إذ يتمثل في الرضاعة ثم الاحتياج إلى الصدر
والحنان، هذه المشاعر تكبر مع الطفل، وعندما ينفصل عن الأم يبدأ في الاحتياج إليها
بقرين، والقرين هنا أنثى ايضا، ولكنها تتحول وظيفياً إلى الزوجة، أي شريكة الحياة،
بحلوها ومرها، بمعاناتها وآلامها، إضافة إلى عملية التناسل، لقوله صلى الله عليه
وسلم : (وتزوجوا فإني مكاثر بكم الأمم ..) إذاً، فالحياة الزوجية مطلب حيوي لا يمكن
المساس به أو القفز عليه، وتجاهله فهذا يمثل نوعا من الخرق للفطرة البشرية.
الزواج كمتطلب ديني
الدين الإسلامي يحث على الزواج ليس من أجل النسل فحسب، وإنما لكونه عبادة يثاب
عليها المسلم، فالوظيفة الاجتماعية للزواج تخفض معدلات الجريمة والانحراف، وتؤدي
إلى بناء أسرة متماسكة، وينتج عن هذا التماسك تربية صالحة، لتنشأ الاجيال بصورة
يمكن ان تؤدي إلى بناء نسيج سليم من العلاقات المشتركة، وفوق كل ذلك يحافظ الزواج
على شجرة النسب، وينظم عملية الميراث، كما أنه يربط الزوجين والأصهار والغرباء أيضاً
داخل المجتمع الواحد، وذلك ضمن أمور إيجابية عديدة أخرى.
والدين الإسلامي يدعو كل ذي لب راشد إلى ان يختار حليلة وفق الأصول والقواعد، فسير
المسلم على هذه الصورة تكسبه الحسنات، فالزواج عملية يثاب المرء عليها، وإلا ما
فائدة وجود القيم والولي وعقود الزواج والشهود والدعوة إلى العدل بين الازواج لمن
هو متزوج بأكثر من واحدة ؟ كل ذلك فقط من اجل تحقيق غرض ديني يؤدي إلى التماسك
الأسري، وبالتالي النقاء الاجتماعي في السلوك والمآرب والأهداف.
الزواج في الإمارات
للزواج في مجتمع الإمارات تقاليد وقيم خاصة به مستمدة من العادات العربية الاصيلة
والمفاهيم الاسلامية السمحة، وقد تميز الزواج في الماضي باحتفالاته ومراسمه البسيطة
الرائعة، وخلوه من التعقيدات والصعوبات التي أملتها الظروف الاجتماعية والاقتصادية
الحالية، التي جعلت الزواج مشكلة ومعضلة تواجه الشباب المقبلين عليه وتهدد
استقرارهم الأسري والاجتماعي.
وككل مجتمع في الدنيا، يعتبر مجتمع الإمارات العربية المتحدة، الزواج أحد المتطلبات
الاساسية التي يوليها اهتماما كبيرا، وككل المجتمعات ايضا له شروطه وعاداته
وتقاليده التي يسير عليها، لانها تمثل وجهته الثقافية والحضارية، التي يحاول
المحافظة عليها، حتى لا يختل ميزان وجودها. فالاماراتي، في المجتمع القديم يتزوج من
الاماراتية، بنت العم أو بنت العمة، بنت الخال أو بنت الخالة أو بنت الجيران، وربما
من منطقة أخرى ولكنها تدور في نفس الفلك الجغرافي والتاريخي والثقافي، والاصل ان
تكون بنت العم لابن عمها، ويشذ عن القاعدة من يختار غير ابنة عمه أو قريبته بإرادة
ذاتية خاصة إن كان الزواج متأخرا، وهذا في غالب الاحيان يتم وفق وسيط يقوم بهذا
الدور (الخطابة)، وتخرج بعض العائلات ايضا عن هذه القاعدة أي قاعدة الزواج من
الاقارب من منطلق الاختيار الحر.
يميل الزواج في الإمارات في أكثريته إلى الزواج المبكر، سواء على مستوى الذكور أو
الإناث، لأنه يمثل حصانة دينية لدفع المرء إلى الممارسة الحلال، وحصانة اجتماعية من
الزيغ والانحراف، وحصانة أسرية لدفع الرجل إلى الكد والعمل الصبور والمثابرة لإعالة
بيته وعياله.
ما قبل الزواج
يدرك الاب العلامات البيولوجية الدالة على ان ولده قد دخل مرحلة البلوغ، وذلك إما
بتخشن صوته أو بظهور الشعر على عارضيه أو نبت شعر الشوارب، هنا يدرك الاب ان لابد
من البحث عن عروس لهذا الشاب الذي بلغ مبلغ الرجال، والآباء في المجتمع الإماراتي
يتفننون في هذه الامور، لانهم يعلمون بالسنين والحساب والعرف ان الابن ان بلغ سن
السادسة عشرة من العمر فقد أزفت ساعة اقترانه، لذلك يولون هذه النقطة أهمية قصوى،
وقد يحدث ألا يكون للشباب رغبة في الزواج في المرحلة التي يحددها الآباء، ولكن لابد
له من الرضوخ، خاصة إذا كان الاب مقتدرا على دفع كل تكاليف ومصاريف الزواج، فهو
يريد لابنه ان يستقر من ناحية، وان يعاونه في امور الحياة من ناحية أخرى، فتحقيق
الزواج له يعتبر نوعاً من التشجيع لا الترفيه كما قد يظن البعض، زد على ذلك ان ما
يحتاجه الزواج لم يكن مكلفاً يومذاك، وهنا تندفع الرغبات في الوالد لتزويج الابن،
من أجل ان يلد له حفيدا.
أما البنت فان امها أدرى بها، فالنساء قريبات من بعضهن بعضا، إذ ان الام وعاء سر
ابنتها. يتراوح سن بلوغ الفتاة قديماً بين الرابعة عشرة والسادسة عشرة، وفي مراقبة
دقيقة للتغيير الذي يحدث على البنت كدلالة على البلوغ، فان الأم تجس نبض بنتها في
هذه الأمور بصورة سرية، فالبنت لا تثق إلا بأمها، لأنها الاقرب إليها دائما، بينما
الشاب قريب من ابيه. وعندما تشعر الأم بالضرورة الملحة لتزويج ابنتها تقوم بتعليمها
أصول سياسة البيت من طبخ ونفخ، وكنس وترتيب وتنظيم، وتدخلها في عالم المرأة الواسع،
ولا يفوتها شيء إلا وعلمتها إياه، لأنه تربية البنت وأخلاقها دليل على أن أمها
مربية صالحة، ولذلك تضمن الام ان ابنتها سترفع رأسها عاليا، وستتباهى بها، لأنها
ربتها على العادات والتقاليد والعرف الذي يفهمه كل أفراد المجتمع.
اختيار الزوجة
حينما يعقد الاهل النية لتزويج ولدهم، فإنهم يبحثون له عن فتاة تنتمي إلى اسرة
كريمة وقورة تتحلى بصفات الدين والأخلاق الحميدة والسمعة الطيبة. وكانت مهمة البحث
عن الفتاة المنشودة تقع على كاهل الخاطبة أو الرسول، وهي امرأة ذات عقل وفكر
ولباقة، لديها القدرة على تقييم الفتاة وأسرتها ومدى تحليهم بالصفات الحسنة التي
كان المجتمع ولا يزال يعطيها اعتباراً خاصا. فبالنسبة للفتاة فإن الجمال والخلق
والدين. صفات لابد منها لدى أهل الشباب المقبل على الزواج، كما أن سمعة عائلة
الفتاة وأصالتها ونسبها، ومكانة الأب الاجتماعية أو منا يتمتع به من خلق كريم وسلوك
حسن هي ايضا صفات تبحث عنها عائلة العريس وتشترط توافرها.
وقد لا يكون للخاطبة أي دور في عملية إتمام الزواج أو حدوثه إذا كان الزواج سيتم
بين الاقارب، فقد حرص الناس سابقا على مصاهرة الاقارب، كأن يزوج الاب ابناءه من
بنات اخيه واخته وابناء عمومته وذلك زيادة في الترابط الاسري وتماسك العائلة.
وفي حالة الاستعانة بالخاطبة فإنها تقوم بزيارة ودية لبيت أهل البنت، وقد تشاهد
الفتاة على حين غفلة لانه من العسير الالتقاء بالبنت حين دخول امرأة أجنبية إلى بيت
أهلها. وحين ترجع الخاطبة تبلغ كل ما رأته لأهل العريس وعلى ضوء ذلك فإنهم يتخذون
قرارهم، إما بالتقدم لخطبة الفتاة أو للبحث عن أخرى.
الصداق والمهر
عند الوصول إلى اتفاق مبدئي بين اهل الشاب واهل البنت، يتم الاتفاق على الصداق،
ولكل أهل بلد أو قبيلة قدر معين. لكن بشكل عام كان صداق الفتاة البكر يتراوح بين
سبعة توامين وأربعين تومانا ويصل إلى سبعين تومانا ويرتفع إلى مئة تومان، ف ي وقت
كان فيه التومان يساوي سبعة ريالات فارسية عند أهل البادية، وأربعة ريالات عند أهل
المدن، أما المناطق الشرقية فالتومان عندهم يساوي خمسة ريالات فارسية.
وفي الماضي لم يتعد مهر العروس في البادية سبعة توامين في حين تراوح مقدار الصداق
عند أهل المدن بين أربعين تومانا ومئة تومان. ويتكفل العريس بدفع (القطوعة) وهي
دراهم محددة تدفع لجهاز البنت من ثياب وزينة وتختلف باختلاف حالة الناس المادية
ومكانتهم الاجتماعية، كما يتكفل العريس بتجهيز متطلبات حفل الزواج وفي مقدمتها
الوليمة. وقد اختلفت معظم عادات الزواج ومظاهره التقليدية عند أهل المدن مقارنة
بأهل البادية والقرى في بعض التفاصيل.
الاستعداد للزواج
عندما تكون دائرة الاتفاق قد اكتملت تسعى العائلتان من اجل البدء بالاحتفال الجماعي
لإشهار هذه المناسبة الجميلة، وذلك بعقد القران الذي يطلق عليه مصطلح (الملجة)،
يقولون (فلان ملج فلانة) أي صارت ملكاً له، أي ان كتابها قد كتب، وعقد قرانها على
يد (المطوع) أو رجل الدين، فالملجة هي الأذن الشرعي في مجتمع الإمارات بقيام علاقة
شرعية بين رجل وامرأة، بعد هذه الخطوة تبدأ خطوات أخرى هي في الواقع ما يجعل
بالعرس، الذي يضع الإثنين تحت سقف واحد.
يبقى ان نعرف كيف يستعد الشاب لهذا الزواج ويوم العرس على أحر من الجمر، إذ هناك
فترة زمنية تستعد خلالها كلتا العائلتين للتحضير للزواج المبارك، الذي يباركه الأهل
والاقارب والمعارف والاصدقاء، فكيف تتم هذه الاستعدادات؟
استعداد الرجل (العريس)
في مثل هذه المناسبة السعيدة، تبدأ عائلة العريس في استنفار جهودها وتكريسها من اجل
ان يتم العرس خلال اسبوع أو شهر أو ثلاثة أشهر على الأكثر، خلال هذه المرحلة يتم
جمع وتوفير نقود المهر الذي اتفق عليه بين العائلتين، وتكون الحركة على قدم وساق،
فتجهز الأكلات التي تقدم بهذه المناسبة، وتجهز غرفة العروس وجهازها، في حين تقوم
عائلة العروس بتجهيز العروس بتضافر جهود نساء الحي، إذ تجهز ملابسها من الاثواب مثل
(الميزع والثوب المخور والكندورة المزرية أو المرزاية والمخورة)، أما أنواع القماش
فهي تبة مدراس وصالحني وبوطيرة وبستان الياهلي والخارة والمزري بأنواعه، وقد كانت
هذه الاقمشة تجلب عادة من الهند. في حين يكون للحلي حضور واسع حسب مقدرة العريس على
توفيرها لعروسه، ومن أنواع الحلي (المرتعشة والدلال والسيتمي والمرية)، وهذه
الانواع عبارة عن قلائد تزين صدر المرأة، أما زينة الرأس فهي (الحزام أو الحقب
ذهبياً كان أو فضياً بالإضافة إلى الشناف والهيار)، في حين تضع العروس في معصمها
(ابو الشرج وقرض الهيل)، وتلبس في كاحل القدم الحيول (الحجول)، أما (الفتخ والختم
والشواهد) فهي خواتم لأصابع اليد، وهناك (الفتور والكواشي) وهي عبارة عن اقراط
لزينة الأذنين. ولابد للعريس من أن يجهز هدية لزوجته في ليلة زفافها، وهي التي
يحضرها أهله، وتسمى (الزهبة أو الزهاب)، وتعرض هذه الهدايا في حفل بهيج يطلقون
عليها (المكسار).
استعداد المرأة (العروس)
تستعد عائلة العروس لهذا الحدث المنتظر بشتى أنواع الزينة، فالعروس تطيب بعدد من
أنواع الطيب التي يعتقد المجتمع الإماراتي انها تدخل السرور والبهجة في ليلة
الزفاف، فمن أنواع الطيب المعروفة (الياس والبضاعة والزعفرانية والمخمرية والعود)،
بجانب (الدخون) بشتى أنواعها، مع دهانات عطرية هندية المصدر وزيتية النوع. وفي
الايام التي تسبق ليلة الزفاف تقوم ام العروس بالتعاون مع نساء (الفريج) أي الحي
بدهن جسد العروس بالنيل والورس. فهم يعتقدون بان البشرة ستأخذ لونا اقرب إلى
الصفرة، وهو لون محبب إلى الرجال، بالإضافة إلى كونه يلين البشرة عند المرأة، إذ
التليين يرطب البشرة ويلينها إذا كانت خشنة لاعتياد المرأة في مجتمع الإمارات قديما
على القيام بأعمال شتى، قد تذهب بالرقة من أجسادهن، فيستعينن على ذلك بهذه
الدهانات.
وتعتبر الحناء زينة للعروس، إذ تقوم بتخضيب كفيها وباطن قدميها، ولم تكن توجد عملية
الزخرفة الموجودة الآن، ولكن وجود الحناء يعطي لونا مفارقا للون البشرة الحقيقي،
مما يجعل لون العروس ذا لفتة بهيجة في تلك الليلة السعيدة.
الزواج في المدن
يستغرق الاحتفال بالزواج عند أهل المدن ثلاثة أيام متتالية، تبدأ يوم الاربعاء
وتنتهي يوم الجمعة، تقدم خلالها الولائم للضيوف والمدعوين. وتتشكل الولائم من مختلف
اصناف الحلوى والهريس والنقاع، أما الوليمة أو المائدة الرئيسية فهي (العيش) أي
الأرز واللحم المشوي، في حين تحيي رقصات العيالة والرزفة الوهابية أيام العرس حتى
ساعة متأخرة من الليل.
وتحتفل النسوة بالعرس داخل (المكسار). والمكسار قطعة من الشراع يؤتى بها وتنصب على
اعمدة حطب الكندل وتتدلى الأطراف لتقي الجالسين حرارة الشمس، وينصب المكسار عادة
وسط البيت حيث تتجمع داخله النسوة فيشاهدون ملابس العروس والمأكولات الشهية. وعادة
ما يخصص يوم الاربعاء، أي اول أيام العرس، لاحتفالات النسوة وابتهاجهن. أما يوم
الخميس فيكون حفلا عاما للجميع يقدم فيه العشاء للرجال، وقد يطول عرس أهل المدينة
ليصل إلى سبعة أيام متتالية، وهذا عندما يكون الزواج بين طرفين من الاغنياء أو من
الرؤساء فهناك المكسار الذي يبلغ أمده سبعة أيام فأقل، وتوضع أصناف الأطعمة وتذبح
الأغنام والضأن وتنحر الإبل والبقر وتكون أيام العرس كلها أفراح تعج بالرقصات
الشعبية (كالرزفة والعيالة ولعبة السيوف) ومن الألعاب الإفريقية (المكواري
والويلية) وغيرها والرقصات الإفريقية والبلوشية. وتختم هذه الأفراح في ليلة دخول
الزوج على زوجته وهي في الغالب ليلة الجمعة بقراءة المولد الشريف والصلاة على
النبي.
والغالب عند أهل المدن إقامة وليمة تكون بعد قراءة المولد الشريف، وهي مكونة من
(هريسة ونقاع وحلوى) ثم الدخول في الليلة نفسها ويسبق ذلك احتفال في المساء ثلاثة
أيام برقصات (الرزفة والعيالة) ثم (ريوق) في الصباح مكون من الأكلات التي سبق
ذكرها.
زواج أهل البادية
يتميز اهل البادية بتعاونهم وتآزرهم ومساعدتهم لبعضهم بعضا في إتمام الزواج
والاحتفال به، حيث يستمر تقديم الطعام والولائم مدة أربعة أو خمسة أيام، وهو يعد
لكل ضيف على حدة، فإذا جاء أحد المدعوين ومعه جمع من قبيلته أعدوا له طعاما خاصا
وقدموه له ولمن معه، وإذا حضر أثناء تناوله هذه الجماعة طعامها مجموعة أخرى فإنها
لا تتناول الطعام مع المجموعة الاولى ولكن تمكن حتى يعد لها طعام آخر وهكذا. وتكون
وليمة العرس عند أهل البادية من (العيش) أي الأرز واللحم. وتقوم فرق (العيالة
والرزفة) بإحياء أعراس البادية كما هو الحال عند أهل المدن وذلك طيلة أيام وليالي
العرس. غير ان زواج أهل البادية يتميز بإقامة سباق للهجن العربية الأصيلة، يسمى
بركض الإبل حيث يكرم الجمل السبوق بدلكه بالزعفران.
أما لدى أهل القرى، فإن عادات الزواج تكاد لا تختلف عن مثيلتها لدى أهل البادية غير
أنه في زواج أهل القرى إذا كانت العروس من قرية أخرى، ركبوا الابل والحمير ونقلوها
في موكب تزغرد فيه النساء، وتتصاعد أصوات الرجال وهم يؤدون (الرزفة) ويتخلل ذلك
طلقات البنادق، وتهيأ للعروس ناقة تركبها اثناء الرحلة، وعند وصولهم تقدم الولائم
وموائد الطعام ويبارك للعريس.
في القرى والبادية يدخل الزوج على الزوجة من اول الليل بعد انتهاء الاحتفال مباشرة
وينالها ليلا، ويطلق ثلاث طلقات نارية في الهواء عند الصباح إذا كانت الزوجة بكرا
أما الثيب فلا. وبدخول الزوج على الزوجة يقيم عندها (في منزل اهل عروسه) سبعة أيام
ثم يرحل بها إلى منزله في موكب إما براً أو بحراً ويستعد أهله لضيافتها وإكرامهما،
فإن كان منزلها قريبا من منزله جاءت بها النساء ليلا بعد انقضاء المدة في زجل وغناء
وربما ضربت الدفوف بين أيديهن حتى يصل الجميع إلى منزل الزوج. وعكس ذلك أهل القرى
في المنطقة الشرقية فبعد إقامة الزوجة سبعة أيام في بيت زوجها يخرج بها زائراً
أباها وأمها أو من يقوم مقامهما كالأخ والعم والجدة والخالة ويمكثون يوما واحد فقط.
ومن عادة أهل المدن ان يمكث العريس مدة سبعة أيام في بداية زواجه عند أهل عروسه كي
تعتاد العروس على حياتها الجديدة بعيدا عن أسرتها.
أما أهل المنطقة الشرقية من الإمارات فهم كغيرهم من سكان مناطق الحجر والباطنة
يحتفلون بالزواج برقصات شعبية في المساء ثلاث ليال أو سبع ليال يسبقها تقديم الطعام
غداء بعد الظهر يسمى (الضيف) حيث يقوم أهل الزوج لمساعديهم (اعرفوا الضيف). فتقدم
الصواني عليها اللحم والأرز ويقدم إلى الجيران بعضه. فإذا فرغوا من الطعام قالوا :
(بكرك صبي ما معرس)، ولا يختلف الامر في البادية عن ذلك كثيرا إلا أن وجبة (الضيف)
تكون عشاء.
ومن العادات الحسنة أن أهل القرى وسكان الصحراء يساعدون بعضهم بعضا في أمر الزواج
مثل جمع حطب وإيقاد النار وتحضير طعام وذبح غنم أو بقر أو إبل وتوزيع الطعام على
الحاضرين ونقل الماء على ظهور الإبل أو الحمير وغير ذلك. ولا يأتي المدعوون من غير
سكان القرية أو البادية سواء للعرس أو للختان إلا ومعهم هدية مثل الأرز أو التمر أو
الحب أو الذبائح أو القهوة. وهناك عادة خاصة بهم وهي إعداد وليمة لبنات القرية
الأبكار زميلات المتزوجة. ومن العادات الحسنة (القطوعة) وهي دراهم محدودة تدفع
لجهاز البنت من ثياب وزينة وتختلف باختلاف حالة الناس.
يسكن الرجل عندما يتزوج في بيت ابيه، ليتحول هذا البيت إلى البيت (العود) أي الكبير
الذي فيه تكون الحياة أكثر اجتماعية، فإحساس الأب انه بين أبنائه وأحفاده يشعره
بالفخر الكبير، فعدد الاسرة يكبر وهم يؤازرون بعضهم بعضا في الملمات، وناتج العمل
يتقاسمونه مشتركا بينهم، أما البنت فتزف إلى بيت زوجها، الذي هو في الواقع بيت أبي
زوجها.
إن مظاهر الزواج وعاداته الأصيلة التي التزم بها الآباء والأجداد، أصبحت تراثا
اليوم يتغنى به أفراد المجتمع ويحنون إليه في جميع أفراحهم وأعراسهم. لقد كادت
المدينة الحديثة التي جلبتها الطفرة الاقتصادية ان توجد مشكلة اجتماعية خطرة داخل
مجتمع الإمارات ان لم تكن قد أوجدتها بالفعل، وهي صعوبة الزواج الذي يحقق الاستقرار
الاسري وتكمن اسباب هذه المشكلة في غلاء المهور وارتفاع تكاليف الزواج. لذا جاءت
دعوة صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة لكافة أفراد المجتمع
وحثه لأبنائه المواطنين على العودة إلى الاصول ونبذ جميع العادات والمظاهر الضارة
الدخيلة على حياة المجتمع وسلوك افراده، كما جاءت مكرمة سموه لأبناء شعبه بإنشاء
صندوق الزواج الذي يقدم المساعدة والعون لكل مقبل على الزواج لتساهم بدور كبير في
تذليل هذه المشكلة التي تفاقمت في السنوات الأخيرة، وستكون هذه الدعوة وهذه المكرمة
بلسما شافيا بإذن الله لمشكلة صعوبة الزواج.
|
|
| المادة :: الوفاة |
فكرة الموت والبعث
كثرت الآراء عن بداية وجود فكرة المصير أو الموت في رأس الإنسان، ولكن المعلوم هو
ان هذه الفكرة بدأت أول ما نزل الإنسان إلى الأرض. ويقترن الحديث عن الموت غالبا
بذكر الله تعالى وإرادته ومشيئته، وذلك فيما يرى الإنسان من تقلبات الحياة وأثرها
على الكائنات من حوله من البداية إلى النهاية خاصة عندما يصل الإنسان إلى مرحلة
النهاية من العمر، فيعلم ان كل نفس ذائقة الموت، وإنما توفون أجوركم يوم القيامة
فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور .
نجد في كثير من الشعر (النبطي) أي العامي في الإمارات أفكارا عن الموت والمصير
والقبر وما يعقب ذلك من بعث ونشور وحساب وثواب وعقاب. فالشاعر الإماراتي حين يذكر
الموت في شعره كأنه يخاطب شخصا موجودا يمكن ان يبعث في أي لحظة، ويتصوره قادما من
كل مكان. ويحس به في كل ضغطة ألم وفي كل مرض ملم ونجد هذا في شعر ابن ظاهر جليا
فالموت هنا مصور في صورة مذهلة بارعة. فالشاعر يتصوره ولا يريد ثباته في مخيلته،
فتجد رائحة الموت منتشرة في شعر ابن ظاهر تتناثر فيه ألفاظ تزيد من حدة حضوره مثل (قبر
– كفن – نعش – عذاب – منكر ونكير).
وعليه تقترن فكرة الموت في الادب الاماراتي بفكرة البعث والنشور أي في حياة جديدة
ودنيا جديدة هي الدار الآخرة كما يصورها القرآن الكريم. وهي دنيا ثواب أو عقاب،
منقسمة إلى عالمين عالم الجنة وعالم النار. وتبدأ الدار الآخرة حيث تنتهي الدنيا
وتوضع الموازين وتنشر الصحف. وهناك آيات كثيرة في القرآن الكريم تصور مشاهد القيامة
تصويرا فنيا تناولها بالشرح بعض الكتاب بشكل بديع، فالأموات في الآخرة تعود إليهم
أرواحهم التي تظل باقية بعد موتها إما معذبة أو هانئة. فهناك يحاسبون على ما علموا
في هذه الدنيا. وليس القبر مستقرا اخيرا، بل هو مكان للانتظار حتى اليوم الذي ينفخ
فيه في الصور، وهذا اليوم للمؤمن جنة وللكافر نار.
ويهيمن البعث على مشاعر الشعراء الإماراتيين وفيها انحدرت العادة الخاصة بالحزن
والبكاء على الميت، حيث يعتقد الناس ان الميت ينتقل إلى عالم منفذه القبر لا يعود
منه الراحل إليه، ولا حياة فيه كحياة هذه الدنيا ولا نجم ولا سماء ولا قمر ولا أي
مظهر من مظاهر الحياة الدنيا، بل هو ظلام وتحلل ثم عدم يعقبه مصير لا يعلم به إلا
الله وحده. وهذه الفكرة تعكس الإيمان بخلود الروح وبعثها من جديد في تكفين الموتى
بعد غسلهم وبناء القبور أحيانا لهم وجعل المقابر اشبه بمدينة خاصة مستقلة منعزلة
صامتة. ولا يتوانى الشاعر الإماراتي عن سرد الخصال التي يجب ان يتمتع بها الانسان
المسلم في الدنيا لينال حسن الختام وتكون عاقبته خيرا.
(كل نفس ذائقة الموت) هذه هي الحقيقية الربانية التي يؤمن بها كل مسلم. وحين تؤذن
للروح بالانتقال إلى بارئها مفارقة الجسد لابد من إكرام الميت بدفنه. فعندما يموت
المرء يشهر أهل الميت الوفاة، ويتوقف الأهالي في تلك الأيام عن أعمالهم، ويجتمع
الكل من أجل تجهيز الجنازة فيسجى الجسد على موقع مرتفع عن الأرض، ويغسل ثم يعطر،
ويكفن وبعدها يصلى عليه ويدعو الإمام والمصلون مبتهلين وضارعين إلى الله تعالى ان
يغفر للميت ويسكنه فسيح جناته ويعتقه من النار، ثم يوضع في قبره ليدفن.
والموت هو العبور الأخير في سلسلة حلقات دورة الحياة البشرية ولكنها ليست النهاية
الابدية للحياة، فالإسلام يفرق بين (الدار الفانية) و (الدار الباقية) وبين الحياة
الدنيا والآخرة. والمسلم مسؤول مسؤولية تامة عن إعداد نفسه لحياة البرزخ في القبر
وليوم البعث والنشور يوم الحساب في الدار الآخرة.
والمجتمع المسلم يتعهد الفرد في حياته وفي مماته إذ إنه يلقى التوجيه والرعاية
والتنشئة في حياته بالصورة التي تعده لهذه المرحلة المهمة من دورة الحياة البشرية،
ويتعهده في مماته بالقيام بالشعائر الدينية على الوجه الأكمل الذي يحفظ للإنسان
إنسانيته ويؤكد التزامه بقيمه الدينية حتى آخر لحظة من حياته ويؤمن عبوره للدار
الآخرة. والى جانب ذلك فإن المجتمع المسلم يحرص على مساعدة أسرة المتوفى أو
المتوفاة في الحفاظ على توازنها النفسي والاجتماعي.
وبعد الدفن يتجمع الاهالي في بيت المتوفى ولا يطبخ طعام في بيت المتوفى بل يحضر
الجيران والاقارب كل مستلزمات البيت لإطعام المعزين على مدى ثلاثة أيام. وبالنسبة
للأرامل ففي فترة العدة التي تبلغ اربعة أشهر وعشرة أيام تلزم المرأة التي يتوفى
زوجها بيتها ولا تفارقه، ولا تلقى المحارم من الرجال ولا تتزين حتى تكمل عدتها.
وتهيمن الروح الاسلامية على عادات وطقوس الوفاة في مجتمع الإمارات وفي المجتمعات
الاسلامية الاخرى، كما ان روح التكافل الاجتماعي والتآزر والمواساة تغلب كذلك على
هذه المناسبة وتعطي أسرة المتوفى دعما نفسيا هم في أمس الحاجة إليه.
وعند الإحساس بدنو لحظة الوفاة أي في حال احتضار المريض فإن الاهل أو القريبين منه
يحرصون على تلقينه الشهادة حتى تكون الكلمة الطيبة (شهادة ان لا إله إلا الله وأن
محمدا رسول الله) آخر كلمات حياته فيتوفاه الله مسلما مؤمنا على حسن الخاتمة. وفي
حال عجزه عن ترديدها فإنهم يرددونها عنه ومن أجله أو يكتفي المحتضر برفع إصبع
السبابة بيده اليمنى شاهدا بوحدانية الله ومفارقا الدار الفانية على حسن الخاتمة.
وتقرأ سورة الفاتحة وسورة الاخلاص على روح المتوفى وتقرأ سورة يس لحظة الوفاة وعند
الدفن لاعتقاد العديد من الناس في أنها تساعد في الخلاص وتهون على الميت عذاب القبر.
ويتم الإشعار عن الوفاة بسماع البكاء من منزل الفقيد فيهرع الاهل والجيران للمساعدة
والمؤازرة كما يتم الارسال لإبلاغ النبا لاقارب الميت في حال بعد مساكنهم.
يغسل جثمان الميت في المنزل قديما وكذلك حديثا أو في المستشفى أو في المقبرة
وأحياناً في المسجد. ويتولى هذه المهمة المطوع أو ابناء المتوفى أو بعض اقربائه
واصدقائه، أما بالنسبة لغسل المرأة فإن بعض النساء قد تخصصن في الغسل والدعاء
للمتوفاة ويعملن في مجموعات بحضور قريبات الفقيدة.
ويتم الغسل بطريقة طقسية معلومة ثم يكفن الميت وفقا للتعاليم والشعائر الإسلامية
المعروفة في جو روحي تحفه رهبة الموت والاعداد للقاء المولى سبحانه وتعالى. ويستخدم
في تجهيز الجثمان من العطور: الصندل ودهن العود وماء الورد والمسك إضافة إلى
الكافور والزعفران وأحيانا يستعمل ورق السدر في الغسل وخاصة شعر المرأة وقد يدخن (أي
يعطر بالدخون والبخور) الجثمان وهو داخل الكفن.
وبينما ينشغل بعض الأهل بغسل الجثمان وتجهيزه وتكفينه يتجه بعضهم نحو المقابر
للمشاركة في حفر القبر. وكانت عملية حفر القبر والدفن مهمة تضامنية يؤديها افراد
المجتمع طوعا وهي من حق المسلم على المسلم. وبعد غسل الجثمان وتكفينه يحمل النعش
على الاكتاف إلى المقبرة ويتناوب الرجال في حمله طمعا في أجر هذا العمل الصالح.
ويتبع الباقون موكب الجنازة في صمت ووقار يرددون الدعاء مبتهلين لله تعالى وطالبين
الرحمة والمغفرة للمتوفى. وإذا كانت الفقيدة إمرأة فإن النساء اللاتي قمن بغسلها
وتكفينها يشرفن على إخراج الجنازة للرجال بمعاونة أبنائها أو أقاربها ليحملها
الرجال إلى المقبرة وقد تتبع النساء الجنازة لمسافة غير بعيدة خارج المنزل.
وتعتبر صلاة الجنازة من أهم الشعائر الدينية المتصلة بالوفاة إذ إنها وداع المجتمع
لأحد افراده وتتم في جو من الرهبة والوقار. ويتم حضورها امتثالا للتعليمات الدينية
ووفاء للصديق والجار والقريب وضرباً من ضروب التضامن الاجتماعي والدعم المعنوي لأهل
المتوفاة. ومن يتعذر عليه حضورها يحرص على تقديم واجب العزاء لأهل المتوفى.
وإذا كان غسل الميت هو العملية التي يتم بموجبها التطهر فالصلاة على الميت والدعاء
له هي الاجزاء التي يتم بموجبه الفراق، بينما الدفن إرادة الله تعالى التي يتم
بموجبها الولوج في حياة أخرى وبها تنتهي دورة الحياة البشرية التي تحكي قصة الإنسان
(من تراب والى تراب).
يشق اللحد حسب الطريقة الاسلامية المعروفة وبالمقاييس المحددة والمعهودة على الجانب
الايمن من القبر ثم يوضع الجثمان بحيث يكون وجه المتوفى متجها نحو القبلة، وتتخلل
العملية قراءة القرآن والدعاء للميت ولجميع موتى المسلمين طلبا للرحمة والمغفرة، ثم
يوارى الجثمان الثرى وتسوى الأرض بصورة تجعل كل القبور متساوية متشابهة، اللهم إلا
من علامة بسيطة على الأرض نسميها (نصيبة) تعين أهل المتوفى على تحديد مكان القبر.
يجتاح الحزن أسرة المتوفى ويسارع الاصدقاء والجيران من أهل (الفريج) أي الحي في
اداء الواجبات المنزلية والاجتماعية نيابة عن الأسرة في استقبال المعزين وإطعامهم
وجلب الضروريات والبقاء نساء ورجالا مع أهل المتوفى لفترات طويلة خلال الأيام
الأولى، والتناوب في تحضير الإفطار والغداء والعشاء وخدمة المعزين والتخفيف على أهل
المتوفى، وقد تشمل التكافل على بعض المساعدات النقدية والعينية، ويستمر العزاء
لثلاثة أيام متواصلة وقد تزيد وتتواصل خلالها أفواج المعزين للترحم على المتوفى
ولمواساة الأهل والاصدقاء. وقد يتم إطعام الفقراء والمساكين والترحم على روح
المتوفى وقراءة الفاتحة له، ومن الممارسات الدينية، (ختمة القرآن الكريم) التي تتفق
في شكلها ومضمونها في أغلب بلاد العالم الإسلامي حيث مشاركة المعزين بتلاوة آيات
القرآن الكريم بأجزائه الثلاثين. يلي ذلك الدعاء والابتهال للمولى سبحانه وتعالى،
وتوهب (الختمة) لروح المتوفى أو المتوفاة طلبا للرحمة والمغفرة.
وعادة ما تكون الختمة للرجال في اليوم الثالث في منزل المتوفى. فللنساء ختمة خاصة
بهن داخل المنزل. وقد يبقى الاهل وبعض الاقارب بمنزل المتوفى أو المتوفاة لعدة أيام
إضافية ترقبا لوصول معزين آخرين وحتى تهدأ نفوسهم على مصابها الجلل والنساء يمكثن
بصورة أطول.
وتسمى عملية الحظر أو العزل التي تخضع لها الارملة بعد وفاة زوجها، فترة العدة، وهي
اربعة أشهر وعشرة ايام وفقا للتعاليم الإسلامية والأعراف الاجتماعية المعروفة.
وتقضي الارملة فترة (العدة) التي حددتها الشريعة الاسلامية داخل المنزل ولا تترك
وحدها إذ يتناوب الاهل والاقارب والجيران على خدمتها وتوفير احتياجاتها. ولا ترى من
الرجال غير المحارم ولفترات قصيرة للضرورة وتبتعد عن العطر والزينة. وهناك بعض
العادات والممارسات والمعتقدات المتصلة بالأرملة من الرواسب البائدة التي عرفت على
نطاق ضيق بين بعض شرائح المجتمع.
وبعد إكمال فترة العدة وبعد قيام الأرملة بطقوس التطهير وإزالة ما علق بها من شبح
الموت تصبح جاهزة لإعادة استيعابها في المجتمع مزاولة حياتها الطبيعية داخل المنزل
وخارجه بل يمكنها ان تتزوج إذا جاءها من يريدها. وكإشعار بإعادة وجودها في المجتمع
تقدم (الفوالة) أو تقام وليمة بهذه المناسبة فيسمع الجميع بهذا الحديث ويشارك بعضهم
فيه ويتم توزيع الطعام على أهل الفريج أو تقدم لهم الدعوة كإعلان بأن (فلانة) قد
أكملت عدتها وأن (طلوعها) يوم (كذا)، إشهاراً بأن كل شيء قد تم وفقاً لشعائر
المجتمع الدينية واعرافه الاجتماعية لتخرج الأرملة من منزلها لأول مرة بعد وفاة
زوجها ولإعادة دخولها في المجتمع ومزاولة حياتها الطبيعية.
|
|
| المادة :: الفصل الرابع - عادات الطعام |
| الأكلات الشعبية وآداب المائدة وطرق تناول الطعام
الوجبة الرئيسية في مجتمع الإمارات هي (العيش) أي الأرز والسمك أو اللحم والتمر ويعتبر العيش أساسيا في كل وجبة ما عدا الإفطار. وتسمية الأرز محليا باسم (العيش) نابعة من كون المجتمع يعيش على الأرز كما هي الحال في بعض الدول العربية التي تعتبر الخبز هو العيش لأنه أساسي في وجباتها.
وبجانب الأكلة الأساسية من العيش والسمك الذي قد يكون طبخة (المكبوس) أو طبخة (المحمر) وهو المطبوخ في الدبس مع الماء، فيصبح لونه أحمر وطعمه حلوا. وهناك (المشخول) وهو الأرز الذي ينقل في (المشخول) أي المصفاة ثم يوضع فيه اللحم أو السمك المحمر. و(المحشي) والذي يتم بفرك ذبيحة كاملة بالملح والكركم الأصفر بكثيرة وتركها ساعتين أو ثلاث ساعات حتى تجف من الماء ثم تحشى بالزبيب واللوز والبيض والهال والقرفة مع رأس الذبيحة ثم تقفل البطن على هذه المواد المغذية، وتفرك الذبيحة بالقرفة والهيل من أعلى لتوضع بعد ذلك في قدر كبير وتحتها خشب حتى لا تلتصق بقاع الجدر ثم تدفن في حفرة مليئة بالجمر حوالي 7-8 ساعات. وعادة يصنع هذا في عيد الأضحى لكثرة اللحم من الأضاحي. ويشترط السمين في الخرفان، كما يصنع في مناسبات الزواج والأعياد.
ومن الأكلات الشعبية الشهيرة (الفريد) وهو عبارة عن خبز ومرق ولحم. و(المشوي) و(الهريس) المكون من اللحم والبر وهو القمح ويؤكل بعد الطحن. وهناك (المرقوق) المكون من عجين يجفف ويقطع قطعا صغيرة ويوضع في مرق اللحم أو السمك بحيث يفور مع المرق. و(الجريش) وهو أشبه بالبرغل من القمح. و(النييرة) وهو بر مغلي مع السمك أشبه بالعصيد وفيه اللومي الحامض والبهارات والسمن. أما (العصيد) فهو مثل (الخبيص) لكنه اكثر ليونة. ويصنع (الخبيص) من طحين الأرز أو البر مع السكر والسمن البلدي والهيل. وهناك (الممروس) وهو خبز محلي يمرس مع التمر.
وهناك (الحلوى العمانية) المصنوعة من خلاصة البر (النشا) والسكر والسمن البلدي وماء الورد والهيل والزعفران كما تزين باللوز والفستق. و(الرهش) وهو أشبه بالحلاوة الطحينية (السكرلمة) وهي أقراص تشبه كعك العيد الذي يصنع في البلاد العربية. وللأطفال هناك بعض الانواع التي كانوا يقدمون عليها مثل (كل واسكت) وهي خليط من السكر والفول السوداني وتتميز بطعمها اللذيذ. و(الجبيط) ويصنع من عسل النحل مع السمسم ويقوم ببيعه بائع متجول وهو ينشد :
(يالجبيط يالحالي .. يالمشتت بأحوال ي
وأنا في السكة أتالي)
وهناك (ملبس بوظبي) ويصنع في أبوظبي بصفة خاصة والحبة منه في حجم بيضة الدجاجة وهو خليط من السكر والطحين وملبس من الخارج بالسكر. و(المنفوش) وهو من السكر ويصنع في شكل خيوط الشعر المنفوشة. و(الزلابية) وهي من السكر والطحين والخميرة وتشبه كثيرا البقلاوة في البلدان العربية.
ومن العادات المتوارثة حتى وقتنا الحاضر تناول الطعام بكف اليد دون استخدام أي أداة للأكل كالمعلقة والشوكة والسكينة وطريقة تناول الطعام تتم باليد اليمنى، فقد تربى عليها الآباء وتعلمها الأبناء كطريقة لتناول الطعام، ولابد لمن يأكل بيده أن يغسلها جيدا قبل كل طعام وبعده.
ومن آداب المائدة وطرق تناول الطعام الاجتماع حول (السرود) أي السفرة، وهي عبارة عن قطع دائرية مصنوعة من ورق النخيل وهي (المائدة) وتوضع عليها صينية فيها الأرز، وقد تكون الصينية كبيرة الحجم أو متوسطة أو صغيرة على حسب عدد الأفراد، ويوضع (الحلى) و(الإدام) والسمك و هو طبق رئيسي كالأرز لأهل المدن إلا أنه في المناسبات (كالأعياد وفي رمضان وعند الزواج أو للضيوف) قد تذبح الذبائح، ومع كل وجبة لابد من وجود التمر.
يبدأ أهل الإمارات الأكل مثلهم مثل بقية المسلمين بقولهم (بسم الله)، وإن كانت الوجبة لضيف فلا يمد الجميع يده قبل الضيف، وإن كان أحد الأبناء موجودا فلا يمد يده على اللحم أو السمك أو يباشر الأكل قبل الجماعة. وأكبر الأفراد سناً مقدم على الجميع.
ومن الضروري كسر رأس الذبيحة، وعندما يهم احدهم بكسر الرأس يتوقف الجميع عن الأكل حتى ينتهي من هذه المهمة. وقد يقطع اللحم ويقدم للضيف تقديرا واحتراما له. وعند الانتهاء من الطعام يتوجب الصبر حتى ينتهي الضيف وعندها يقوم أصغر الموجودين بصب الماء على يد الجميع ليغسلوها. وبعد الأكل يقدم الشاي والقهوة العربية. ويتحدث الجميع ويمرر (المبخر) ويسمى (المدخن) أيضاً حيث توضع عليه كسر من خشب شجر العود فينبعث منه دخان ذو رائحة لطيفة وقد تعود المجتمع على استعماله، ويبدأ المبخر من الضيف أو الأكبر سناً ويدور على الجميع بعد ذلك، وجدير بالإشارة إلى ان النساء يأكلن مع بعضهن بعضا في العائلة والرجال والأولاد مع بعضهم.
إعداد المشروبات
تعتبر القهوة المشروب الرئيسي لأهالي المنطقة، بها يطيب السمر والحديث، وكانت رفيقة البدوي والحضري في الحل والترحال، في الصباح وفي الجلسات العائلية وفي الأمسيات الحميمة. والقهوة مشروب للفقراء مثلما هي للأغنياء، للنساء مثلما هي للرجال. ويعتقد أهالي المنطقة ان للقهوة فوائد عديدة، فإلى جانب أنها تمنح شاربها نشاطا ملحوظا، تشفي العديد من الأمراض وتوقف نزيف الدم، وغير ذلك من فوائد. وتعد القهوة من أقدم المشروبات التي عرفها أبناء الإمارات، يليها الشاي، قبل ان يعرف الناس مشروبات أخرى مثل الزعتر والزنجبيل وبعض المشروبات الغازية كالنامليت والكوثر وهما قريبان من المشروبات الغازية المعروفة اليوم، ويعتبران مشروبين للصيف، ينعشان شاربهما، غير انهما اختفيا مع انتشار مصانع المياه الغازية الأجنبية.
اما الشاي فيعرف بعدة أسماء، فالبعض يطلق عليه اسم (جاي)، والبعض يسميه (شاهي)، فضلا عن تسميته العربية الفصحى شاي. ويعتقد اهالي الإمارات ان الشاي يساعد على هضم الطعام، لذا كانوا يحرصون على احتسائه بعد تناول الطعام.
أما الزنجبيل فهو مشروب ساخن يشرب في الشتاء، ويتناوله الناس إما منفردا أو مع الحليب، لكن شربه بالحليب كان للمقتدرين بشكل أساسي نسبة لارتفاع سعر الحليب يومها لندرة الماشية والابقار قياسا إلى عدد الناس. وكانت بعض الأسر تشرب الزنجبيل مع الحليب صباح كل جمعة من كل أسبوع كعادة محببة لأفراد الاسرة جميعا، الصغار منهم والكبار. والاعتقاد الشعبي السائد ان الزنجبيل له فوائد صحية كثيرة أشهرها علاج حالات الإصابة بالبرد. ويشرب الأهالي الزنجبيل في الكؤوس الكبيرة على خلاف القهوة التي تشرب في فناجين صغيرة.
اما مشروب الزعتر فكان أكثر انتشارا من الزنجبيل، وكان السكان الحضر يقبلون على شربه خاصة في الشتاء. وعرفت المنطقة كذلك مشروبا آخر كانت له جاذبية كبيرة هو مشروب (شاي لومي)، ويحضر هذا الشاي من الليمون صغيرة الحجم بعد تجفيفه بشكل مشابه لطريقة تحضير الشاي العادي تماما. وهناك نوع آخر من المشروب هو (شاي الدارسين)، حيث كان البعض يطلق عليه مشروب (الكرفة) وهو عبارة عن عيدان الدارسين الجافة تكسر إلى قطع صغيرة، ثم تغسل وتوضع في الإبريق المعدني، وهذا المشروب معروف في بعض البلاد العربية باسم (القرفة).
|
|
| المادة :: أدوات صنع المشروبات |
الغوري :
ويسمى أيضا الغوري، وكذلك الإبريج، تحريفا للكلمة العربية الإبريق، وفيه يسخن
الحليب ويغلي الماء عند الحاجة.
السماور :
وهو مصنوع من النحاس وكان يستخدم كوعاء لغلي الماء، سواء العمل الشاي أو للاستحمام
أو لأي غرض آخر تحتاج فيه الأسرة للماء الساخن.
المهباش :
ويشبه الماشة أو الملقط الذي يحرك به الجمر ف ي الكوار أو لنقل قطع الجمر الصغيرة
لوضعها في المبخرة، ويصنع من الحديد.
التاوة :
وهي نوعان : الاول كبير وعميق وفيه يصنعون الفقاع واللقيمات الخنفروش. وهي أكلات
شعبية معروفة في الإمارات. أما النوع الثاني فهو أصغر حجما، وذو عمق متوسط، ويستخدم
في تحميص القهوة. والتاوة تصنع من الحديد.
المحماس :
وهو من الحديد أو النحاس، ويستخدم في تقليب القوة اثناء تحميصها، أو لرفع أنواع من
الخبز من على المخبز مثل خبز الخمير.
المخباط :
وهو قطعة من الحديد أو من خشب الأبنوس تقلب بها حبوب القهوة عند تحميصها في التاوة
أو المحماس.
الكير أو المنفاخ :
يستخدم لزيادة اشتعال النار، ويصنع من جلود الحيوانات التي عرفتها المنطقة.
المنحاز :
الهاون الذي يستخدم في تنعيم وترقيق المأكولات الخشنة، وتطحن فيه القهوة، ويصنع من
الخشب أو الحديد، وله أشكال مختلفة، ولكن شكله العام هو المخروطي العميق في الجزء
السفلي والضيق في الأعلى.
الاستكان :
وهو كأس الشاي الزجاجية التي يشرب بها أبناء الإمارات والخليج، وهي صغيرة الحجم
تقترب سعة ما تحتويه من سعة فنجان القهوة، وبعض أنواع الاستكان يكون مزخرفا بالنقوش
الجميلة وأنيقة التصميم.
البيالة :
وهو نوع آخر من كؤوس الشاي الزجاجية، صغيرة الحجم، مستقيم الحواف وبه يد صغيرة يمسك
بها.
السلة أو المعاميل :
وهي مجموع أدوات عمل القهوة من دلال وقدور وفناجين ومحماس وغيرها.
الكوار :
ويطلق عليه كذلك المنقلة أو (المنكلة) بلهجة أهل الخليج وهو وعاء معدني يوضع فيه
الجمر، ويستخدم لإبقاء القهوة والشاي ساخنين دائما، وقد يستخدم كذلك في تدفئة (المخازن)
غرف النوم في الشتاء، ويوضع عادة في مكان خاص بأحد جوانب الغرفة، ويزود بمسمار
المحماس. وقد يكون الكوار مستدير الشكل أو مستطيلا، وبه ثلاثة أو أربعة ارجل ترفعه
عن الأرض. ويوجد نوع آخر من الكوار يصنع من الخشب ويوضع في وسطه ما يشبه الجص،
ويخصص فيه موضع للفحم توضع عليه الاشياء الخفيفة الخاصة بالمدخن أو المبخرة والعود،
وبه فتحة أشبه بالباب في الوجه المقابل لمستخدمه، ويستعمل هذا النوع في تحميص
القهوة أو إعداد الخبز بسرعة، وكذلك لتسخين الحليب. وتوضع داخل باب الكوار مستلزمات
صناعة القهوة والشاي كالبن والهيل والزعفران وغيرها.
الرشاد :
هو عبارة عن الاداة التي تستخدم في الدق والتنعيم بالمنحاز ويصنع من الخشب أو
الحديد أو النحاس ويعرف أيضاً بالهاشمي ويستخدم في دق حبوب القهوة.
الدلال :
ومفردها دلة. وهي معروفة منذ القدم لصناعة القهوة العربية وتقديمها، وكانت تصنع من
الفخار، ولها صناع مهرة في المناطق الجبلية، قبل ان تنتشر الانواع المعدنية، وخاصة
المصنوعة من النحاس. وللدلال أسماء شتى مثل الدلال (الحساوية) نسبة إلى مدينة
الإحساء بالمملكة العربية السعودية، والدلال (العمانية) التي تصنع في عمان وتعرف
كذلك باسم الدلال العربية، كما كان بعضها يصنع في الإمارات، وهي عادة ما تكون ذات
رأس عريض ومقدمة عالية وتسمى (كريشية).
وهناك أيضاً الدلال (الرسلانية)، وسميت كذلك نسبة إلى المعدن المستخدم في صناعتها،
وهو النحاس الأصفر الذي يعرف باسم (رسلان)، ويعتقد كذلك ان هذه التسمية نسبة إلى
صناعتها في سوريا من قبل عائلة رسلان، ويصنع هذا النوع كذلك في كل من البحرين
والسعودية، وهناك أيضاً الدلة (القرشية) التي تصنع في مكة المكرمة والخليج، هي دلة
نحاسية بأحجام مختلفة وبزخارف رائعة.
وتنقسم الدلال تبعا لاستخدماتها المختلفة إلى ثلاثة أنواع :
1- الخمرة : وهي أكبر حجما من دلال القهوة العادية، وتوضع دائما فوق الجمر على
الكوار وبها الماء الساخن وما تبقى من بقايا الهيل والبن.
2- الملكمة : وهي الدلة المتوسطة الحجم، والتي يتم فيها تلقيم القهوة بعد نقل جزء
من الماء الساخن من الدلة الكبيرة – الخمرة – فيرفع البن من قاعها ويقال : (لكم)
القهوة، أي جهزها تمهيداً لصنعها.
3- المزلة : وهي أصغر الدلال المستخدمة في عمل القهوة، وتستخدم بعد طبخ القهوة في
الدلة المتوسطة، حيث يصب فيها صافي القهوة، ويقال (زل) القهوة، ثم يوضع بها الهيل،
وتستخدم لتقديم القهوة حيث تصب في الفناجين، وبالعامية يقال (فناييل)، ومفردها
(فنيال). وتوضع فناجين القهوة عادة في إناء صغير يسمى (الملة) به ماء لغسلها.
|
|
| المادة :: أدوات إعداد الطعام |
| تعكس الادوات والطرق التي استخدمها ابناء الإمارات في تحضير غذائهم طبيعة العادات والتقاليد والآداب المرعية، وكذلك البيئة المحيطة، لأن المواد الغذائية والادوات تؤخذ وتصنع مما تقدمه البيئة المحلية ومما يستطيع الناس شراؤه من بيئات أخرى. |
|
| المادة :: أدوات تحضير الأغذية للطهي |
الرحى :
تعتبر من أقدم أدوات تجهيز الأغذية استعدادا لطهيها، وهي عبارة عن قطعتين مستديرتين
من الحجارة الصلبة توضعان الواحدة فوق الاخرى، ويوجد في القطعة العلوية ثقب تثبت به
قطعة من الخشب، وذلك لتدويرها، حيث يمكن طحن الحبوب الموجودة بين الحجرين حتى تصبح
مسحوقة تماما، جاهزة للطهي.
الجفير
السلة التي تحمل بها الاشياء، ومنه نوعان : نوع صغير يخصص لإحضار احتياجات المنزل
من السوق، أما النوع الآخر الكبير فهو مخصص لنقل الأسماك من موقع صيدها في البحر
إلى الاسواق لبيعها ويسمى (مزماة)، ويصنع الجفير من سعف النخيل، وكان الشائع ان
تقوم النساء بصنعه وذلك كجزء من العمل الذي كن يقمن به في مجتمع الإمارات. وقد يقوم
بصناعته بعض الرجال أحيانا. وتستخدم في صناعة الجفير مادة اسمها عضف تجلب من مكران،
أما (المنجلة) أو المنقلة فهي قطعة من الخشب تحمل بها المزماة.
السف :
وهو كالصينية، يوضع به الطعام والمأكولات عند تقديمها للضيوف.
المسف :
وهو أشبه بصينية كبيرة، وكانت النسوة تصنعه من الحصير أو سعف النخيل، وكن يستخدمنه
في تنظيف الأرز وتخليصه من القشور العالقة به أو من الأتربة، وذلك قبل طبخه. وكانت
المرأة تقوم بهذه العملية عن طريق وضع الأرز في نهاية المسف ثم تدفعه إلى أعلى،
وخلال ذلك تقوم بالنفخ فيه بشدة، فتتطاير القشور والأوساخ، وتكرر هذه العملية حتى
ينظف الأرز.
المنحاز :
وهو الهاون الذي سبق أن أشرنا إليه سابقا عند حديثنا عن أدوات إعداد القهوة، ونضيف
هنا أن المنحاز الخاص بإعداد الطعام كان يصنع أحياناً من جذوع الأشجار الضخمة وتسمى
باللهجة المحلية (يوان). وكان يقوم بدق الأشياء في المنحاز شخصان، حتى يتمكنا من
إنجاز العمل المطلوب بسرعة. وفي بعض مناطق الإمارات كان المنحاز عبارة عن حفرة
كبيرة تقارب في مقاساتها ومواصفاتها المنحاز الخشبي الكبير، وكانوا يطلقون على يد
الهاون التي تستخدم للدق (رشاد).
المنخل :
وهو من الأدوات التي يستعان بها في إعداد الطعام للطهي، وهو ما ينخل به أو يغربل
الدقيق، فيساعد على تنقيته من السوس والمواد العالقة به.
التاوة :
وهي التي سبق أن تحدثنا عنها في فصل أدوات القهوة، وفي بعض المناطق بالإمارات
يسمونها الطاوة. ومن بين استخداماتها الضرورية عمل الخبز المعروف باسم (المجدب)،
وهو الذي يسمى في بعض البلاد العربية الأخرى بالرقاق أو ما يسمى بالخبز المحلي.
الجفنة :
ويطلق عليها أيضاً (اليفنة) بقلب الجيم ياء كما هو جار في اللهجة المحلية، وهي طبق
طعام مستوي الشكل، كبير الحجم، يصنع من الخشب عادة، ويستخدم لتقديم الطعام في
الموائد الكبيرة، خاصة الموائد الرمضانية اليومية ويطلق على هذا الطبق عند البدو
اسم قدح أو (جدح).
المجبة :
وتنطق محليا ايضا (المكبة) وهي غطاء يستخدم لتغطية أطباق الطعام، ويصنع من سعف
النخيل، ويكون عادة مزيناً بالألوان والنقوش، والبعض يسميه المغطاة.
المضراب :
ويستخدم لخلط وترقيق اللحم مع الحب بعد أن ينضجا على النار لإعداد الهريس.
المثعاب :
وهي مغرفة مدببة الطرف تستخدم في إضافة السمن الساخن أو المرق على الأرز أو على أي
نوع آخر من الطعام الذي يلزمه السمن عند طهيه.
|
|
| المادة :: أدوات إشعال النار والأفران |
الملبكة :
وتطلق على ما يشعل النيران مثل عيدان الكبريت، وعلى الولاعات التي تستخدم الكيروسين
أو البنزين أو الغاز.
القراعة :
وهي عبارة عن قطعتين من الحصى، يصدر عند احتكاكهما ببعضها بعضا بسرعة وقوة شرار
تؤدي إلى إشعال النيران في الحطب الجاف جدا أو في العيدان المبللة بالكيروسين.
فش النغر (الصلبوخ) :
ويسميها البعض اختصاراً (فش) وهي عبارة عن صخور بحرية هشة توضع أسفل عيدان الحطب أو
الفحم المشتعل، ولا يتأثر هذا النوع من الصخور بالنيران الملتهبة، وهي ذات قدرة
كبيرة على تحمل الحرارة وتركيزها باتجاه القدر بدلا من تشتتها.
الماقد :
وهو المكان الذي يجهز لوضع صخور (فش النغر) المستخرجة من قاع البحر، وفوقها الحطب
أو عيدان الاشجار الجافة أو الفحم ثم إشعالها، فتصبح موقد النار الذي يستخدم للطهي.
المشب :
وهو أداة لتحريك الجمر دائري الشكل له استخدامات عدة، منها تخفيف حرارة الطعام الذي
خرج من الفرن أو من فوق النيران ووضع على المائدة على الفور، ويساعد أيضاً على
اشتعال النار وتأججها في الموقد، وذلك بتحريكه يمنة ويسرة فتزداد النار بذلك
اشتعالا، ويطلق الاسم ايضا على الحطب الجاف الذي يوضع فوق الفحم فيساعد على إشعال
الفحم، أي انه اشبه بالكيروسين الذي يوضع فوق الفحم الجاف للمساعدة على إشعاله.
التنور :
ويسمى ايضا (هندوي) في اللهجة المحلية، وبه فتحة يوضع فيها الحطب تسمى (دمي) وهو
أقرب إلى الفرن منه إلى الموقد، وعرفت منه أنواع ثلاثة :
تنور الهريس : وهو عبارة عن حفرة في الأرض أكبر في مقاساتها من القدر المستخدم
للطهي، ثم توضع الجمرات وفوقها قدر الهريس ويغطى بالرمال.
التنور الثابت : ويصنع من الطين أو الجص والأسمنت ، ويختار له موقع ثابت في ساحة
البيت ويخصص بصفة مستمرة للطهي.
التنور المتحرك : وهو عبارة عن ثلاثة أحجار قريبة من بعضها بعضا يوضع بينها الخشب
الجاف أو الفحم أو قطع الخشب القابلة للاشتعال، وفوقها يوضع الموقد، وبإمكان ربة
البيت تحريكه إلى المكان الذي تريده.
المحاور :
ويطلقون عليه اسم (المركة)، وكذلك (المركية) في مناطق متعددة بالإمارات، وهو أشبه
بالتنور أو الموقد، فهو يتكون من طوق حديدي مثبت به ثلاثة أرجل، ويوضع عليه القدر
الموجود به الطعام المطلوب لطهيه، ويوضع بين الأرجل الثلاثة الحطب أو الفحم.
المخبز :
وهو قطعة من الحجر أو الحديد، توضع فوق الجمرات وتستخدم لعمل الخبز الرقاق والمحلي
والخبز و(الجباب)، وليس له أحجام ثابتة، بل تعده كل أسرة حسب حاجتها.
|
|
| المادة :: أدوات طهي الطعام |
| القدور :
وهي الأوعية أو الأواني التي تستخدم لطهي الطعام، وكانت تصنع من مواد تقاوم اللهب مثل النحاس أو الفخار أو الألمنيوم الذي دخل إلى المنطقة في العقود الأخيرة وأهم أنواع القدور التي عرفت بالمنطقة :
القدر الفخاري : وهو أقدم أنواع القدور في الإمارات على الإطلاق، وكان أكثر الانواع شيوعا، خاصة في النصف الاول من القرن العشرين وما سبقه، ويستخدم في طهي الطعام، وهو يصنع محليا، خاصة في محارق الفخار التي كانت منتشرة في رأس الخيمة.
البرمة : وجمعها البرام : وهو الآخر قدر يستخدم للطهي، ويصنع من الفخار المحروق.
الطابي : وهي التسمية المحلية للمقلاة التي تستخدم لقلي الطعام وهي دائرية الشكل ذات حواف عالية، واستخدمت لقلي السمك وغيره بالزيت والسمن.
الصفرية : وهي القدر المصنوع من النحاس ذو أحجام متفاوتة. بينها الكبير الذي يمكن ان يطبخ فيه كمية تكفي عائلة كبيرة، وبينها الصغير.
والملاس : وهي الأداة التي تستخدم لتقليب الطعام خلال طهيه، كما تستخدم كمغرفة لإخراج الطعام بعد أن يجهز. قديماً كان الملاس يصنع من عيدان الخشب، ثم بعد ذلك صار يصنع من النحاس الذي يغلف بمقابض خشبية، وفي وقت لاحق اصبح يصنع من الالمنيوم.
المشخلة :
أو المصفاة وتستعمل لتصفية الطعام من السوائل أو المياه التي توجد بها بعد الطهي، مثل تخليص الارز من الماء بعد طهيه عن طريق غليه في الماء، أو تخليص (البلاليط) الشعرية من الماء.
الكفشة :
وهي الملعقة الكبيرة التي يطلق عليها كذلك (الخاشوكة) وتستخدم لنقل الطعام المطهي من القدر إلى أواني المائدة.
الأدوات المستخدمة لتقديم الطعام وتناوله
رغم البساطة التي كانت عليها المائدة في مجتمع الإمارات فيما مضى، إلا أنها كانت مرتبة ومنوعة وتضم أدوات مخصصة لتناول الطعام ولا تستخدم في أي أمر آخر حفاظاً على نظافتها وحرصا على الاحتفاظ بها مدة أطول. ومن بين هذه الادوات :
السرود :
عبارة عن حصيرة مستديرة الشكل أو مستطيلة مصنوعة من سعف النخيل، وتكون عادة مزخرفة باشكال جميلة وألوان متعددة مقبولة ومحببة لأبناء الإمارات، وتقوم ربات البيوت بصنعها. وعادة تجتمع الأسرة حول السرود لتناول الطعام، ويجتمع معها الضيوف كذلك، الرجال وحدهم، والنساء وحدهن. وتكون للضيف عادة الصدارة حول السرود، وكان الجالسون حول السرود لتناول الطعام يقعدون فوق حصير كبير.
اللقن :
وتنطق محليا (اللكن)، وهي الصواني التي توضع فيها أطباق الطعام وتوضع فوق السرود، وتكون كبيرة الحجم تستوعب كمية كبيرة من الأطباق.
الخنجة :
وهي الطبق الكبير الذي يقدم فيه الطعام، خاصة الأرز واللحم أو السمك، وهي ذات شكل بيضاوي.
|
|
| المادة :: أدوات حفظ المياه واستخداماتها |
| أدرك إنسان الإمارات منذ زمن بعيد أهمية المياه وضرورة الحفاظ عليها وترشيد استهلاكها، وكان في سعي دائم وراء أماكن تواجدها، بسبب ان المياه كانت شحيحة وخاصة في سنوات الجفاف، لا سيما وأن المصدر الأساسي للمياه في الإمارات هو الأمطار التي تهطل أحياناً على شكل سيول عنيفة تشق طريقها بقوة، جارفة أمامها كل ما يعترضها. فهذه المياه كانت تتسرب إلى باطن الأرض فتغذي المياه الجوفية، مما يسهل فيما بعد أمر إخراجها من جوف الأرض عن طريق العيون والآبار التي يحفرها الإنسان. وكان البعض يحاول ادّخار مياه الأمطار من خلال مجار مخصصة في أسقف البيوت تنتهي عند مزاريب خاصة يضعون أسفلها أواني فخارية تتجمع بها المياه. ومن الأدوات التي كانت تستخدم في حفظ الماء :
الحِبْ :
ويصنع من الفخار أو الطين المحروق، وهو آنية فخارية لتبريد المياه المخصصة للشرب، وحجمه كبير يستوعب عدة جالونات من المياه.
اليحلة :
وتصنع من الفخار أو الطين المحروق، وهي عبارة عن زير الماء الصغير الذي يوضع أسفل (الحب) الكبير، فتتلقى قطرات الماء التي تتسرب والتي تكون نقية جداً وأكثر برودة من المياه الموجودة في (الحب). واليحلة كروية الشكل ولها رقبة قصيرة، وينطقها البعض (الجحلة)، وجمعها (يحال) أو (جحال).
البرمة :
وتصنع هي الأخرى من الفخار أو الطين المحروق، وتوضع كما اليحلة تحت الحب الكبير لتلقي المياه التي يرشحها، كما أن لها استخداماً آخر مهما، إذ يوضع فيها الحليب للتخمير ويتحول إلى لبن رائب.
الخرس :
ويصنع من الفخار أو الطين المحروق، ويستخدم لتخزين الماء وتبريده، كما كانت بعض أنواعه تستخدم في تخزين التمر، فقد كان يتسع لما وزنه 60-90 منّاً (المن هو أربعة كيلو غرامات).
الجربة :
أي قربة الماء، المصنوعة من جلد الماشية، ومن جلود الأغنام، وكانت فوهة الجربة تربط بحبل يسمى حبل (الوجه). أي الوكاء في الفصحى.
المزود :
قربة الماء كبيرة الحجم.
الشنة :
وهو الاسم الذي كانوا يطلقونه على قرب الماء القديمة. ولهذه القربة ميزة خاصة، فهي أسرع في تبريد الماء من القربة الجديدة.
الكروة :
وتصنع من الفخار، وتخصص لتبريد المياه المخصصة للشرب في فصل الصيف وهي كروية الشكل من الاسفل ولها عنق طويل، وبين العنق والكرة توجد قطعة فخارية هي امتداد لجدار الكروة لمنع دخول الحشرات إلى الماء.
الدلو :
وهو كالجربة يصنع من جلد الحيوانات، وكان الدلو الكبير يطلق عليه اسم (القرب)، ويصنع من جلد البعير. وشكل الدلو دائري ويربط من ثلاث جهات، ويستخدم لاستخراج المياه من الآبار وعيون الماء، وفي البادية كان البدو يطلقون لفظ (سحلك) على الدلو أو سطل الماء.
الكوز :
وهو آنية فخارية صغيرة كانت تستخدم لنقل المياه من الأواني الكبيرة لاستخدامها في شتى الأغراض، وخاصة الوضوء للصلاة، ثم تطور أسلوب صناعة الكوز من الفخار ليصنع من المعدن، ويصنع في الوقت الراهن من البلاستيك.
المغسل :
وهو وعاء يتجمع فيه الماء بعد غسل اليدين، كان يصنع قديماً من الفخار، ثم تطور ليصنع من المعدن وهو دائري الشكل عليه غطاء مخرم وعنق بسيط يؤدي إلى شكل كروي يتجمع فيه الماء المستخدم بعد غسل اليدين حين الانتهاء من تناول الطعام، خاصة عند وجود الضيوف.
الطشت :
ويستخدم لغسيل الملابس، وأحياناً تكون له استعمالات أخرى كإعداد كميات كبيرة من الخبز ويصنع عادة من المعدن، خاصة معدن الألمنيوم.
الجدح :
وهو القدح الذي يستخدم لشرب الماء
|
|
| المادة :: الفصل الخامس - الفرد في المجتمع المحلي |
الأسرة والجماعة والقبيلة
يعد العرب طوال تاريخهم الطويل وحتى اليوم من أكثر الأمم اندماجاً وحباً لحياة
الجماعة، وأكثر شغفا بالجلوس والسفر جماعات ومواجهة التحديات بروح الجماعة أيضا.
وهذا السلوك الحضاري يتجسد في اشكال عديدة، وقد ظل العرب يتوارثونه جيلا بعد جيل
ولم يتعرض هذا السلوك إلى تغير كبير إلا في جوانب لا تستحق الذكر.
من ضمن العادات الاجتماعية التي حافظ عليها العرب طويلا عادة الجلوس في حلقات
للحديث عن شؤون الدين والدنيا. وقديما كانت أمسيات الشتاء الباردة تعقد فيها حلقات
حول النار التي توقد لأغراض التدفئة وتخفيف وطأة البرد القارس في جوف الصحراء،
ولأغراض أخرى اكثر أهمية واكثر ارتباطا بعادات شاعت وذاع صيتها بين العرب، وهي
استخدام النار علامة من بعيد تهدي المسافرين وعابري السبيل والتائهين الذين فقدوا
طرقهم والمحتاجين إلى الطعام والماء والإيواء وهذه علامة على كرم وعطاء وشهامة
العربي.
لقد خلقت الصحراء الواسعة حب الحياة والحركة عند ساكنيها، ومع هذه الحرية والحركة
في الصحراء طور البدوي مجموعة من القيم تتناسب والحركة، أهمها الوفاء بالعهد،
ويتمثل هذا الوفاء في مجموعة من القيم مثل : الكرم والمروءة والشجاعة والإجارة
والنجدة. والبدوي يتوقع أن يعامله الآخرون بمثل ما يعاملهم به. لقد أصبحت فضائل
الكرم والضيافة بين أهم القيم التي يتمسك بها البدو. إن كثرة العدد عند البدو تعوض
في كثير من الأحيان الإنسان الطبيعي في مواجهة مشاكل الطبيعة. وفي المجتمع البدوي
تصبح الجماعي هي قيم الانتماء إلى الجماعة. فالبدوي وإن كان بعيداً جغرافيا عن بقية
أفراد جماعته إلا أنه يشعر بأنه جزء لا يتجزأ من الكل أي القبيلة، فهو يتوقع الكثير
من جماعته كما يتوقعون هم منه الكثير.
لهذه القيم الجماعية عند البدوي إيجابياتها فهي تؤكد على التعاون والتعاضد
والالتزام الشامل إضافة إلى تحقيقها الطمأنينة النفسية، فالإنسان في الصحراء لا
يشعر بالوحدة حتى ولو كان بعيداً مكانياً عن بقية افراد القبيلة، فهو يشعر دائماً
بان هناك مجيراً له في هذه الصحراء يعتمد عليه عند الحاجة، وعموما تمثل القبائل في
الصحراء وحدات اجتماعية كبيرة وهي بدورها تنقسم إلى وحدات قرابية صغيرة، حيث تنقسم
هذه الأخيرة إلى وحدات أصغر حتى تصل إلى مستوى تقف عنده وهو الأسرة أو العائلة.
كان لابد من هذه المقدمة النظرية الموجزة ونحن مقبلون على خوض تفاصيل محور النظام
الاجتماعي للبادية في دولة الإمارات وخصائص هذا النظام والعادات والتقاليد المرتبطة
بالمجالس العربية الشعبية التي كانت تمثل ظاهرة اجتماعية جلية في مجتمعنا المحلي
ولا تزال تعبر عن الكرم والجود والضيافة العربية الرحبة.
تعتبر الأسرة أصغر تنظيم اجتماعي ضمن القبيلة البدوية. وتتضح هذه الوحدة في افضل
صورها أثناء الرحلة الشتوية للقبائل الرحل حيث تنفرد كل أسرة بمجموعة صغيرة من
الخيام هي خيمة الاب وخيم أبنائه وزوجاتهم، وتكون هذه المجموعة وحدة اقتصادية
واجبها رعي القطيع وسقايته وتوفير الحماية له. والاسرة البدوية تمثل النموذج الامثل
للأسرة الابوية التي تكون فيها السيادة المطلقة للأب وتحتل المرأة مكانة ثانوية،
ولا تناقش في العادة سلطة الأب المطلقة من قبل ابنائه كما لا تطمع المرأة لان ترقى
في أهميتها الاجتماعية أو السياسية إلى مستوى الرجل. ويهتم البدوي بالنسب ويباهي به
فهو الذي يحدد مدى ارتباطه بالقبيلة. ومن أبرز مفاهيم البدوي الاجتماعي المحافظة
على الاعراف والتقاليد والمثل البدوية التمسك بها، تلك المثل التي يأتي على رأسها
المروءة والكرم والشرف والشجاعة وحماية الجوار والدفاع عن العرض واحترام الكبير
والأخذ بالثأر. وتعتبر هذه المثل قوانين البدوي غير المكتوبة. كما يتصف البدوي
بالصراحة والباسطة وحب الحرية، لذلك فهو زاهد في الاستقرار والخضوع لحكومة مركزية.
ولا يعرف البدو الفروق بين الطبقات فهو ينظر إلى رئيسه وكأنه على قدم المساواة معه
اجتماعيا وماديا، كما يتصرف في حضوره في ألفة طبيعية.
يميل البدوي إلى الزواج المبكر، وفيما عدا الشيوخ فمن النادر ان يحتفظ البدوي بأكثر
من زوجة واحدة، وهو يحب كثرة الاولاد، ومن عادة البدوي ان يتزوج في سن العشرين لا
سيما إذا كان الأب مقتدرا ماليا وفي استطاعته ان يوزع بعض رؤوس قطيعه من الإبل
عليهم، وإلا فقد يتأخر زواجهم حتى الثلاثين. ويكون الزواج عادة من الاقارب ولا سيما
بين ابناء العمومة. وقد تبقى الفتاة عانسا طوال حياتها ان لم يوافق احد اقاربها على
زواجها، غير أن هذا التقليد كان ضعيفا في الغالب.
وتتجمع العشائر في مضارب متقابلة تتصاهر مع بعضها كما انها دائمة الترحال. وتقوم
المرأة باعمال المنزل وتساعد زوجها في رعي الاغنام والإبل. وكذلك يساعد الأبناء
والبنات على قدر طاقتهم. كما أن الاسرة البدوية أكثر قابلية لاستقبال الضيوف حيث ان
المرأة في الاسرة البدوية تستقبل ضيف زوجها، وتعد له الطعام وتكرمه في غياب زوجها
حتى عودته، بعكس نساء القرى والمدن الساحلية، حيث ان المرأة اقل اندماجاً وأكثر
ابتعاداً عن المقابلات مع الغرباء وضيوف زوجها. وكما سبق القول فإن الرعي وغزل
الصوف وصناعة منتجات الألبان وإنتاج الفحم النباتي وتقطيع الحطب وتسويقه تعتبر من
اهم الأعمال التي تقوم بها الأسرة البدوية. ويعتبر النشاط الرعوي محور حياتها ويلعب
دورا اساسيا في اقتصاديات الاسرة البدوية فتربي الإبل والأغنام والماعز ومن خلال
توالدها يتم بيع العديد منها. وللبيئة الصحراوية عرف وعادات وتقاليد تمس جوانب
اجتماعية للبدو وهم أكثر إحساسا بها وقد لا تعيرها المناطق الأخرى أي اهتمام.
ويلي الأسرة في التنظيم الاجتماعي البدوي مجموعة من الأسر وثيقة الاتصال ترتبط
بروابط النسب ويمثلها (الفخذ) أو (البطن). ويفيدنا معالي الشيخ الخزرجي أن (الفريق)
يقال لكل حي من أحياء البادية لبعدهم عن الآبار ويرحلون من موضع إلى موضع جميعا
ويحملون المعوزين على ظهور إبلهم عند النقلة، وفي قضاء حوائجهم وللكسب على عائلاتهم
ويخصصون لهم من ذوات اللبن ناقة أو ناقتين وتسمى الواحدة (منيحة) وجمعها (منائح)
وإذا ارتحلوا من موضع قالوا شدّوا) ويقال (ظعنوا) والظعن في الفصيح أي الارتحال،
وقطار الإبل يسمى (الجافلة) وهو في الفصيح : القافلة).
أما العشيرة فتتكون من مجموعات من الافخاذ أو البطون وترتبط فيما بينها بروابط نسب
بعيدة أو أحياناً بمجرد المصالح المشتركة أو الخضوع إلى زعامة موحدة أو المشاركة في
القتال. وتتكون القبيلة من مجموعة العشائر.
والقبيلة تنظيم سياسي أكثر منها تنظيما اجتماعيا وهي ترتكز على ركنين اساسيين هما
الرئاسة أو المشيخة والعصبية القبلية. فأما المشيخة فتتمثل بالشيخ وهو الأب الروحي
للقبيلة البدوية. ولكل عشيرة أو فخذ أو بطن رئيس يعترف به الجميع ويسمى (شيخ) أيضاً
وكذلك مقدم، وهو يعتبر نائبا لشيخ القبيلة الاعلى. والحقيقة ان قلة من الشيوخ
يستطيعون ان يضمنوا لانفسهم مركز شيخ القبيلة، أو شيخ مشايخ العشائر وعادة ما تثبت
لهم هذه المكانة في أوقات الحروب التي يثبتون فيها تفوقهم على شيوخ العشائر الاخرى.
وحينذاك يسمى (التميمة) أي شيخ مشايخ كل العشائر والبطون والأفخاذ.
ويفيدنا الشيخ الخزرجي ان لكل أهل قرية أو حارة أو عشيرة زعيما يقلدونه امرهم إما
لكونه من سلالة زعمائهم أو لعلمه أو لكبر سنه وخبرته أو لكرمه وحسن خلقه. ينفذون
امره ويقبلون قوله ويسعى إلى حل مشاكلهم وإصلاح ذات بينهم، وينوب عنهم بالمطالبة
بحقوقهم وقضاء حاجاتهم عند حاكم الإمارة التي ينتمون إليها أو شيخ القبيلة التي هم
من عشائرها وبطونها. وإذا حدث امر أضر بكرامتهم جميعا أو بعضهم ولو فرداً واحداً
طالبوا بحقوقهم، فإن لم يجدوا تجاوبا انتقلوا تاركين وراءهم غير المنقول من
العقارات حرصا على كرامتهم، وعند ذلك يقوم اهل البلد الذين هم جزء من سكانها أو
القبيلة التي تهم من بطونها فور علمهم، ويسارعون إلى حاكم الإمارة أو رئيس القبيلة
يطالبونه بإرضائهم والتسامح معهم، فيرحب بوساطتهم ويعدهم خيرا وربما أرسل أحد
أقاربه لمفاوضتهم والوصول إلى حل مرض. فإن أبى أو تغافل عن أمرهم أدى ذلك إلى تعصب
جيرانهم أو بعض بطون القبيلة معهم فيضطر إلى الأخذ بالوسائل المرضية.
وإن تم انتقالهم إلى بلدة أخرى ركب أهل بلدهم على ظهور السفن أو الإبل أو الخيل
قاصدين تلك البلدة فينزلون ضيوفاً على حاكمها فيكلمونه في الموضوع الذي جاؤوا من
أجله، فيقول باللهجة الشعبية (أرضوهم ونحن ما نحب بينكم خلاف) فعند ذلك ينتقلون إلى
منازلهم المقيمين فيها فيدور فيما بينهم حوار يؤدي في غالب الأحوال إلى رجوعهم إلى
وطنهم وبعد الاتفاق يذهبون إلى الحاكم الذي آواهم ليطلبوا منه الإذن في الرجوع فيرد
عليهم (يسرنا اتفاقكم ونرحب بجمع كلمتكم والبلد بلدكم ولا شيء يفرق بيننا)، وتسمى
هذه (المشية). والمشية تسقط كثيرا من الحقوق ويقع بسببها التسامح والوئام ونتيجتها
التقدير والاحترام.
وقد جرت العادة في اختيار شيخ القبيلة أو حاكم الإمارة من اسرة سبق وان حكموا
الإمارة أو تزعموا قيادة القبيلة ويبايعه الزعماء والاعيان ويدير أموره مستقلا
ويعين القضاء وموظفي إمارته. وإذا حزبه أمر شاور أهل الرأي والحنكة في مخرج منه أو
الاهتداء إلى الغاية المقصودة. وإذا ضعف الشيخ عن الأمر المناط به أو توفي، خلفه
أكبر أبنائه فإن لم يعقب أو كانوا صغارا فأحد أخوته أو بني عمه. وهكذا، وهذا القول
يسري على البادية والحضر.
وفي تعليق للدكتور حسن قايد يقول (إن النظام السياسي في البادية لا يقوم على اساس
قواعد منظمة كما يحدث في الدولة الحديثة. حيث لا يجوز لاي نظام ان يحصل على ثقة إلا
إذا توفر له الدستور والبرلمان والمؤسسات الديمقراطية الاخرى. أما النظام القبلي في
البادية فيحكمه وينظمه العرف والعادات والتقاليد التي تضرب في الجذور العميقة
لتاريخ هذه القبائل. ان النظام القبلي الذي يتحكم بنواميس البادية أشد صرامة وأكثر
احتراماً وتقديساً من قبل افراد القبيلة من ذلك الاحترام الذي نراه للنظم الوضعية.
والسبب ان التزام البدوي بعادات القبيلة ينبع من اقتناع يصل إلى حد التعصب لكل ما
اتفق عليه الضمير الجمعي في القبيلة، ولكل ما انحدر من تراث موغل في القدم وينحدر
من عهود الأجداد الأوائل الذين اسسوا هذه العادات وبدؤوا يمارسون هذا السلوك إلى
غير ذلك من الأسباب والعوامل).
ثم يصف الدكتور حسن شيخ القبيلة بانه عادة ما يكون مثالا للذكاء والدهاء وصواب
الرأي، وفي نطاق القبيلة يكون الشيخ اكثر إلماما بأحوال القبيلة ومتطلباتها
ومشاكلها وأهم من هذه كله تاريخها وتاريخ علاقاتها الودية أو غير الودية مع القبائل
المجاورة.
ويأتي تكوين الشيخ الثقافي بالتدريج نظرا لأنه ينشأ في منزل أبيه الشيخ الأكبر حيث
يتجمع حوله كبار رجال القبيلة وتدور بينهم وبين الشيخ أحاديث في شؤون الدنيا والدين
وفي شؤون ادارة القبيلة. والشيخ الصغير ينصت جيدا إلى ان تتكون لديه الحصيلة
السياسية التي لا تتوافر لدى سواه من شباب القبيلة. ويبدأ والده يؤهله لإدارة دفة
الحكم ولا يأتي دوره في استلام زمام الحكم إلا ويكون قد امتلك مؤهلات القيادة
وإدارة القبيلة بحنكة ومقدرة وحسن تقدير.
والنظام الاجتماعي في البادية نظام حضاري أجمع كثير من المفكرين الذين قاموا
بأبحاثهم حولها على انه احد النظم الراقية المعمول بها في المجتمع البشري المنظور.
ويقول الدكتور شاكر خصباك إن الشيخ يحكم في قبيلته أو عشيرته مستندا إلى مكانته
فيها وعلى منعته التي توفرها له عصبته وأقرباؤه الاقربون. وهذا المنصب في العادة
وراثي حسب النظام التسلسلي حيث يرثه الابن الاكبر أو الذي يليه عن أبيه بعد وفاته
حتى لو كان صبيا صغيرا. إلا أنه ينحصر عملياً في أكثر الأسر البدوية ثراء ليستطيع
الشيخ مواجهة النفقات التي يتطلبها مركزه، وفي أحيان نادرة تلغى قاعدة الوراثة
لمصلحة شخص تتوافر فيه مؤهلات القيادة بدرجة أعظم. أما بالنسبة للاتحادات القبلية
الضخمة فإن العادة المتبعة ان يختار (شيخ المشايخ) من أسرة معينة بواسطة المجلس
القبلي الذي ينتخب أكثر الاشخاص لباقة دون الخضوع إلى قاعدة النسب التسلسلي المشار
إليها أعلاه. ويحكم الشيخ في عشيرته حسب أحكام القرآن والتقاليد والأعراف البدوية،
ويعاونه في الحكم مجلس استشاري من الرجال الكبار ذوي المشورة أو من رجال الدين، أو
من رؤساء الأفخاذ الثانويين وهو مسؤول عن تطبيق العدل بين أبناء قبيلته.
ويفيدنا الشيخ الخزرجي عن الخصومات التي تنشأ بين أفراد القبائل الذين لا تضبطهم
إدارة مركزية، وهم الرحل الذين يسكنون خيام الشعر وظلال الاشجار يبحثون عن الكلأ
حيثما أمطرت السماء، حصونهم ظهور إبلهم وأسوارهم ملافظ بنادقهم، اكتسبوا أدبهم من
البيئة الصحراوية فقست قلوبهم وقوي عودهم وارتفعت إرادتهم، فلا خضوع ولا خنوع، بل
حسن خلق في لباقة، ومحبة في إخلاص، كلامهم صريح، يحمون الجار ويدافعون عن الذمار،
أخلاقهم سليمة وأعمالهم جميلة يطمئن الانسان إلى صحبتهم ولا يخشى خيانتهم، لهم نظام
قبلي يتقيدون به ولا يخرج عنه إلا من شذ، ولهم عرف يقال له (السالفة) يرجعون إليه
عند اختلافهم يحكم به رجل ضليع في الأعراف والعادات، يترافعون إليه في الحقوق
والدعاوى وفي الحوادث ونظام الحروب وعندما يرى أي إنسان تقصيرا من الآخرين في
ضيافته أو إهانته بوسيلة من الوسائل.
ويعطي الخزرجي أمثلة على ذلك بقوله : (إذا اعتدى طرف على إبل طرف آخر لمطالبته بحق
مالي أو بعض الاعتبارات الإنسانية ويسمى هذا (الوخيذ) يقوم الطرف الثاني بالطلب،
ويجتمعون بأهل الرأي والحل والعقد من قومهم فإن لم تحصل التسوية سلميا ذهبوا إلى
السالفة. فإن اثبت المطالبة وعدم إعطائه حقه أو محاكمته أخذ الإبل فلا مطالبة لهم
في إبلهم ويجري الحكم في الحقوق فقط. وإن أنكر المدعي عليه دعوى المدعي طلب الحكم
البينة، وهي عند علوم البينة اليمين، ولكن يحلف خمسة من المدعى عليهم أو يردون
الدعوى ويحلف خمسة من أهل الدعوى.
وعند تلف الإبل يرد ثمنها بتقويم خمسة أشخاص ويسمى هنا التقدير (الذيال). وغير
الإبل يكفي في تقدير ثمنها رجل عدل مقبول لدى الأطراف المختلفة. أما دعوى الدماء
فلا يثبت إلاّ بخمسة عشر رجلا يحلفون أن دم فلان بن فلان عند المذكورين وللمدعى
عليهم الحلف بنفس العدد عند عجز أهل الدعوى وإن كانت الدعوى بين الفرقاء.
فيما يتعلق بالاعتبارات الإنسانية كحق الجار والضيف و(الربيع) أي الصديق فإن
(المشية) تحل المشكلة وهي ان يأتي القوم معترفين بالخطأ إلى منازل أهل الدعوى
واضعين أسلحتهم أمامهم تقديرا واحتراما. وصفة ذلك أنه بعد أن يستقر بهم المجلس
يضعون البنادق بين أيدي القوم الذين قصدوا منازلهم قائلين لهم (نحن حالنا واحد ولا
يخرب بيننا اليهال). ويقوم أهل المنزل برفع البنادق لأصحابها. والمشية لها غاية
نبيلة لأنها تصلح ذات البين، وتجمع الكلمة، وتبعد الخلاف ثم ترد لجارهم أو ضيفهم أو
ربيعهم حقوقه المأخوذة بعينها ان كانت موجودة أو أثمانها تقدر بحسب ما أسلفنا ذكره.
وأما دم الجار والضيف والربيع (أي الصديق) والزبين (أي اللاجئ) فلذويهم عندما يكون
الاعتداء عليهم في غير دفاع مشترك مع المذكورين، فالمطالبة بالدم لعشائرهم فإما
مادية أو خلاف مشتعل أو ذخر أي إرجاء الدعوى والمطالبة بالدم حتى يقع من أولياء
الدم قتل سواء كان متعمدا أو وقع صدفة لحافز آخر فيسقط دم القتيل.
وإذا وقع اعتداء في حدود قبيلة أو حدود إمارة فلهم المطالبة برد جميع ما أخذ من
المعتدى عليهم فقط لأنهم في حمايتهم. وهذا حق مطلق لكل من أصيب في الحدود ويقال له
الحرم وهو الحريم لأن لكل إمارة أو سكن قبيلة حريما له أحكام وحقوق مذكورة في محلها
من كتب الفقه.
وفي هذا السياق لنا وقفة ايضا مع ما يشير إليه المقدم عبدالله حمد راشد في كتابه
(التطور العائلي في مجتمع الإمارات) إذ يقول : عندما تحدث مشكلة يرى من خلالها
الفرد بأن حاكمه قد هضم حقه ولا يستطيع ضمان حق من حقوقه، يلجأ إلى ما يعرف بعملية
(المراضجة) وتعني التجاء هذا الفرد لأحد شيوخ (حكام) الإمارات القريبة طالبا
اعتباره من ضمن رعيته ورفيقاً لهم. فإذا ما وافق وحصل على مبتغاه عاد ثانية إلى
إمارته وأحضر عائلته للهجرة منها. وتعني (المراضجة) الرفقة والبقاء تحت تصرف الحاكم
وكثيرا ما يقوم حاكم الإمارة الموافق على (مراضجة) الفرد بِأن يوفر لعائلته أو
للأسر القادمة سكناً ويؤمن بعض احتياجاتهم الضرورية. وغالبا ما يتدخل كبار أهل
المجتمع في هذه المشكلة لحلها. وبشكل عام فإن شيخ القبيلة لا يمكن أن يفرض ما لا
تقبله هذه القبائل والعشائر. ومن هنا نرى ان القيادة السياسية في القبيلة الحاكمة
ذات حنكة وحسن تصرف ورأي سديد تجاه حل المشاكل. وقد تعتمد على كبار السن ذوي
المراكز الاجتماعية والاقتصادية للتشاور معهم حول بعض المشاكل التي تواجه القيادة
السياسية في القبيلة الحاكمة وتحاول عدم التفريط في أبناء المجتمع وحل مشاكلهم
الاجتماعية. ومن ناحية أخرى تستقبل المهاجرين إليها (المراضجين) وتقدم لهم المساعدة
العينية اللازمة والهدف من ذلك زيادة عدد السكان من ناحية والقوة الدفاعية للبلد من
ناحية أخرى.
|
|